الثأر في المجتمع العربي.. قراءة في أعمال أحمد أبوزيد

الثأر في المجتمع العربي.. قراءة في أعمال أحمد أبوزيد

سعيد المصري

ما طبيعة الثأر في المجتمعات العربية؟ وما علاقة الثأر بالبنية الاجتماعية وتحولاتها في العالم العربي؟ وما الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لاستمرار ممارسات الثأر وإعادة إنتاجه في عالمنا المعاصر؟ ولماذا تستمر ممارسات العنف والثأر في حياتنا وفي عقليتنا منذ أعماق التاريخ العربي وحتى الآن؟ ولماذا فشلت الدولة الحديثة التي تأسست في العالم العربي بإعلائها لسيادة القانون في أن تقضي على حوادث الثأر؟ ولماذا فشلت موجات التحديث التي اجتاحت المنطقة العربية في أن تدفع الناس إلى التعايش المتحضر أسوة بدول العالم المتقدم دون العودة إلى غياهب القبلية وأعراف البادية في ممارسات الثأر؟ هذه هي الأسئلة التي شغلت أحمد أبوزيد حين أجرى أول دراسة عربية عن الثأر نشرت عام 1965: (الثأر، دراسة أنثروبولوجية بإحدى قرى الصعيد، منشورات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة: دار المعارف بمصر).

رغم مرور ما يقرب من نصف قرن على صدور هذه الدراسة فإن حوادث القتل بدوافع ثأرية لاتزال قائمة حتى الآن في صعيد مصر وفي مناطق أخرى في العالم العربي. لقد رسم لنا أحمد أبوزيد لوحة فنية رائعة تفيض بالمعرفة الدقيقة لعالم الثأر ومن يؤمنون به ويمارسونه في حياتهم. وقدم لنا أبوزيد خبرة ميدانية حية من قرية بني سميع بمركز أبوتيج بمحافظة أسيوط المصرية عن مجتمع فقير قبلي ومغلق يعاني قسوة الحياة وظلم البيئة وقسوة فيضان النيل كل عام فانعكس ذلك على قسوة العلاقات فيما بين جماعاته. وأظهر أبوزيد مدى تشبث الفقراء بالحياة في ظل الندرة وكيف يحققون أمنهم بالقتل. لا شك في أن الحياة في صعيد مصر تغيرت كثيراً منذ صدور هذه الدراسة, ومع ذلك فإن ما تحمله تلك الدراسة من قيمة علمية لاتزال حية وتثير قضايا معرفية ومنهجية وأخلاقية وعملية لاتزال ملهمة للباحثين على امتداد الوطن العربي، وملهمة أيضاً لكل من يهمهم التنوير واكتمال الحداثة في المجتمعات العربية. لنرى فيما يلي كيف رسم لنا أحمد أبوزيد عبر هذه الدراسة الرائدة معالم الثأر وكيف يرسي مبادئ علمية في مرحلة مبكرة من تاريخ البحث الأنثروبولوجي في مصر والعالم العربي:

أولاً: الثأر نظام اجتماعي وليس جريمة

انطلق أحمد أبوزيد في دراسته من مبدأ وظيفي يرى أن الثأر نظام اجتماعي يرتبط بالبناء الاجتماعي السائد والظروف البيئية والاقتصادية التي يمارس في ظلها. صحيح أن حوادث القتل بدافع الثأر في جانب منها جرائم، ولكن ممارسات الثأر تقوم على نظام اجتماعي ينبغي فهمه بعمق، حيث يقوم نظام الثأر على مجموعة من القواعد المنظمة للعلاقات الاجتماعية والممارسات والقيم المرتبطة بالثأر والتي يتداولها الناس فيما بينهم اجتماعياً وتنتقل بينهم عبر الأجيال. ويحظى الثأر بقبول مجتمعي بموجب كونه يلبي حاجات اجتماعية واقتصادية وثقافية سائدة. فالثأر ليس مجرد جريمة قتل ترتكب عشوائياً لإشباع رغبة في الانتقام أو القصاص لجرم سابق، بل هو نظام اجتماعي متماسك له ملامحه الأساسية ومبادئه الخاصة التي تحكمه.

ومن أهم ملامح هذا النظام أن كل من يُقتل لابد أن يُؤخذ بثأره عن طريق قتل شخص واحد فقط من الطرف المقابل، وأن الاعتداء على حياة شخص يعتبر اعتداء على الجماعة القرابية التي ينتمي إليها، كما أن جماعة المعتدي تكون مسئولة ككل عن اعتدائه. ولا يؤخذ بالثأر إلا من الذكر البالغ الرجل القادر على حمل السلاح وعلى الدفاع عن نفسه. ويقوم الثأر بين الوحدات القرابية المتمايزة، فليس ثمة ثأر في الجماعة القرابية الأبوية (البدنة) إلا في حالات نادرة أو حين تتفرع الجماعة القرابية الأبوية الكبيرة إلى وحدات أو بدنات صغيرة مستقلة اقتصادياً وسياسياً إحداها عن الأخرى. كما أن المساواة في الخسارة عامل أساسي في حسم الصراعات الثأرية, فقتل واحد من عائلة يستوجب قتل شخص في المقابل من العائلة الأخرى. والوصول إلى نقطة التعادل في عدد القتلى هو أساس انتهاء العداوات الثأرية. غير أن قتل رب العائلة قد يستوجب، في نظر العائلة المعتدى عليها، الثأر بقتل أكثر من رجل. ولهذا فإن فرص تحقيق المساواة في الخسائر تظل ضئيلة مما يترتب عليه استمرار حوادث الثأر لعدة أجيال.

وبذلك تجاوز أبوزيد النظرة المبسطة التي شاعت منذ خمسينيات القرن الماضي بين الباحثين وصانعي السياسات والتي تقول إن الثأر جريمة. فمن عيوب النظرة القانونية الضيقة أنها تكتفي بتجريم حوادث القتل بدافع الثأر، وتغض الطرف عن أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وبذلك تظل الدولة غير قادرة على التخلص من الثأر مهما بلغت شدة إجراءاتها القانونية والشرطية والقضائية ومهما غلظت من العقوبة. وحتى لو استطاعت الأجهزة الأمنية والقضائية الكشف عن مرتكبي حوادث القتل ومعاقبتهم بالسجن، فإن أهل المجني عليهم يتعقبون بإصرار لا يلين أقارب القاتل حتى يتم النيل من أحدهم أخذاً بثأرهم.

ثانياً: التكتل القرابي يؤجج عداوات الثأر

حالات الثأر لا تتم بين أفراد من حيث هم أفراد ولا حتى بين الأسر الصغيرة التي يتألف كل منها من الوالدين والأبناء الصغار، وإنما يحدث الثأر بين الوحدات القرابية الكبيرة في التنظيم القبلي والتي تعرف بالبدنات وتضم مئات من الأفراد. وتتشعب البدنة إلى عدد من العائلات والأسر الصغيرة والتي تقيم في مكان واحد مما يسهل معه الدفاع ومراقبة الخصوم والاطمئنان على الحياة بعيداً عن التعرض للقتل أو العدوان. ويستفيض أحمد أبوزيد في شرح هذا الجانب بقوله إن التشتت والتبعثر يؤديان إلى إضعاف شوكة الجماعة القرابية وبخاصة إذا دخلوا في نزاع مسلح مع غيرهم من الجماعات القرابية، لذا كانت الطريقة المثلى لجمع الشمل التكتل معاً في منطقة واحدة واكتساب القوة السياسية والمصالح الاقتصادية المشتركة. ومن الواضح أن التكتلات القرابية تجعل المجتمع يتسم بالانقسام والتعارض بين الوحدات القرابية بما يساهم في تفاقم العداوات، ويحول ذلك دون أي تماسك اجتماعي بين تلك الجماعات القرابية المتعارضة.

وهذا التكتل القرابي يقوِّي الضبط الداخلي في كل جماعة قرابية عن طريق إخضاع جميع الأعضاء لسلطان العائلة ككل، مما يكفل عدم خروج أي فرد على تقاليد الأخذ بالثأر السائدة في البدنة التي ينتمي إليها. وإذا أخل الفرد بالتزاماته نحو الجماعة القرابية التي ينتمي إليها فسوف يتعرض للعقاب الذي يصل إلى حد الإبعاد من العائلة كلية. ونتيجة لذلك يعتنق كل فرد ويتمثل قيم الجماعة القرابية التي ينتمي إليها فتذوب في شخصيته، من ناحية، كما يستمد منها مقوماته الاجتماعية، من ناحية أخرى. وأي اعتداء على أي فرد في تلك الجماعة يعتبر اعتداء على كل الجماعة وإهانة لها، وبالتالي يعتبر اعتداء عليه هو نفسه بحيث يشعر بأن عليه أن يرد ذلك الاعتداء كما لو كان واقع عليه هو شخصياً.

وهنا يشير أبوزيد إلى أن مبدأ إنكار قيمة الفرد في سبيل إعلاء قيمة الجماعة القرابية يمثل ميكانيزم الثأر. فولاء الفرد لجماعته القرابية يفوق ولاءه للمجتمع الكبير، وهذه من خصائص المجتمعات المغلقة التي تمارس الثأر. وبقدر ما يساهم التكتل القرابي في بعث الطمأنينة والأمن بين الأقرباء، فإنه يساهم في استمرار حالات النزاع لمدة طويلة قد تستغرق أجيالاً متتالية. حيث تتعدد التكتلات القرابية، وتنقسم القرية إلى مناطق نفوذ قرابية متعددة بحيث يصعب على الغرباء العيش وسط الأقرباء بسهولة.

وتلعب القرابة دوراً بالغاً في تعميق تضامن الجماعة القرابية الأكبر مع الأسرة المباشرة للقتيل بما يعني اتساع المسئولية الاجتماعية في الأخذ بالثأر وتدرجها بما يؤدي إلى تفاقم الصراع الثأري واتساع نطاقه واستمراره أجيالاً طويلة.

ثالثاً: الثأر من قيم الرجولة

ينشأ الثأر في المجتمعات ذات الثقافة الأبوية، وفي هذا الصدد يشير أبوزيد إلى أن قيمة الذكر الاجتماعية تعتبر أعلى من قيمة الأنثى؛ لأن وجود الذكر في العائلة أو القبيلة أو العشيرة يضمن استمرارها في الوجود بفعل الانتساب إلى الذكور. ومن الواضح أن تقارب السكان في المستوى الاجتماعي يجعل لديهم شعوراً قوياً بأن الرجولة هي محل اعتزاز وتقدير، وبالتالي عدم تقبُّل السيطرة والخضوع لأي عائلة أو قبيلة. بحيث يعد الاعتداء على أي شخص من قبيلة ما اعتداء على رجولة القبيلة يستوجب الاعتداء بالمثل لاستعادة شرف الرجولة.

ويترتب على ذلك أن يكون الثأر من رجل لرجل، ولا يجوز أن يثأر أي شخص من عائلة ما بحرق ما لديها من مزروعات أو إتلاف ماكينات الري أو تسميم المواشي بقصد الانتقام. فمن يفعل ذلك فإنما يلحقُ به كثير من الخزي والعار كرجل؛ لأنه أخفق أو جَبُن عن الثأر من الأشخاص بأن ثأر من الجماد والحيوان. وتقتضي الرجولة أيضاً تجنيب الأولاد والنساء أي ضرر خلال المواجهات بين أهل القاتل وأهل القتيل. ولا تلعب المرأة دوراً أساسياً في نظام الثأر من حيث الاشتراك الفعلي في هذا النظام وإن كانت تغذيه بالحث عليه وتنشئة الأبناء الذكور على أن الرجولة تعني القدرة على الأخذ بالثأر.

رابعاً: الثأر يرتبط بالفقر والصراع على الخير المحدود

يشير أبوزيد إلى أن صغر حجم الحيازات الزراعية على العموم وارتباطه بانخفاض المستوى الاقتصادي العام معناه عدم وجود تفاوت اجتماعي شديد بين السكان في القرية، بحيث لا يتيح ذلك الفرصة لقيام علاقات السيطرة من ناحية والخضوع من ناحية أخرى بين تلك الجماعات والعائلات. ولهذا يسود الشعور العام لدى كل جماعة قرابية بأنهم متساوون في مكانتهم بمقدار ما لديهم من رجال. وبالتالي فإن وقوع أي حالات قتل لدى أي جماعة لابد أن ينتقص من قيمتها ويخل بالتوازن القائم بينها وبين الجماعات القرابية الأخرى ويهدد مكانتها بشدة؛ مما يستوجب الثأر لكي تسترد الجماعة مكانتها ورجولتها. ولما كان التكتل السكني للجماعات القرابية لا يقابله تكتل في الملكيات الزراعية في مكان واحد، فإن تبعثر الملكيات الزراعية الصغيرة في أكثر من مكان يجعل المنطقة الزراعية الواحدة مقسمة إلى حقول صغيرة يملكها أفراد ينتمون لعائلات مختلفة قرابياً. وعقب انتهاء موسم فيضان النيل كل عام يترتب على ذلك طمس الحدود بين الملكيات الزراعية الصغيرة، مما يؤدي إلى نشوب نزاعات مستمرة وحالات قتل ثأرية بين عائلات مختلفة. كما أن الصراع على مساحات الجسور المحدودة عند جني المحاصيل يتسبب في احتكاكات سرعان ما تؤدي إلى معارك مسلحة يسقط فيها قتلى. ولهذا تعد المواسم الزراعية مواسم قتل وثأر نتيجة لتدني الوضع الاقتصادي والصراع على الندرة. كما أن فترة الفيضان تساهم في توقف المزارعين عن العمل وطول وقت فراغهم مما يترتب عليه نشوب حالات نزاع يمكن أن تتطور إلى حالات قتل.

ورغم تغير أحوال الريف المصري بعد إنشاء السد العالي وانحسار الفيضان واتباع نظام الري الدائم، فإن حالات الثأر لاتزال قائمة طالما ظل الفقر والعزلة والندرة قائماً في المجتمعات التي يتفشى فيها الثأر. وأمام هذه الندرة يعيش الناس في مجتمعات مغلقة مرتبطين ارتباطًا شديداً بالأرض. وهنا يشير أبوزيد إلى أن تلك الرقعة المحدودة من الأرض تتركز فيها كل أماني وآمال الإنسان وكل ثمرات مجهوده وعمله. فهي ليست أرضاً تُسكن أو تُزرع بل هي أرض محملة بالقيم والتقاليد والتراث الاجتماعي وكيان الفرد والجماعة. ومن هنا نجد أن التعدي على الأرض وحدودها هو تعد على الذات الاجتماعية للجماعة يؤدي في الأغلب إلى القتل والثأر.

خامساً: ضعف الدولة يعزز نظام الثأر

يحدث الثأر في المجتمعات المغلقة التي تقوم على الروابط القرابية والضبط الاجتماعي غير الرسمي. ففي تلك المجتمعات يسود العرف وعدم الاكتراث بآليات الضبط الاجتماعي الرسمي ممثلاً في القانون والشرطة. وفي مثل هذه المجتمعات يبدو حضور الدولة ضعيفاً وهشاً، ولا يكترث الناس بأجهزة الشرطة ويتجنبون التفاعل معها، بالإضافة إلى عدم قدرة الشرطة على تحقيق الأمن. ويشير أبوزيد أيضاً إلى أن انقسام القرية إلى جماعات قرابية متعادية يصاحبه افتقار مجتمع القرية إلى تنظيم سياسي عام يمثل القرية بكل سكانها ويتجاوز الانقسامات القرابية. وفي ظل هذا الوضع تمثل الانقسامات عقبة في تمكين الدولة من قيام مشروعات تنموية يستفيد منها الجميع.

سادساً: كيف يمكن القضاء على الثأر؟

يختتم أحمد أبوزيد دراسته بالإجابة عن السؤال التقليدي والمحير: كيف يمكن القضاء على الثأر في المجتمعات العربية؟ والإجابة بسيطة بالطبع ولكنها مستعصية كالسهل الممتنع، فلا سبيل أمامنا سوى التغيير الاجتماعي الشامل للبنية الاجتماعية التقليدية التي يعمل في ظلها نظام الثأر. وفي هذا الإطار يعد التعليم، بلاشك، عنصراً حاسماً في بناء البشر على أسس جديدة تقوم على الاحترام والعمل المشترك والمواطنة واحترام سيادة القانون، وتحرر الفرد من قيود الجماعة القرابية والعصبيات التي تغذي نظام الثأر، وفق تعبير أبوزيد. كما أن برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الشاملة كفيلة على المدى البعيد بأن تخلق مجتمعاً جديداً يخلو من الثأر. وكل ذلك يعني أن الدولة الحديثة التي نشأت في العالم العربي لاتزال غير قادرة على مكافحة الفقر والبداوة والقبلية وغير قادرة على اكتمال مشروع الحداثة وتواجه مصاعب جمة في المضي قدماً نحو عمليات التحديث نتيجة لنشاط المد الديني للحركة الإسلامية، والتي يصاحبها خلط واضح بين مفهوم الدولة المدنية والدولة الدينية. ولهذا تستمر الأعراف الثأرية وقد تستمد مشروعيتها من صور القضاء الشرعي التي أصبحت تتوغل في منظومة الضبط الاجتماعي بصفة عامة.

سابعاً: تأثير دراسة الثأر في بحوث الأنثروبولوجيا العربية

إن ما قدمه أبوزيد مازال يحتفظ أيضاً بقيمته الرائدة في ترسيخ مبادئ علمية ثلاثة شكلت معالم أساسية في تاريخ الأنثروبولجيا العربية، وذلك على النحو التالي:

1 – توطين البحث الأنثروبولوجي الوظيفي:

اعتمد أبوزيد في إجراء هذه الدراسة على مبادئ التحليل الوظيفي الذي يتبناه في كل بحوثه ودراساته منذ أن حصل على درجة الدكتوراه عام 1956 من جامعة أكسفورد. وتعد دراسة الثأر بحق نموذجاً يحتذى في تطبيق التحليل الوظيفي الأنثروبولوجي على مجتمع محلي صغير. حيث انطلق أبوزيد من عدة مبادئ أهمها دراسة المجتمع ككل باعتباره وحدة متماسكة تتألف من شبكة معقدة من الجماعات والعلاقات والنظم المتفاعلة المتساندة. والتزم بدراسة العلاقات القائمة بين الثأر وبقية النظم الاجتماعية السائدة، والتي تؤلف البناء الاجتماعي. واستند في ذلك إلى القواعد المنهجية التي أرساها رواد المدرسة الوظيفية في الأنثروبولوجيا البريطانية بصفة عامة، وإيفانز بريتشارد خاصة في البحوث التي أجراها على مجتمع النوير بجنوب السودان خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

اختار أحمد أبوزيد القرية التي اتخذها نموذجاً لدراسة الثأر بناء على عدة معايير محكمة تتسق مع منهجه العلمي، حيث استند إلى الإحصاءات الرسمية لجرائم القتل؛ والتي أظهرت ارتفاع نسبة حوادث القتل الناجمة عن الثأر في محافظة أسيوط على مستوى الجمهورية عام 1958. وأعقب ذلك قيام البعثة العلمية التي أشرف عليها أبوزيد للقيام بزيارات ميدانية لعدة مراكز وقرى، بحثاً عن أنسب القرى التي تصلح لدراسة أنثروبولوجية للثأر. كانت المعايير الملائمة للتحليل الوظيفي في ذلك الوقت هي أساس الاختيار النهائي لمجتمع الدراسة، وأهم تلك المعايير صغر حجم القرية، وتجانسها الثقافي مع بقية القرى الأخرى بقدر الإمكان، وأن تكون الظروف بالقرية هادئة بما يسمح لفريق العمل بالتنقل وإجراء المقابلات والملاحظات الميدانية من دون مخاطر. بالإضافة إلى توافر الحد الأدنى لأسباب المعيشة بالقرية بما يتيح الفرصة لفريق العمل للإقامة والإعاشة دون صعوبات في هذا الشأن. وأسفر جهد البعثة العلمية بعد مشقة كبيرة عن اختيار قرية بني سميع بمركز أبوتيج بمحافظة أسيوط لتكون المكان الملائم للدراسة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن أبوزيد حين أخذ على عاتقه إجراء تلك الدراسة في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي كانت هذه أول تجربة له في دراسة مجتمع ريفي بعد سنوات قضاها في مقتبل حياته العلمية لدراسة مجتمعات صحراوية في مصر وسورية.

وحين أجريت هذه الدراسة كان أحمد أبوزيد على وعي تام بأن الدراسات الأنثروبولوجية حديثة نسبياً في مصر والعالم العربي. وكان على وعي أيضاً بأن دراسة الثأر هي أول دراسة أنثروبولوجية متكاملة عن الثأر بصفة عامة، ولمجتمع محلي صغير تسير على نهج الدراسات الأنثروبولوجية الغربية بصفة خاصة. ولهذا كان أبوزيد حريصاً كل الحرص على الدقة المنهجية في عملية جمع البيانات وتحليلها وفقاً لأحدث القواعد العلمية السائدة عالمياً في ذلك الوقت. كما كان حريصاً أيضاً على الحذر من التعميمات التي يمكن إطلاقها على الثأر في المجتمع المصري بصفة عامة. حيث أشار إلى أن هذه الدراسة نموذج مصغر قابل للتكرار في مناطق أخرى؛ معتبراً أنها نقطة انطلاق لدراسات أخرى للتدقيق في الاختلافات والمقارنة من منطقة لأخرى، وصولاً إلى التعميم. فالطريق إلى التعميم – بحسب تعبيره – طويل وصعب ولكن طريق العلم الصحيح – على حد قوله – كان دائماً صعباً وكذلك كان أبداً حال الإصلاح السليم.

ومن ثم أصبحت دراسة الثأر منذ أن نشرت في منتصف ستينيات القرن الماضي بمنزلة النموذج العلمي الدقيق الذي سار على نهجه بعد ذلك كثير من الباحثين وبالأخص تلاميذ أحمد أبوزيد. وبهذه الدراسة تمكن أبوزيد من توطين البحث الأنثروبولوجي لأول مرة في مصر والعالم العربي. لقد كانت دراسة الثأر بشمولها ودقتها وبساطة عرضها بمنزلة دليل عملي لكل من يرغب في اكتساب مهارات البحث الأنثروبولوجي بكل سهولة. كما كانت الدراسة أيضاً تطبيقاً عملياً غير مسبوق في إجراء دراسة أنثروبولوجية لاتقل دقة وإحكاماً عما ينشر من دراسات مماثلة في الغرب. ولهذا لا نغالي بالقول إن أغلب البحوث الأنثروبولوجية التي أجريت بعد نشر هذه الدراسة – خاصة ما قام به تلاميذ أبوزيد – كانت تطبيقاً محاكياً وأميناً لكل القواعد المنهجية والنظرية التي أرستها دراسة الثأر.

2 – إرساء قواعد لأخلاقيات البحث الأنثروبولوجي:

ولما كانت عمليات جمع البيانات وإجراء المقابلات مع المبحوثين في مجتمع الدراسة تتم في ظل وجود نزاعات ثأرية مستمرة فمن الممكن أن تكون تلك النزاعات خاضعة للملاحقة الأمنية أو أنها منظورة أمام المحاكم. ولتفادي إلحاق الضرر بالمبحوثين عند نشر الدراسة فقد أرسى أحمد أبو زيد مبدءاً أخلاقياً مهماً في البحث، وغير مسبوق قبل نشر دراسة الثأر، حين أقر بالتزامه بحجب أسماء المبحوثين في النسخة المنشورة للبحث. وهو بذلك يلتزم بما أقرته المواثيق الأخلاقية العالمية في مؤسسات البحث الأنثروبولوجي الغربية؛ بضرورة أن يحافظ الباحث الأنثروبولوجي على المبحوثين الذين تعاونوا معه، وقدموا له البيانات التي ساعدته على تفسير معالم الظاهرة التي يدرسها. كما يتجاوب هذا الموقف مع الجدل النقدي الذي كان مثاراً داخل الحركة النقدية في الأنثروبولوجيا، خلال ستينيات القرن الماضي، والتي كانت توجه نقداً عنيفاً لعلماء الأنثروبولوجيا الذين تورطوا في انتهاكات أخلاقية تضر بالمبحوثين.

3 – توظيف البحث الأنثروبولوجي لأغراض عملية:

أما في ما يتعلق بالقيمة العملية أو التطبيقية لدراسة الثأر؛ فقد كان أبوزيد حريصاً على إمكان توظيف المعرفة التي توفرها دراسة الثأر في تبصير الحكومة المصرية بالطرق الملائمة للقضاء على ظاهرة الثأر. وبذلك لم يتجاوب مع تحفظات رواد الأنثروبولوجيا البريطانية وأهمهم إيفانز بريتشارد الذي كان يطالب بابتعاد الأنثروبولوجيين عن الحكومات. وذلك من منطلق الإيمان بأن العلاقة بين العلم والسياسة يمكن أن تؤثر سلباً في المعرفة العلمية ومصداقيتها. كانت مخاوف بريتشارد نابعة من الانتقادات التي وجهت للأنثروبولوجيا في ستينيات القرن الماضي حول العلاقة المريبة التي ربطت بعض الأنثروبولوجيين بإدارة المستعمرات؛ حيث كانت المستعمرات توفر الدعم المادي والظروف المناسبة للأنثروبولوجيين لإجراء بحوثهم في المناطق الإفريقية. وفي المقابل كانت هناك اتهامات للأنثروبولوجيين تتمثل في ضلوعهم بتقديم الدعم المعرفي لحكام المستعمرات بما يمكنهم من إحكام السيطرة على الشعوب الإفريقية.

وهنا نلاحظ أن أحمد أبوزيد كان واعياً بالفروق بين السياق الاستعماري للبحث الأنثروبولوجي، وسياق التحرر الوطني بعد الاستعمار. ولهذا اتخذ موقفاً مغايراً لتحفظات الذين تعلَّم الأنثروبولوجيا على أيديهم، معتبراً أن ضميره العلمي والتزامه الوطني يمليان عليه أن يضع البحث الأنثروبولوجي في خدمة قضايا التنمية والتحديث في ذلك الوقت. ولهذا كان حريصاً على أن توفر دراسته عن الثأر إطاراً جيداً لتحسين السياسات الاجتماعية في مواجهة ظاهرة الثأر، مع الأخذ في الاعتبار أن دراسة الثأر لم تكن بطلب مباشر من الحكومة المصرية، وإنما كانت بمبادرة علمية منه وبدعم مادي من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية. وهنا يتعين الإشارة إلى ما كان يقوم به هذا المركز من جهد متميز في تطوير البحث الاجتماعي وتوجيه نتائجه إلى الجمهور وصناع السياسات بحرية كاملة ودون أي قيود. ومن المهم الإشارة أيضاَ إلى أن تقاليد البحث التي يقرها هذا المركز، وكذلك التي يؤمن بها أبوزيد لم تكن تسمح للباحثين بأن يقدموا للجهات الحكومية معلومات شخصية عن المبحوثين من مرتكبي حوادث العنف والثأر أو ضحايا تلك الحوادث. ولم يكن هدف الدراسة تبرير سياسات الحكومة في التصدي لهذه الظاهرة، بل على العكس من ذلك فقد وجّه أبوزيد أعنف نقد علمي لسياسات الحكومة الفاشلة في فهم الثأر وأساليب التعامل الأمني والقانوني القاصرة في التصدي له. ولكل هذه الأسباب كان أبوزيد على قناعة تامة بأن الانتفاع العملي بنتائج هذه الدراسة لمكافحة ظاهرة الثأر سوف يعود بالفائدة على ثلاثة أطراف أساسية وهي الحكومة وسياساتها في التنمية وتمكينها من تفعيل مبدأ سيادة القانون في دولة مدنية. وينعكس التوظيف العملي لنتائج الدراسة إيجاباً أيضاً على حياة المبحوثين البائسة والتي تعد خارج التاريخ، حيث يمكن أن يساهم ذلك في تغيير نوعية الحياة لديهم للعيش الكريم في أمان، وسوف يستفيد البحث الأنثروبولوجي أيضاً من هذا التوظيف العملي لبحوثه بتطوير معرفته وأدواته وقدرات باحثيه في إطار خدمة التنمية وحل المشكلات المستعصية إلى جانب التراكم المعرفي الذي يفيد العلم نظرياً ومنهجياً. هذا موقف علمي يتمتع بمصداقية كبيرة في بناء علاقة جيدة بين العلم والسياسة تصب في مصلحة المجتمع.

والمحصلة النهائية التي يمكن أن نستخلصها في النهاية أن دراسة الثأر كانت مجالاً أخلص فيه أحمد أبوزيد للأنثروبولوجيا التي أحبها وعمل بها وللمبحوثين الذين وثقوا به، وللوطن الذي ينتمي إليه ويتطلع إلى نهضته وتقدمه.


* أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة.

 

رأيان حول “الثأر في المجتمع العربي.. قراءة في أعمال أحمد أبوزيد”

  1. قراءة ممتازة لأحد أعمال رائد الأنثروبولوجيا في العالم العربي الدكتور أحمد أبو زيد في معالجته لمشكلة اجتماعية عانى منها المجتمع المصري كثيرا… شكرا على المقال الرائع وننتظر ا

    رد
  2. قراءة ممتازة لأحد أعمال رائد الأنثروبولوجيا في العالم العربي الدكتور أحمد أبو زيد في معالجته لمشكلة اجتماعية عانى منها المجتمع المصري كثيرا… شكرا على المقال الرائع وننتظر المزيد من هذه النوعية من المقالات

    رد

اترك رداً على أحمد علي السامع إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.