أحمد أبوزيد والبداوة في الوطن العربي

badawa

أحمد أبوزيد والبداوة في الوطن العربي

 

فاروق أحمد مصطفى

إن اهتمام العالم الأنثروبولوجي الجليل أحمد أبوزيد بالبداوة في الوطن العربي والمجتمعات الصحراوية اهتمامًا كبيرًا تمثل في كثير من البحوث الميدانية التي طبق فيها الفكر الأنثروبولوجي في دراسة المجتمعات البسيطة وتأتي معها المجتمعات البدوية معتمدًا على دراسة ميدانية متخصصة، فضلاً عن فكر نظري متعمق بالإضافة إلى قراءات أدبية وعلمية كثيرة.

من أهم هذه الدراسات والبحوث التى قام بها عالمنا الجليل:

  • الواحات الخارجة (مصر) ثلاثة عشر شهرًا في عامي 1954 و1955.
  • جماعات البدو الرحل في الصحراء الغربية (مصر) والصحراء السورية صيف العام 1959 بتكليف من مكتب العمل الدولي.
  • القيام بعدد من الدراسات الميدانية في صحاري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (المغرب – الجزائر – ليبيا – الأردن – العراق – المملكة العربية السعودية – إيران) بتكليف من مكتب العمل الدولي بجنيف العام 1961، ونُشر البحث بالإنجليزية عن طريق الهيئة الدولية وفوتس في مؤتمر العام 1962.
  • بحث المجتمعات الصحراوية في مصر بتكليف من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وقد صدر حول ذلك البحث أربعة مجلدات بالعربية والإنجليزية تدور كلها حول شمال سيناء.
  • بحث عن «الواحات البحرية» بتكليف من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ولم يسبق دراسة هذه الواحات من قبل باتباع المناهج والأساليب والطرق الأنثروبولوجية.

كما تناول أحمد أبوزيد الصراع بين البداوة والحضارة في قصة «قابيل وهابيل» بمقال نشر في مجلة معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة.

إن شغف وحب أحمد أبوزيد بالبداوة وبالمجتمعات الصحراوية تجلى في دراسته «قصة الصحراء» التي نشرها كدراسة مستفيضة توضح مدى حب وشغف الأستاذ المبدع بمقالات ودراسات نشرت بمجلة عالم الفكر (المجلد السابع عشر العدد الثالث صفحات 3–28).

ولا أستطيع في هذا المقال ذكر كل التفاصيل عن هذه الدراسات والبحوث والمقالات، ولكنني سأختار منها نموذجين، النموذج الأول عن قصة الصحراء، والنموذج الثاني عن دراسته عن المجتمعات الصحراوية في مصر وسأشير بوجه خاص إلى دراسته لشمال سيناء العام 1991م.

لقد بلغ حب أحمد أبوزيد للصحراء والانبهار بها في العالم العربي مبلغًا كبيرًا، فهي أساس البداوة العربية، فبدأ بالإشارة الى بعض المستكشفين المشهورين الذين جابوا الصحراء العربية الكبرى مثل تيودور مونو Theodore Mono في كتابه عن «الهجانة Meharées» وأهداه إلى الجمل والماعز الدابة والوعاء اللذين أمكن بفضلهما تذليل الصحراء وكان ذلك في العام 1937، وبعد عشرين سنة أصدر جان لارتجي Jean Lartegy كتابه عن «الصحراء سنة واحدة» وأهداه إلى سيارة الجيب وطائرة الداكوتا اللتين أيقظتا الصحراء بعد نومها الطويل وغيرتا أسلوب حياتها ولا يقتصر هذا على الصحراء الكبرى وحدها أو «صحراء الجزائر» التي اهتم بها معظم الكتاب الفرنسيين وإنما يصدق على الصحاري كلها بوجه عام، فالجمل والماعز كانا يؤلفان أهم وسيلة للنقل والانتقال ويوفران الطعام والغذاء الذي كان يتم حمله في «وعاء» من جلد الماعز، واستطاع البدوي القديم أن يعتمد عليها خلال قرون طويلة. وفي التغذي وحفظ الحياة وفي اكتشاف كثير من مجاهلها إلى الوضع الحالي الذي يعيش فيه الإنسان الحديث بكل ما أحرزه وحققه من تقدم علمي وتكنولوجي، واستطاع الإنسان بالسيارة والطائرة غزو الصحراء من جديد وغير بذلك من أسلوب حياتها التقليدي. وبفضل الطائرة استطاع كثير من الرحالة والمكتشفين والعلماء والباحثين والعسكريين وغيرهم التوغل في الصحراء واكتشفوا الأركيولوجيا أو علم الآثار وكثيرا من اللوحات والرسوم والنقوش الملونة.

واستمرت الكشوف في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وفتحت الصحراء أسرارها أمام البعثات الأركيولوجية في نقل اللوحات واستنساخها أساليب وطرق حديثة ومتطورة، أمكن عن طريقها نقل الأعمال الفخمة مثل صور الزراف ووحيد القرن والأفيال وغيرها. كما اكتشفوا أن هذه الرسوم واللوحات والنقوش تعكس تأثيرات خارجية مدونة مثل المصرية القديمة، والأشورية وبعض العناصر من كريت، وبعض التأثيرات الزنجية.

ويحدد أحمد أبوزيد أن الاهتمام بالصحراء لم يقتصر على علماء الأركيولوجيا أو المهتمين بفنون الإنسان المبكر في عصور ما قبل التاريخ، وإنما امتد هذا الاهتمام إلى أعداد كثيرة من المشتغلين بتخصصات ومهن مختلفة وقد تركوا وراءهم ثروة هائلة من الكتابات المتنوعة التى تتراوح بين العمق والجدية والتخصص وبين الطرافة والسرد ولكنها كلها تنبع من حب الصحراء والانبهار بها ولا يدرك ذلك إلا من عاش حياة الصحراء على الأقل كباحث أو دارس أو رحالة، حيث يرى نموذجًا خاصًا من البيئة الطبيعية، ونمطًا متميزًا من الحياة وأشكالاً مختلفة من النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولونًا خاصًا من الثقافة بكل ما يميزها من قيم ومبادئ وأحكام ومنجزات فنية وأدبية وفكرية، كانت كلها من أهم الأسباب التى جعلت عددًا من الباحثين في الدراسات الإنسانية والعلوم الإنسانية الصحراوية وحياة البدو يتركون ذخيرة هائلة من الكتابات والصور والأفلام التى تضم قدرًا كبيرًا من المعلومات حول كثير من ملامح الحياة المختلفة في الصحراء.

وتغطي الصحاري والمناطق القاحلة حوالي ثلث الأرض، ومن أهم مقومات الصحراء هو ذلك الخلاء الواسع المترامي العجيب من معظم مظاهر الحياة النباتية والحيوانية، إلى جانب ندرة المياه وارتفاع الحرارة الذى يؤدي إلى تبخر جزء كبير مما يسقط عليها من أمطار متفرقة فضلاً عن عدم انتظام سقوطها، ومن ثم عدم التنبؤ بالمطر أو الاعتماد عليه كمصدر ثابت للمياه.

وتنتج القحولة التى تسود المناطق الصحراوية عن ندرة المطر وارتفاع الحرارة وعوامل التبخر لذا من الخطأ أن نرد «ظاهرة التصحر» أو وجود الصحاري إلى عامل واحد فقط، ولكن بالإضافة إلى هذه العوامل الطبيعية لابد أن نأخذ في الاعتبار العامل البشري الذي يتمثل في إساءة الإفادة من الغطاء النباتي الأخضر سواء عن طريق استنزاف خصوبة الأرض والمبالغة في الرعي مما يؤدي إلى تعرية الأرض أو إساءة استعمال الماء المتاح وعدم استغلاله في الزراعة.

ندرة البدو

ومن الطبيعي ظهور نمط معين للحياة يقوم على الرعي مع ممارسة قليل من الزراعة. ويستنبط أحمد أبوزيد حقيقتين مهمتين، الحقيقة الأولى قلة السكان في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية في العالم العربي إذا ما قورن بمساحة الصحاري الهائلة، فلا يزيد عدد السكان في الصحراء الكبرى على مليونين تقريبًا. والحقيقة الثانية هي أن البدو الرحل يمثلون نسبة ضئيلة ليس فقط من مجموع السكان في العالم العربي ككل أو في أي قطر واحد، بل أيضًا من الجماعات الرعوية ذاتها. ومن الخطأ القول إن هناك قبيلة واحدة تعيش كلها عيشة بداوة وترحال دائمين. ولقد كان يمكن القول إن بعض الفروع القبلية أو العشائر والبطون تنتقل من مكان لآخر خلال الجزء الأكبر من السنة على الأبل وتظل بقية القبيلة في موطنها حيث تمارس أنشطتها العادية التي تدخل ضمنها الزراعة التي تعد عملاً مكملاً للرعي وتربية الماشية. وقد تكون هناك عوامل اقتصادية أخرى تساعد على ظهور مراكز سكانية ومواطن إقامة في الصحراء مثل اكتشاف البترول أو بعض المعادن.

ومن ثم فإن المطر لا يعتبر مصدرًا يمكن الاعتماد عليه تمامًا، وإن كان يصعب إهماله أو التهوين من شأنه بالنسبة للمراعي والزراعة المحدودة التي يمارسها سكان الصحاري، نظرا لانخفاض المستوى الثقافي والتكنولوجي للأهالي يمنعهم من الافادة على الوجه الأكمل من كميات المياه المحدودة والمتاحة رغم الجهود الصادقة التي تبذل لحفظ مياه المطر وتخزينه، وبعض المشروعات الحكومية لتطهير الآبار القديمة وحفر آبار ارتوازية جديدة، ويقوم بعض السكان في كردفان غرب السودان بتفريغ وتجويف جذوع الأشجار الضخمة وتحويلها إلى خزانات لمياه المطر.

إن طبيعة المطر في الصحراء هي التي تفرض نمط الحياة وأسلوب المعيشة، فهي تفرض على السكان ممارسة الرعي وبعض الزراعة والجمع بينهما مع الميل إلى أحد أنواع النشاط أو الآخر تبعًا لتوافر الماء وإمكان قيام مجتمعات تعتمد على الزراعة المستقرة. وهي التي فرضت على الدارسين التقسيم التقليدي وتصنيفهم لسكان الصحراء بين جماعة مستقرة وجماعة شبه بدوية تعتمد على الرحلة والتجوال شبه الدائمين، وقد يضطرون أيضًا إلى الهجرة عبر الحدود الدولية إلى الأقطار المجاورة كما هو الحال في مصر في الصحراء الغربية عندما ينتقلون حين يعز المطر إلى برقة في ليبيا.

فالظروف الإيكولوجية الممثلة في مدى توافر الماء والعشب وبين أنماط الحياة في الصحراء وبالذات أنماط التحركات البشرية للبحث عن المراعي وبين نمط الحياة المستقرة من ناحية ونمط الحياة البدوية التي تقوم على الحركة والتجوال كلها تدل على العلاقة القوية لهذه الظروف الإيكولوجية وبالتالي إلى تصنيف الجماعات الرعوية من أنصاف مستقرين وأنصاف بدو وغير ذلك من التقسيمات والتصنيفات التى اهتم بها علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا لإعطاء صورة تفصيلية عن المجتمعات البشرية في الصحاري.

وقد بذلت محاولات كثيرة لتصنيف هذه الرحلات والتنقلات، وبالتالي تصنيف سكان الصحراء، وقد أخذت هذه التصنيفات في الاعتبار الأنشطة المختلفة التي تمارسها الجماعات القبلية والعشائرية، ودرجة الاستقرار أو التحرك إلى المسافات التي تقطعها هذه الجماعات في الرحلة الواحدة وفترة غيابها عن مواطنها الأصلية، فقد أشار أحمد أبوزيد إلى دراسة فيليب أربو Philippe Arbos الذي ميز بين ثلاثة أنماط رئيسية من الحياة الرعوية هي: البداوة الكاملة والحياة الرعوية في الجبال، والبداوة التي تتحرك بمقتضاها كل الجماعات الانسانية بمصاحبة قطعانها من مكان إلى آخر.

كما أشار إلى تصنيفات فيشر W.B.Fisher الذي يفرق بين البداوة الحقة التي تميزت بالرحلة والانتقال الدائمين من منطقة لأخرى وبين ما يمكن تسميته بالرحلة الرأسية من أجل المراعي أو البداوة الرأسية التي يحتل فيها الرعاة والقطعان مستويات مختلفة، وتعد البداوة العربية مثالاً للبداوة الحقة أو الأفقية بينما تعتبر رحلات وانتقالات الأكراد مثالاً للبداوة الرأسية في المرتفعات. واعتبر لورانس كرادر Lawrence Krader أن نمط التحركات التي تقوم بها الجماعات الرعوية هو أساس التفرقة بين تصنيف البدو واعتبر أن البداوة حركة رتيبة مما يفيد أن رحلة البدو لها دورة ثابتة قد تكون سنوية أو فصلية أو حتى تستغرق بضع سنين ولكن البدو في كل الأحوال لهم نقطة بدء محددة ومعينة يبدأون منها رحلتهم ونقطة عودة يرجعون إليها، وأن الغرض من هذه الرحلة هو توفير العشب والماء للماشية في مختلف الفصول وهذا النمط يختلف عن نمط الحياة الذي يعتمد على تربية الماشية في مناطق إقامة مستقرة، حيث يمارس السكان الزراعة، وتعتبر تربية الماشية مجرد عمل أو نشاطا مكملا لحياتهم الاقتصادية.

ويضع أحمد أبوزيد مبادئ أساسية للتمييز بين مختلف أنماط الحياة الرعوية في الصحراء وهي:

أن الرحلة والتجوال الدائمين اللذين يقوم بهما البدو ليسا تحركات عشوائية وإنما حركات دائرية وهي حركات منظمة تفرض نوعًا من حقوق الرعي.

إن كل التقسيمات والتصنيفات عبارة عن تميزات تقسيمية وتقريبية إلى حد كبير مثل البدو الحقيقيين وأنصاف البدو والصغار.

وجود علاقات تكافل قوية بين جماعات البدو الرحل وأنصاف الرحل من ناحية الجماعات القبلية المستقرة في الصحراء والتي لا تزال تحتفظ بتنظيمها القبلي التقليدي رغم استقرارها وتحولها إلى الزراعة، ورغم احتفاظها ببعض الماشية التي يسند أمر الاهتمام بها إلى رعاة مأجورين مثل الجماعات القبلية على الأطراف الشرقية والغربية لدلتا النيل، أو على طول الساحل الشمالي الغربي.

دور الماشية في حياة البدو

هذه الخلفية الإيكولوجية تساعد من دون شك على فهم التنظيم الاجتماعي والأنساق الاقتصادية والقرابية والسياسية السائدة في المجتمعات الصحراوية حيث تلعب الماشية الدور الأساسي – أيا كان نوعها – في حياة الجماعات الصحراوية من بدو وأنصاف مستقرين بل وأيضًا في حياة الجماعات القبلية التى استقرت بالفعل وبدأت تتحول تحولاً جذريًّا إلى مزاولة أنواع أخرى من النشاط الاقتصادي غير تربية الحيوان ولم تنصرف تمامًا عن امتلاك بعض رءوس الأغنام والماعز والإبل، حيث إن الماشية بأنواعها تحظى بقيمة اجتماعية عالية باعتبارها مقياسًا ومحكًا للمكانة الاجتماعية التي يحتلها الفرد والجماعة القبلية وليس فقط لقيمة الماشية الاقتصادية.

إن اهتمام البدو بالماشية والحيوانات التي يملكونها لا يقل أهمية عن التجارة ونقل المتاجر بواسطة القوافل، وزراعة حبوب المعيشة وزراعة النخيل في بعض المناطق وممارسة بعض الصناعات الصغيرة والحرف البدوية التي تعتمد على الخامات المحلية مثل سعف النخيل وصوف الغنم أو شعر الماعز أو وبر الإبل. وهذا الوضع يتميز الآن مع اكتشاف البترول وانتقال الحضارة الحديثة إلى الصحراء.

ويختتم أحمد أبوزيد دراسته عن الصحراء التي كانت تثير خيال الشعراء والأدباء والفنانين والمغامرين والباحثين والدارسين وأنها كانت مسرحًا للبطولة التي سجلتها السير الشعبية والملاحم. وقد شاهدت الصحراء في العالم العربي ظهور الأديان السماوية الكبرى وكشفت الصحراء أخيرًا عن بعض ثرواتها الدفينة الهائلة وأهمها البترول الذي غيّر وجه المجتمع الإنساني في العالم كله الآن.

أما النموذج الثاني لدراسة أحمد أبوزيد عن البداوة والمجتمعات الصحراوية في مصر فسأعرض لدراسته لشمال سيناء التي قام بها العام 1991م وشرح فيها اهتمام الأنثروبولوجيين في مصر بدراسة المجتمعات الصحراوية منذ ما يزيد على ثلاثين سنة، حيث أجريت بحوث حقلية كثيرة في عدد من تلك المجتمعات وبخاصة الصحراء الغربية، إلى جانب بحوث متفرقة أجريت في سيناء والواحات، وقد تأثرت هذه البحوث بمناهج وأساليب الأنثروبولوجيا التي قامت على مبادئ مثل قيام البحث على جماعات بسيطة صغيرة الحجم ومنعزلة نسبيّا عن العالم الخارجي الذي يحيط بها، وتفتقر إلى المعرفة الدقيقة بتاريخها الحقيقي، أي أنها مجتمعات تفتقر إلى الامتداد المكاني والامتداد الزماني العميق، وأن فترة الدراسة الميدانية تستمر سنة كاملة وتعتمد على أساليب وطرق تبدو بسيطة في ظاهرها ولكنها تحتاج في الحقيقة إلى مران طويل وجهد خارق في جمع المعلومات عن طريق المعايشة والاتصال المباشر بالأهالي والملاحظة الدقيقة والمشاركة في الحياة اليومية بمختلف أنشطتها بقدر الإمكان للتعرف على العلاقات القائمة بين أعضاء ذلك المجتمع البسيط، والأبعاد المختلفة التي تميز كل العلاقات القائمة بين أعضاء ذلك المجتمع البسيط، والأبعاد المختلفة التي تميز كل علاقة من هذه العلاقات والكشف عما يعرف في الكتابات الأنثروبولوجية باسم التساند الوظيفي بين الظواهر المختلفة.

سيناء ليست في عزلة

وهذا الوضع يصعب تطبيقه على المجتمعات الصحراوية في مصر بشكل عام وعلى المجتمع السينائي بشكل خاص، فلم تكن سيناء منعزلة أبدًا عن المجتمع القومي بل وما وراء المجتمع القومي لأنها كانت دائمًا معبرًا شرقيًّا عامًا لمصر سواء من الناحية الحربية أو الثقافية. وقد انعكس على التركيب السكاني والتكوين العرقي للسكان الذين ينتمون إلى أصول مختلفة، ومن ناحية أخرى كان من الصعب اعتبار شمال سيناء (مجتمعًا محليًّا متجانسًا) بالمعنى الذي يطلق على المجتمعات القبلية حيث توجد فيها ثلاثة أنماط رئيسية مختلفة يمكن التمييز فيما بينها هي نمط الحياة الذي يعتمد على صيد السمك، ونمط الحياة الذي تغلب عليه البداوة والرعي، ونمط الحياة الذي يعتمد أساسًا على مزيج من الزراعة والرعي.

وأخيرًا فإن البحث الأنثروبولوجي في سيناء قد اعتمد على بعض الوسائل السمعية والبصرية وقد كانت الصور تؤلف منذ البداية أداة من أهم أدوات البحث ليست فقط من حيث هي وسيلة للتوضيح ولكن باعتبارها وسيلة لتلخيص موقف معقد في (لقطة) واحدة سريعة. وقراءة الصورة وتحليلها يحتاجان إلى دقة وفهم لأن الصورة وثيقة معقدة ومركزة إلى حد كبير.

ويوضح أحمد أبوزيد أن المجتمع الصحراوي في حد ذاته يختلف من مجتمع إلى آخر، فشمال سيناء تختلف عن الساحل الشمالي الغربي ومجتمع الدراسة في شمال سيناء لم نعزله بل درسناه في ضوء علاقته بالعالم الخارجي الذي يحيط به، ودراستنا للقبائل أوضحت أن بعض الأعراق ترد أصولها إلى بعض الجماعات عبر البحر الأبيض المتوسط، كما أوضحت أن هناك حقائق جغرافية أساسية ينبغي أخذها في الاعتبار عند دراسة النسق الأيكولوجي في شمال سيناء وهى حقائق ذات أبعاد ونتائج اجتماعية مهمة، وهذه الأبعاد والنتائج الاجتماعية هي التي يمكن إيجازها في الطول النسبي لسواحل شبه جزيرة سيناء بالمقارنة بالسواحل المصرية، ووجود بيئتين جغرافيتين متمايزتين ولكنهما متداخلتان وهما البيئة الساحلية والبيئة الصحراوية بكل ما يرتبط بهما من اختلافات اجتماعية واقتصادية وسياسية؛ بيئة ساحلية في السهول الشمالية التي تتاخم البحر المتوسط، وبيئة صحراوية تسود وسط شمال سيناء فتزداد وضوحًا كلما ابتعدنا عن البحر، حيث الجفاف والرعي هو النمط الاقتصادي الغالب وإن كان ذلك لا يعني غياب الزراعة.

والاعتماد الكامل على المطر باعتباره المصدر الوحيد للماء إذا استثنينا ماء النيل الذي ينقل الآن بواسطة الأنابيب حتى العريش، ومازال استخدامه قاصرًا على الاستعمال المنزلي في أغلب الأحيان. كما أوضح وجود الوديان الجافة، ويعتبر وادي العريش أكبرها وأهمها، حيث يمتلئ بالماء في فصل الشتاء (المطر). وهذه العوامل البيئية والجغرافية المختلفة والمتمثلة بوجه خاص في تداخل اليابس والماء وعدم استقرار حالة المطر والاعتماد في كثير من الأحيان على المياه الجوفية وطبيعة المناخ وعوامل التصحر من جوانب الحياة البشرية، وبخاصة في النشاط الاقتصادي وبعض جوانب التنظيم الاجتماعي سواء في ذلك التنظيم القبلي أو في قيام القانون العرفي.

الصيد أول الأنشطة الاقتصادية

ويشير أحمد أبوزيد إلى أن الحديث عن الحياة الاقتصادية في مجتمع مثل شمال سيناء لا يعني بالضرورة وجود نظام محكم ودقيق لتقسيم العمل أو التخصص. صحيح أنه يمكن الكلام عن نمط الحياة الاقتصادي القائم على الرعي أو على الصيد أو على الزراعة وما إلى ذلك وكلها أنماط موجودة وقائمة بالفعل في شمال سيناء ولكنها متداخلة، لأن ممارسة نشاط معين لا تمنع من ممارسة عدد من الأنشطة الأخرى التي تتعلق بنمط آخر أو أكثر من نمط، مما يعني عدم وجود تخصص دقيق في أي نمط من هذه الأنماط.

فالصيد يحتل إذن مرتبة أولى في نظر الكثيرين من أهالي شمال سيناء أنفسهم ويسبقه في ذلك كل من الرعي والزراعة، وصحيح أن الرعي لا يزال ينظر إليه على أنه نشاط اقتصادي له قيمة اجتماعية تقليدية. ولكن الصيد الذي يدعى أحيانًا (رعي البحر) يلقى من الأهالي ومن الهيئات الرسمية اهتمامًا لا يحظى به الرعي ولم تكن تحظى به الزراعة حتى وقت قريب. وقد تناولت الدراسة حياة الصيد والصيادين والمشكلات التي يواجهونها.

كما أشار أحمد أبوزيد إلى تنمية الزراعة والعناية بالأرض والتربة وتنفيذ عدد من مشروعات التنمية الزراعية بكل ما يقتضيه ذلك الاهتمام بالصيد والزراعة معًا من استقرار في الأرض وانصراف عن الرعي بالمعنى التقليدي للكلمة، والذي يعني التجول والتنقل والترحال بحثًا عن الماء والعشب ويجمع الأهالي مع السلطات الرسمية على أن كل «صحراء» شمال سيناء قابلة للزراعة إذا توافرت لها المياه. لذا تعتمد على المياه الجوفية والمطر وهي مصادر غير ثابتة ودائمة للمياه. وقد أبدى أحمد أبوزيد ملاحظات مهمة بالنسبة للزراعة فهي عمل تعاوني إلى حد كبير يشارك فيه أفراد تقوم بينهم علاقات عائلية في المجال الأول، وأن الزراعة في شمال سيناء لا تتبع نظام «الدورة الزراعية» لاعتمادها على المطر، وأن العمل الزراعي عمل متواصل طوال السنة رغم ما يقال عن عدم دراية البدو بالزراعة وافتقارهم إلى عنصري الدأب والمثابرة، كما أنه تذاب الفوارق بين الجنسين في بعض أنواع النشاط الزراعي وخاصة أثناء الحصاد.

وليس في شك في أن الاهتمام بالصيد والزراعة في شمال سيناء كان على حساب الرعي وهو النشاط التقليدي الذي يرتبط دائمًا في الأذهان بالمجتمعات الصحراوية، فالرعي بالمعنى التقليدي القديم للكلمة يتراجع بسرعة كبيرة نظرًا لأن السياسة العامة تهدف إلى العمل على استقرار الجماعات البدوية وشبه البدوية وتشجيع ممارسة أعمال أخرى بما في ذلك تربية الحيوان في «مزارع» مستقرة. وتتميز المناطق الوسطى في شمال سيناء وبالذات مناطق مركز الحسنة ومركز نخل بأنها مناطق الرعي وتجمع الرعاة. وإن كان يصاحب هذا النشاط في معظم الأحيان ممارسة الزراعة، والرعي حق مكفول لكل سكان الصحراء وفي أي مكان يتوافر فيه العشب والماء، يمكن التمييز بين نوعين من أراضي المراعي، المراعي التى تدخل في نطاق الحيازة القبلية التي ارتبطت تاريخيًّا بقبيلة أو جماعة قرابية معينة ولها حدودها المعلومة التي تستند إلى وثائق مكتوبة ويكون لهذه الجماعة دون غيرها حق الانتفاع بها. أما الرعي الثاني فهو القائم على المراعي البراح التي يباح للجميع من حيث المبدأ الرعي فيها ولكن يراعى مع ذلك عدم الافتئات على حقوق الآخرين أو مزاحمتهم في الرعي، بحيث يكون الأمر تقليدًا راسخًا من حيث ارتباط جماعات معينة بمناطق معينة.

ويعتبر رعي الإبل من الأعمال الصعبة التي توكل للرجال البالغين، في الوقت الذي يرتبط رعي الأغنام والماعز بالفتيات والنساء وبخاصة حين تكون مناطق الرعي قريبة من أماكن الإقامة والسكن، ومن الأنشطة الاقتصادية الأخرى تأتي التجارة الداخلية أو التبادل السلعي المحلي الذي يتم داخل الأسواق المحلية وبخاصة الأسواق التقليدية التي ينعكس فيها كثير من ملامح الحياة الاجتماعية في شمال سيناء، كما تكشف عن التغيرات التي حدثت في الأنماط الاستهلاكية. وتتفق الأسواق التقليدية في أنواع السلع العديدة المتنوعة التي تعرضها ابتداء من الطعام إلى الملابس إلى الأدوات المنزلية والسلع التي تؤلف عناصر من الثروة مثل الأغنام والماعز والإبل وانتهاءً بالسلع غير الاستهلاكية والتي لها قيمة اجتماعية فحسب، مثل الخرز الملون وأدوات الزينة فإنها تشترك كلها أيضًا في أن «روادها» من المشترين يمثلون المجتمع المحلي بكل فئاته.

كما أشار البحث إلى الحكم المحلي والنظام السياسي التقليدي في شمال سيناء، فضلاً عن توضيح مبدأ تمثيل العائلات والعشائر والقبائل الذي راعى في الانتخاب لعضوية المجلس الشعبي على مستوى المحافظة ذاتها أن تمثل كل المراكز حسب عدد السكان، وحيث يتألف المجلس نفسه من ثمانين عضوًا مما يتطلب اتفاق الجماعات القرابية أو القبلية على من يمثلها ثم يتقدم بالترشيح.

العائلة الصحراوية

وتعرضت الدراسة إلى البناء العائلي (التقليدي) في شمال سيناء الذي يقوم على الزواج الداخلي التعددي، وكلا العنصرين هما وظيفة من وظائف مبدأ (العصبية) الذي يرتكز عليه أيضًا البناء السياسي القبلي، فالأهالي يفضلون الزواج الداخلي ويرحبون بذلك لعدة أسباب اقتصادية (تتعلق بالرغبة في المحافظة على الثروة بمختلف أشكالها) وسياسية (تتعلق بالتماسك الاجتماعي والسياسي إزاء الجماعات القرابية والقبلية الأخرى). ويفضل الزواج من أبناء العمومة من الدرجة الأولى، ولا يعني ذلك إجبار الفتاة على شخص معين بالذات؛ إذ للفتاة الحق في الاختيار بين أبناء عمومتها إذا كان هناك أكثر من ابن عم واحد.

وتعدد الزوجات يعد نظامًا اجتماعيًّا معترفًا به حتى من الزوجة نفسها. والنظام يحفظ للزوجة الأولى مكانتها واحترامها وأولويتها. كما أن الرجل يحرص على مرضاتها والحصول على موافقتها قبل أن يقدم على الزواج الثاني، ويعبر عن ذلك عمليًّا قبل اتمام الزواج الجديد بتقديم «كبارة» لها إكبارًا لشأنها أو يدفع «رضاوة» لإرضائها إن هي غضبت لذلك.

والجماعة القرابية التي تؤلف وحدة اجتماعية فعالة في الحياة اليومية وهي «البيت»، أو ما يمكن أن نطلق عليه اسم الجماعة المنزلية، ويكون «البيت» وحدة قرابية يختلف حجمها من حالة لأخرى، ولكن المعيار الأساسي فيها هو ارتباط أعضائها بروابط لقرابة العاصبة وتعاونها في الحياة اليومية في مختلف المجالات، والبيت هنا لا يقتصر على «سكان» ذلك المسكن لأن هذه الوحدة القرابية العاصبة قد تتألف من أشخاص يعيشون في مساكن مستقلة وإن كانت متجاورة في العادة، ولكنهم يتعاونون فيما بينهم وتقوم بينهم روابط اجتماعية واقتصادية والتزامات وواجبات وحقوق متبادلة.

وكان من فضل الأستاذ أحمد أبوزيد وتأثيره على تلاميذه فضلاً كبيرًا فقد نقل حبه وشغفه بالبداوة والصحراء إلى توجيههم إلى دراسة البدو والبداوة مثل دراسة بدو أولاد علي في الصحراء الغربية، وقانونهم العرفي ودراسة المجتمعات البدوية في جنوب سيناء لمعرفة أثر التنظيم القبلي وقدرته في إحداث تنمية اجتماعية بالمعنى العام في المجتمعات الصحراوية، وفي تغيير شكل هذه المجتمعات وفي إحداث تحضر في كثير من المراكز المحلية في الصحراء بالاعتماد على المناهج الأنثروبولوجية المتخصصة، فضلاً عن الاعتماد على مناهج التنمية المختلفة وخصوصًا منهج التنمية المستدامة التي تنظر بعين الاهتمام للأجيال القادمة، فضلاً عن دراسة الهوية والانتماء التي تربط البدو بمجتمعهم؛ مجتمع الأم الكبير.
————————————-
* أكاديمي من مصر.

 

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.