
التمثل الاجتماعي للرجولة بالعالم العربي
أنس الطاهوري*
كما هو الحال في كل العلوم الطبيعية والاجتماعية يعرف العالم العربي تأخرا نسبيا، الأنثروبولوجيا هي الأخرى تعرف تأخرا في المواضيع وحتى المناهج، لكن في هذا المقال سأتطرق لموضوع لا يزال مجهولا أو متجاهلا بالنسبة للأنثروبولوجيا خصوصا وللعلوم الاجتماعية والانسانية عموما، إنه مفهوم الرجولة، هذا المفهوم الذي قد يعتبره البعض مجرد حالة بديهية لا تحتاج للدراسة أو البحث العلمي، أو قد يرون فيه موضوعا لا أهمية متوقعة من مقاربته سوسيو-انثروبولوجيا، الا أن الواقع الامبريقي ينفي هذا الطرح جملة وتفصيلا، فالرجولة مفهوم مفصلي في دراسة البنية العامة للمجتمعات، ذلك أنه يتغلغل في الهابيتوس الفردي للذكر والأنثى على حد سواء، بهذا فهو متجذر في الوعي الجمعي للمجتمع باختلاف أنماطه الثقافية والاجتماعية، وهو أساس العديد من الظواهر الاجتماعية مثل العنف والسلطة والهيمنة والانحراف والصحة والمرض … فالأنماط التي يتمثلها الذكور للرجولة تجعلهم يدورون في فُلك تصوراتهم الاجتماعية، والتي تكون دائما نتاج التنشئة الاجتماعية (الأساسية أو الثانوية) .
كما سبق التوضيح يعرف العالم العربي تأخرا في البحوث العلمية، والأمر ينطبق على هذا الموضوع كذلك، حيث يرجع الاهتمام به بالعالم الغربي لثمانينات القرن الماضي، ولفهم هذا السبق يجب معرفة السياق الذي نشأ به وثم الاهتمام به كموضوع مستقل يستحق الدراسة السوسيو-انثروبولوجية، وفي هذا الشأن يلزمنا الأمر العودة لظهور الحركات النسوية، هذه الحركات التي ستقوم على أطروحة اضطهاد النساء وتهميشهن في شتى الحقول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما سيجعلهن يعملن على تأسيس حركات تدافع عن حقوق النساء وسيحصلن على دعم من طرف النخبة ما سيساعدهن في التأثير على كل الحقول الاجتماعية وخصوصا الأكاديمية، حيث سيعرف الوسط العلمي توجها نحو الدراسات النسوية والبحث في وضعياتهن السوسيو-اقتصادية بالمجتمعات الغربية أو المجتمعات الغرائبية (الغير)، وستخلص معظم دراساتهم (الأكاديميين) الى مسؤولية الذكور في حالة النساء بالمجتمعات، ستستمر هذه النظرة لحدود نهاية الثمانينات من القرن الماضي، حيث سيتم نشر دراسة لعالم الاجتماع الاسترالي ر.كونيل حول الرجولة بالمدارس الثانوية الأسترالية، إذ سيقدم نظرية برفقة مجموعة من الباحثين حول أنماط الرجولة انطلاقا من بحث ميداني، فيه سيتم نحث مفهوم الذكورة المهيمنة لأول مرة بالعالم وسيضيف ثلاثة أنماط أخرى للرجولة هي الذكورة المتواطئة والذكورة المهمشة والذكورة التابعة، بعد هذا البحث ستتوالى الدراسات بالعالم الغربي وستظهر حركات ذكورية حقوقية توازي الحركات النسوية، تهدف للدفاع عن حقوق الرجال من السلطة التي أصبحت للنساء خصوصا في المجال القانوني، ولكن بالعالم العربي سيبقى الأمر على حاله ولعل أول كتاب يصدر حول موضوع الرجال والرجولة هو “الرجولة المتخيلة” لمي غصوب سنة 2002، رغم التجاهل والجهل هناك بعض الباحثين الذين اهتموا بهذا الموضوع لكن ليس بذلك التعمق، مثل عبد الصمد الديالمي الذي يدرس الجنسانية عموما أو محمد عبد ربي الذي له بحث مهم حول الرجولة والأنوثة …
في المراجع النظرية يتم تقسيم الرجولة للعديد من التصنيفات :
الرجولة التقليدية : هي الرجولة التي يتم تصورها من خلال المعايير العامة للسلطة الأبوية مثل السلطة والقوة والهيمنة مع بعض القيم الاخلاقية كالشجاعة والصبر والتحمل …
الرجولة المهيمنة : هي النمط الذي أبدعه ر.كونيل وأخرون، تقوم على هيمنة الذكور على النساء والرجال معا على أساس الرأسمال الاقتصادي والاجتماعي .
الرجولة المهمشة : هي النوع المرفوض والمهمش للرجولة وعادة ما تصور لدى الفئات الدنيا للذكور بالمجتمع أو لدى المخنثين …
الرجولة الإيجابية : هي نمط جديد نسبيا يدعوا لرفض السلوكيات المهيمنة للرجولة وتحاول تغيير تصورات الرجال لأنماط السلوك “الايجابية” للذكور في المجتمع .
الرجولة السامة : هي عكس النمط السابق، التي يتم فيها استدماج السلوكيات العنيفة للرجولة لدى الذكور مثل العنف وكتم المشاعر والتسلط …
هناك أنواع أخرى للرجولة مثل الرجولة الدينية والتابعة والمتواطئة …
في بحثنا حاولنا فهم كيف يتم بناء التمثل الاجتماعي للرجولة لدى فئة الشباب، بالتحديد بإحدى الأحيان الشعبية بمدينة فاس الذي يحمل اسم “المسيرة”، وقد اتبعنا منهجا كيفيا يقوم على المقابلة نصف الموجهة وتحليل المحتوى الرقمي بالإنترنت، كانت النتائج مخالفة تماما للتصور النظري الذي سبق وأن قدمناه، حيث وجدنا أنماط رجولية جديدة ومزيجة/هجينة بوسط البحث، فالمبحوثين يدمجون مجموعة من التصورات المتناقضة أحيانا في بناء تمثلهم للرجولة، ولكن عموما يمكن تقسيم الرجولة بوسط البحث لشكلين، أولهما يقوم على إعالة النفس والأهل والتضامن الاجتماعي والاهتمام بالحياة الخاصة “دخل سوق راسك” والتدين وتجنب الصراعات الفارغة أو استغلال قوتهم في التسلط على الغير “متكونش حكار”، أما النمط الثاني فهو عكس هذا النمط، فهو يقوم على الادمان ومنطق القوة والتجبر والتسلط والافتخار بالسجن وأشكال خاصة في اللبس … بين الحالتين هناك حالات خاصة تقوم باستغلال مواردها المادية من أجل شراء الرجولة عبر الرأسمال الاقتصادي وهذه الفئة نادرة لكنها موجودة .
في الختام يعد موضوع الرجولة موضوعا متجاهلا في العالم العربي، حيث أن الدراسات بهذا المجال لا تزال قليلة ومعدودة على رؤوس الاصابع بكل دولة عربية، لكنه موضوع غني للأبحاث السوسيو-انثروبولوجية، فكما سبق وقدمنا يؤثر تصور الرجولة على العديد من الظواهر الاجتماعية مثل العنف والانحراف والصحة والاسرة والسياسة … وذلك من خلال التأثير على سلوك الرجال والنساء في نفس الآن، فالرجولة ليست مفهوما مستدمجا في الوعي الجمعي للرجال فقط، بل بالوعي الجمعي العام، وتلعب النساء دورا مهما في إعادة انتاج الأنماط الاجتماعية للرجولة بوعي أو بدونه .
المرجع :
الطاهوري،أنس. “التمثل الاجتماعي للرجولة لدى الشباب: حالة حي المسيرة بفاس”. مكتبة نور. 2025.