elder03c

بقلم: سوسان جرجس

أن تكون باحثًا أنثربولوجيًا وتخوض غمار العمل الميداني فتلك مهمة ينبغي أن تتسلح لها بالمناهج/الطرق والتقنيات الملائمة التي بها يتمّ الكشف عن تفاصيل الظاهرة المدروسة ومعرفة العلاقات التي تربط بين عناصرها. وقد آثرنا في هذه المقالة المبسّطة أن نتكلم عن الملاحظة المشاركة [participant observation – observation participante] لما تحتاجه من دقة ومهارة تجعل الكثيرين يشككون في مدى فعاليتها في الوصول الى معطيات “موضوعية” ونتائج محكمة عن الحقل المدروس.

إن الملاحظة المشاركة تقنية بحثية ينبغي أن يقوم الباحث فيها بدور المشارك في حياة أفراد الجماعة التي ينوي دراستها وأن يقوم بسائر أوجه النشاطات التي يقومون بها في فترة الدراسة ويستلزم أن يصبح عضواً منهم يعيش ظروف حياتهم ويخضع لجميع المؤثرات التي يخضعون لها حتى قال  فيها “تورين” Alain Touraine “إنّ المغزى من الملاحظة المشاركة هو فهم الآخر من خلال تقاسم ظروف مشتركة”.

ويعرّف (لاباساد) Georges Lapassade[1] الملاحظة المشارِكة بقوله هي طريقة يشارك فيها الباحث في الحياة اليومية للمجموعة الاجتماعية موضوع البحث، بهدف مضاعفة المعارف. وهذه الطريقة تلغي المسافة الفاصلة بين الباحث وموضوع البحث وتحوّل الباحث من ثم إلى فاعل [actor- acteur] لا مجرد متفرّج أو عنصر محايد.

 إذا كانت الملاحظة المشاركة تشير ضمنًا إلى الاقامة في الحقل المدروس، فإنّها تستدعي مسبقاً تعلّم لغة المجتمع (متى كان الباحث أجنبيًا/ دخيلًا عليه) كما تستدعي أيضًا العمل على كسب ثقة الناس وتحقيق الاندماج الاجتماعي ممّا يتيح للباحث التقاط المعطيات الميدانية وادراك الرمزية الكامنة في كل تفصيل اجتماعي، متمكناً بذلك من الاحاطة بالمعاني السياقية [contextual meaning-les sens contextuels] التي بدونها لا يمكن للتحليل الاجتماعي الا أن يكون مجتزءًا أو مشوّها، استنادًا إلى اسقاطات الباحث الثقافية على المجتمع المدروس.

إن الملاحظة المشاركة تقنية بحثية شديدة الأهمية والخطورة في آن واحد، إذ على الرغم من إعتبارها الوسيلة الوحيدة للتعرّف بعمق على الآخرين إلا أنّها تتطلب من الباحث إتّخاذ مسافة معينة من البحث مجال الدراسة. فمن أجل الملاحظة “العلمية” للظاهرة ينبغي “التموضع في الخارج”، ومن أجل فهم المجتمع يُفَضَل أن لا يكون الباحث جزءاً منه[2].

إذا ما كان على الباحث الأنتربولوجي أن يكون “موضوعيًا” في نقل الملاحظات الميدانية (التي تتحول لاحقًا الى معطيات قد تمّ تسجيلها) فإنّ هذه “الموضوعية” تنحصر في الأمانة البحثية في نقل المعلومات وفي محاولات الباحث المستمرة لعدم التورّط في فخّ الاسقاطات الثقافية على الحقل المدروس. بناء عليه فالمعطيات الملاحظة ليست حقائق واقعية ملموسة تلتقط وتحفظ بصرف النظر عن الباحث (فهذا وهم الموضوعية) كما انها ليست انشاءات ذهنية وعاطفية صرفة (فهذا وهم الذاتية)، إنّما هي معطيات يجري دراستها “بموضوعية” من خلال الباحث الذي اختارها وادركها متفاعلًا معها. لا يمكن لهذا الإدراك أن يكون موحدًا أو عامًا لدى الباحثين، فملاحظات الباحث تبنى من خلال ما يُلاحظ، من خلال لغته، اشكاليته، ثقافته، شخصيته، المجال المدروس، المقاربة المعتمدة…. الخ.

ant285_2

صحيحٌ أنّ الملاحظة بكلّ أشكالها تعني إخضاع مجتمع الدراسة لرقابة الباحث ولكن هذا لا يقضي أن يحدهّا بالإدراك المرئي حصراً، بل عليه أن يحشد على حدّ قول “لابلاتين” François Laplatine مجموع الفطنة والمهارة والحساسية المفترض تواجدها عند الباحث والتي تقوده عبر النظر والشمّ والسمع واللمس والتذوق إلى التركيز على مختلف الآثار والأحاسيس التي يلتقيها ويُفَصِلُها بدقة[3]. إنّ عليه وعلى حدّ تعبير “مالينوفسكي” أن يلاحظ “توافه الحياة اليومية” فلا يفرّق بين مألوف وغريب، هي ملاحظة ومراقبة لكل الاشياء والتقاليد الشفهية والمكتوبة، للتعابير الجسدية والإشارات والإيماءات؛ ويتمّ ربط كل ذلك بشبكة من العلاقات بحيث يُفهم الجزء من خلال علاقته بالكل[4]. وهذا ما يساعد في قراءة الملاحظات وتحليل المعطيات والخروج باستنتاجات اكثر دقة استنادًا الى تشبع saturation الكاتب بثقافة المجتمع المدروس. وهذا هو الفارق المهم بين باحث عايش الميدان وتشبع بثقافته وادرك رمزية كل سلوك من سلوكياته وبين باحث آخر جلس يقرأ المعطيات عن بعد محاولًا تحليلها. فجدارة الباحث تكمن فيما اكتسبه بشكل لاواعٍ من خلال مشاركة الجماعة المدروسة لمعاشها اليومي كما تكتسب اللغة بالممارسة.

 ليست الملاحظة بالمشاركة ملاحظة عشوائية سهلة وإنّما يلزمها الكثير من الدقة والتنظيم. يحرص بعض الأنتربولوجيين منذ بداية البحث على إنشاء دليل للملاحظة (شبكات ملاحظة) وهو عبارة عن قائمة مرجعية تتضمن العناصر التي سيتّم ملاحظتها من قبل الباحث بشكل منتظم في الحقل؛  وهذه الشبكات نوعين: مغلقة ومفتوحة ويختلف اعتمادها تبعًا لنوع البحث وحاجات الباحث[5].

وإذا ما كان الباحث يستخدم عادة بطاقة الملاحظة أو المفكرة لتدوين ملاحظاته في الميدان إلا أنّه يمكن أن يستعين بوسائل أخرى منها التصوير الفوتوغرافي والفيديو والأفلام الاتنوغرافية.

يبقى أن نشير إلى المشكلة التي تعترض الباحث أثناء ملاحظته بالمشاركة وهي أنّ عددًا كبيرًا من سلوكيات الجماعة المدروسة لا بدّ أن يتأثر بوجود الباحث نفسه فيعمل أفراد هذه الجماعة على اخضاع انفسهم للمراقبة الذاتية وتصنّع بعض التصرفات والاستجابات وهذا ما يفترض بالانتربولوجي التقاطه بشكل او بآخر مع العلم أن بقاء الباحث ضمن الميدان لفترة طويلة نوعًا ما واندماجه الاجتماعي (الذي لا يلغي قدرته على الملاحظة) هو ما يضعف هذا التكلّف ويفرض العودة الى عفوية التصرفات وبالتالي ملاحظتها[6]. هذا مع العلم أن هناك من الباحثين من يرى ضرورة الاستفادة من التغيير السلوكي الذي يقوم به الناس بوجود الباحث، بمعنى أنّ على الباحث أن يجهد في ملاحظة وضبط تلك التغيرات والنظر اليها كمؤشر أساسي خلال التحليل. وقد كان “ديفرو” Devreux في فرنسا من اوائل الذي فكروا في استثمار تلك الاضطرابات التي تخلقها الملاحظة ضمن حقل العلوم الاجتماعية[7]، وفيما يلي أكد “ألتابي”Althabe  على الفائدة المنهجية التي يمكن أن يحققها فعل النظر الى “الانتربولوجي نفسه باعتباره أحد الفاعلين ضمن الحقل الاجتماعي”[8].

وفي الخلاصة نؤكد أن الملاحظة المشاركة هي من أبرز وأهم تقنيات البحث الأنتربولوجي التي تتميز باستمراريتها في العمل البحثي منذ لحظة  اختيار الموضوع حيث تكون ذهنية/ معرفية وصولاً لمرحلة تحليل المعطيات مرورًا بالمشاركة الحياتية التي يعيشها الباحث الى جانب الجماعة المدروسة معتمدا بشكل أساسي على ملاحظاته المباشرة.




كاتبة المقال : سوسان جرجس : كاتبة وباحثة في مجال الأنثروبولوجيا من لبنان. تركز اهتماماتها على الدراسات الجندرية. تهوى الكتب والمطالعة وكتابة الشعر والقصة القصيرة. تكتب في بعض المواقع الإلكترونية العربية مثل مجلة معارج الفكر ومجلة صدى الفصول الشعرية.




الهوامش:

[1] Georges Lapassade, “Observation participante” In Jacqueline Barus-Michel, Eugène Enriquez et André Lévy, (2002), Vocabulaire de Psychosociologie. Références et positions. Paris, Erès.

[2]François Laplatine, “La description ethnographique”, op. cit, voir p.62-63-64

[3]Ibid, p p 17- 18

[4]Ibid, p 49.

[5] مها كيال، الملاحظة في البحث الاجتماعي. من المرحلة التحضيرية الى مرحلة معالجة النتائج، مجلة العلوم الاجتماعية، عدد 19، 2016.

[6] Michael Agar, Speaking of Ethnography. Qualitative Research Methods, Sage, University Paper, 1985, p. 36- 37.

[7] George Devereux, De l’angoisse à la méthode dans les sciences du comportement, Paris, Flammarion, 1980.

[8] Gerard Althabe,  “Ethnologie du contemporain et enquête de terrain”, Revue Terrain, 14, 1990, p. 130.

الـمحـرر -

باحث في مجال الأنثروبولوجيا/السوسيولوجيا من لبنان ، من ضمن دائرة الإهتمامات : الأنثروبولوجيا التأويلية ، الإثنوغرافيا الذاتية ، المنظور التفاعلي - الرمزي ، الهوية الثقافية ، تمثلات الدين في المخيال الشعبي ، الفضاء الرقمي ، الأحلام ، ...

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>