الهجرة والجريمة على ضوء مدرسة شيكاغو
إبراهيم اللحكي*
لقد أصبحت العلاقة بين الهجرة والجريمة موضوع البحث في بداية القرن العشرين من خلال الارقام الهائلة والكبيرة للهجرة التي عرفتها أروبا إلى الولايات المتحدة الامريكية، مما دفع علماء الجريمة إلى الاهتمام بالعلاقة بين الهجرة والجريمة، بحيث لم تكن هذه العلاقة موضوع رئيسي للبحث من قبل، لأن اتجاه الهجرة من قبل كان بطيئا ومنخفضا خلال هذه الفترة في أنحاء العالم بشكل عام وفي الولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص.
ان الجريمة من جهة أخرى لا ترتبط ارتباطا وثيقا بالهجرة، لأن هناك بعض الجرائم ترتبط بنوعية وكيفية الهجرة فقط، لأنه كما هو معرف فإن الجريمة موجودة منذ القدم أي منذ وجود الانسان، ولا يخلوا أي مجتمع منها كما أكد دوركهايم أي ملازمة للمجتمعات وللظواهر الحضرية.
يعتبر روبرت بارك المجتمع نسق من التفاعلات والسيرورات الاجتماعية في الأساس، بحيث اهتم في دراسته الوصفية على عمليتي سوء التنظيم الاجتماعي وإعادة التنظيم التي تهيمن على التفاعلات بين المجموعات الأصلية والمجموعات المهاجرة.
في هذا السياق تنظر مدرسة شيكاغو إلى الهجرة والمهاجر من زاويتين مختلفتين، الأولى تنظر إليه كفرد في المجتمع أكثر نشاطا وإنتاجية وأداة لنقل الثقافة وتقدم الحاضرات والمجتمعات، ومن منضور مضاد ينظر إليه كأداة مساعدة على ظهور انتشار سوء التنظيم الاجتماعي، وهذا ما يهمنا في هذه المقالة أي التركيز على سوء التنظيم الاجتماعي الذي يحدثه المهاجر، مما يدفعه إلى العيش في الهامش نظرا لعدم قدرته على الاندماج والانصهار الاجتماعي والثقافي، وبالتالي يؤدي ذلك إلى ظهور العديد من الظواهر الاجتماعية كالفقر والبطالة والجريمة…، ولعلا هذه الأخيرة تعتبر متغير أساسي لفهم العلاقة بين الهجرة ودورها في ظهور بعض الجرائم المرتبطة بالهجرة، لأن المهاجر سواء كان داخلي أو خارجي عندما يهاجر تكون انتظراته وتوقعاته أكثر مما هي موجودة في الواقع أو في البلد المستقبل، وبالتالي يؤدي به ذلك إلى نهج طرق وأساليب غير شرعية من أجل تحقيق أهدافه.
لقد اصبح المهاجر غريبا بعدما كان في بلده الأصلي له مكانة رمزية وخطاب مسموع بين الأفراد، عموما إلى أي حد تساهم الهجرة في زيادة معدلات الجريمة؟
إن ظاهرة الهجرة لا تطرح بالنسبة لعلماء الاجتماع شيكاغو بمثابة مشاكل إحصائية وديموغرافية ومجالية فقط وإنما مشاكل شخصية وسيكولوجية أيضا. وهذا ما يؤدي بالفرد إلى تلك التناقضات بين الثقافة التي يحملها والثقافة التي يحاول الانصهار معها من خلال التنافس الشديد الذي يؤدي به إلى الصراع بتعبير روبرت بارك، وترجع صعوبة الاندماج إلى مجموعة من العوامل من بينها اختلاف الشعوب والمجتمعات كما سبق الذكر، بالإضافة إلى اختلاف الأعراق.
إن مدى درجة اندماج أو عدم اندماج المهاجرين ترتبط باختلاف الاعراق واحتفاظهم بثقافتهم مما يؤدي بهم إلى التهميش كالانحراف والإجرام. كما أنه لا يمكننا أن نغفل دور الهجرة في التقدم الثقافي والحضاري ” لأن تقدم أي ثقافة يبدأ بمرحلة الهجرات الجديدة” وبالتالي فإن حراك الهجرة يؤدي إلى تشكل وظهور “الشخصية المقسمة” أي الشخصية الموزعة بين ثقافتين مما يدفع المهاجر الجديد إلى الشعور بالعزلة داخل البلد المستقبل، ويعرفه روبرت بارك في هذا السياق بالقول أنه “إنسان الثقافتين وإنسان المجتمعين”، أي الفرد الذي يجد نفسه في الهامش بسبب تناقض الثقافتين وتضادهم مما يدفعه إلى العيش في الهامش كما سبق الذكر وبالتالي يؤدي به ذلك إلى اقتراف بعض الأفعال الأخرى من اجل إثارة الانتباه وفرض الاعتراف، كالتعاطي إلى المخدرات واللجوء إلى الجريمة بكل أنواعها.
عموما رغم بارك يعتبر الهجرة حالة أزمة سيكولوجية، ولكنها أزمة إيجابية لأنها هي التي تجعل من المهاجر “المحرك الأفضل لتقدم الحضارات” رغم الصعوبات والعراقيل التي يعترضها في عملية الاندماج إلا أنه يبقى عنصر مهم في عملية نقل الثقافة وجزء من كل الوجود الانساني الذي سبقه.
لقد طور تلميذ بارك ستونيكويست اشتغاله على المشاكل والصراعات التي تواجه الانسان الهامشي وجعل من هذا الانسان موضوعا لأطروحته للدكتوراه سنة 1930. بحيث ركز على مفهوم الهامشية الذي صاغه أستاذه بارك وأسماه الوضعيات الثقافية الهجينة.
كما تطرق ستونيكويست إلى مسألة جديدة تتعلق بالجيل الثاني والتي أصبحت حظوظ اندماجه أكثر سهولة مقارنة مع الجيل الأول، ولم تبقى إشكالية عدم الاندماج تطرح، كما أكد على أن اشكالية عدم الاندماج ممكن أن تطرح داخل نفس المجتمع وفي نفس العرق.
إن إشكالية عدم التجانس واللاتنظيم الاجتماعي ينتج عنه أيضا تنوع على مستوى اقتصاد السوق، والحياة السياسية المبنية على الحركات الجماهيرية، وبالتالي تؤدي وضعية الاختلاف والتعدد وعدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي التي يعيش فيها الانسان الحضري إلى إحداث خللا في نفسيته وشخصيته مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الجريمة كالانتحار، الارتشاء، الانحراف والحمق في البلدان الميتروبولية العملاقة.
عموما على رغم من كل ما سبق لا يمكننا اعتبار العلاقة بين المتغيرين الهجرة والجريمة علاقة سببية وجدلية، لأن المهاجر قد يؤدي إلى تطور الحضارة الإنسانية من خلال الثقافة والأفكار الفردية التي يحملها، بدل المساهمة في زيادة معدلات الجريمة، صحيح هناك بعض أنواع الجرائم على المستوى النوعي والكمي ترتبط ارتباطا وثيقا بالهجرة لكن رغم ذلك تلعب الهجرة دورا هاما في تقدم المجتمعات والحضارات.
——
عبد الرحمان المالكي، الثقافة والمجال دراسة في سوسيولوجيا التحضر والهجرة في المغرب، مختبر سوسيولوجيا التنمية الاجتماعية جامعة سيدي محمد بن عبد الله- كلية الادب والعلوم الانسانية- ظهر المهراز- فاس 2015 .
- باحث في سلك الدكتوراه
