الوظيفة في الأنثروبولوجيا

الوظيفة في الأنثروبولوجيا

الوظيفة (في الإثنولوجيا) هي الروابط القائمة بين العناصر الثقافية، وخاصة المساهمة التي يقدمها جزء من الثقافة إلى تلك الثقافة ككل. ويغطي التعريف الأول – الواسع بعض الشيء – مفهوم مالينوفسكي عن الوظيفة. وربما كان كل من مالينوفسكي (في مفهومه عن«الكل العضوي»Organic Whole) وارد كليف براون (في مفهومه عن «البناء الاجتماعي») قد استخدم التعريف الأخير. وقد كان هذان العالمان هما رائدا الوظيفية (المذهب الوظيفي). وقد ظهر هذا المصطلح في وقت مبكر جدًا في سياق بعض الكتابات العلمية. فقد استخدمه لايبنتز Leibnitz في الرياضيات عام 1684م، ثم جاء دور كيم في عام 1895م فوضع أول تحديد علمي منظم لهذا المفهوم، ومؤدى تعريفه هذا أن وظيفة النظام الاجتماعي هي التوافق بينها وبين احتياجات «الكائن العضوي الاجتماعي». أما في الإثنولوجيا (أو بالأحرى في الأنثربوبولوجيا الاجتماعية) فقد كان مالينوفسكي هو الذي قدم أول تعريف هام للوظيفة، وذلك في عام 1926م .

وقد وصل مفهوم الوظيفة إلى درجة من الغموض دعت أحد الوظيفيين – وهو ميلكه Milke – إلى المطالبة بهجر المصطلح كلية. وقد لازم هذا الغموض المصطلح منذ البداية، إذ يشير هـ. موللر Möller إلى أن الأصل اللاتيني لكلمة وظيفة وهو “function” يعنى “actio” و”officium” على السواء. ويرى فيرث Firth أن هناك معنيين رئيسيين أو مجموعتين من المعاني لهذا المصطلح: الأول هو علاقة الاعتماد المتبادل، والآخر هو «الاتجاه نحو أهداف معينة». (ويتضمن تعريفنا الذي أوردناه في صدر هذا المقال كلا هذين المعنيين) إلا أن التحليل الدقيق يدلنا على أن هناك ثلاثة أنواع من الوظيفة. وهو ما لاحظه فيرث وكذلك موللر الذي أوضح الخلفية التاريخية للموضوع. والأنواع الثلاثة هي كما يلي:

1- الوظيفة تعني الاضطلاع بالوظيفة functioning أي العمل، أو النشاط (أو على حد تعبير موللر: «ممارسة الوظيفة»). ولهذا المفهوم عن الوظيفة أهميته في البحث الميداني. وهو يتضح في عبارة مالينوفسكي التالية عن الثقافة: «يمكن من وجهة النظر الدينامية – أي فيما يتعلق بنوع النشاط – تحليل الثقافة إلى عدد من الجوانب: كالتربية، والضبط الاجتماعي، والاقتصاد، وأنساق المعرفة، والمعتقدات والأخلاقيات، وكذلك أساليب التعبير الفني والخلاق».

2- تتضمن الوظيفة علاقة الاعتماد المتبادل مع العناصر الثقافية (أو الاجتماعية) الأخرى. وقد لاحظ كل من فيرث وموللر أن هذا النوع من الوظيفة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمفهوم الرياضي للوظيفة، وهو: «العلاقة الموجودة بين كمية متغيرة وكميات أخرى، والتي على أساسها يمكن التعبير عن هذه الكمية أو تتحدد قيمتها». ولذلك يذكرنا هذا بمفهوم التغير معًا (covariation). ويمثل تشابل Chapple وكون Coon هذا التعريف «الرياضي» للوظيفة إذ يقول إن «الاعتماد الوظيفي (وهما يفضلان هذا التعريف الواضح) هو تلك العلاقة بين المتغيرات التي تتغير فيها قيمة واحد منها بشكل متسق مع تغير قيم المتغيرات الأخرى، أي: ص=د (س)». ويقدم مالينوفسكي مفهومًا أكثر مرونة للتفاعل، الذي يفهم في بعض الأحيان على أنه مجرد «علاقة»، على حين يعني في أحيان أخرى «الاعتماد»([1]). ويندرج تحت النوع الأول تعريفه الأول للوظيفة (الذي قدمه عام 1926م): أن الأنثروبولوجيا الوظيفية تفسر الظواهر الثقافية من خلال وظيفتها؛ «من خلال كيفية ارتباطها بعضها ببعض داخل النسق الثقافي الواحد وكيفية ارتباط هذا النسق بالبيئة الطبيعية». ولكنه يبدو أن فكرة وجود نوع معين من الاعتماد هي التي تسيطر على تفكيره، إذ يصرح في أحد الكتب التي نشرت بعد وفاته أن «المناشط، والاتجاهات والموضوعات الثقافية تنتظم حول واجبات معينة هامة وحيوية في صورة نظم اجتماعية» ويذكرنا هذا بالتمييز الذي أشار إليه جولد شميت Goldschmidt بين العلاقات الوظيفية الاحتيارية permissive والإلزامية « ولا يعني النوع الأول أكثر من أن عنصرين ثقافيين يمكن أن يوجدا داخل الثقافة جنبًا إلى جنب، على حين يعني النوع الثاني أن أحد العناصر الثقافية يتطلب الآخر كشرط ضروري له أو كأحد نتائجه الحتمية». ويعد الجانب الآخر – من وجهة النظر العلمية – أكثر أهمية بطبيعة الحال. ويجب أن نلاحظ هنا أنه على الرغم من أن مالينوفسكي يرى «أن العلاقات القائمة بين مختلف جوانب الثقافة تعادل في أهميتها تلك الجوانب نفسها»، إلا أنه يحذر من الوقوع في نوع من «الإفراط في تأكيد العلاقات relationism التي لا ترى في الاتجاهات الثقافية المختلفة …إلخ إلا الترابط القائم بينها.

ويوجه فيرث النظر إلى “السهولة التي تنزلق بها التفسيرات الصورية formal للوظيفة من التفسير الرياضي أو العلاقي relational إلى التفسير الغائي، لأنها كثيرًا ما ترتكز على فروض ضمنية بخصوص الغايات الاجتماعة». وربما صح افتراض اشتقاق المفهوم الأخير للوظيفة من المفهوم الأول. فيقول عالم الاجتماع كالين Kallen «لقد لازم الباحثون دائمًا بين الوظيفة والهدف؛ الوظيفة المتغيرة والهدف اللامتغير. إلا أن الجوهر الحقيقي للمذهب الوظيفي يكمن في مفهوم الوظيفة دون الهدف».

3- تعنى الوظيفة علاقة اعتماد متبادل ذات أهداف معينة، كالحفاظ على نسق ثقافي معين مثلاً وهناك صلة بين هذا المفهوم ومفهوم الوظيفة في الطب وعلم الحياة، حيث تفهم الوظيفة دائمًا كوسيلة لغاية معينة؛ كمساهمة في «الكل العضوي» ؛ ولذلك يضع موللر التعريف التالي «تعنى الوظيفة تبعية شيء معين تبعية غائيّة لكلٍ مسيطر». ويلاحظ فيرث أنه يمكن تفسير الوظيفة بأنها «المساهمة التي يمكن أن يقدمها نشاط جزئي للنشاط الكلي الذي هو جزء منه». ويميز فيرث معنى رابعًا للوظيفة هو: «الوظيفة كنتيجة للبناء». ولكنه يبدو من الصعب التمييز بين هذا التفسير وبين المفهوم الغائي، إذ يُفترض وجود البناء أو النسق في كليهما، وكل مساهمة في البناء هي نتيجة لها أيضًا. والأفضل هنا أن نقول إن الوظيفيين القدامى (مثل مالينوفسكي) يركزون على المساهمة، على حين يركز الوظيفيون المحدثون أو البنائيون Structuralists (مثل راد كليف براون) على البناء.  ومن المفيد في هذا الصدد أن نعقد مقارنة بين بعض التعريفات التي قدمها مالينوفسكي وراد كليف براون. فيقول مالينوفسكي في عبارة ترجع إلى عام 1927م (وردت عند فيرث) إن عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية يريد أن يعرف «كيف تؤثر الجوانب المختلفة للثقافة بعضها في بعض، وإلى أي مدى تساهم في أداء المخطط الثقافي لعملة المتكامل». ويبدو أن هذه العبارة ليست بعيدة كل البعد عن تعريف راد كليف براون للوظيفة «كرابطة بين البناء الاجتماعي وعملية الحياة الاجتماعية». ويوضح راد كليف براون مفهومه للوظيفة على النحو التالي: «إن وظيفة أي نشاط متواتر – مثل عقاب الجريمة، أو أحد المراسيم الجنائزية – هو الدور الذي يلعبه هذا النشاط في الحياة الاجتماعية ككل. ومن ثم مساهمته في الحفاظ على استمرار البناء… فمدلول الوظيفة في هذا التعريف هو المساهمة التي يمكن أن يقدمها نشاط جزئي للنشاط الكلي الذي هو جزء منه».  وقد ورد التعريف الأخير في مقال راد كليف براون الشهير بعنوان: «حول مفهوم الوظيفة في العلوم الاجتماعية»، الذي يرجع إلى عام 1935م». .

وهناك أقسام أخرى لمفهوم الوظيفة عدا ما تقدم ذكره. فيقدم بيتسون Bateson قائمة تتضمن الإشباع المباشر أو غير المباشر للحاجات البشرية، وتعديل وإحكام تلك الحاجات، وصياغة وتدريب الكائنات البشرية، وتكامل جماعات الكائنات البشرية، وأنواع مختلفة من الاعتماد المتبادل والعلاقات القائمة بين مختلف عناصر الثقافة …إلخ. ويميز هومانز Homans – في مناقشته لكتاب راد كليف براون الصادر عام 1952م – بين «الوظيفية شبه الرياضية» و«الوظيفية عند دور كايم أو راد كليف براون»، و«الوظيفية عند مالينوفسكي».

وعلاوة على هذا فقد نظر البعض إلى الوظيفة من زوايا أخرى، فقدم عالم الاجتماع روبرت ميرتون Merton مساهمة في النظرية الوظيفية بالتمييز بين «الوظائف الظاهرة»، «الوظائف الكامنة». أي الوظائف المعروفة وغير المعروفة لأفراد المجتمع . ويقابل ماندلباوم Mandelbaum بين الوظيفة «التاريخية» التفسيرية والوظيفة العلمية التنبؤية. ويشير إلى أن كلا منهما يمكن أن يزيد من فاعلية الأخرى».

مراجع:

Bateson 1936; Chapple & Coon 1942; Durkheim 1895; Emmet 1958; Goldshmidt 1953; Kallen 1947; Lasser 1935; malinowski a, 1944, 1947; Mandelbaum 1953; Marton 1957; Milke 1938; Möller 1954; Nadel 1951; Radcliffe-Brown 1949k 1952

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.