مها الكيال6

السيرة الحياتية منهجية وتقنيات بحثية

مها كيال* 

يتناول هذا البحث قراءة حول منهج السيرة الحياتية، الذي يعد من المناهح النوعية الهامة في العلوم الاجتماعية والانسانية على حد سواء. هو، بتوصيف أدق، بمثابة تجوال معرفي أو مقاربة بحثية هدفها رصد الدينامية الفكرية لصناع هذا المنهج في مجالي علم الاجتماع والأنتروبولوجيا؛ كما هدفها تبيان غنى التراكم العلمي الغربي الذي أدى إلى تفعيل دينامية هذا المنهج، منذ أكثر من قرن. وما زال الباحثون يكتشفون في السيرة الحياتية، يومًا عن يوم، مدى عمق مؤشراتها وغنى دلالاتها المعرفية في كافة الميادين العلمية

 

لابد من الاعتراف أن المكتبة العربية ما زالت فقيرة بهكذا جدال معرفي هام حول أهمية استخدام منهج السير الحياتية، ولا بد من الإشارة إلى أن واقع التلاقح العلمي بين ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية ما زال، بين مفكرينا وفي معاهدنا الأكاديمية، في مرحلة الحبو.
من المهم التنبيه إلى أن بعض العلوم الاجتماعية التي تعتمد في أساسها على البحث النوعي، مثال الانتروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي، ما زالا يعتبران، في معاهدنا الاجتماعية، كعلمين ينضويان تحت هيمنة السوسيولوجيا الكلاسيكية: سيرورة تفسر واقع قصورنا المعرفي باستخدام هذا المنهج الهام؛ قصور لا بد من تداركه خصوصًا وأننا مجتمعات تتعرض لتحولات سريعة، نحن بأشد الحاجة لرصدها معرفيًا وتاريخيًا لأنها هي التي تبين شكل الهجانة التي غالبًا ما نوصف بها واقع التحولات التي نعيشها اليوم.

منهج السيرة الحياتية : تعريف أولي
يعد منهج السيرة الحياتية(1) (biographie) والسيرة الذاتية (autobiographie) من أهم المناهج النوعية في البحوث الاتنوغرافية، الاجتماعية، الأنتروبولوجية، التاريخية، الأدبية، الفلكلورية، السياسية، التربوية، علم الادارة، ….
عزَز استخدام هذا المنهج في العلوم الاجتماعية، تقديم نموذج المعاش “vécu ”على حساب المناهج النظرية البنيوية structuralisme والوضعية أو العلمية positivisme. كما سمح اعتماد هذا المنهج، بتحول العلوم الاجتماعية من سيطرة النظرة الشمولية holisme المجردة، (التي كان فيها تشييئ للمجتمع مع إغفال التجارب الشخصية والتصورات الفردية)، إلى النظرة الجزئية، بل وأكثر من ذلك، إلى النظرة الذرية(2).

السيرة الحياتية كمنهج
السيرة الحياتية هي، في تعريف بسيط لها، تاريخ حياتي، يحكي ذاكرة فرد أو جماعة اجتماعية محدَدة لها خصوصيَتها الثقافية(3). يعرض هذا التاريخ بطريقة سردية، كما عاشه راويه. هذا الراوي يمتلك الحرية في تشكيل الحقائق التي عاشها وفي تفسيره لها. ويتّم نقل هذه الذاكرة، من قبل الراوي نفسه (سيرة ذاتية autobiographie) أو من قبل الباحث (سيرة حياتية biographie)، من خلال تمثيل أمين للحياة، بهدف محاولة إيصال القارئ “للعالم ”المعيش كما هو.
تكمن الفرادة المعرفية لمنهج السيرة الحياتية، وفق هذا التعريف، في تصويره للظواهر الإنسانية على أنها ظواهر متمثلة ثقافيًا وزمانيًا في شكل بناء الهوية الفردية، في نمط المسارات الاجتماعية وفي التغيرات الثقافية… وفي اعتباره أيضًا أن في السيرة الحياتية معاني لا يمكن فهمها إلا من خلال جهد خاص يأخذ في الحسبان، في الوقت عينه، طبيعة الباحث الإنسانية بالتوازي مع طبيعة معنى هذه الظواهر.

المعنى المعرفي لمنهج السيرة الحياتية
ترتكز مقاربة الظواهر البشرية لفهمها، من خلال منهج السيرة الحياتية، على المنطق الافتراضي الآتي:
إن فهم تكوين واحدة أو عدد من الجزئيات الاجتماعية، هو الذي يمكَن من فهم سيرورة وتحولات التركيبات الاجتماعية المتوسطة والكبيرة، وذلك لاعتبار أن المنطق الذي يدير التركيبات الاجتماعية الكبيرة والمتوسطة هو الذي يدير أيضًا التكوينات الصغيرة في المجتمع ويعرَف بسيرورة إعادة انتاجها أو تحولاتها وذلك للإعتبارات الآتية:
• أن الإنسان هو نتاج ثقافة المجتمع.
• أن الإنسان هو فرد فاعل في العديد من المستويات المجتمعية.
• أن الحياة الانسانية تعكس في سيرورتها، سيرورة التحولات التي يمكن من خلال رصدها رصد التاريخ.
يساهم منهج السيرة الحياتية إذًا في تسهيل الانتقال من الميكرو إلى الماكرو في فهم المجتمع، من خلال المؤشرات التي تعكسها الذاكرة المعيشية لفرد أو جماعة، والتي لا بد من أن تتقاطع مع مؤشرات مجتمعية أخرى، فتعمق فهم المجتمع وتسهل وعي حقيقة تحولاته. فالمراقبة المعمقة لواحدة أو لعدة جزئيات، يمكنها أن تبين ميكانيكيات التصرف الاجتماعي، وسيرورات إعادة إنتاجه أو تحولاته، ويمكنها بالتالي أن تبين المنطق الاجتماعي الذي أنتجها.
لا بد من التوضيح بأن الهدف من اعتماد منهج السيرة الحياتية، هو ليس إعادة تشكيل الذاكرة، ولكن جمع المعلومات عن البيئة المباشرة من خلال مؤشرات تاريخية وثقافية معيشة.

استخدامات منهج السيرة الحياتية:
استخدمت مدارس فكرية متعددة في العلوم الاجتماعية منهج “السيرة الحياتية” لغايات مختلفة، ووفق أساليب متنوعة، وهذا ما يدفع إلى الجزم أنه لا توجد مقاربة منهجية واحدة يُجمع عليها الباحثون، ولا يوجد بالتالي غايات ولا حتى أساليب محددة يمكن أن نصف بها خصوصية هذا المنهج الدينامي في تطوره وفي تغير سيرورة استخداماته حتى اليوم.
نذكر هنا ببعض من أبرز غايات استخدام هذا المنهج في مجالي علم الاجتماع والانتروبولوجيا:
•    فهم مجموعة من الأفكار والقيم الاجتماعية التي تعكسها التجارب المعاشة التي شكلت الفرد في مجتمعه.
•    مقاربة واقع اجتماعي لجماعة اجتماعية معينة.
•    دراسة فئات اجتماعية مهمشة، تشكل “اتنيةethnobiographie ثقافية خاصة في المجتمع”.(تأخذ الاتنية في هذا الاستخدام معنى الثقافة الفرعية sous-culture لا معنى العصبية الإتنية)
•    حفظ التراث الشفهي (السير الشفوية) بسبب التحولات المعيشية السريعة.
وهو حراك بحثي يسمى اليوم باتنولوجيا الانقاذ ethnologie de .sauvetage لا ننسى أن القصص الشفاهية تختفي مع اختفاء الظروف التي شكلتها، إن لم تدون أو يعاد تأليفها. فالكتابة هي التي تبني التاريخ، وهي التي تسمح بانشاء المحفوظات حيث تحفظ ذاكرة الإنسان من النسيان عبر الوقت وخلال الزمان(4).

السيرة الحياتية في العلوم الاجتماعية: لمحة تاريخية
انطلاقًا من مبدإ أساسي يرتكز على تحليل مفهوم أساليب العلوم الاجتماعية، سيتّم عرض التطور التاريخي لطرق استخدام منهج السيرة الحياتية، في ظل عدم توافق حقيقي بشأن الكيفية التي ينبغي أن يتّم العمل بها فكريًا ومنهجيًا في مقاربة الحقل الميداني.
يخضع مفهوم منهج السيرة الحياتية، كما يخضع أي مفهوم معرفي في العلوم الاجتماعية، لمناقشات فكرية ودراسات تجريبية متعددة تبين كيف أن تحليل مفهوم المنهج واستخدامه قد ينطبق على أنواع متنوعة من التجارب. إن هذا الأمر لا يمكن وعيه إلا من خلال فهم دور المنهج نفسه في البحث، الدور الذي يرتكز عليه الباحث ليساعده في تفسيره العلماني لنهجه الفكري.
لاشك أن قيمة التمايزات المعرفية في تفسير مفهوم كل منهج، هي التي تغذي دينامية المناهج في الأبحاث الاجتماعية وتساهم في تطويرها. إن أهمية العرض التاريخي لسيرورة منهج السيرة الذاتية يهدف إذاَ، وفق ما تقدم، إلى تبيان دينامية هذا المنهج في العلوم الاجتماعية، وإلى إبراز مدى مساهماته في بناء ميادين بحثية متنوعة(5).

1 – السيرة الحياتية في الاتنوغرافيا
للدراسات الاتنوغرافية دور كبير في تطوير منهج السيرة الحياتية وتقنياته من خلال دراستها للمجتمعات المسماة بالبدائية ومن خلال اعتمادها تقنية جمع المعلومات الشفهية لتدوين تاريخ هذه المجتمعات وفهم ثقافاتها المنقولة من خلال المعيش.
بدأ استخدام منهج السيرة الحياتية، كتقليد في ميدان البحث الاتنوغرافي، في الولايات المتحدة الأميركية، خلال القرن التاسع عشر، من أجل كتابة سير حياة زعماء الهنود الحمر. ولم تعتمد السيرة الحياتية كتقنية ميدانية خاصة إلا حوالي عام 1925. ولقد ساهم تنامي البحث بما سمي “الثقافة والشخصية” من تزايد الاعتماد على هذه الأداة وتطوير تقنياتها.
يعتبر إدوار سابير Edward Sapir من أهم من طور هذا التوجه البحثي في الولايات المتحدة. فهو الذي شجع طلابه على اعتماد السير الحياتية لشرح العلاقة الوثيقة بين الفرد والثقافة.
أما روث بندكت Ruth Benedict فلقد اعتبرت أنها كانت في عملها الحقلي، باحثة اتنوغرافية أكثر منها كاتبة للسير الحياتية، وهذا الأمر برأيها، كان بمثابة خسارة كبيرة لأن ميدان السير الحياتية، ودائمًا وفق بندكت، لم يستغل (في وقتها) كما يجب بعد.
عاود هذا النمط من المقاربات البحثية الميدانية بروزه في السبعينيات، بعد إهمال دام طويلًا بسبب توجه الاهتمام البحثي نحو الجماعة بدلًا من الأفراد. لا ننسى أن انتروبولوجيا ما قبل الحرب العالمية الثانية كانت تهتم فقط بدراسة المجتمعات التي لا تاريخ مدون لها، وبدراسة المجتمعات الصغيرة، وهو الأمر الذي ساهم في تنمية اعتماد السيرة الحياتية كتقنية حينها.
ويعتبر كل من سدني منتز(6) Mintz Sidneyوأوسكار لويس Oscar Lewis من أوائل من أعاد للسيرة الحياتية وتقنياتها ودورها كمنهج ميداني اعتباره، وكان ذلك في الستينيات من القرن العشرين. حتى أن كتاب لويس للسير الذاتية قد لاقى انتقادات واسعة، لاعتماده العمل الوصفي الذي طغى عنده على العمل التحليلي، ولإعادته كتابة النص بأسلوبه، ولاتباعه صيغة المونولوج في النص.
أما في فرنسا، فلقد تأخر الاعتماد على هذا المنهج وتقنيته حتى السبعينيات من القرن العشرين، وذلك بالرغم من تشجيع مارسيل موس على استخدامهما.
ويعتبر تأثير كلود ليفي ستروس كبيرًا في هذا التأخير. فبالرغم من اعترافه بأهمية السيرة الحياتية على المستوى المنهجي والتحليلي، وبالرغم من كتابته لسيرة رحلاته إلى البرازيل الأوسط المعنونة”المدارات الحزينة” Tristes tropiques. إلا أنه اعتبر أن اللجوء إلى هذا المنهج بشكل منتظم لا يسمح بالوصول إلى البنى التي تهّم المنظر، فالمعاش، برأيه، لا يعتبر مادة علمية(7).
أما بير بورديو فلقد اعتمد على هذا المنهج في كتابه البؤس في العالم La misère du monde. وهو من قال في مقدمة العدد الخاص بأوراق البحث في العلوم الاجتماعية عام 1986: إن السيرة الحياتية هي واحدة من مفاهيم الفطرة السليمة التي دخلت خلسة العالم المعرفي: بداية، بدون ضجة، من خلال علماء الاتنولوجيا، ومؤخرًا، وبصخب كبير، من خلال علماء الاجتماع(8).

2 – السيرة الحياتية في السوسيولوجيا
يعتبر كل من وليام توماس(9) William Thomas وفلوريان زنانيسكي Florian Znaniecki أول من استخدم منهج السيرة الحياتيـة في مجال علم الاجتمـاع عند دراستهما لتأثير الهجرة البولونية في كل من أوروبا وأمريكا.
أما هارولد غرفينكل(10) Harold Garfinkel فيعد من أوائل من أسس في الستينيات المنهجية الاتنولوجية ethnométhodologie التي اعتبرت وقتها أسلوبًا ومنهجًا جديدًا في علم الاجتماع لاهتمامها، بالدراسات الميكروسوسيولوجية، وبالأبحاث الميدانية، كما ولتركيزها على دراسة التفاصيل الصغيرة، مع إسقاط للتحليل النظري، والاستعاضة عنه بالوصف الدقيق للمشهد الميداني مع اهتمام كبير بتفسيره.
يعتبراتباع هذا المنهج أن الفاعل الاجتماعي الذي يروي سيرة حياته هو ليس بالإنسان الغبي ثقافيًا. فهو قادر على ترجمة تصرفاته والتفكير في ذاته(11).
ساهم دخول هذا المنهج في توسيع دائرة الباحثين المهتمين بالدراسات الميكرو سوسيولوجية، بالرغم من ذلك، ظل وله السوسيولوجيين بمنهجية السيرة الحياتية ولهًا فرديًا باستثناء ما قدمه باحثو مدارس شيكاغو السوسيولوجية الثلاثة. فلقد استخدمت هذه المدارس منهج السيرة الحياتية كثيرًا في دراستها للمجتمعات الحضرية في الولايات المتحدة الأميركية.
تراجع استخدام منهج السيرة الحياتية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين، بسبب تفضيل تقنيات البحث الكمي الدراسات والأبحاث الاجتماعية.
ولقد أعيد لهذا المنهج اعتباره في مجال علم الاجتماع منذ السبعينيات من القرن العشرين لأسباب متنوعة نذكر منها:
•    ما بينته أزمة العلوم الاجتماعية في فرنسا، بعد ثورة 1968، من بعد الدراسات الاجتماعية وقتها عن قدرتها في قراءة الواقع.
– لقد أظهرت هذه الأزمة مدى الحاجة لتجديد منهجي بعد أن فقدت المنهجية الكلاسيكية في العلوم الاجتماعية شهرتها.
– لقد أدت هذه الأزمة أيضًا إلى تشكل فريق بحثي من علماء الاجتماع المهتمين بمنهج السيرة الحياتية تحديدًا برئاسة عالم الاجتماع دانيال بيرتو(12) Daniel Bertaux.
•    تنامي موجة انتروبولوجيا جديدة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة. وتعطش الناس لمعرفة وفهم واقع حياتهم اليومية من خلال علم وسائطي يفسر البنى الاجتماعية من خلال التصرفات الفردية أو الميكرو اجتماعية.
لا شك أن لاهتمام الانتروبولوجيا في دراسة المجتمعات الساخنة تأثيره الكبير في ظهور ميادين ومناهج بحثية جديدة. والحديث اليوم عن ميدان الدراسات الاتنوسوسيولوجي Ethnosociologie والسوسيو انتروبولوجي  socio-anthropologie هو أكبر دليل على ذلك. إن اثارة هذه المسألة هدفها تبيان مدى التفاعل الكبير بين الميدانين العلميين سواءٌ على المستوى المعرفي أو على المستوى المنهجي، بعد أن بات عملهما يطال المجتمعات نفسها. إن جذور هذا التفاعل هي عميقه تاريخيًا، بدأت منذ نشأة العلمين، لكنها باتت أكثر وضوحًا بعد عودة الانتروبولوجيين إلى دراسة مجتمعاتهم الغربية محملين بالكثير من المعارف والتقنيات التي اكتسبوها من خلال دراستهم للآخر.
لا بد من معاودة الإشارة لمدى تأثير مدرسة شيكاغو في التأسيس لهذا الميدان تاريخيًا من خلال اعتمادها التقنيات الانتروبولوجية في دراستها للمجتمع الحضري في الولايات المتحدة الأمريكية.
•    تأثير تقنيات التواصل الحديثة: يعتبر جورج بلاندييه أن العودة القوية لاستعمال منهج السيرة الذاتية، بعد إهماله لزمن طويل، لاعتباره من الأدوات الأنتروبولوجية الميدانية القديمة، لا علاقة له بالأسباب الخاصة بتطوير مستقبل العلوم الاجتماعية. فهو يردَ الطلب الكبير على كتب السير الذاتية بسبب تأثير مجتمع الميديا الذي خلق جوعًا للصورة وللشهادات، ونمَى استهلاك الأحداث والسير الحياتية للآخرين القريبين والبعيدين. لا ننسى كيف أن عرض السير الحياتية قد تخطى الشكل الكلاسيكي في الكتابة ليتم تناوله في أعمال درامية، وفي الرسوم الكرتونية (13).
•    تنامي مفهوم الفردانية individualisme الذي بات مهيمنًا في العديد من التيارات الفكرية المعاصرة، وفرضه منطق اللجوء الى النظرة الجزئية في القراءة الاجتماعية لفهم التحولات المعيشية في المجتمع.
•    دعوة العديد من الباحثين، أمثال جان بوارييه، للمسارعة في حفظ التراث الشفهي (السير الشفوية). إن تزايد الحاجة اليوم لهذا التوجه سببه التحولات المعيشية السريعة، حتى أن تنامي دينامية هذه التحولات في زمن العولمة الذي نعيشه، قد فرض اللجوء، كما ذكرنا سابقًا، لما يسمى باتنولوجيا الانقاذ ethnologie de sauvetage. لقد وصف فردي رفائيل(14) Freddy Raphaël مبررات السعي لحفظ التراث بالآتي: “إن استطعام الماضي وإعادة تأهيل التقليد هو، في معظم الأحيان، بمثابة، الشعور بالذعر أمام التغيرات المفاجئة، مع رغبة في التسلل تحت الثوب الذي ترتديه الجدة، “كما لعيش حياة أخرى” خوفًا من الحرمان من أي نقطة ارتكاز”(15).

منهج السيرة الحياتية وتأثيره في تطور مناهج وميادين جديدة في العلوم الاجتماعية
ساهم اعتماد منهج السيرة الحياتية في العلوم الاجتماعية في دعم ميادين علمية جديدة بمنهج أثبت قدرته في فهم التكوينات الجزئية التي باتت من صلب الاهتمامات لفهم المجتمع. نذكر من هذه الميادين:
1 – علم اجتماع الحياة اليومية la sociologie de la vie quotidienne، وسوسيو/انتروبولوجيا الحياة اليومية، وانتروبولوجيا الحياة اليومية (16).
كلها ميادين، وإن اختلف الباحثون في تسميتها، إلا أنها جميعًا تهتم بمجال الحياة اليومية:
– لنفهم كافة تفاصيلها الصغيرة من خلال تقنية الملاحظة بشكل أساسي، ومن خلال المقابلة، أو منهج السيرة الحياتية، أو … ،
– لنبين كيف أن الأشياء التافهة في حياتنا أو التي نعتقدها تافهة، هي مسائل كثيرة التعقيد وهي التي تسمح في بقاء استمرارية العقد الاجتماعي (17).
يهتم هذا الميدان بكافة الحكايات والمحادثات العادية التي تروي ذكريات الطفولة، واقعة حياتية، التبادلات اليومية في الأسرة، بين الأصدقاء، الضيوف، الألعاب وأشكال تمضية أوقات الفراغ، الحياة المهنية،…، أو تكتب: المذكرات الفردية (journal intime)، المذكرات الاجتماعية (المذكرات الاجتماعية التي يكتبها الشخص عن ما عايشه من أحداث، (les mémoires et le regard sur la société)، أوراق الحاجيات المنزلية، فواتير…..

2 – الاثنو-بيوغرافيا ethnobiographie
لقد اعتمدت الدراسات الاجتماعية منهج دراسة الحالة étude de cas, (أو ما يعرف أيضًا بالمنهج المونوغرافي monographie – وهي تسمية تبين مدى تأثير منهج الدراسات المونوغرافية في علم الاتنولوجيا والانتروبولوجيا على علم الاجتماع)، وذلك بسبب التأثر بالمنطق العلمي نفسه الذي بات يركز على دراسة “الجزئي” لفهم “الكلي” في المجتمع.
وللتذكير، يهتم منهج دراسة الحالة، بالقيام بدراسة معمقة وشاملة لمفردة واحدة أو لعدد من المفردات والوحدات التي يمكن التعامل مع عناصرها وخصائصها. وهو منهج يمكن تطبيقه من خلال مقاربات ميدانية متعددة.
ويهدف الحديث عن منهج دراسة الحالة في سياق بحث حول السيرة الحياتية إلى تبيان:
أ – كيف تمت مقاربة السيرة الحياتية للفرد كدراسة حالة تعكس الواقع الاجتماعي. هذه الدراسة غالبًا ما تدعم بأنواع متعددة من الوثائق مثل: ملف صحي، أو قضائي، شهادات أقارب، … لتفهم الحالة (أو الشخصية) المدروسة، من خلال تقاطع الأحداث المذكورة في السيرة الحياتية مع ما وجد في الوثائق وذكر في الشهادات.
ب – كيف أن مزاوجة مفهوم المنهجين: منهج السيرة الحياتية ومنهج دراسة الحالة، قد أدى إلى بروز منهج جديد بات يعرف بـ (اتنو- بيوغرافيا) ethnobiographie. هذا المنهج الذي يمكن تعريفه بأنه يسعى لدراسة حالة، سير متعددة، متوازنة، ومتقاطعة ليبني من خلالها دراسة ميدانية ميكرو اجتماعية.
تعد الاتنو- بيوغرافيا، وباختصار، أحد أنواع المناهج التي تحدد نطاق المراقبة لنوع أو لسياق اجتماعي معين، أو حالة معينة، وتنطلق من اعتبار المخبر شاهدًا على جماعته الاجتماعية، على مجتمعه، وعلى ثقافته. يعتمد هذا المنهج على قياس نمط ثقافي معين في المجتمع (ثقافة فرعية).
وهو منهج يرتكز على تقنية العينة عندما تحتاج الدراسة لشهادات متنوعة في تحليلها للواقع الاجتماعي المدروس. هذه العينة لا بد من أن تأخذ بالاعتبار متغيرات التركيبة الاجتماعية وأن لا تكتفي بسيرة حياتية واحدة.
تعتمد تقنية مقابلة السيرة الحياتية في الدراسات الاتنوبيوغرافية، بخلاف المقابلة المبنية على أساس تساؤلات محددة، أو المقابلة المفتوحة التي ترتكز على حوار بين المخبر والباحث، على تقنية المقابلة السردية الطابع التي ترتكز على تقنية التواصل من خلال الملاحظة وبالأخص الملاحظة بالمشاركة، وعلى مقاربة المعارف التقنية والمعيشية للفاعل الاجتماعي، تلك التي ترتبط بسيرة حياته العملية(18) récit de pratique.

3 – الانتروبولوجيا الانعكاسية Anthropologie réflexive
تتناول الانتروبولوجيا الانعكاسية، كما يوصَفها كريستيان غساريان(19) Christian Ghasarian مسألة الباحث الاتنوغرافي في الميدان، كما تتناول الكتابة الاتنوغرافية سواء من ناحية الباحث أو من ناحية مادة بحثه، والتي يمكن اعتبارها حقيقة ثالثة مختلفة.
إن هذا التوجه في قراءة الإنتاج الفكري الانتروبولوجي الذي تقوم به الانتروبولوجيا الانعكاسية يقع حاليًا في صميم الاهتمامات الابيستمولوجية، الاستكشافية، والمنهجية للأنتروبولوجيا المعاصرة. إذ تعتبر أن بقاء مؤلف النص مستترًا في حقله أو وراء نصه لم يعد أمرًا مقبولًا، خصوصًا لعمق دوره في نقل الواقع أو ترجمته له وفق ما يمتلكه من سلطة في كتابته لنصه، أو في دوره الفاعل في النقل المباشر للحقائق ميدانيًا.
إن الهدف الأساسي من تناول هذا الميدان العلمي في سياق الحديث عن منهج السيرة الذاتية هو تبيان كيف أن كتابة السيرة الميدانية للباحث قد باتت من ضرورات كتابة النص الاتنوغرافي، ومثلها أيضًا كتابة الدراسة الاتنوغرافية نفسها. فالتجربة الاتنوغرافية هي التي تحدد مدى ارتباط الباحث الذاتي بموضوعه، وهي التي تقيس أسلوبه العلمي في قراءته لميدانه(20).

السيرة الحياتية: مصطلحات / معان / تصنيف
هناك أنواع متعددة للسيرة الحياتية لا بد من الوقوف عندها للتعريف بها، للتمييز بينها، لتصنيف أنواعها، وذلك من أجل:
–    معرفه أنماط مقارباتها الميدانية: أدواتها وتقنياتها.
–    مناقشة مدى دقتها في رصد الواقع الاجتماعي التاريخي.
–     معرفة مدى موضوعية الباحث في توثيق هذا الرصد، وذلك من خلال تبيان الفرق بين العلوم الاجتماعية والعلوم الدقيقة.
–     مقاربة التقنيات الكتابية لهذا النوع من المناهج.
–    مناقشة قيمتها العلمية من خلال الجدل القائم حتى اليوم بخصوصها على المستوى النظري وذلك بسبب صعوبة ضبط المتغيرات الذاتية والعرض الموضوعي لواقع الحياة.

1 – السيرة الحياتية مصطلحات ومعاني
السيرة الحياتية récit de vie، التاريخ الحياتي histoire de vie، البيوغرافيا biographie أو السيرة الذاتية غير المباشرة autobiographie indirecte والبيوغرافيا الذاتية autobiographie ، كلها مصطلحات استخدمت أولًا في التراث الأدبي الغربي قبل استعمالها في مختلف فروع العلوم الإنسانية الأخرى. يقابلها مصطلحا السير والسير الذاتية المستنبطين من التراث الأدبي والديني في مجتمعاتنا العربية.
لا شك أن هناك العديد من المصطلحات التي لم يحسم استخدامها بعد، ولا شك أن الحسم في هذا الموضوع يأتي من ذيوع وإنتشار استخدام مصطلح أكثر من الآخر.
2 – تصنيف انواع السيرة الحياتية(21)
يعد التصنيف الذي قدمه موريسيو كتاني(22) Maurizio Catani من خلال أدبيات منهج السيرة الحياتية ومن خلال تجربته الذاتية في العمل بهذا المجال، من أكثر التصنيفات الدقيقة. فلقد وجد حوالي سبعة أشكال في مقاربة منهج السير الحياتية:
•    سيرة الحياة العملية : يتناول هذا النوع من السير الحياتية واقع الحياة العملية لحرفيَ، مهنيَ،… تعد النماذج من هذه الدراسات كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال: “بحث حول مخبز حـرفيَ من خلال مقاربة بيوغرافية(23)” لـدانيال بيرتو؛ وسيرة حياة قابلة قانونية في ڤال دانيفيه(24) لأدلين فافر.
• مراحل حياتية: أو سيرة حياتية تعرض مراحل متعددة في حياة راويها أو كاتبها وفق تسلسل تاريخي شخصي.
لقد وصف بورديو هذا النمط من كتابة السير الحياتية أو حتى السير الذاتية. واعتبر أن السير الحياتية والسير الذاتية غالبًا ما تعرض أحداثًا لا تخضع بالضرورة لتسلسل زمني، إلا أنها تظهر وكأنها منتظمة في تسلسلها(25).
–  مقابلات بيوغرافية متنوَعة يتم استخدامها في كتابة سيرة حياة كاملة.
–  سير حياتية قصيرة مدعمة بمقابلات يتم من خلالها وصف الحياة الاجتماعية في المجتمع المدروس.
–  سير شفاهية للحياة الاجتماعية، تعرض كل سيرة منها تجربة حياتية فردية تدوَن وفق النظام الفكري لراويها ووفق رؤيته وقيمه الخاصة
– إعادة بناء السير الحياتية وفق منطق الباحث نفسه ورؤيته في عرض الأحداث الحياتية.
– سير حياتية ذاتية يشجَع على سردها من قبل الباحث نفسه الذي يهتم أيضًا بكتابتها.

السيرة الحياتية بين الأسلوبين : الاستقرائي/ الاستنباطي
إن منهج السيرة الحياتية هو منهج إستراتيجي لنقل واقع التكوينات الصغيرة في المجتمع من اجل التعريف بسيرورة إعادة انتاجها أو تحولاتها التي أنتجها المجتمع. وهو منهج يتّم فيه عادة تفضيل اعتماد الأسلوب الاستقرائي méthode inductive على الأسلوب الاستنباطي méthode déductive.
يعتمد الاسلوب الاستقرائي inductive، إعمال العقل في قراءة حقائق خاصة للوصول إلى قانون عام. ويتم استخدام هذا الأسلوب الفكري من خلال الإنطلاق من الواقع لاستخلاص المفاهيم وبناء النظريات.
يركَز هذا الأسلوب ميدانيًا على تقنية الملاحظة التي تكون بذاتها مؤشرًا لانتهاء العمل الميداني كما الفكرَي عند وصولها لحالة الإشباع الميداني والنظري. وذلك لعدم اكتشافها أي معلومات جديدة في حقل دراستها يمكنها أن تغيَر في تفسير المفاهيم النظرية. هذه المفاهيم النظرية تبنى تدريجيًا من خلال عملية الارتقاء الفكري من الواقع المباشر إلى الخلاصات النظرية المجردة.
ويعتمد الأسلوب الاستنباطي (أو الأسلوب الافتراضي/ الاستنتاجي(hypothetico/déductive)،على صياغة فرضية من خلال الملاحظات الاولية. ويستخدم الأسلوب الاستنباطي ميدانيًا في الابحاث الأمبيريقية لإثبات صحة الفرضية أو خطئها. ويتّم من خلاله الانطلاق من المفاهيم والنظريات لقراءة الواقع.
ما زال لكل أسلوب بحثي مدافعوه الشرسون الذين يبررون اختيارهم بهدف التزام الموضوعية والبعد عن التصورات المسبقة في قراءة الميدان.
ولقد اعتبر تيار فكري ثالث أن الجدل المعرفي حول الأسلوبين الاستقرائي/الاستنباطي هو جدل مبني على أسس خاطئة، لأن الأسلوبين المعرفيين هما مكملان لبعضيهما.
فالأسلوب الاستقرائي ينطلق أساسًا لدراسة حقله من خلال سؤال أولي مبنى على افتراضات ضمنية(26)، قد تكون خاطئة، لكنها قد تؤثر حتى في الرؤية الميدانية.
ويقترح ميكائيل ورنر Werner Michael وبنديكت زميرمن Bénédicte Zimmermann أن يتّم تطوير أسلوب استقرائي براغماتي وانعكاسي فكري في الوقت عينه، وهو أمر يمكنه أن يفتح الطريق لتصويب عناصر المعرفة من خلال المزاوجة بين الاهتمامات الامبيريقية والفكرية(27).

السيرة الحياتية: أدواتها وتقنياتها.
ليس من الممكن، ضمن بحث عام حول السيرة الحياتية، التطرق لكافة الأساليب والأدوات والتقنيات التي تستخدم ميدانيًا، خصوصًا في ظل تنوع كبير لأشكال الأبحاث التي تعتمد في عملها البحثي هذا المنهج، وفي ظل مروحة واسعة من أصناف السير الحياتية المعتمدة. إن ما سيعرض تحت هذا العنوان يمكن توصيفه بشرح الخطوط العريضة لأدوات وتقنيات العمل الميداني وفق منهج السيرة الحياتية.
لا بد من الاعتراف أن الكثير من خصائص تقنية المقابلة تتشابه مع تقنية المقابلة المعتمدة في السيرة الحياتية، وذلك من حيث:
• اختيار المخبر
هو أمر ليس بالسهل عادة. فلكل إنسان في الميدان قصته ومعارفه، خصوصًا إذا كان البحث عن سيرة حياتية عملية غايتها شخص عادي. شخص يستطيع أو يقبل أو يشعر بأنه محظوظ من هذا الاختيار.
لا ننسى أنه عندما نلجأ لمخبر نحن نأخذ منه، على مستوى الوقت والجهد والمعارف أكثر مما نعطيه. ولا ننسى أيضًا أن ملكة التعبير عن الذات هي ملكة غير متوفرة عند الجميع. فهناك الكثير من الأفراد في المجتمع، ممن لديهم خبرات حياتية مهمة خصوصًا بالنسبة للباحث الاتنوغرافي، لكنهم غير مهيئين للتواصل والتعبير عن الذات، حتى لو قبلوا القيام بمهمة المخبر.
لا بد من الإشارة إلى أن الكثير من معارف الثقافة الشفهية التي يكتسبها الفرد في مجتمعه ويتواصل من خلالها مع محيطه هي معارف غير لفظية. ومن الصعب التعبير عنها، وهو الأمر الذي يترك لتقنية الملاحظة، وخصوصًا منها الملاحظة بالمعايشة والتدوين أن تكمله، حتى يتم التساؤل حول المواضيع التي تم تجاهلها عن قصد أو عن غير قصد لاحقًا.
لا بد من لفت النظر أن دراسة الجماعات المهمشة هي أيضًا من المواضيع التي يتطرق لها الباحث في مجال الاتنوبيوغرافيا، ولا ننسى أيضًا ما تتطلبه اللقاءات مع هذه الفئات من بذل جهد للقاء مخبر يقبل الخوض في هذه التجربة.
• بناء العلاقة التفاعلية بين المخبر والباحث :
إن الهدف من بناء العلاقة بين الباحث والمخبر هو إيجاد علاقة تفاعلية بين الاثنين لتسهيل الوصول إلى المعلومة. وللعلاقة هذه وجهان وجه يعكسه التحاور ووجه علائقي غير لفظي يعكسه موقف كل منهما (الباحث والمخبر) تجاه الآخر. يقول كلود شابرول Claude Chabrol في هذا الصدد أننا نتكلم مع الآخر وجهًا لوجه وخارج إطار الكلام الذي يمكن ضبطه، من خلال الجسد (تعابير الوجه، شكل الوقوف، التعرق، الابتسامة، التكشير، الصوت ونبرته).
تبرز من خلال العلاقة التفاعلية مسألة أخرى بين الباحث والمخبر تتمثل في مستوى مقاربته وفهم كل منهما للواقع، هذا الواقع المبني في علاقة بحثية بين الباحث والمخبر على أساس ارتباط آني، طابعه رسمي في كثير من الأحيان، إطاره مثالي بشكل أو بآخر لارتباط غير متكافئ بين باحث ومخبر، قد يكون مكانه مستترًا حسب مقتضيات البحث.
يتسبب هذا النوع من الارتباط في إعطاء نتائج ميدانية بمستويات تحليلية متنوعة، على الباحث بعد ذلك بذل جهد كبير في تحليلها.
بقي أن نتحدث عن النص المكتوب الذي ينقل الأحداث المعيشة التي ذكرها الراوي المخبرإلى مستوى آخر قد لا يرى فيه المخبر نفسه. وهذه المسألة ستتم مناقشتها بشكل أعمق عند الحديث عن نص السيرة الحياتية وأساليب كتابته.
• التحضير للمقابلة
يتم التحضير للمقابلة وفق مستويات عدة: مستوى تقني (تحضير المعدات اللازمة من أدوات تدوين وتسجيل وتصوير)، مستوى لوجستي مع المخبر (تنظيم الوقت وضبطه، وتحضير المخبر لهدف السيرة وأهدافها، عدم وضعه في إطار المقابلة في كليَتها)، ومستوى ذاتي معرفي يتمثل في تحضير الباحث نفسه من خلال ملاحظاته وتحليله الذاتي المستمر لقراءاته المعرفية للموضوع المدروس(28). ومن خلال تنشيطه لحواسه لأن عليه أن يلاحظ، يدوَن، يفكك الألغازأحياناَ، وعليه بشكل أساسي أن يضمن نوعية المقابلة وزمانها، ويضمن في الوقت عينه توطيد العلاقة التفاعلية بينه وبين الراوي(29).
• تنشيط الذاكرة
يطرح التدخل في مسألة تنشيط الذاكرة إشكالية مهمة في حدود تدخل الباحث في المقابلة السردية الطابع. لهذا يلجأ الباحث أحيانًا لتقنيات وأدوات يمكنها أن تلعب هذا الدور بطريقة غير مباشرة.
في عمل بحثيَ لبناء ذاكرة المهاجرين إلى فرنسا(30)، تم تنشيط ذاكرة هؤلاء المهاجرين من خلال استخدام الموسيقى، الفنون، الأفلام، الصور، وقد ساهمت هذه التقنيات بإعادة إحياء ما هو مخفي في الذاكرة.
• أساسيات تقنية المقابلة السردية
تعتمد تقنية مقابلة السيرة الذاتيَة السرديَة الطابع في الدراسات الاتنوبيوغرافية، (بخلاف المقابلة المبنية على أساس تساؤلات محددة)، على مقاربة المعارف والأحداث للمخبر دون أي تقطيع في عملية السرد، إلا لتصويب مسار أو الاستفسار عن بعض الأشياء الغامضة. من خصائص هذه المقابلة أيضًا، وفق بيرتو، أنها تطورية البناء، يحضر لها ذهنيًا، وفق تصورنا لنوعية معارف المخبر(31).
• تدوين الملاحظات خلال المقابلة
لا تختلف تقنية الملاحظة المعتمدة في كتابة السيرة الحياتية عنها في غيرها من الأبحاث الأنتروبولوجية أو الاجتماعية التي تعتمد البحث النوعي في عملها. فالملاحظة تطبق بكافة حاجات البحث ونوعية ميدانه.
أما أنواع عملية التدوين سواء للملاحظات فتتّم أثناء المقابلة أو بشكل مباشر بعد المقابلة، حتى لا يتّم نسيانها.
بالنسبة لتدوين المقابلة نفسها، هناك من الباحثين من يشجع على الكتابة المباشرة، دون استعمال المسجلة، وهناك من يشجع على استخدام المسجلة بالرغم مما تتطلبه من ساعات طوال في إعادة تفريغ المقابلة كتابيًا. والحقيقة أنها كلها تقنيات يفرضها أحيانًا نوع الشخص المتقابل معه أو نوع المقابلة ومدى مدتها، أو نوع الميدان المدروس وحتى تفضيلات الباحث نفسه لتفضيل استخدام تقنية عن أخرى.
• البعد الأخلاقي للمقابلة
إن مناقشة البعد الأخلاقي في الأبحاث الاجتماعية، وخصوصًا منها الأبحاث التي تتبع المقاربة الاتنوبيوغرافية هي ضرورة مهمة. إذ يعتبر احترام خصوصية المخبر كأساس لبناء الثقة الإنسانية كما العلمية، بينه وبين الباحث الاجتماعي. لا ننسى أننا نتعاطى مع الانسان ومع حقوقه علينا، قبل تعاطينا مع تاريخه المعيش، مع خياراته، ومع معارفه.
وإذا كان النقاش حول الحقوق أمرا ضروريا، فالنقاش حول التزام الباحث، كفاعل اجتماعي، بقضايا اجتماعية ضروري أيضًا، خصوصًا إذا كان موضوعه يثير الكثير من القضايا التي تطال أبعادًا إيديولوجية حساسة في المجتمع.
لا شك أن الدراسات الاجتماعية الحديثة، وخصوصًا منها الدراسات الاتنوبيوغرافية، التي باتت تهتم أحيانًا بسير الجماعات المهمشة، جماعات السيدا، المثليين، المدمنين،…. هي التي نمت النقاش في مثل هذا البعد الأخلاقي للباحث، سواء في الميدان أو في بنائه لنصه أو حتى في تحليله لمضمونه. فالمخبر في هذا الإطار يمكن تشبيهه بالإنسان الذي وضع نفسه أمام ضمير الباحث وحكمه(32). لا بد من الوعي بأن قياس من هو إنسان طبيعي أوغير طبيعي في المجتمع هو قياس نسبي، فالاثنان هما نتاج الثقافة التي كونتهما اجتماعيًا.
إن الاهتمام بهذه المسائل الأخلاقية ضروري لنقاش الأحكام القيمية التي يقع فيها الباحث عن وعي أو حتى عن غير وعي منه. لا شك أنه من المهم التذكير بأن الموضوعية في البحث هي مسألة تبنى وتقاس من خلال موقف الباحث الأخلاقي المعرفي في بحثه، موضوعية يتطلب بناؤها نقاشًا ذاتيًا مستمرًا لمحاولة إسقاط الأحكام الثقافية القيمية المسبقة التي تشكل الباحث كما مخبره اجتماعيًا. وإذا كنا نطلب من الباحث تطبيق المعايشة بالمشاركة لفهم الواقع فأننا نطلب منه المعايشة الانعكاسية Reflexive لذاته ليبني موضوعيته في قراءة هذا الواقع ليسقط من أحكامه الآراء والأفكار المسبقة. لا بد من أن نشير أيضًا إلى أن الكثير من الأحاسيس التي غالبًا ما ترافق العمل الميداني: مثل أحاسيس الغضب، الضجر، عدم الفهم، الاشمئزاز، الشك، الضغط العصبي، الخوف، والحرج، نادرًا ما نوقشت، خصوصًا ضمن النص لأنها تقلل من مستوى “مبدإ النشوة” المرتبط ضمنيًا بالعمل الميداني النموذجي(33). إن نقاش مثل هذه المسائل من قبل الباحث مع ذاته أولًا ومن خلال النص ثانيًا، هي التي تشكل أحد أهم سبل بناء ما أسماه بورديو بالموضوعية المشاركة objectivation participante في العمل البحثي.

السيرة الحياتية : هيكلة النص
بعد الانتهاء من العمل الميداني يبدأ دور الباحث في إعادة هيكلة السيرة (34). لا بد هنا من تحديد بعض التقنيات السردية التي يشيع استخدامها في السير الحياتية عمومًا، والتي يبنى على أساسها النص.
أ – غالبًا ما يتّم هيكلة السيرة الذاتية وفق الأحداث التي لها طابع تاريخي في حياة الراوي. فسيرورة الأحداث هذه هي التي تعكس الطابع القدسي للسيرة نفسها، حيث أن منطق التسلسل الزمني لعرض الماضي غالبًا ما يفسر بوجوده الحاضر، إذ تختلط في معظم الأحيان قراءة الماضي مع عرض الواقع. إن هذه الهيكلة التي يعتمدها الراوي هي التي تعطي السيرة الطابع الواقعي والحقيقي للأحداث .
ب – من المفيد الأخذ بالاعتبار في هيكلة السيرة الحياتية وفق الاسلوب السردي للرواية أن الذاكرة لا تقدم مسارًا متسلسلًا للأحداث الحياتية، وأن إعادة هيكلة السيرة زمنيًا يكون وفق ذاكرة الراوي وغايات البحث.
ت – غالبًا ما يخفى الطابع السردي لسيرة الحياة “الأنا” التي تكون مستترة بشكل مقصود أو حتى غير مقصود، في النص.

كتابة نص السيرة ولغته
إذا انتقلنا للحديث عن لغة الكتابة لا بد من أن نعي أنه لا يوجد أسلوب واحد لصياغة النص. لا بد من الاعتراف أن التعبير الكلامي لوصف الواقع هو أمر صعب والأصعب منه كتابة هذا الواقع. لا أحد يمكنه أن ينكر إذًا مدى صعوبة تصوير الواقع. ويعتبر بارت أن الباحث الواقعي هو الذي يمكنه أن يعترف بأن اللغة هي ثانوية مقارنة بالواقع، هي تعبر عن الواقع لكنها لا تنتجه، وهي لذلك وبطريقة أخرى تابعة له.
يقول كريستيان غساريان(35) Christian Ghasarian إن النص الخاضع لسياق معين يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الشخص الذي نعمل على نقل أقواله بشكل لا نلغيه منه ولا نفقده السيطرة على كلماته. لهذا، ودائمًا وفق رأي غازاريان، فإنه من الحكمة والنزاهة أن ننتج نصًا مقالي الطابع، حواريا أو متعدد اللهجات يظهر الذاتية المتبادلة بين الباحث: كاتب النص، والمستجوب المخبر. يتابع غازاريان، وفي السياق عينه، أن هناك عدد كبير من الباحثين، الواعين لما تتطلبه مجازفة إنتاج النص في الإنتاج المعرفي العلمي، يفكرون بالعمل الكتابي ويعترفون بحقيقة أن كتابة النص هي محاولة إقامة تواصل بين الأصوات (المسموعة من الميدان) وبين المواقف المختلفة، وأن هذه العلاقة بين الكلمات والأشياء هي علاقة بعيدة كل البعد عن الشفافية. إن إنتاج البحث_ الحصيلة المكتوبة_ يظهر (وفق هذا المنظور) وكأنه موضوع للبحث والتقصي الجدير بالاهتمام.
قلنا إن هناك العديد من السير الحياتية التي يختلط في سردها الكثير من الأطراف، والخطب، والمشاهد الهامة التي تغني الدلالات الرمزية للنص.
– غالبًا ما تشتمل السيرة الحياتية على مستويات عدة من أنماط الصيغ الكتابية، إذ يظهر جنبًا إلى جنب في النص: صيغة الأسلوب الحواري الحي والمباشر، الصيغة الوصفية، الأفكار، الأحكام ..
– غالبًا ما يتضمن النص السردي بعضًا من تعابير اللغة المحكية، الألفاظ والتعابير المحلية أو الشعبية التي يتعمد وضعها “الراوي” المتخيل للسيرة (الذي لا يمثل واقعيًا لا كاتب النص ولا حتى راوي السيرة الحياتية نفسه)
– غالبًا ما يتّم إطلاق تعميمات في النص السردي من خلال “الراوي المتخيل” والتي تتطلب التحقق من مصداقيتها.
السيرة الحياتية : أساليب التحليل
حدثنا جيل هول Gilles Houle عن مراحل ثلاثة في تاريخية كتابة السير الحياتية:
المرحلة الأولى: كان يعتبر أثناءها أن غنى السيرة الحياتية يكمن في نشرها كما هي، مع إضافة مدخل تمهيدي إذا اقتضت الحاجة لذلك، وأن يترك للقارئ تقييم مضمون السيرة وفهم دلالاتها الاجتماعية.
المرحلة الثانية: كان يعتبر خلالها أن كافة الدلالات الاجتماعية تكمن في السيرة الحياتية مع اعتراف بصعوبة قراءتها بالارتكاز فقط على السيرة نفسها. لهذا بدأ تحليل هذه الأخيرة من خلال إبراز المؤشرات المتجسدة فيها.
المرحلة الثالثة: ابتدأت التساؤلات خلالها في سياق تنوع تحليلي تحدى تصنيفات السير الحياتية ليطرح تيارًا فكريًا ومنهجية في كتابة السير الحياتية كحالة معرفية.
لفهم نص السيرة الحياتية وأساليب تحليله، لا بد بداية من فهم أساسيات مضمون السيرة الحياتيه لنبحث بعد ذلك في طرائق التحليل.
يقول بيرتو إن كل سيرة حياتية تحمل في مضمونها عناصر معلوماتية ومؤشرات حول مظاهر متعددة في شخصية الراوي وعلاقاته الاجتماعية. نذكر من هذه المؤشرات تلك التي تبين:
– الشخصية الباطنية لمخبر السيرة أو البنية الأولية لشخصيته: تنشئته الاجتماعية، تعلمه الثقافي والمهني، تغيراته النفسية اللاحقة، تصرفاته الطبيعية.. بمعنى آخر البنية الثقافية الأولية للمخبر أو لكاتب السيرة التي نستطيع أن نفهم، من خلالها، إشكال علاقته بالآخرين في سيرورة حياته.
– تاريخية المخبر من خلال علاقته مع الأسرة والأقارب، أي واقع ارتباطه بالمؤسسات الاجتماعية وحقيقة علاقته معها.
– علاقاته الذاتية السوسيو- بنيوية مع العالم الاجتماعي (مواقفه ومواقعه) وهي العلاقة التي تعكس صورة بيو انتروبولوجية لتاريخية وجوده الإنساني.
إن هذه المؤشرات جميعها هي التي يتّم الارتكاز عليها في عملية التحليل. إذ لا بد من فهم البناء الذاتي لصاحب السيرة نفسه لوعي التوتر القائم عادة بين الظروف الذاتية وموضوعية السيرة نفسها في عرضها لمسارها التاريخي الاجتماعي. ولتعميق تحليل السيرة الحياتية لا بد أيضًا من محاولة ربط المسار التاريخي الاجتماعي لصاحب السيرة بمؤشرات مجتمعية أخرى لرصد واقع تقاطعها مع تلك المؤشرات.

السيرة الحياتية : قيمتها العلمية في الأبحاث الاجتماعية
لا شك أن التبرير العلمي والمنهجي للسيرة الحياتية ولدورها في مجال العلوم الاجتماعية، ما زال يصارع لإثبات ذاته من خلال قدرته على قراءة الكلي من خلال الجزئي في المجتمع، أمام تيار فكري آخر ما زال يدافع هو أيضًا عن رؤيته في قراءة الواقع ورفضه لهذا التعميم. ولا شك أيضًا أن مسألة اللغة في العلم والذاتية في صياغة الأحداث، ما زالت تطرح الكثير من التساؤلات، حتى أنها غذت كثيرًا ميدان الانتروبولوجيا والسوسيولوجيا الانعكاسية.
لكن الذي لا شك فيه أيضًا، والذي بات واضحًا، من خلال تراكم النتاج المعرفي للسيرة الحياتية، هو أن هذه المنهجية قد استطاعت أن تتيح للفئات الصغيرة في المجتمع ديمقراطية التعبير عن نفسها، وحرية إبراز هوياتها الاجتماعية الخاصة. إن الفرد، ومن خلال هذه التقنية، بات باستطاعته ، كما يقول جان بير جلميني Jean pierre Jelmini، أن يعبر بشكل مستدام، يمكن أن تنقله الأجيال ويصبح حتى مصدرًا لدراسات تاريخية لاحقًا.
لقد عكست منهجية السيرة الحياتية للثقافة الشفاهية دورها كممثل حقيقي للحياة الواقعية المعيشة التي يمكن اعتبارها المفتاح الأساسي لفهم دلالات لرموز وبنى الذاكرة المعيشة المتوارثة .
الذي لا شك فيه أيضًا هو أن هذا المنهج قد فتح، من خلال تحليل معطياته، “جدلية الاجتماعي” أي جدلية العلاقة المعيشية المعقدة للفرد أو لجماعة صغيرة مع المعطيات الاجتماعية والاجتماع أو للعلاقة بين عالم التجربة والقيم المعاشة، وعالم البنى والمجتمع الأشمل.

المراجع :

1 – البيوغرافيا والبيوغرافيا الذاتية مصطلحان استخدما أولًا في التراث الأدبي الغربي، قبل استعمالهما في مختلف فروع العلوم الإنسانية الأخرى. يقابلهما مصطلحي السير والسير الذاتية المستنبطين من التراث الأدبي والديني في مجتمعاتنا العربية. لا شك أن هناك العديد من المصطلحات التي لم يحسم استخدامها بعد، ولا شك أن الحسم في هذا الموضوع يأتي من ذيوع استخدام مصطلح عن آخر.
-دليو؛ فضيل: المنهج البيوغرافي: استعمال السير الذاتية والحياتية في علم الاجتماع؛ المصدر: مجلة العلوم الاجتماعية – مجلد 27 – عدد 2 (1999)http://www.forum.ok-eg.com/show.php?main=1&id=1927 يشير عبد الرحمن المالكي في هامش ترجمته لبحث دانيل بيرتو المعنون :”المقاربة البيوغرافية: صلاحياتها المنهجية وامكانياتها” المنشور في مجلة اضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع.- العدد الثالث عشر- 2011- لمدى صعوبة المصطلح أو الترجمة في العلوم الانسانية إلى اللغة العربية، خصوصًا عندما يستند الباحث العربي على المراجع الأجنبية .- وهي صعوبة تضاف عندنا لإختيار المصطلح ومعناه، إن ذكرنا لهذه الملاحظة سببه محاولة التأكيد عليها، واضافة اننا في بحثنا هذا فضلنا اعتماد مصطلح السيرة الحياتية  لترجمة récit de vie  على مصطلح “حكاية” حياة .- لا بسبب اختلاف على الترجمة.- فالمصطلحان قد يجوز استخدامها، وتفضيلنا هذا سببه شيوع مصطلح السيرة في تراثنا العربي عند محاولة الحديث عن “حكاية” حياة.
2 – BERTAUX Daniel: l’enquête et ses méthodes: Le récit de vie.- 3ème éd.- Paris: Armand Colin. (La collection universitaire de poche 128).- 2010
3 – الكل يعلم أن استخدام السير الحياتية هو اسلوب  قديم، عرفته كافة الشعوب وزخرت به كافة الحضارات الانسانية. تمثل بالاساطير، بسير بطولات  الملوك، والحكام والقادة، بقصص الرحالة، …..
4 – BRUN Patrick: Le récit de vie dans les sciences sociales.- Article extrait du dossier n°188 « L’écriture de la vie ».- November 2003.
http://www.revue-quartmonde.org/spip.php?article62
5 – GONSETH Marc-Olivier; MAILLARD  Nadia: “L’approche biographique en ethnologie: point de vue critique: commentaire historique” in Histoire de vie: approche pluridisciplinaire.- éd. De l’institut d’ethnologie- Neuchâtel; édition de la Maison des sciences de l’homme- Paris.-(collection Recherches et travaux.- No.7 1987.-(Voir p.p. 5-46)
6 – لمعرفة مجموعة مؤلفات سدني منتز أنظر
http://sidneymintz.net/index.php
ومن اهم اعمال اوسكار لويس: ثقافة الفقر : Culture of Poverty
7 – GONSETH Marc-Olivier; MAILLARD  Nadia.- op. cit
8 – BELMONT Nicole :- L’expérience d’Oscar Lewis, romancier anthropologue. In: Annales. Économies, Sociétés, Civilisations. 22e année, N. 3, 1967. pp. 620-623. doi: 10.3406/ahess.1967.421558.2649_1967_num_22_3_421558″http://www.persee.fr/web/revues/home/prescript/article/ahess_0395″
9 – Jean-Louis Le Grand: Définir les histoires de vie Sus et insus “défi notionnels”. www.barbier-rd.nom.fr/definirHdV.pdf
10 – وليام توماس هو أستاذ علم الاجتماع في جامعة شيكاغو عمل مع مساعده الفيلسوف البولوني فلوريان زينانيسكي خلال الفترة ما بين 1918 و1920 ولقد أصدرا كتابًا بعنوان:” الفلاحون البولنديون في أوروبا وأميركا”The polish peasant in Europe and America
11 – GARFINKEL Harold : Studies in Ethnomethodology‎
12 – BRUN Patrick: op. cit.
13 – عرف هذا الفريق باسم: مجموعة البحث في المقاربة البيوغرافية في السوسيولوجيا (le GEABS (Groupe d’étude de l’approche biographique en sociologie. يذكر عبد الرحمن المالكي في بحثه: المقاربة البيوغرافية: صلاحياتها المنهجية وامكانياتها: (ذكر سابقًا) أنه ومنذ سنة 1975 ومجموعة البحث هذه التابعة لدار علوم الإنسان تنظم كل سنة تقريبًا ورشة عمل لمدة أسبوع. تناقش كل ورشة دور السيرة الحياتية في مسألة سوسيولوجية معينة وذلك، ودائمًا عن المالكي، لضبط وتحسين منهجية المقاربة البيوغرافية.
SANSEAU Pierre-Yves, Les récits de vie comme stratégie d’accès au réel en sciences de gestion : pertinence, positionnement et perspectives d’analyse
www.recherche-qualitative.qc.ca/numero25(2)/ysanseau.pdf
14 – نموذج مثال على ذلك :الرسوم الكرتونية  BD لجورج بيريك ” دبليو أو الذاكرة في مرحلة الطفولة ”  التي ظهرت عام  1975.- ولقد تتالت بعدها استخدام الرسوم الكرتونية في كتابة السير الذاتية والسير الحياتية.
George Perec: W ou le souvenir d’enfance
15 – Freddy Raphaël: professeur de Sociologie à l’Université Marc Bloch de Strasbourg
16 – Françoise Morin: “Pratiques anthropologiques et histoire de vie. Un article publié dans la revue Cahiers internationaux de Sociologie, vol. LXIX, 1980, pp. 313-339.”1980.
http://bibliotheque.uqac.ca/
17 – BERTAUX Daniel: ibid
18 –  انظر كنموذج عن هذا السياق البحثي:
DESJEUX Dominique.-  La consommation, Paris, PUF, collection Que-sais-je ? 2006
19 – للتوسع اأثر في هذا الموضوع انظر: BERTAUX Daniel: op. cit
ويمكن أيضًا قراءة بحث بيرتو المترجم من عبد الرحمن المالكي: ذكر سابقًا، والذي يتحدث ضمنه بيرتو عن تقنية المقابلة السردية وطرائق تحليلها بشكل مسهب.
20 – Ghasarian Christian:” Sur les chemins de l’ethnologie réflexive”.- In De l’ethnologie à l’anthropologie réflexive: Nouveaux terrains, nouvelles pratiques, nouveaux enjeux.- Paris: Armand Collins.- 2002
من أهم من كتب في هذا المجال أيضًا
:BOURDIEU Pierre:; WACQUANT Loïc J.D. : Réponses pour une anthropologie réflexive.- Éditions. Seuil. 1992
هذا الكتاب مترجم للعربية: بيير بورديو؛ ج. د. قاكونت: أسئلة علم الاجتماع : في علم الاجتماع الانعكاسي.- الرباط: دار توبقال للنشر.- (ترجمة عبد الجليل الكور.- اشراف ومراجعة محمد بودودو) (سلسلة المعرفة الاجتماعية).- 1997.
نموذج كتابين اعتمدا منهج السيرة الذاتية للباحث في سياق عمله،
– حائري شهلا:  المتعة: الزواج المؤقت عند الشيعة.- ترجمة وتحقيق: فادي حمود.-  شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.- 2003
– مجموعة من الباحثات: في وطني ابحث:  المرأة العربية في ميدان البحوث الاجتماعية.- مركز دراسات الوحدة العربية.-  1993
21 – للتوسع في هذا المجال انظر على سبيل المثال:
Christinat Jean Louis: “Problèmes de terrain ou l’expérience ethnographique”. Bulletin de la Société suisse des Américanistes (Genève) 1980.  44: 39-48.- www.ssa-sag.ch/bssa/pdf/bssa44_07.pdf
22 – QUELOZ Nicolas: l’Approche biographique en sociologie: essai d’illustration et de Synthèse.- in Histoire de vie: approche pluridisciplinaire.- éd. De l’institut d’ethnologie- Neuchâtel; édition de la Maison des sciences de l’homme- Paris.-(collection Recherches et travaux.- No.7 1987.-( voir p.p. 47- 63)
23 – M. Catani et S. Mazé, Tante Suzanne, une histoire de vie sociale, Paris, Librairie des Méridiens, 1982.
24 – BERTAUX Daniel.-Une enquête sur la boulangerie artisanale par l’approche biographique.- Subvention C.O.R.D.E.S. n° 43/76.- Centre d’Étude des Mouvements Sociaux – E.H.E.S.S..-1980.-  www.valt.helsinki.fi/staff/…/BertauxBoulangerieVOL_I.pdf
25 – FAVRE  Adeline: Moi, Adeline, Accoucheuse./ document mis au point par Yvonne Preiswerk – Sierre: éd. Monographic: Lausanne éd. D’en bas.- 1981.-(collection d’archives vivantes)
26 – BOURDIEU Pierre:- L’Illusion biographique.- In Pierre Bourdieu : Raisons pratiques, Sur la théorie de l’action. Paris, Éd. du Seuil, 1994. Chapitre 3 : Pour une science des œuvres. http://www.homme moderne.org/societe/socio/bourdieu/raisons/illusion.html Des textes de l’impétrant
27 – لتتوسع أكثر في هذا الموضوع انظر:
PAILLÉ Pierre; MUCCHIELLI Alex: l’analyse qualitative en sciences humaines et sociales.-Paris: Armand Colin.- (collection U) 2003.- (voir l’équation intellectuelle du chercheur p. 37)
28 – Werner Michael et Zimmermann Bénédicte, « Penser l’histoire croisée : entre empirie et réflexivité », Annales. Histoire, Sciences Sociales, 2003/1 58e année, p. 7-36. Distribution électronique Cairn.info pour Éditions de l’E.H.E.S.S
http://www.cairn.info/revue-annales-2003-1-page-7.htm
29 – للتوسع في هذا الموضوع انظر :
DE SARAN JP. Olivier: L’enquête socio-anthropologique de terrain: synthèse méthodologique et recommandations à usage des étudiants.- Études et Travaux n° 13. Laboratoire d’études et recherches sur les dynamiques sociales et le développement local.- LASDEL-2003
www.ird.ne/lasdel/pub/13methodologie.pdf
30 – GONSETH Marc-Olivier; MAILLARD  Nadia: op. cit (voir p. 27) ddata.over-blog.com/…/Immigration-en-nord-pas-de-calais.pdf
31 – للتوسع اكثر في هذا الموضوع أنظر:
32 – Cahier n° 5: répertoire des actes et des actions de la mémoire de l’immigration en région Nord-pas-de Callais.- Les Cahiers de D’un Monde à l’Autre.- ddata.over-blog.com/…/Immigration-en-nord-pas-de-calais.pdf
BERTAUX Daniel: op. cit: (p.p. 60-61)
33 – Voir à ce propos: Sandrine Musso, 2009. « A propos du “malaise éthique” du chercheur : les leçons d’un terrain sur les objets « sida » et « immigration » en France ». ethnographiques.org, Numéro 17- novembre 2008 [en ligne].
(http://www.ethnographiques.org/2008/ Musso – consulté le 26.04.2011)
GHASARIAN Christian: Op. cit.
34 – Voir: GONSETH Marc-Olivier; MAILLARD Nadia. – op.cit.  p. 24
35 – Ghasarian Christian:” Sur les chemins de l’ethnologie réflexive”.ibid.
المراجع :
بورديو؛ بيير؛ قاكونت؛ ج. د.: أسئلة علم الاجتماع : في علم الاجتماع الانعكاسي.- الرباط: دار توبقال للنشر.- (ترجمة عبد الجليل الكور.- إشراف ومراجعة محمد بودودو) (سلسلة المعرفة الاجتماعية).- 1997.
دانيل بيرتو:”المقاربة البيوغرافية: صلاحياتها المنهجية وإمكانياتها” المنشور في مجلة إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع.- العدد الثالث عشر- 2011
دليو؛ فضيل: المنهج البيوغرافي: استعمال السير الذاتية والحياتية في علم الاجتماع؛ المصدر: مجلة العلوم الاجتماعية – مجلد 27 – عدد 2 (1999) http://www.forum.ok-eg.com/show.php?main=1&id=1927
حائري؛ شهلا: المتعة: الزواج المؤقت عند الشيعة.- ترجمة وتحقيق: فادي حمود.- شركة المطبوعات للتوزيع والنشر.- 2003
مجموعة من الباحثات: في وطني أبحث: المرأة العربية في ميدان البحوث الاجتماعية.- مركز دراسات الوحدة العربية.- 1993
BELMONT Nicole : L’expérience d’Oscar Lewis, romancier anthropologue. In: Annales. Économies, Sociétés, Civilisations. 22e année, N. 3, 1967. pp. 620-623. doi :
10.3406/ahess.1967.421558.2649_1967_num_22_3_421558
BERTAUX Daniel: l’enquête et ses méthodes: Le récit de vie.- 3ème éd.- Paris: Armand Colin. (La collection universitaire de poche 128).- 2010
BERTAUX Daniel.-Une enquête sur la boulangerie artisanale par l’approche biographique.- Subvention C.O.R.D.E.S. n° 43/76.- Centre d’Étude des Mouvements Sociaux – E.H.E.S.S..-1980.- www.valt.helsinki.fi/staff/…/BertauxBoulangerieVOL_I.pdf
BOURDIEU Pierre:- L’Illusion biographique.- In Pierre Bourdieu : Raisons pratiques, Sur la théorie de l’action. Paris, Éd. du Seuil, 1994. Chapitre 3 : Pour une science des œuvres. http://www.homme moderne.org/societe/socio/bourdieu/raisons/illusion.html Des textes de l’impétrant
Cahier n° 5: répertoire des actes et des actions de la mémoire de l’immigration en region Nord-pas-de Callais.- Les Cahiers de D’un Monde à l’Autre.- ddata.over-blog.com/…/Immigration-en-nord-pas-de-calais.pdf
CATANI M. et MAZE S., Tante Suzanne, une histoire de vie sociale, Paris, Librairie des Méridiens, 1982
CHRISTINAT Jean Louis: “Problèmes de terrain ou l’expérience ethnographique”. Bulletin de la Société suisse des Américanistes (Genève) 1980. 44: 39-48.- www.ssa-sag.ch/bssa/pdf/bssa44_07.pdf
DE SARAN JP. Olivier: L’enquête socio-anthropologique de terrain: synthèse méthodologique et recommandations à usage des étudiants.- Études et Travaux n° 13. Laboratoire d’études et recherches sur les dynamiques sociales et le développement local.- LASDEL-2003
GHASARIAN Christian:” Sur les chemins de l’ethnologie réflexive”.- In De l’ethnologie à l’anthropologie réflexive: Nouveaux terrains, nouvelles pratiques, nouveaux enjeux.- Paris: Armand Collins.- 2002
GONSETH Marc-Olivier; MAILLARD Nadia: “L’approche biographique en ethnologie: point de vue critique: commentaire historique” in Histoire de vie: approche pluridisciplinaire.- éd. De l’institut d’ethnologie- Neuchâtel; édition de la Maison des sciences de l’homme- Paris.-(collection Recherches et travaux.- No.7 1987.- (Voir p.p. 5-46)
HOULE Gilles: “La sociologie comme science du vivant: l’approche biographique”.- Un article publié dans l’ouvrage sous la direction de Poupart, Deslauriers, Groulx, La perrière, Mayer, Pires [Groupe de recherche interdisciplinaire sur les méthodes qualitatives], La recherche qualitative. Enjeux épistémologiques et méthodologique, pp. 273-289. Montréal: Gaëtan Morin, Éditeur, 1997, 405 pp.
ttp://classiques.uqac.ca/contemporains/houle_gilles/socio_science_du_vivant/socio_science_du_vivant_texte.html”l “sociologie_intro”
LE GRAND Jean-Louis: Définir les histoires de vie Sus et insus “défi notionnels”. www.barbier-rd.nom.fr/definirHdV.pdf
MORIN Françoise: “Pratiques anthropologiques et histoire de vie. Un article publié dans la revue Cahiers internationaux de Sociologie, vol. LXIX, 1980, pp. 313-339.”1980.
MUSSO, Sandrine. « A propos du “malaise éthique” du chercheur : les leçons d’un terrain sur les objets « sida » et « immigration » en France ». Ethnographiques. org, Numéro 17- novembre 2008 [en ligne].
http://www.ethnographiques.org/2008/ Musso
PAILLÉ Pierre; MUCCHIELLI Alex: l’analyse qualitative en sciences humaines et sociales.-Paris: Armand Colin.- (collection U) 2003.- (voir l’équation intellectuelle du chercheur p. 37)
QUELOZ Nicolas: l’Approche biographique en sociologie: essai d’illustration et de Synthèse.- in Histoire de vie: approche pluridisciplinaire.- éd. De l’institut d’ethnologie- Neuchâtel; édition de la Maison des sciences de l’homme- Paris.-(collection Recherches et travaux.- No.7 1987.- (voir p.p. 47- 63)
SANSEAU Pierre-Yves, Les récits de vie comme stratégie d’accès au réel en sciences de gestion: pertinence, positionnement et perspectives d’analyse
www.recherche-qualitative.qc.ca/numero25 (2)/ysanseau.pdf
WERMER Michael et Zimmermann Bénédicte, « Penser l’histoire croisée : entre empirie et réflexivité », Annales. Histoire, Sciences Sociales, 2003/1 58e année, p. 7-36. Distribution électronique Cairn.info pour Editions de l’E.H.E.S.S http://www.cairn.info/revue-annales-2003-1-page-7.htm le 26.04.201

 

 

*مها كيال : كاتبة من لبنان

 

المصدر: مجلة الثقافة الشعبية –البحرين- عدد 29 – 2015

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بالملحق العربي لجريدة السفير اللبنانية.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>