cafeبقلم : د. رامي ناصر

إن شكل الفنجان العربي ، يسمح بالإكثار من المعطيات الرمزية والكلامية ، فشكله يسهّل مرور التفاعلات أثناء التنفس ، مما يؤدي إلى تشكل الرموز بدقة أكبر.

يتبين لنا من خلال هذه الدراسة ، أن هناك ذاكرة مشتركة فيما يختص بالرموز الحيوانية وتفسيراتها وفيما يلي نورد مجموعة من الحيوانات الممكن تشكلها في الفنجان وما تؤوّل إليه تفسيراتها .

الجمل: يعني خبر موت . اذا كان محمّلا ، يعني خبر موت من/أو عن قريب وكلما قلّت الحمولة بعدت القرابة. إذا كان الجمل مرفوع الرأس ، يعني أن صاحب الفنجان لن يتأثر بهذا الخبر.

الأسد: ويعني الإنتصار بشكل عام ، الأسد الرابض يعني الإنتصار المتحتم والأسد “الماشي” يعني أن صاحبه سيواجه مشكلة وعليه أن يجابه ليبلغ الإنتصار كاملا. أما إذا كان الأسد يفترس أحداً في قعر الفنجان ، فهذا يعني بأن صاحب الفنجان سيواجه هجوماً من صديق.

البقرة: تعني مرحلة أو توقيتاً زمنياً ، إذا كانت البقرة كبيرة فذلك يعني أن صاحب الفنجان سيمر بمرحلة ميسورة لفترة طويلة. أما اذا كانت البقرة هزيلة فهذا يعني أن صاحب الفنجان قادم على توقيت سيء.

الثعلب: يعني الإحتيال ، إذا ظهر في بقعة فاتحة اللون ، فهذا يعني محاولة إحتيال فاشلة على صاحب الفنجان. أما إذا ظهر في بقعة غامقة اللون فهذا يعني أن صاحب الفنجان سيخسر مالاً بسبب وقوعه في فخ من قبل شخص مقرب. أما اذا ظهر بالقرب من حلقة الفنجان أو حافته ، فهذا يعني النيل من الشخص الذي يحاول أن يخدع صاحب الفنجان.

الحصان: دليل العز ، إذا ظهر وكأن شخصاً يمتطيه فالعز يناله صاحب الفنجان. إذا ظهر في قعر الفنجان فإنه يعني النجاح في العمل أو المحيط العائلي. أما إذا ظهر محملاً فإنه يعني الحب السعيد.

الخروف/الكبش: يعني رزقة أو خبر جديد. إذا ظهر بالقرب من حافة الفنجان أو حلقته يعني ذلك رزقة غير متوقعة بتاتاً. أما إذا ظهر مقابل الحلقة ، فمعناه مولوداً جديداً ، وظهوره في قعر الفنجان يعني فرح داخل المنزل.

الديك: يعني إعلان خبر ، إذا ظهر مرفوع الرأس وكأنه يصيح في بقعة فاتحة اللون فذلك يعني خبراً جميلاً لصاحب الفنجان. أما ظهوره في بقعة غامقة اللون فإنه يعني خبراً حزيناً لصاحب الفنجان.

العقرب: يعني الدهاء ، إذا ظهر في بقعة فاتحة اللون فهذا يعني فشل محاولة شخص شديد الدهاء للإيقاع بصاحب الفنجان. أما ظهوره في بقعة غامقة اللون فيعني الوقوع في الفخ.

الكلب: عموما يعني صديق ، فإذا ظهر في بقعة غامقة اللون فإنه دليل ضيق أو مرض شخص مقرب من صاحب الفنجان. أما ظهوره في قعر الفنجان ، قد يعني ذلك قدوم عريس. وإذا ظهر في بقعة فاتحة اللون يعني خبراً جميلاً من صديق أو أن صاحب الفنجان محمي من صديق وفي.

الأفعى: تعني الخبث ، إذا ظهرت بالقرب من حافة الفنجان فإنها دليل الخبث والنميمة من شخص يتظاهر بحسن النية ومقرب من صاحب الفنجان. أما إذا ظهرت على جانب الفنجان وفي بقعة غامقة اللون ، تعني ذلك مكيدة تحاك من قبل شخص في محيط صاحب الفنجان لذا يجب عليه الحذر. أما ظهورها في بقعة فاتحة اللون ، فذلك يعني أن صاحب الفنجان لن يتأثر بالحقد المضمر له.

من الملاحظ أن إختلاف لون الحيوان أو لون ومكان البقعة الموجود فيها يؤدي إلى تغير معاني الرموز. إن وجود الحيوان في بيئة وثقافة المبصّرة والمستمع/ـعة ، هو المحدّد الأساسي لتواجده في الفنحان ، يعني أن أهمية الحيوان وتداوله في الذاكرة الشعبية للقارئة والمستمع ، هو المحدّد الأساسي لتواجد أو عدم تواجد الرمز الحيواني .

وينعكس تصنيف الحيوانات ، كحيوانات خيّرة أو شريرة ، أليفة مدجّنة أو برية ، ذات نفع للإنسان أم ذات ضرر ، على تفسيرات أشكالها وذلك كإرتباط قوي ومباشر مع بيئة وثقافة المجتمع المحلي . فالحشرات والزواحف مثلاً ، تفسيرها الضرر والسوء أو الشر المحدق لما تمثله من قرف ثقافي ، وبالعكس فالفراشة هي نموذج الرقة والطيبة والشفافية . أما الحيوانات المفترسة فهي نموذج للخطر والسوء الذي سيصيب صاحب الفنجان.

إن تفسير الرموز الحيوانية المتشكلة في الفنجان ، تحوي ما تحويه كنتاج التفاعل مع الحيوان. فالحيوان أو شكله يستمد معناه من الواقع المعاش المرتبط بالتجارب السابقة والآنية ، وما تضيفه شخصية القارئة وبراعتها في تركيب الكلام واللعب على نفسية المستمع. لذلك نادراً ما نجد رموزاً ترتبط معانيها بالأساطير أو بالبعد والإعتقاد الديني . لكن إذا صودف بعدان أو معنيان لرمز واحد ، فالبعد الديني لا يلعب دوراً كبيراً. فالحية/الأفعى مثلاً (الشقراء = حياة ، السوداء = عدو ، البيضاء = حياة حلوة) بخلاف الإعتقاد الديني (تجدّد الجلد = حياة/موت = إبليس). كما أننا لا نجد دينصوراً أو تنيناً (مثلاً) في الفنجان وذلك لعدم وجود هذين الحيوانين في ثقافة المستمع والقارئة .

وترتبط التفسيرات بشكل الحيوان ، فتؤحذ الصفة المعروفة عنه. فالثعلب = لص محتال . وتظهر أيضاً في التفسيرات ما خزنته الذاكرة من إعتقاد مسبق أو تجربة معيوشة مع الحيوان. وأحياناً تؤول تبعاً لشكله في الفنجان (فالحية المرقطة = تمثل قَطْعَ عدّة مطبات أو مراحل أو محن).

إن تبصير الفنجان بدأ كوسيلة لإمضاء الوقت في مجالس النسوة ، ثم إنتشر بإعتباره طريقة لكشف الطالع ومعرفة الأحداث المستقبلية. إنه (تخريف) في قالب محكم ، تخريف مقبول ومحبّب للنفوس ، تصيغه القارئة بعبارات “سلسة” تفتن السامع وتُحدِث فيه وقع الرضى والإستحسان ، وتروي نفسه القلقة لمعرفة المجهول والإطمئنان إلى المستقبل.




كاتب المقال : د. رامي ناصر : باحث أنثروبولوجي من لبنان ، خبير في دراسة الواقع وإعداد خطط التنمية الإستراتيجية ، مسؤول فريق إعداد الخطط في وكالة التخطيط والتنمية – البقاع (لبنان) ، مشارك ومعد لأكثر من ورقة بحثية في الأنثروبولوجيا الثقافية وفي التاريخ الريفي ، مهتم بمواضيع التراث الشعبي والتراث الثقافي اللامادي .

الـمحـرر -

باحث في مجال الأنثروبولوجيا/السوسيولوجيا من لبنان ، من ضمن دائرة الإهتمامات : الأنثروبولوجيا التأويلية ، الإثنوغرافيا الذاتية ، المنظور التفاعلي - الرمزي ، الهوية الثقافية ، تمثلات الدين في المخيال الشعبي ، الفضاء الرقمي ، الأحلام ، ...

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>