بقلم : سوسان جرجس

تتناول هذه الورقة البحثية “آليات الحفاظ على العذرية في المجتمع الريفي” عبر ما تحمله من دلالات وقيم في وقت تتوسّع فيه أطر التثاقف من جرّاء ما نعيشه من سيرورات الحداثة والعولمة التقنية.

إذا كانت العذرية تعتبر تمظهراً لهاجس ذكوريّ محض يموضع الشرف في تملّكه لِما بين أفخاذ النساء، فما هي الآليات التي إستثمرها المجتمع البطركي مباشرة أو مداورة للحفاظ على عذرية المرأة المتمثّلة بغشاء البكارة؟!!

آليات الحفاظ على العذرية:

  1. الختان .
  2. التقاف .
  3. رقابة حراك المرأة ضمن المجال .
  4. الزواج المبكر .
  1. الإلتزام الديني:

تعتبر العفة والحياء والشرف من أبرز القيم التي تحافظ على إستمرارية النسق الديني، وهذا ما كانت قد دعت إليه كافة الديانات السماوية. يبدو لنا أنّ الدين قد إرتكز على إرث سابق لتدعيم قيمة الشرف المرتبطة بالعذرية، فطالما كانت الشعوب في الجاهلية تقوم بوأد البنات خوفاً من سبيها وعدم القدرة في الحفاظ على شرفها.

ليس الجسد الأنثوي البكر الذي تدعو الجماعة (الدينية) إلى صيانته ملك للفرد بل هو ملك للمجتمع (الإله/ الرجل) الذي يصنعه عن جدارة، ويفتخر بما وصمه به من علامات تشير في الآن نفسه الى قوة الصانع وإلى استلاب الفرد[1].

إنّ ما يجري هو تطبيع إجتماعي للجسد الأنثوي وفق ثنائية الحلال والحرام التي تقوم على أساسها الإيديولوجيا الدينية. بناءً عليه، يتمّ ترسيخ أهمية البكارة في نفس الفتاة ويجري تعليمها إحترام الضوابط الاجتماعية، والخضوع للأوامر والنواهي التي يتمّ تلقينها على أساس ديني. وفق هذا الطرح يصبح الحجاب وعدم التزين والفصل بين الجنسين والإعراض عن الأخذ بالقول المعسول وغيرها من التوجيهات الخلقية والأخلاقية آليات تسهم تبعاً للمخيال الإجتماعي في الحفاظ على شرف الفتاة وعائلتها.

5.1 اللباس والحجاب :

شكّل الحجاب في مخيال فئة كبيرة من الناس رمزاً للعفة والشرف ودليلاً على الحياء والحشمة التي تفترض لباساً له نفس الدلالات القيمية. إنّ في ذلك ما يشير إلى وجود علاقة تواطؤ رمزية وقيمية مبدئية ما بين الحجاب والملبس. بمعنى آخر فالإلتزام بالحجاب كما فرضه الدين الإسلامي يستوجب أن يكون اللباس محتشماً ساتراً لعريّ الجسد الأنثوي وكل تفاصيله المثيرة، وذلك بإعتبار جسد المرأة كلّه عورة ما عدا الوجه والكفين[2].

يمثّل الحجاب إعلاناً عن هوية المرأة المسلمة، تجسيداً لما جاء في القرآن الكريم من وجوب إستتار المرأة. ورد في الآية 53 من سوة الأحزاب “يا أيها النّبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين”. وبغضّ النظر عن السببية التي نزلت بها الآية: عدم الأذية، فقد أصبح الحجاب شعار المرأة المسلمة. وربما يمكننا القول بأنّ تلك السببية نفسها قد تمّ إستثمارها لصالح الرجل والنظام البطركي. إنّ على المرأة أن تلبس الحجاب حتى لا يكون جسدها فتنة للرجال الذين لا يقدرون على ضبط شهواتهم، فيؤذونها في شرفها، فتضطرب بذلك معها البنية الإجتماعية المستقرّة.

إذا أخذنا آية أخرى من القرآن الكريم سنرى أنّه قد تمّ إستثناء القواعد (كبيرات السن) من أحكام الحجاب القطعية. يقول الله تعالى “والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خيرٌ لهنّ والله سميع عليم”[3]. إنّ في هذه الآية دليل على أنّ الحجاب تبعاً للإيديولوجيا الدينية هو آلية لحفظ العذرية الأنثوية التي بها تحفظ وظيفة الخصوبة وتضمن نقاء الذرية.

إنّ القواعد التي ذكرناها أعلاه لا تعني إطلاقاً إلتزام النساء في القرى التقليدية باللباس والحجاب الشرعي الإسلامي، فهذا أمرٌ لا يمكن تعميمه إطلاقاً. يتنوع لباس النساء هنا تبعاً لمتغيرات كثيرة أهمها عامل السنّ والوضعية الإجتماعية ومستوى التعليم وطبيعة العمل الممارَس والتنشئة الإجتماعية ومتغيرات أخرى كثيرة لها علاقة بالتثاقف الجغرافي مع المدينة أو بالتثاقف عبر وسائل الإعلام وصيحات الموضة.

ليس اللباس ببعده الجمالي هو موضوع تحليلنا الآن، وإنّما اللباس المقرون بالحجاب كدلالة في مخيال الناس على الحشمة الحامية للشرف من الضياع.

يضع قسم من الفتيات اليوم الحجاب كواجب إجتماعي لا ديني، لذلك نراهنّ يرفقن حجابهنّ بالثياب الضيقة والقصيرة (بنطلون ضيق وبلوزة أو قميص قصير) التي لا تغطي الأرداف وإن غطتها فإنّها تكشف لضيقها شكل الأرداف والنهدين وكل التفاصيل الجسدية المغرية. إنّنا في هذه الحالة بصدد ما أطلق عليه جورج سيمل مصطلح “التستر النصفي”. إنّه الغموض الذي ينبجس من خلال “المعاصرة” للقبول والرفض المصمّمين. إنه لحظة التزامن في التكشف والتستر المتمثّل نموذجياً (بالتحام) الثياب على الجلد[4].

يحرص البعض الآخر من النساء على أن يلبسن نفس النموذج السابق (بنطلون وبلوزة) شرط أن تكون الثياب طويلة وواسعة قليلاً، بحيث تحمل دلالات الحشمة الواقية للجسد الأنثوي من كل المطامع الذكورية الشهوانية. بمعنى آخر، فالمرأة في هذه الحالة إنّما تهدف الى تغطية ملامح الإثارة والجمال وتصوير نفسها وكأنّها في الداخل الذي يصعب إختراقه، حتى وإن كانت ظاهرياً في الخارج.

تجدر الإشارة أنّ هذه الوظيفة للحجاب متمثّلة فقط على صعيد المخيال الإجتماعي؛ وأما على صعيد الواقع فسرعان ما تُلغى هذه الوظيفة بمجرّد أن تعبّر الفتاة عن إيماءات جنسية من خلال لباسها وطريقة حجابها وألوانه وطريقة مشيها وكلامها ونظراتها وغير ذلك مما يُدخل الحجاب في “وظيفة الإستهواء”[5] ليتوقف بذلك عن أن يكون آلية لحفظ العذرية.

هناك قسم من النساء في القرى يلبس العباءة أو التنورة الطويلة مع الحجاب. إنّ قسماً كبيراً من المسنات هو من هذه الفئة، علماً أنّهنّ يضعن على رؤوسهنّ مناديلاً شفافة تُعقد الى خلف العنق، أو أحجبة (أغطية رأس) تكشف الكثير من شعر رؤوسهنّ، كما يعمدن في غالبية أيام الصيف إلى رفع الأكمام عن أذرعهنّ التي لم تعد تجذب انتباه أحدٍ من الذكور. وفي بعض الأحيان يعمد الشبان إلى تقبيل أيدي المسنّات أو جباههنّ دون حرج، متمثلين إياهنّ كأمهات لا يُنظر إلى عوراتهنّ، أو ربما ليس لهنّ عورات أصلاً!

إذا كنّا نعزو جزء كبير من تلك الطريقة في اللباس والحجاب إلى نمط العمل الزراعي الذي إعتادت هؤلاء النساء على أن يكنّ يداً عاملة أساسية فيه، إلا أنّ تعامل الذكور مع المسنّات بتلك البساطة المغفلة للمحرّم يكشف عن إعتبارها في منزلة بين منزلتين: بين الستر والحجب. ويُبرز تعامل الناس معها أنّ مسار الجندرة ما زال متواصلاً بَيدَ أنّه يخفت. فتبدو مظاهر الإختلاف بين الجنسين أقل قياساً بمرحلة التكليف[6].

لقد فارقت المسنّة عالم الفتنة والإغراء، ولم تعد تمثل رحماً لإعادة الإنتاج الرمزي؛ ولأجل ذلك فقد رفعت عنها الرقابة الذكورية. إنّها لم تعد تهتم لأمر الرجال ولم يعد الرجل يجد فيها ما يثير شهوته، وبالتالي فإنّ مخاطر التعدّي على الشرف (غشاء البكارة) وسلامة النسب والذرية أصبحت غير واردة. من هنا نفهم أنّ خصوبة رحم المرأة هي التي شغلت المجتمع أكثر من الفتنة في حدّ ذاتها. فالرحم المنجب وسيلة تضمن إستمرار النظام وتحافظ على قانون الأب وتخلّد الأجداد[7].

بصدّد الكلام حول الحجاب لا بدّ من التأكيد على مسألتين:

المسألة الأولى هي أنّ لبس الحجاب يتحوّل غالباً الى طقس مرور، فتقوم الفتاة بلبسه عندما تحيض كدلالة على البلوغ، ومن ثم يشتدّ إلتزامها بمعاييره الإسلامية بعد الزواج بإعتبارها قد إنتقلت من مرحلة العزوبية حيث كان يسمح لها ببعض الإغراء “لإقتناص” عريس إلى مرحلة الزواج حيث أصبحت ملكية كاملة للزوج لا يجوز عرضها للآخرين.

المسألة الثانية وهي أنّ طبيعة لباس المرأة وحجابها في المجتمعات البطركية التقليدية غالباً ما يصاغ بناء لما يطلبه الرجل (الزوج بصورة خاصة- الأب وعائلة المنشأ في العزوبية).

هناك القليل من الشباب يرغبون في بقاء نسائهم سافرات أو يطلبن منهنّ لبس الحجاب تبعاً للموضة، في حين يصرّ الغالبية من الأزواج على توفّر “الحشمة” في الثياب، كأن تكون فضفاضة نوعاً ما أو يأمرن بلبس العباءة، وفي حالات قليلة يأمرن بلبس الجلباب. وفي كل الحالات لا تمتلك المرأة سوى الإذعان والموافقة إما إرادياً أو إجبارياً سيما إذا كان الزوج غيوراً.

إن الوظيفة الموكلة للحجاب في هذه الحالة هو نزع ملامح الإغراء والفتنة عن الجسد الأنثوي وتحويله إلى جسد أعزل من كل ما قد “يوقع” بالرجل في “الخطيئة”. وهذا يعني أنّ حجب الجسد الأنثوي ليس إلا آلية إستحدثها الرجال لغرضين: أولهما السيطرة على فتنة المرأة بالحدّ من علاقتها بالآخرين، وثانيهما ضبط نمط العلاقات بين الرجال أنفسهم. فالجسد الأنثوي المستور يرسم حدود علاقات التبادل بين الرجال ويضبط حدود الملكية: ما هو لي وما هو لغيري[8].

5.2 عدم التزين والتجميل:

يحمل تزيّن الإنسان وتجميله لجسده دلالات كثيرة. فقد تكون الرغبة به ناتجة عن نزعة نرجسية متولّدة عن الشعور بالإحباط، وقد يكون ردّ فعل على الشعور بالألم والمرض والشيخوخة ورغبة في تحدّي الزمن وإحتوائه، ولكنّ الدلالة الأكثر تعميماً للتزيّن هو الإثارة والإغراء، وهذا بالضبط ما يهمنا في هذه الفقرة.

إنّ الإثارة التي دأبت المرأة في طلبها بإعتبارها وسيلة أساسية لعقد العلاقة مع الآخر (الرجل)، هي نفسها، وللسبب ذاته، ما حُرص على إستبعادها، وذلك كآلية وقائية لحفظ الشرف وصيانة العذرية الأنثوية المهدّدة على الدوام.

لقد أدرك الانسان منذ القدم ذكراً أو أنثى فعل وسائل الزينة في جذب الجنسين بعضاً لبعض وفي إثارة الرغبة الجنسية وإستجابتها[9]. لكن لمّا كان المجتمع البطركي قد عمل على تنميط صورة الإنسان تبعاً لتقسيم جندري، فقد تمّ عقد علاقة طردية بين الزينة (والجمال عامة) والمرأة. بمعتى أنّ الجمال أضحى صفة أنثوية بإمتياز، فكل جميل أنثوي وكل أنثوي يفترض أن يكون جميلاً؛ وذلك بعكس ما هو رجولي، فهذا الأخير تبعاً للمخيال الإجتماعي يفقد شيئاً من ذكوريته إذا اقترب كثيراً من الجمال.

في العصور الماضية، أي قبل أن تجتاح مقتضيات الحداثة حياة الناس، لم يكن تزيّن النساء وارد في المناطق التقليدية سوى في المناسبات كالأعراس والأعياد. إنّ المرأة المتبرّجة في المجتمعات الريفية التي تسيطر فيها قيم العائلة والعمل (الزراعي) تشكّل شذوذاً خطيراً يهدّد التوازن الإجتماعي. إنّها تشكل بجسدها المحرّم عامل إضطراب وفتنة داخل النسيج الاجتماعي نظراً لخرقها القيم المجتمعية المشتركة ولما تولّده من فانتزمات[10].

تجدر الإشارة أّن أهم وسائل الزينة التي كانت مستعملة هي الكحل وأحمر الشفاه، لما يضفيه من إثارة على أكثر المنافذ إغرائية في جسد المرأة: العين والفم اللذين شكّلا في المخيال الإجتماعي عنصرا المتعة والإلهام اللذين يحرضا الرجل شهوياً[11]. إذا كان إستخدام المرأة للكحل في المجتمع الزراعي أمر بديهي وشائع زمنياً، بإعتباره المبدأ المحرّك للتجميل النسائي العربي منذ القدم[12]، فإنّ إستخدامها لكل ما هو أحمر من أدوات التزيّن (أحمر الشفاه وأحمر الخدود والثياب الحمراء والمنديل الأحمر) كان مراقباً بشدّة تحت طائلة تهديد الشرف بالإنتهاك. فبما أنّ المخيال الإجتماعي يقرن المرأة بالشيطان ذا الأحمر الزينة، فقد أصبح اللون الأحمر دليلاً على صلة النسوان بالشيطان ورمزاً من رموز إغراء الأنثى وعلامة على السقوط، إذ يكنّى عن النساء الفواجر بالحمر”[13]، وبالتالي فقد إعتيد على أن يكون هذا اللون غالباً في ليلة الزفاف وذلك لإرتباطه بالمدلولات الجنسية.

مع دخول المجتمعات الزراعية عصر الحداثة، وفي خضّم تزايد التعليم الجامعي للنساء وخروجهنّ للعمل وإنتشار القطاع الوظيفي إلى جانب الزراعي طرأت تحوّلات عديدة على إستخدام أدوات الزينة والتجميل النسائية. إنّ غالبية النساء اليوم يضعن الماكياج دون أيّ إشكالية أخلاقية، هذا مع إرتباطه بمتغير السنّ والخروج إلى العمل والتثاقف مع الآخر المديني والتأثر المؤكّد بما تعرضه وسائل الإعلام من أدوات ونماذج للتزيّن. أما في المناطق التي حافظت بشكل كامل على نمط إنتاجها الزراعي، مضافاً إليه الإلتزام بالدين الإسلامي فقد برز نوعٌ من القيود في تزيين الوجه الأنثوي وتجميله.

تؤكّد الملاحظات الميدانية على تحوّل كثير من المجتمعات إلى النمط الهجين إن من حيث الزراعي الوظيفي أو من حيث البطركي المستحدث. في مثل هذه المناطق تعمد البعض من الشابات وخاصة العازبات – وإن كنّ محجبات- إلى مسايرة كل تجليّات الحداثة في نطاق التجميل والزينة (دون إهتمام بالنوعية ومصدر الإنتاج). فتعمد هذه الفئة من النساء إلى إستخدام كريمات لبشرة الجسد والوجه كما يتم إستخدام مواد تجميلية مثل fond de teint, poudre visage, mascara, eyeliner, ombre à paupière والكحل وأحمر الشفاه إضافة إلى الحليّ المتنوعة والحجابات/ الشالات الملونة والمزركشة. إنّ إستخدام كل هذه المواد التجميلية مضافاً الى الثياب الضيقة يتم حيناً بغير علمٍ من الأهل وبعيداً عن عيونهنّ المراقبة، وحيناً آخر يتمّ بموافقة الأهل أو بتواطؤ مع الأم أو الأخت؛ وفي هذه الحالة يكون الهدف هو الإغراء الذي أضحى صناعة مزدهرة وضرورة إجتماعية لتعزيز وتشجيع العلاقة مع الآخر[14] (الرجل).

إنّ هذا السلوك الأنثوي الذي ذكرناه أعلاه لا يشمل كافة النساء المسلمات في المناطق الزراعية التقليدية، بل إنّ الغالبية منهنّ تحرص بشكل نسبي على عدم استخدام مواد التجميل كإلتزام ديني من جهة وكآلية وقائية لحفظ الشرف من الإنتهاك أو التحرّش الذكوري من جهة أخرى.

ورد في القرآن الكريم “وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ “[15].

تحرص الكثيرات من النساء على عدم إستخدام الماكياج لأنّه يدخل في عداد الزينة التي نهى الإسلامُ المرأة عن إبدائها لعامة الناس. كما ويحرص البعض منهنّ أيضاً على عدم إستخدام العطور لأنّها مثيرة لغرائز الرجال؛ تلك التي أوكل الدين للمرأة مهمة تأطيرها وضبطها عند الرجال أنفسهم. ورد في الحديث النبويّ الشريف “كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس، فهي كذا وكذا، يعني زانية”، هذا مع العلم أنّه قد ورد في حديث نبوي آخر “حبّب إليّ من دنياكم الطيب والنساء”.

لقد عمل الدين على محاصرة الجسد الأنثويّ بالأوامر والنواهي والمحرّمات والممنوعات، ممّا كان يشير الى خوف الرجال من هذا الجسد ومن قدرته الجنسانية على خلخلة النظام الإجتماعي الممجّد لسلطة الرجل. من أجل ذلك كان الحرص على حجب الجسد الأنثوي كآلية وقائية لحماية الشرف بما هو جزء من النسق القيمي للمجتمع. يرى المجتمع البطركي عامة أنّه لا مجال لتحقيق ذلك إلا من خلال إختزال المرأة في هويتها الجنسية وتحويلها إلى رمز إجتماعي. وبذلك يكون قد تمّ الكشف عمّا يسود المخيال الإجتماعي للناس الذي يحجب الجسد رغبة في تعريته لاحقاً ف”وراء كل محرّم رغبة”[16]. بمعنى آخر فحماية الشرف الأنثوي متجلياً بغشاء البكارة، وبحشد كل الآليات المباشرة وغير المباشرة، ليس الهدف منه حماية المرأة لذاتها، وإنّما حماية شيء من ممتلكات الرجل/ الزوج المستقبلي.




[يتبع الأسبوع القادم]





كاتبة المقال : سوسان جرجس : كاتبة وباحثة في مجال الأنثروبولوجيا من لبنان. تركز اهتماماتها على الدراسات الجندرية. تهوى الكتب والمطالعة وكتابة الشعر والقصة القصيرة. تكتب في بعض المواقع الإلكترونية العربية مثل مجلة معارج الفكر ومجلة صدى الفصول الشعرية.




تم نشر هذه الورقة ضمن فعاليات المؤتمر الرقمي الأول للإنسانيات والعلوم الإجتماعية – والذي صدرت أعماله لاحقاً ضمن كتاب .




الهوامش :

[1] Voir: Beverley Skeggs, Formation of Class and Gender, London: Sage Publications, 2001, p. 20.

[2] أنظر: صوفية السحيري بن حتيرة، الجسد والمجتمع، دار محمد علي للنشر، تونس، 2008، ص. ص 84-85.

[3] القرآن الكريم، سورة النور، الآية 60.

[4] Jean- Claude Kaufmann, Corps de femmes, regards d’hommes, Sociologie des seins nus, Nathan, 1995, p. 196.

[5] للإضطلاع أكثر أنظر:

مالك شبل، الجنس والحريم: روح السراري، ترجمة: عبدالله زارو، أفريقيا الشرق، 2010، ص. 11

[6] Miriam Bernard & Kathy Meade, eds, Women Come of Age: Perspectives on the Lives of Older Women, London, Edward Arnold, 1993, p. 74

[7] Georges Balandier, Le détour : Pouvoir et modernité, Paris, Fayard, 1985, p. p 62-63.

[8] Leila Ahmed, Women and Gender in Islam, New Haven and London: Yale University Press, 1992, p. 3

[9] Christine Arzaroli, Le maquillage clair-obscur, l’Harmattan, 1996, p. 109.

[10] David Le Breton, Des visages: Essai d’anthropologie, Métailié, 2003, p. 227.

[11] إبراهيم محمود، “وإنّما أجسادنا… الخ: ديالكتيك الجسد والجليد، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2007، ص. 40.

[12] Malek Chebel, Le corps dans la tradition au Maghreb, P.U.F, 1984, p 45.

[13] Nadia Julien, Dictionnaire des symboles, Bruxelles, Marabout, 1989, p. 90.

[14] David Le Breton, Des Visages, Essai d’anthropologie, Métailié, 2003, p. p. 225-229.

[15]القرآن الكريم، سورة النور، آية 31.

[16] René Konig, Sociologie de la mode, (Traduit par L. Jospin), Paris, Payot, 1969, p. 65.

الـمحـرر -

باحث في مجال الأنثروبولوجيا/السوسيولوجيا من لبنان ، من ضمن دائرة الإهتمامات : الأنثروبولوجيا التأويلية ، الإثنوغرافيا الذاتية ، المنظور التفاعلي - الرمزي ، الهوية الثقافية ، تمثلات الدين في المخيال الشعبي ، الفضاء الرقمي ، الأحلام ، ...

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>