البستان

 

 

“أريج البستان في تصاريف العميان”

للقاص أنيس الرافعي: قراءة أنثروبولوجية

 

عبد اللطيف حباشي*

يمتلك القاص المغربي أنيس الرافعي في هذا العمل القصصي الجديد روح الأنتربولوجي ، باشتغاله على البعيد وعلى القريب ، وانشغاله بالفنون وبالرموز وبالدلالات ، بالهوامش وبالمنفلت ، بالحدود وبالعتبات، الفاصلة بين الداخل والخارج، الواقع والخيال ، الأثر والتأويل ، دون التبرم من سلطة المتخيل الشعبي سواء عن قصد أو عن غير قصد..
هذه الروح هي من جملة ما استدعاني إلى التفاعل مع هذا العمل ، ومحاولة الاقتراب منه انطلاقا من إضاءات وتأملات تعتمد قراءة أنتربولوجية لأهم جوانبه. قراءة تحترم علامات النص ، وتربط بين الرموز والمتخيل والثقافة العامة للمجتمع ، مع استحضار البعد الطقوسي والديني الذي يطبع هذه الثقافة من جهة ، ومن جهة أخرى ينبغي اعتبار هذا العمل واقعة نصية ضمن نسق ثقافي معقد يتضمن تمثلات وسلوكات وممارسات اجتماعية ووظائف رمزية، مما يتطلب تعدد المقاربات وتنويع المناهج وشبكات التحليل ، وهذا أمر موكل لدراسة أكثر استفاضة.

1- دليل حكائي متخيل:
الكتاب يقدم نفسه بوصفه ” دليلا ” بغرض تأمين رحلة الزائر للحضرة المراكشية ،عبر طقس يتمفصل بين معمار عالم حكائي ومتخيل تسكنه تفاعلات الثقافة والطبيعة والتاريخ وسلطة السحر. وهو دليل استكشافي خلفيته غير بريئة: جغرافيته مراكش الحمراء ، وأبطاله أدباء وفنانون مفتونون، عدته براق وطلاسم وطقوس، أماغايته فهي القبض على المعنى بعد التطواف . ذلك المعنى الذي هو ليس شيئا آخر سوى ” السحر ” ، سحر الإفتتان ، سحر المدينة ، وسحر مراكش . إنه دليل يتكئ على توظيفات الصورة كعلامة وإعادة إنتاجها في المتخيل والممارسات وكضرورة حياتية للذاكرة والجسد . وأول علامة يمدنا بها هذا الدليل هي صورة الغلاف .

2- الغلاف وطقس البداية:
الصورة مفهوم يصعب تحديده لأنها تشتغل باعتبارها وساطة فعلية ، تتحدد بين الرائي واللا مرئي عبر الإبصار” فأن ننظر ليس معناه التلقي وإنما ترتيب المرئي وتنظيم التجربة . إن الصورة تمتح معناها من النظرة ، كما يمتح المكتوب معناه من القراءة ، وهذا المعنى ليس تأمليا وإنما هو معنى عملي..(1).
تتشكل صورة الغلاف من طلسم يتوسط الصورة (طلسم ، تعويذة ، تميمة، سحر، رقية، حرز ، حجاب، جدول ، وفق ، المربع، الخاتم ،السبوب ، تبراد الرصاص…الخ . تتعدد هذه الأسماء وتتحدد وفق الاستعمالات والحجم والبلدان …وضمن معتقدات وطقوس وممارسات . يكاد هذا الطلسم أن يهيمن على كل أبعادها (صورة الغلاف) لولا حضور رمز البراق مكسرا سطوة الطلسم أفقيا، ووجهه شطر الأبواب المقلوبة الوضع على عكس الأبواب الأربعة المتبقية، وكأنها في لحظة طواف حول الطلسم الذي تتخلله رموز مبهمة الدلالة يتوجها الخاتم السليماني، في حين احتل الهلال أعلى يمين الصورة خارج الإطار- الطلسم ، تحف قاعدته دائرتان يمينا ويسارا .
هناك ارتباط وثيق بين الرمز واللغة ، فالرموز تتضمن اللغة والمعنى أي أن الرمز يحتوي على بعد مضاعف لسني ولا لسني ، وهذا البعد المضاعف أساسي في فهم كيفية اشتغال الرمز(2). ونستند في تحديد المعنى إلى السياق، وإلى الطريقة التي ينتج بها الفكر.
صورة الغلاف هنا تتجاوز وظيفتها الإستيتيقية ، معلنة عن طقس البداية أي الاستعداد للمرور إلى عالم سحري تبشر به رموز ودلالات الصورة من أبواب الحاضرة المراكشية السبع، إلى الطلسم السحري الذي له علاقة بالجسد طبعا ، ولا تخفى مكانته في المتخيل الشعبي كحماية ووقاية من شرور الشياطين والأشرار من البشر وأثره في تبديل الأحوال خيرا أو شرا ، مرورا بالبراق الحصان الأسطوري الذي شغل بدوره الفضاء التخييلي للإنسان ، خاصة وأنه يقدم تراثيا كـ “ميسر ” للإتصال واللقيا، وهو أيضا رمز بامتياز للحصان قائد الأرواح بعد الممات . وقد يكون إحياء ل “بيكاس” Pegaseالحصان المجنح في الميتولوجيا الإغريقية (3).حصان يجمع بين الخفة والسرعة بفضل جناحيه يرتفع نحو السماء .. نحو الآلهة .

• رمزية الأشكال الهندسية والأرقام:
تتكثف الصور والرموز داخل الأريج وخارجه لتشرعن منطق المفارقات وتعبد الطريق أمام جدلية الواقع والخيال، إحدى تجليات ذلك نلمسه من خلال رمزية الأشكال الهندسية والأرقام ، والتي يبدو أنها ارتبطت تاريخيا بالإنسان وعلاقته بذاته وبالآخرين ونظرته إلى الوجود، كما ارتبطت بالطقوس وبسيرورات الخلق والتكوين ، وأصبحت لها وظائف تربط السماء بالأرض والإنسان بالكون وشكلت رمزيتها جوابا للبحث الدائم عن الإنسجام الذي ينشده الكائن مع محيطه. كيف يمكن إذن استنطاق تلك الصور والرموزوالعلامات ومساءلة رمزيتها؟ .
يحثنا الرمز على التكلم – يلاحظ بول ريكور – إذ ليس هناك رمز دون بداية تأويل ، فحيثما هناك من يحلم ، يتنبأ أو ينظم شعرا ، هناك رجل آخر يؤول . فالتأويل ينتمي عضويا إلى التفكير الرمزي وإلى معناه المضاعف . لكن خصوبة الرمز لا تنضب ، فهي – وبدون انقطاع – تلد الفكرة وبالتالي الكلمة(4).
وجدت الرمزية الهندسية منذ أن وجدت الكتابة ، واعتبرت فلسفة بيتاغور الأشكال والأرقام بمثابة المبادئ الأولى للأشياء، ومنذ ذلك العهد غالبا ما أعطيت لها حمولة رمزية أوصوفية وهو الأمر الذي نجده سواء في الإسلام أو الثقافة الشعبية أوالمتخيل الكوني، ” تتمتع الصور الهندسية في الثقافة الإسلامية العالمة والشعبية ببعد رمزي قوي ، منغرس بعمق في المتخيل الإسلامي ، وسواء تعلق الأمر بالتقليد الصوفي أو الممارسات الشعبية ، فللأشكال الهندسية (المربع، الدائرة أو المثلث ) معانٍ متعددة تنتقل من السحر إلى الإدراك الفلكي للكون، وهي حمولات نجدها تعتمل في اللاوعي الإسلامي منذ قرون”(5(. إن أكثر الرموز انتشارا يمثلها: المثلث ، خاتم سليمان،النجمة متعددة الرؤؤس،والهلال، وأحيانا المربع أوالمستطيل.
أ‌- الهلال :
يعتبر الهلال رمز الإسلام ، وتكمن وظيفته الأساسية في تمديد الزمن الطقوسي بإعطائه إشارة بداية رمضان كشهر مقدس، كما أنه يتوسط العديد من الرايات الوطنية لدول عربية وهو أيضا شعار الطوابع البريدية بتركيا، وهناك من يشير إلى أن ظهوره كشعار قد تم في بداية المرحلة الإسلامية مرفوقا بنجمة ذات خمسة أو ستة رؤؤس على وجه وقفا النقود العربية الساسانية، وأن استعماله كشعار مزين للخيول الملكية هو أيضا مأخوذ عن تقليد ساساني ، واستعمل الهلال في التمائم باعتباره فأل خير ورمز للوقاية بالمدن العربية (6).للهلال رمزية خاصة في العديد من الحضارات والديانات المختلفة نجده كرمز أيضا فوق المآذن والقبب.
ب ــــ النجمة ذات الرؤوس الستة أو الخاتم السليماني:
ترتبط رمزيتها بالعديد من الحضارات والديانات ، وقد تم استعمالها في عدة طقوس سحرية، واستعملت كعلامة ضمن الحروز والتعاويذ، وفي الوشم على اليد كما أن النقود المغربية والمعمار المغربي في بعض مناطق الجنوب وفنون أخرى عرفت هذا الشكل الهندسي إلى جانب أشكال هندسية أخرى ، كما أن للطبري (838-923) كتابات حول قدسية خاتم سليمان حيث يرى أن له أربعة أوجه وأنه نزل من الجنة . لكن رواية قديمة تضيف أن سليمان ستفقده الشياطين متاعه السحري مثلما أفقدته مملكته (7).
الأشكال الهندسية تمثل حدوداً وامتدادات الأشياء، ورمزيتها لاتخلو منها أي ثقافة ، أما مجالات تعبيرها فتشمل أيضا الألوان والأعداد والأرقام والحيوانات والنبات والمادة بمافيها عناصر الطبيعة والحركات والطقوس والأدوات والتعبيرات والصفات …إلخ.
ج‌- الدائرة :
هي الشكل الهندسي الأكثر اكتمالا نظرا لكونها تبدأ من حيث تنتهي وترمز بذلك إلى دورة الحياة . وتعني القدسية أيضا لأنها تحيل على الشمس والقمر، وهي أيضا الشكل الذي يرسمه المسلمون في طوافهم حول الكعبة في موسم الحج . وتعتبر الدائرة لدى المتصوفة الشكل الهندسي الأكثر اكتمالا وانتهاء، فهي ترمز لكمال الخلق الإلهي (كماهو موجود لدى إ خوان الصفا) (8). كما أنها تمنح القيم والمعنى ، ترسم الحدود و امتدادات الأشياء باعتبارها مركزا للكون ، والصلاة صوب مكة تمثل للبعد الدائري وتطبيق لرمزيته فمكة هي النقطة المركز.
يختزل غلاف الأريج أغلب هذه الرموز باعتباره بابا لولوج عوالم الحكايات، ومتخيل الأبواب في العديد من الثقافات يحكي الكثيرعن سلطة الأبواب وارتباطها بالرموز.وهذا ما سنتطرق إليه لاحقا.
د- الأرقام أو الأعداد:
لبعضها رمزيته الخاصة أيضا كالعدد “خمسة “الذي يحيل على الأركان الخمسة لدين الإسلام، وللصلوات الخمس اليومية، كما يحيل على اليد بأصابعها الخمس كرمز يستعمل للوقاية وإبعاد الشرور .
فالعين الشريرة دلالة على الحسد لذلك يحث المعتقد الشعبي على قول عبارة ” تبارك الله ..” أو ” خمسة وخميس ..” عند رؤيتك لخيرات الآخرين ومتاعهم أوعند سماعك منهم لأخبار حسنة تتعلق بهم (كالحصول على شئ ثمين أو ازدياد مولود أوتحقيق نجاح معين…إلخ.) ، فقولك تبارك الله .. أ و ” الله يحفظ … من العين ” معناه رفع الحسد وإبعاد الشر الذي قد يصيب تلك الخيرات .. واليد أو العين المرسومة أو هما معا ، تلك هي الوصفة السحرية للتصدي للحسد أو العين الشريرة .
وهناك العدد “سبعة ” الذي تتعدد رمزيته حسب الثقافات والأزمنة كما هو الشأن بالنسبة لأعداد وأرقام أخرى كتب حولها الكثير، وسنكتفي – في هذه الورقة – بالإشارة إلى تلك التي وردت في الأريج.
للأرقام أيضا حمولات سحرية ودلالات طقوسية تحفل بها الثقافات والمتخيل الشعبي وتوظف في الجداول والحساب والترقيم …الخ . فالرقم سبعة “7” مثلا يتكرر في الأريج كالآتي : مدينة ” سبعة رجال” ، سبعة أبواب ، سبع سماوات ، الرقم نفسه يحمله منزل خوان غويتسولو في حكاية “ميت العصر” ،كما هو الشأن بالنسبة لعدد كراسات محمد بن علي الرباطي السبع التي أهداها لجورج في حكاية ” ألبوم الحمى ” – وإن كان هذين المثالين الأخيرين من باب غرابة الصدف – هناك أيضا ارتباط مابين الرقم سبعة وأرواح القطط وأمواج البحر، وشخصيات الطلاسم العلوية والسفلية وأيام الأسبوع التي تحكم زمن اشتغالها التي ترتبط عادة بهذا الرقم ، ….الخ ، وهو ما تعبر عنه بعض الثقافات حيث يتم الإحتماء من العين الشريرة عن طريق مادة الرصاص التي يتم تذويبها في إناء بعد القيام بتحريكها بشكل دائري في اتجاه عقارب الساعة سبع مرات، ثم في الإتجاه المعاكس سبع مرات أخرى، ويتم ذلك فوق رأس الشخص المعني بالأم . بعد ذلك يسكب الرصاص المذوب في إناء آخر نصفه مملوء بماء البحر ، الذي تم جلبه من سبعة أمواج بالضبط ، أي مقدار من الماء من كل موجة من أمواج البحر حتى تكتمل المرات السبع . عندها يتكرر الطقس ثلاث مرات وينتهي بقذف الماء أمام باب بيت ” الضحية “.

3/ لوحة تتحرك بداخلها الأجساد والمصائر :
انطلق القاص في رسمها وتشكيل معالمها معتمدا أسانيد واقعية ،عبارة عن شخصيات من عالم الفن والأدب وقعت أسير ة سحر فضاءات مراكش ، ليصنع من آثارهم ألوانا وأصواتا وحركات لمصائر جديدة . سبك خيوطها عبر سبعة أبواب وهي أبواب مراكش السبع (تنظيم الطواف)، ورتب لها بسبع سماوات وهي رمز لمدة التطواف وبعده الطقوسي، إذا ما استحضرنا وسيلة العبور ” البراق” وترتيب ركوب الشخصيات على مطيته .ولم يفت الكاتب أن يحمي أعتاب كل باب من الأبواب بجدول سحري أو طلسم يضاعف من أوهام الحقيقة قبل الولوج إلى المكان الساحر الذي طالما رآه “ربيبا للمتاهة “.
يتم التوسط بالسحر في شكل طلاسم من أجل اجتياز الأبواب، والعبور إلى عالم المجهول عالم الحكايات، إذا كانت التعويذة وقاية فقط ضد الأخطار فالطلسم يراد له أن يكون سلطة سحرية لها قوة التأثير على الواقع ، يشتمل الطلسم إضافة للكلمات وللأسماء وللحروف على مزيج من الأشكال والعلامات والآيات القرآنية ..وبذلك يصبح عالم “الأريج..” عالما أسطوريا ، تسبح في نهره أجساد واقعية وأخرى متخيلة تتأرجح مصائرها في الحدود بين الممكن والمستحيل والمتناقض والمفارق ” العوالم الأسطورية يبدو أنها قد بنيت فقط لتتشتت وتتبعتر ، ولتقام في ما بعد عوالم أخرى جديدة من بين الشظايا والشتات “(9). الأساطير محاولة للإجابة عن الأسئلة المستحيلة، وفهمها وتفسيرها يصطدم بعدة صعوبات منهجية تنتج عنها تعارضات في أثناء الدراسات وعند النتائج ، فكل شيء ممكن الحدوث في الأساطير – يقول ليفي ستراوس – تتكرر الأحداث، والتفاصيل ، والتشابهات رغم اختلاف جغرافيات حدوثها .
تبدو الأجساد في حكايات الرافعي ملبسة بفضاء رمزي يعقد من قصدية التأويل لأنها تربط بين النقيضين بين السماء والأرض، فالجسد يبدو كانفصال بين الأرض والسماء، بين الروح والجسم ، بين الطاهر والنجس بين اليمنى واليسرى ..الخ.
الجسد واقعة ثقافية باعتباره موضوعا للأنتروبولوجيا ، كما يجمع الجسد بين البعدين البيولوجي من جهة والرمزي واللغوي من جهة أخرى، وتتجلى تلك التعارضات (يمين – يسار ، مقدس – مدنس ) حتى على مستوى اللغة نفسها .
يشير الدليل إلى ترتيب للشخصيات التي ستمتطي البراق، ويبدأها بالشخصيات الواقعية وعددها 36 تليها الشخصيات المختلقة وعددها 16 تعارضات أخرى : الواقعي – الخيالي ، أجساد – أشباح، 36-19 العيني- المجرد ،الداخل – الخارج، الحاضر- الغائب ، الأمان- الخطر أو الريبة.
جنوح الخيال يستدعي توظيف البراق لحمل الشخصيات والعروج بهم من العالم الأرضي عبر سماوات الحكي ، كرمز لرحلة بين الواقع والخيال ففي تلك الحدود الفاصلة تتحرك الأجساد وتصنع المصائر.

4/ جدلية الأبواب :
إذا كنا قد اعتبرنا غلاف الكتاب باباً أولاً مفتوحا على المجهول، وبمثابة عبور في الزمن والذاكرة ،
وأن الدليل الحكائي محكوم ككل دليل بتدليل الصعاب أمام الزائر المفترض، وبما أن لكل عبور طقوسه ،
فإن طلسم الإحتماء يرسم هذه الحدود وتلك التعارضات بين الداخل والخارج ، الداخل الآمن والخارج المريب. فحيثما توجد الأبواب والعتبات والممرات والحدود فتمة داخل وخارج ، حاضر وغائب . وتجاوز تلك العتبات يتطلب كل أشكال الإستعداد والوقاية والنجاح .
يمكن اعتبار أبواب “الأريج” امتدادا للإعتبارات الطقوسية نفسها التي قدمها الدليل في الغلاف باعتباره عتبة الباب الرئيسي للأريج ، وللأثر المفترض للجداول السحرية التي وضعها الكاتب على أعتاب تلك الأبواب . وكأنه تأكيد من طرف الكاتب لاعلى مدى استمرارية ما يعتمل داخل المتخيل الشعبي فقط ، بل أيضا إمكانية استثماره عن طريق خلقه مرات ومرات .. فالأبواب والطلاسم والوشم عبارة عن طقوس مرور، أو هي تلك الحدود الرمزية التي حاول الكاتب أن ينسج عبرها مصائر شخصياته، مما يحيلنا على van Gennep ( وهو أول من استعمل مفهوم “طقوس العبور”) الذي قام بتحليل يعتمد العتبات (رمزية ، إجتماعية أو روحية ) فمثلا خلال مراحل النمو ينتقل الفرد من طقس إلى طقس . هناك الولادة وهي أول مناسبة لطقوس العبور ، تليها مراحل أخرى ، وتنتهي بالموت أو الوفاة :(الحمل، الولادة ، الإعداد ، الزواج ، الموت ) . تستجيب الطقوس لنموذج فضائي :هناك مماثلة بين الدخول والخروج بالنسبة لمجموعة اجتماعية وتجاوز لعتبة أو حدود(10).
تحيل الأبواب على فكرة العبور بين حيزين أو عالمين ، بين المعلوم والمجهول بين العتمة والنور كما تحيل على الوصول(النهاية ) أو البداية . هناك أبواب على المستوى الأفقي ، وأخرى على المستوى العمودي وهذه الأخيرة هي التي إختارها الكاتب لتشكل سماوات نحو حكاياته. سبع سماوات ” حقيقية” بأسمائها موازية لسبعة أبواب متوهمة، حركة صعود وارتقاء بين الأرض والسماء ، بين الواقع والخيال ، تطواف يتوازى فيه الزمن والفضاء، تطواف مزدوج ، أفقي – عمودي، في الفضاءات والأمكنة، لكن أيضا في الخيال والمتخيل .
يوظف الكاتب إشارة دالة قبل خطبة الكتاب وهي صورة مصغرة لجزء مبتور لكتابة حول الممارسة السحرية ، يبدو أن الكاتب تعمد هذا البتر بذكاء، إبقاء على الغموض من جهة ، وحفاظا على ما يخدم السياق الرمزي والدلالي للصورة . لنستنتج أن الأمر يتعلق بنص لفقيه أو “طالب” يستعرض كيفية القيام بإنجاز طقس سحري بغاية التأثير في مسألة معينة.
يتضح من مضمون الأسطر الثمانية المقروءة أن النص يبتدئ بما يسميه الفقهاء الحوقلة، وينتهي بكيفية تهيئ البخور، مرورا بنصائح أو تعليمات تهم الإستعداد والإنضباط تليها أربع مراحل للإنجاز، ويبدو من السطرين الأخيرين أن كاتبهما ترك عمله مفتوحا على الإحتمالين، أي احتمال جلب الخير كغاية أولى أو إلحاق الضرر كغاية ثانية.
تبدو هذه الصورة مختلفة في دلالتها البصرية فهي ليست طلسما ولا حرزا ولا تميمة ، بل تبدو كأنها دليل لممارسة طقوسية ،وقد يكون له مفعول الإستثارة النفسية والتخييلية كتكثيف للإستعداد قبل العبور إلى عتبات الحكي.
أما خطبة الكتاب فهي مؤطرة بعلامة عوضت العنوان: ” شرط المعارف محو الكل منك” ، لتنقلنا إلى الطرف الآخر من التعارض،أي من النجامة إلى الصوفية ، ومن السحر الأسود إلى العرفان .”إني أعرف شيئا واحدا هوأنني لاأعرف شيئا ” قالها سقراط لقناعته بأن أولى درجات المعرفة هو الإقرار بجهلك ، ويذهب الحلاج أيضا وإن من تصور آخر للمعرفة إلى الذات ،أي وضعية العارف المحتار(العارف هنا بمعناها الصوفي ،” محو الكل منك” خلع أوصافك والإتصاف بأوصافه كخطوة أولى نحومعرفة الله )، فهو الحاضر الغائب. جزء من تلك الحيرة تجذب القارئ أو الزائر بمجرد عبور غلاف الكتاب وإلى غاية اطلاعه على بداية خطبة الكتاب . ليتساءل عن مصير وجهته ، ترى إلى أين ؟ أمراكش السعادة الأبدية أم مراكش الحكايات المسبوكة والأخيلة الجانحة؟..
تحاول خطبة الكتاب أن تعد بالإجابة عن سؤال الذات ذاك . فأريج الكاتب ينبه الناظر جهرا وهو لا يبصر من العماء الأمر، والكاتب ينسج له على غير منوال ، منشئا له على غير مثال … وإن كانت الأبواب السبعة لمراكش في الأريج توازي بعضا من الأبواب الأصلية الموحدية للعلامة بن عبدالله الموقت، إلا أن الكاتب يعلن قراره ” فله مراكشه ولي مراكشي. له مشاهيره ولي مشاهيري. له أبوابه ولي أبوابي …”
يشي مقصد الكتاب بتوازي الفضاء /الزمن وتخليد الحكاية إنه آية الأريج بعد فاتحتها. ومن ثمة استجلاء سحر المدينة وسلطته على الكاتب والقارئ معا. فالكاتب وكأني به ينذر أن الفناء سيلم بالجميع، ولن يبقي سوى على الحكاية .
على أعتاب كل باب من أبواب “الأريج ” هناك جدول سحري أو طلسم ، هذا الإرتباط بين الباب والطلسم يوحي بوجود سر وسلطة وطقس ..لايمكن تفكيك ذلك إلا بالإشتغال على الرمز ومحاولة ربطه بالرموز الأخرى . الأعتاب تشارك الأبواب في دلالتها، وأول كلمة سحرية تتبادر إلى أذهاننا هي تلك التي يمدنا بها كتاب “ألف ليلة وليلة “: ” افتح يا سمسم .” لفتح أبواب المغارة .
ويرى بعض الباحثين أن الأرض عتبة سفلى (مصدر شرور )، والسماء عتبة عليا (مصدر الخير والنقاء)، لذلك فالعتبات تكون موضوع مجموعة من الطقوس لدرء الشرور والأخطار .
غلاف الكتاب باب نطرقه لنلج عالم الحكايات، وبين كل حكاية وأخرى أبواب لانعرف إلى أين ستقودنا. لابد من الإشارة إلى أن الأبواب تفرض على القارئ الإمتثال لطقوس الدليل، فالأبواب بمثابة ممرات للعبور تفصل بين “الداخل” و”الخارج” ، بين الداخل حيث الطمأنينة والأمان وبين الخارج الأجنبي ، الخفي والمجهول . فالأسرارتكمن دائما وراء الأبواب، والأبواب لها مكانة كبيرة ، مع الأبواب يحضر الطقس ويحضر السحر، فالسحر هو فن التحولات، وهي الفكرة الحاضرة دوما لدى الساحر، الإنتقال من حالة إلى أخرى بفعل السحر الممارس سواء على الكائنات الحية أو على الأشياء . والممارسات السحرية لاتخلو من معنى ، فالمجتمع هو الذي يمنحها معناها. ولذلك يعتبر الساحر عنصر توازن اجتماعي (11).
نحمي الداخل من الخارج عبر سلطة الأبواب ، وما التمائم أو الصفائح أو الأيادي أو الأكف المرسومة أو الملصقة بالأبواب ومقدمات السفن (عين حورس في مصر القديمة )، وذبح القرابين على عتبات المنازل إلا نوع من استشعار الخطر المهدد من الخارج ومحاولة رده والتصدي له ، (طرد العين والأرواح الشريرة والجن وإبعاد الحسد …إلخ)، الصورة المادية هي النظير المضعف للجسد المدنس ، فالصورة التمثالية تقوم بعملية إخفاء أو تجميل للقبيح والمشوه ” أما النصب فإنه يهذب الشر بحضوره المشهدي . إنه تطهير بصري (…) فالعين المرسومة تطرد العين الشريرة “(12). رموز تختلف حسب الأمكنة والثقافات . والصورة هي بشكل من الأشكال سحر وخيال ، سحر لكونها تتضمن سلطة الوقع والأثر على العقل والوجدان ولذلك كانا معا محط العداء الأيقوني الديني ، وخيال لأنها تقع في الحدود بين الفيزيقي والميتافيزيقي ، بين المرئي واللا مرئي. يعتبر الخيال ملكة خاصة بالإنسان وجهتها تغيير جسده الخاص وأيضا العالم الخارجي.إنه البعد السحري للخيال ” فالسحر إذن وظيفة توسطية تجمع بين نشاط ذهني تصوري هو الخيال ، ونشاط عملي هو التصوير وفي النتيجة يتآلف السحر والخيال من حيث هما فتنة تنجم عنها سلطة تستمد قوتها من قوة التأثير والتحولات التي تفضي إليها ” (13).

5/ التعارضات والدلائل:
تعارضات الجسد تكمن أولا في أفق النقاش الأنتروبولوجي (مواجهة بين براديغم : الجسد- المادة والجسد- المجاز).
تواجهنا في الأريج أسئلة الرمزية والمتخيل وهي أساسية في عملية فهم مختلف التمثلات والصور والتعابير لأن الرمزية تسائل المعنى ، ومن ثمة فهي مركبة ومتشابكة العناصر شأنها في ذلك شأن جل مقومات الثقافة الشعبية، حيث أن كل محاولة للقبض على معناها يصطدم بأنظمة دلائلية مكبوتة تبدو العلاقات ما بينها جد معقدة وغامضة. وليس من السهل الإحاطة بها دون الرجوع إلى المجتمع والثقافة التي أنتجتها أو احتضنتها .
أ‌- شمهروش نموذجا:
كما هو الجسم الآدمي منشطر إلى قسمين : روح وجسم ، طهارة ونجاسة ، يمنى ويسرى ، مقدس ومدنس فإن الجن يخضع بدوره لتقسيم يتوزع بين الأعلى والأسفل ، اليمين واليسار، الأمام والخلف المقدس والمدنس، تعارضات تنتمي إلى الوهم اللاهوتي(14)، وهذا ما توضحه تلك الجداول والطلاسم الفاصلة بين عوالم حكايات الأريج والتي تفصح بدورها عن تلك التعارضات ، حيث نجد أن من بين أسماء الجن التي تقدمها هذه الطلاسم هناك إسم ” شمهروش” إلى جانب أسماء أخرى تختلط أو تتعارض مع أسماء للملائكة : ( ميكائيل ، برقان ، إسرافيل ، عزرائيل ، جبرائيل ، ميمون ، الأمين ، …إلخ.) ، وقد اخترنا إسم شمهروش باعتباره سلطان الجن حيث تقدمه كتب السحر العربية بوصفه وسيطا روحيا يسهر على فاعلية العمل السحري ونجاعته ، ويميز العلم الروحاني بين سبعة ملوك للجن ، ويسمون بالملوك السفلية وهم: مذهب وأبيض وأحمر وبرقان وشمهروش وزوبعة وميمون ، ولهؤلاء الملوك خدم تتجلى مهمتهم – في نهاية المطاف – في تنفيذ رغبات الساحر وأوامره ، وعلى هذا الأخير أن يحترم تعاقب الملوك السبعة على إمرة الجن ، فكل ملك من هؤلاء الملوك يحكم خلال يوم محدد من الأسبوع ، كما تشير كتب السحر إلى الطقس الذي يلائم ” خادم ذلك اليوم” . ويباشر شمهروش الحكم يوم الخميس.(وهواليوم الذي يتم فيه موسم سيدي شمهروش بجنوب المغرب بالأطلس الكبير)(15).
ويتم التحذير من ان يطلب من الملوك العلوية ماعلى الخدام من الجن أن ينفذوه، ويرد إسما : سرفاييل وشمهروش معا في عدة تعزيمات، ويحتلان العمود نفسه في عدة جداول سحرية . ويرى الأنتربولوجي المغربي حسن رشيق في دراسته الميدانية حول” سيدي شمهروش ” أن الأمام واليمين مخصصان للملائكة وللملوك العلوية ، أما شمهروش والجن الآخرون فلهم الخلف واليسار تباعا . ص: 38 ، كما يعتبر أن شمهروش لم يكن سلطانا للجن إلا ليخدم جيدا (16).
وفي سياق التعارضات يعتبر الجن عموما حسب الإسلام كائنات لامرئية ، ويصنفون إلى نوعين : الأخيار والأشرار ، وأيضا حسب دياناتهم ، حيث يعتبر شمهروش في المتخيل الشعبي ” مسلما ” من الأخيار ، ويتم الإعتقاد بان الجن يسكن المرتفعات ، والمغارات والأمكنة المظلمة . وتصف إحدى حكايات “الأريج ” هذا الجو المقلق ، يقول الكاتب : ” إذ يحكي أنه قاده عبر سلسلة من الأزقة المظللة والدروب الملتوية، التي يمكن أن تنشب وسطها في أية لحظة حرب أهلية ضروس بين الوساوس والجن ” ص: 42.
وعن هذه الأمكنة يقول أحد السوسيولوجيين المغاربة : ” …إن الخلو بالنفس والنوم في بعض المغارات الشهيرة ( تاكَندوت بنكنافة، وتاغيت إخنيفن بسوس، وسيدي شمهروش بسفح جبل طوبقال…)، تمكِّن من تلقي بعض النبوءات والأحلام التي لا يبقى [على المرء] سوى تفسيرها – وثمة فقهاء لهذا الغرض- لكي يعرف الطريق السوي والسلوك المناسب (17).

ب – الحال أو الجذبة:
بعيدا عن المعنى الصوفي للجذبة ، فالذي يهمنا هو جذبة التملك Possession كإحدى تجليات الجسد في حكايات الأريج .
” يعرف الباحث المغربي عبد الحي الديوري الجذبة بكونها عنفا ينال الجسد من دون اختيار . ويمكن تصنيف ذاك العنف إلى نوعين عريضين متمايزين ومتداخلين، يمكن نعت أولهما بالعنف الدرامي، وثانيهما بالعنف القرباني. يحيل العنف الدرامي على نوع الجذب الذي يتم فيه اللعب الطقوسي بناء على آلية المحاكاة المعيشة للحيوانات، أما العنف القرباني فيحيل على جذبة المس أو التملك، والتي يكون فيها الجسد كبش فداء أو ضحية ” (18).
الجن في المعتقدات الشعبية يسكن أيضا الأجساد ، لذلك غالبا ما يعزو الخطاب التقليدي أسباب الأمراض العقلية ، إما إلى الأرواح الشريرة إو إلى فعل سحري ، أو إلى العين الشريرة . والشخص المختل عقليا تقرن حالته دوما بإصابته بمس من الجن. فالإختلال العقلي يتم النظر إليه كوقع تملك من طرف روح علوية ، أو شيطانية ، تملك يفسر تارة كعلامة للإصطفاء وتارة أخرى كعلامة للعقاب .
تحدثنا حكاية مينوش ب “الأريج ” عن إحدى الشخصيات – في هذا السياق – وهي شخصية الفنان عباس صلادي الذي يصفه عبد الكبير الخطيبي بأنه ” رجل ظل يسكنه السديم ” . تقول الحكاية :” وكلما جرح الإنعكاس اهتزاز ما ، أطلق عباس سراح هواجسه وكسا الحقائق بأشد الأوهام إيغالا في الجنون . خطوط ودوائر ومكعبات ومساحات يضرمها زنجي وهمي في أصابعه ليحثه على ملء فراغ القماشة …” ص: 29.30 .
يضيف القاص:” ولما صار ضريرا بالكامل ، بدأ يرسم.وامتد حبل الود بينه وبين لوحته التي سينتقم بها لأيام طويلة ، أضحت فيها الفرشاة في يده طيعة وممسوسة تشبه حركة الأفعى ذات الأجراس” ص: 32
إن درجة الجنون هنا توازي أعلى مراتب طقس “الجذبة” لدى جماعات اكناوة أو عيساوة أو احمادشة.
فالأحمق أو “البوهالي” أو ” بودربالة” أو “المجدوب” ينظر إليه في المعتقد الشعبي كصاحب بركة و”شريف “، وعندما يكون في أوج ” هذيانه” أو جدبته فذلك الدوار نفسه يعتبر حاملا للإبداع والإبتكار على حد تعبير الخطيبي،الجذبة هي طقس المراتب الذي ينشد ” ذروة الحال” أي قمة المراتب التي قد تزهر جنونا – إبداعا.
في حكاية “سح الرمل ” تقترن ضربات الفر شاة في أثناء الرسم بصوت الديدان المعششة داخل أذن الرسام ، يقول الكاتب : ” إلى أن أتى يوم ، لم يعد مولاي الحسن قادرا على الإحتمال أكثر ، فرسم لوحة رائعة ، كما لم يرسم في حياته قط ..لوحة بث فيها كل مكابداته وعبقريته التي تستوجب أن يموت المرء قبل هذا عدة مرات حتى يرسم بمثل تلك البراعة المعجزة ، ثم أقدم على بتر مصدر الموجات الصوتية إلى الأبد . بتر يده اليمنى ببلطة ساطور .” ص: 41.
وتستمر الحكاية في مقطع آخر: ” لا أرى ما الذي يرسمه ، لكنني أرى مقدار ما يغدقه من حماسة وشغف . أرى روحه التي ترفع بدنه عن الأرض بعدة سنتمرات . أرى مخلوقات الظلام التي تذرع القماشة جيئة وذهابا كي تمد له يد التفاصيل وجوهر الشكل الذي يقول له كن فيكون .أرى البقع التي تنفذ إلى مسام الستارة . أرى لوحة ثانية تشكلت في غفلة من الأولى ، وأسمع سح الرمل الذي يعزف بينهما كالناي .” ص: 44.
وتعتبر حكاية الإزار الأبيض – في اعتقادي – خير معبر عن طقس المراتب ، وهي حكاية نخرج إليها من باب ” الحال” المحمي بدوره بطلسم يؤكد قسمه على الأرواح الروحانية ..، وكلمة ” الحال” مثقلة بالدلالات الطقوسية ، باعتبارها حالة سيكولوجية ووضعية إستعداد قبلي للإستجابة لمؤثرات خارجية ذات طبيعة صوتية ولونية ، فهو قمة الإستجابة لصعقة الصوت واللون ويرتبط بأنواع من الموسيقى والأصوات في العديد من الثقافات ذات البعد الديني .
هناك طقس تلخصه حكاية “الإزار الأبيض” عندما تقف بنا في وسط جامع الفنا عند حلقة الرحالي تقول الحكاية : ” تزمجر الموسيقى ، فيرفع الرحالي الحرج عن ضيمه وحواسه وجسده . يتطوح ، يترنح ، يجأر ، يشهق ، ينهج ، يلهث ، تنتابه “ذروة الحال” ..”ص54. وتضيف :” يشتد عزم الموسيقى مثل قلب نئ يطهى يفور يغلي في إناء ، فيفعل الرحالي العجب .”ص54 بعد هذه الحركة التصاعدية ، ” يتجرع الماء الكاوي من “المقراج” ينط برجل واحدة حافية على الزجاج المكسر. يمشي دون أن تبدر منه كسرة ألم واحدة على الجمر المشتعل . وفي متم عرضه، يسحب من حزام سرواله القندريسي سكينا طويلة ، ويمعن على نحو هيستيري في تمزيق لحمه . ولما ينهار الرحالي مضرجا بالدماء ويخرج الزبد من فمه ، يهب إليه أحد أعضاء الفرقة ليغطيه بإزار أبيض ، ثم يحمله بعيدا عن الأنظار .” ص ص:55.54
يرتبط طقس الجذبة بحركتي الجسد والموسيقى في كيمياء تصاعدية تضبط إيقاعها سلطة اللون أحيانا أو تطفئ جذوتها (الإزار الأبيض). في أوج ذلك التصاعد تحرق المسافات ويتمدد الجسد ليصبح فضاء لعنف الكتابة ، بل قربانا ورمزا ” للتضحية “. وقد تكون التضحية أحيانا ذبائح لاسترضاء الجن ” في ضريح سيدي شمهروش، الملك الذي يحكم كل هذه الكائنات الرهيبة ، تذبح الذبائح باستمرار لنيل جذبة العرافة ، أوشفاء مريض، أو استرضاء قوى الأرض في بدء الدورة الزراعية ( تغرسي نلعادا ) ” (19).

ج – الوشم:
كتابة على الجسد بالحبر أو المداد قد يكون لأغراض رمزية أو علاجية، استعملته المرأة للتزيين أحيانا كما عوضته بالحناء في وضعيات ومراحل أخرى ، واعتبر الوشم أيضا طقسا من طقوس المرور، وعلامة من علامات تحديد هوية العبيد والمساجين أو الحيوانات …الوشم كتابة رافضة لسلطة المكتوب الذي أذانها ، والوشم حسب الخطيبي هو دائما الحالة المبتذلة للصمت والعزلة ” إنه تسرب للذخائر التي لاتزال تدل على التوتر المستمر بين اللغة المكتوبة والتخطيط” (20).
إذا كان أثر الوشم لايمحي ففي حكاية تلبيس الكف نجد توترا يطال اللون وسلطته، حيث نقرأ لحظتها أحس إلياس بأن رباط السلسلة انفك وبأن الوشم امحى تماما من باطن كفه . غير أنه “مبكرا في صباح النهار الموالي، وهو يركب الطائرة التي أقلته إلى لندن ، لم يجرؤ اطلاقا على نزع القفاز الأحمر الذي يكبل يده !” ص90 .
الوشم كتابة سحرية هويتها أداتها وموضوعها أيضا الجسد ، والوشم مادته الحناء أيضا وهي المصدر الثالث للصباغ الأحمر. فتلبيس الكف عبارة نجد لها امتدادا في كتب السحر، والإحالة واضحة هنا ، شخصية إلياس وهو القادم من ثقافة مغايرة سيقوده فضوله إلى الإنخراط في أحد الطقوس، مما سيعرضه للسعة نار في باطن كفه اليمنى أثناء حشر يده في جحر عميق ، تقول الحكاية ” كانت كفه تلبس وشما غريبا له ثمانية أضلاع .” ص 88.غرابة الوشم لاتنطبق على الشكل فقط بل حتى أسماء الوشم فهي تسمى بمنطقة الجسد التي وضعت عليه. يقول الكاتب : “طوال الوقت وبهوس شديد أغرقه في الإضطراب والقلق، كان يرنو إلى الوشم ، ويحاول أن يهتدي لفك طلاسمه وأسراره المنيعة.” ص88 ” لاتوجد أي علاقة بين الإسم والتزيين، وهذا ينطبق على الرسوم الهندسية التي تسمى في بعض الحالات باسم نباتي أو زهري أوحيواني”(21). في حكاية ” الرجل الذي صدم الموت بسيارته ” يقول الكاتب : وحينما زالت الغشاوة ، ترجل ليكتشف مهتز الأعماق بأنه صدم فتاة . فتاة بربرية . زيها الأسود المسمى “أملحاف “، يقول هذا .قلادة اللوبان والعملات القديمة التي ما عادت ترن في جيدها ، تقول هذا . الأكف المخضبة بالحناء والرموش المزججة بالكحل ، تقول هذا . والوشم الأخضر الذي غار في” سيالة ” الذقن ، يقول هذا.ص63 وشم نكرة يستمد تسميته بـ “السيالة ” من السيالة نفسها وهي موقع الذقن أسفل الشفتين تسيل لتشطر الذقن إلى نصفين متوازيين. لم يتطرق الإسلام للوشم لكن الخطيبي يشير إلى الحديث القائل ” لعنت الواشمة والمستوشمة”. ويضيف : ” لأن تبديل كتابة مقدسة بكتابة بالنقط يكاد يعصف بالتراتب الإلهي للأدلة . وهو تراتب أمرت به الكتابة التي ترجع إلى قضاء إلهي، إلى حديث متعال” (22). أما الأكف المخضبة بالحناء فهي دليل الطهارة والقداسة ، وزيادة على كون الحناء في المعتقد الشعبي مادة للتزيين كالكحل والسواك فهي عشبة نزلت من الجنة .
د – الزربية:
تعتبر شهادة حية على لغة هندسية تطال الجسد وامتداداته شكلا ووظيفة ، وعلاقته بالطبيعة والحياة، بالشكل واللون والأصوات ..
تبدو الزربية وكأنها فضاء طلسمي يجمع بين الرمزي والجمالي وخاصية الغموض ، يرى الخطيبي أن ” الزربية تمر بين أيدي النساء منذ قرون عديدة ، وفيها نسجت المرأة متخيلها وسجلته ، فهناك رسم تم نسيانه إلى حد أننا لانقرأه ولا نعرف كيف نقرأه ونقاربه ” (23)، والزربية البربرية على الخصوص تتميز بطابعها الموغل في العتاقة وظلت وفية لإنتمائها البدوي، فهي تجمع بين دفء فيزيقي وآخر اجتماعي ، دفء الأرض ودفء إنساني ، وبعد ديني ( وزرابي مبثوثة ) في الآية الكريمة ، ” هناك فرح يولد من خلال تناغماتها الدقيقة . تدخل الزربية الأناقة الإنسانية وشعاراتها المميزة بين أحضان الطبيعة والحياة العائلية . وقد ظل ارتباطها حيا ومحسوسا صحبة السلوكات البدوية ، التي شكلت من خلالها دوما الحظوة السحيقة إضافة إلى القدرة الشاعرية والحربية ” (24). عنف صامت وأنظمة غامضة ذلك ما تشكله الثقافة الشعبية ، تقول الحكاية ” اقترب من جثتها وسرح الزربية المطوية ، فألفى بأنها منسوجة بلون أزرق هو سماء صافية بلا شائبة تقطعها حمامة بيضاء ” ص63.
هذا اللون الأزرق الذي سيفتتن به ماجوريل وتلك الحمامة – الروح ، يعتبران بمثابة السحر الذي سيقع ضحيته ، وسيقررمصيره .
هـ – السماق :
يقال السماق أو السمق أو السمخ أو الصمخ أو الصمغ ، وهو نوع من المداد أو الحبر يستعمل للكتابة على الألوح المطلية بالصلصال بواسطة أقلام من القصب ويتم استحضاره أحيانا من الأشجار أو عن طريق إحراق الصوف وخلطه بماء الزعفران أو ماء الورد. ويستعمل المداد الأسود والأزرق والأصفر ، وعادة ما تكتب به التمائم والجداول .
إذا كان السماق عنوانا للحكاية ، وهو مداد خطت به طلاسم جناحي الحمامة التي هي روح مماس التي ستطارد الفنان وفي المعتقد الديني ” الروح عزيزة عند الله ” ، فإن المداد المضاد الذي التجأ إليه جاك ليحاصر به شر “مماس” كان هو الأصباغ ، وبستان جاك حيث تعبث مماس أضحى طلسمه الخاص، مداد أزرق ضد مداد السماق، هل هو تعارض طارئ؟ . هل الأمر كاف؟ تجيب الحكاية : ” …وأزرق ” المسكون لم يكن كافيا لإطفاء اللهب الذي يذهب ويجئ في صدر ” الساكن” . ص66.
تنتهي الحكاية بأن يقرر جاك اعتقال مماس داخل لوحة عن طريق الأصباغ ، إنها لوحته ” امرأة مستلقية على زربية بربرية” . سيموت جاك وستظل مماس طليقة شاهدة على خلود اللون كما هو خلود الحكاية .

6/ المرايا العاكسة وهدم الدائرة :
تكتمل أبواب الأريج بباب الآخرة باعتباره نهاية التطواف ، لكن سرعان ما يبدو الأمرعلى خلاف ذلك ، حيث أن منطق الدائرة سيتعرض للهدم، وهو هدم منهجي فقط ، لذلك فقد استعان الكاتب بتقنية السينما الإسترجاع الفني أو الفلاش باك، وهي مراياه العاكسة التي ستمنح للحكاية بعدها الشاعري من جهة، ومن جهة ثانية ستقلب مفهوم الزمن لتصعد من البعد الأسطوري للحكاية .
باب الآخرة ليس باب نهاية الوجود الإنساني ، فبما أن المتاهة حاضرة والطلاسم موجودة فكل الأبواب تؤدي إلى الحاضرة المراكشية .عنوان الحكاية يوحي بالموت هوأيضا “ميت العصر” . إلا أن الموت كما في العديد من الثقافات لايعتبر مرحلة نهائية ، بل هو مجرد طقس من طقوس العبور ، مشابه لطقوس الولادة، أي عبور إلى حالة أخرى من الوجود ..
في الأمثال الشعبية يقال : ” بحال ميت العاصر مايدي اخبار مايجيب اخبار ” (العاصر تعني وقت صلاة العصر في العامية) .” يقال فيمن لا يتربى على الملاحظة والتمييز والنقد وإعطاء الرأي الشخصي في ما هو صالح أو طالح مما يروج في محيطه الإجتماعي ، ولأن ميت العصر لايذهب معه كثير من الناس ليشيعوا جنازته ، بل يسرعون في دفنه حتى يبيت في قبره مخافة أن ينتن أو ينتفخ ” (25) . تقول الحكاية : ” في هذه اللحظة بالذات ، سوف يعود الخيط إلى عين الإبرة في كف سارد هذه الحكاية ليخبرنا – والعهدة منه وإليه – بأن خوان سيستفيق،على وقع آذان العصر، مبللا بالعرق. وعند نهوضه سوف يلقي نظرة متوجسة على الباب الخلفي للمنزل، لكنه وهو يبارح من الباب الأمامي ، كان يشكو صداعا بفكه.. صداعا فظيعا كما لو أن أحدهم نزع له بملقاط رهيب ضرسا سليما في الحلم “..ص101
يرجع الفضل في استمرار الحكي إلى الباب الخلفي – الخاطئ ، وهي إحالة كما سبق الذكر إلى أبواب الأريج ومعماره الفني . الذهاب والإياب بين الخيال والواقع ، وكل الأبواب مفتوحة على هذا الفضاء السحري سواء كنت “الأنا” القريب أو “الآخر” الغريب .
تشير الحكاية أيضا خلال هذه الرحلة المعكوسة التي مسخت مفهوم الزمن إلى مسخ آخر يتعلق بأسطورة مغربية في قصة غويتسولو” الرجال اللقالق” حيث اللقالق كائنات بشرية تتقمص شكل الطيور عند السفر ومتى عادت إلى موطنها الأصلي استعادت هيئتها الطبيعية . وتحكي رواية أخرى أن اللقلاق ولي صالح يرتدي برنصين : برنص أسود وآخر أبيض وحدث أن ارتكب خطيئة فمسخه الله لقلاقا وأرسله إلى هذه المنطقة ليكفر عن خطيئته . وفي المعتقد الشعبي يعتبر اللقلاق جالب للحظ وطائر مقدس، ومهما اختلفت مضامين الأسطورة فاللقلاق يعتبر أحد الطيور الآكلة للزواحف السامة وهي تقدم خدمة للإنسان في الصحاري والمناطق الحارة .
يطلعنا الكاتب من خلال مراياه العاكسة على فترة المرابطين حيث كانت ساحة جامع الفنا فضاء لإعدام المجرمين وقطاع الطرق وتعليق رؤوسهم على جوانبها . **
مراكش الأمس ومراكش الحاضر، مراكش القريب ومراكش الغريب ، تاريخ ملئ بالأسرار ، مما يفسر التوله بمدينة البهجة من أطال بها المكوث صارت لباسا له وصار لباسا لها . لكن رغم ذلك فسحرها سيظل متعذرا على الغريب . لأن روحها ستظل طليقة وستبقى شاهدة مثل شخصية “مماس” على استمرار الحكاية وخلود اللون..

هوامش:
(*) شاركنا بهذه المداخلة في اللقاء الثقافي الذي نظمته الجمعية المغربية للغويين والمبدعين لتقديم وتوقيع المجموعة القصصية الجديدة للكاتب المغربي أنيس الرافعي “أريج البستان في تصاريف العميان” ، وذلك يوم 11 مايو 2013 احتفاء باليوم الوطني للقصة .
أنيس الرافعي ، أريج البستان في تصاريف العميان ، دليل حكائي متخيل ، دار العين ، القاهرة ، 2013
(1) – ريجيس دوبري : حياة الصورة وموتها ، ترجمة فريد الزاهي ، أفريقيا الشرق ، الدارالبيضاء،2002 ، ص 33
(2) – L’image :textes choisis et presentes par Laurent Lavaud, Paris, Flammarion , 1999, pp . 234-235
(3 – ( Malek chebel : Dictionnaire des Symboles Musulmans, Albin Michel , 2001,p.94
(4)-235 L’image :textes choisis et presentes par Laurent Lavaud, p.
(5)- Farid Zahi : D’un regard,l’autre l’art et ses méditations au Maroc, Rabat, éd Marsam, 2006,p.29
(6)- Malek chebel : Dictionnaire des Symboles Musulmans,p.127-128
(7)- 374Ibid,p.
(8)- Ibid,p.85
(9)- أنظر: محمود أبو زيد: مشكلات المنهج في التحليل الإجتماعي للأساطير، مجلة الفكر العربي: الرمز والأسطورة ، عدد 3، الكويت،1985، ص203
(10)- Véronique BEDIN et Martine FOURNIER (dir.), « Arnold Van Gennep », La Bibliothèque idéale des Editions Sciences humaines, 2009 ,p.404 . URL : www.cairn.info/la-bibliotheque-ideale-des-sciences-humaines-article-404.htm
(11)- Marcel Mauss : Sociologie et Anthropologie, 6°éd,Paris, PUF, 1978,p.54
(12)- ريجيس دوبري: حياة الصورة وموتها ، ص23
(13) – فريد الزاهي : في ما وراء المفاهيم ، فتنة الصورة وسلطتها، مجلة علامات، عدد18،2002 ، ص5
(14)- عبدالكبيرالخطيبي :الإسم العربي الجريح ، ترجمة : محمد بنيس ، منشورات الجمل ، بيروت، 2009، ص32 . عندما يتحدث الخطيبي عن جسم المؤمن أوما يسميه بالجسم الحمدلي).
(15) – حسن رشيق : سيدي شمهروش- الطقوسي والسياسي في الأطلس الكبير ، ترجمة: عالمجيد جحفة ومصطفى النحال، أفريقيا الشرق ، البيضاء،2010 ، ص ص 34-35
(16) – حسن رشيق ، نفس المصدر ، ص39 . ( ومن بين كتب السحرالعربية التي أشار إليها حسن رشيق في دراسته نذكر :
شموس الأنوار وكنوز الأسرارلابن الحاج . منبع أصول الحكمة للبوني . الرحمة في الطب والحكمة للسيوطي . شرح الدمياطي والبرهتية والجلجوتية للدمياطي.
ثم كتاب الفلكي وهو بدون عنوان ) .
(17)- بول باسكون :الأساطير والمعتقدات بالمغرب ( موسوعة الأساطير والمعتقدات، ليديس، مارس/آذار 1981، ص ص: 71-85).نقل النص عن الفرنسية: مصطفى المسناوي : المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع (B.E.S.M)، العدد. 165-166، يناير/كانون الثاني 1986، ص73
(18)- عبدالحي الديوري : شعائر ، المجلة المغربية للإقتصاد والإجتماع ، عدد7،1984، ص176 . ذكره نورالدين الزاهي: المقدس والمجتمع،افريقيا الشرق، 2011، الداالبيضاء .ص ص97-98
(19) – عبدالله حمودي : الضحية وأقنعتها ، ترجمة عبدالكبير الشرقاوي ، دار توبقال ،ط 1 ، الدارالبيضاء ،2010،ص160
(20)- عبد الكبير الخطيبي: الإسم العربي الجريح، ص76
(21)- المصدر نفسه ، ص97
(22)- المصدر نفسه، ص62
(23)- عبدالكبير الخطيبي : المغرب العربي وقضايا الحداثة، منشورات الجمل، بيروت ، 2009، ص52
(24) Jacques Berque : Remarques sur le Tapis Maghrébin,in Etudes Maghrebines,Mélanges Charles-André – Julien,Publications de la Faculte des Lettres et sciences humaines de Paris , Série : Etudes et Méthodes, tome 11, Paris,PUF,1964,p.14
(25) – أنظر كتاب ادريس دادون : الأمثال الشعبية المغربية ، مكتبة السلام الجديدة ، 2000.الدارالبيضاء
** وتذهب رواية أخرى إلى أن الساحة تسمى جامع الفناء –بفتح الفاء- لتدل على الفضاء الرحب التابع لمسجد ابن يوسف الذي بني في القرن الثاني عشر الميلادي.

* باحث من المغرب

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بالملحق العربي لجريدة السفير اللبنانية.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>