بقلم: د. خـيرالله سـعـيد


بعـد جهـدٍ متواصل بذله الباحث العراقي د. خيرالله سعيد، تجاوز أكثر من عقدٍ ونيّف من السـنين، تم انجـاز (موسوعـة التراث الشعبي العراقي) بعشـرِ مجلـدات، نعرض أدناه (مقتطفات من مقـدمـة هذه الموسوعة):

يشـكّـل التـراث الشعبي العـراقي منظومة من المعارف الثقافية والمفاهيم المعرفية، مستندة في تراكمها ونشوئها الى عمقٍ تاريخي – حضاري، تمتـد جذوره الى العهـد السومري، في كثير من مفرداتـه وظواهره الثقافية، مروراً بالعصور البابلية والأكـديـة والآشورية، والإسلامية – العبّـاسية، وصولاً الى المرحلة المعاصرة.

وبالرغـم من تعـدد مصطلحات التعريف بالأدب الشعبي كونه: (تعبيـر عن المجتمـع الشعبي نفسـه، من خلال الكلمة، او هـو الكلام المنطوق عن عامـة الشعب للتعبير عن نفسه، أو هـو تعبير جمـاعي عن تجربة إنسـانية من منظور جمعي). أي أن هذه التعابير والمصطلحات تهمـل (هـوية القـائل الفردي) لكنها، بنفس الوقت، تحـدد هـوية الجمـاعة الحاملة لمضمون  هذه الهـوية، كـونها تعبِّـر عن الشعـور الجمعي، من جهـة، ومن جهـة أخرى، تُـعلِّـم على هذا، كونه يمثّـل عن انفعال عـاطفي أو فكري تنهـجه العـامة في أساليب تعبيراتها، وتقـدِّمـه بصيغته الساذجة، كـونه ينطلق من مجموعة أفراد ليس لهم كفاية من التعليم الأكاديمي، والغـالبية منهـم أُمـيّـون، لا يحسنون القراءة والكتابة، لكنّـهم يعبرون عـن ذواتهـم بحسٍّ مرهـف وبراءة واضحة، وعـفوية صادقة في اطـلاق تلك المشاعر، التي تُـدرك المضامين الروحية الكامنة في روح هـذا الشعب.

وتنفـرز حـالات الانفعال الفكري في التعبير عـن (العـادات والتقـاليد) التي  يمارسها عامة الناس، ويـدركونها بحسّـهم الفطري، ويتمايزون بها عن (التراث الرسمي) الذي يتّـخذ من (اللغة الفصحى) لغـة لكتابة ذلك الأدب،  للتعبير عن مغـزىً معيّـن، فيما تكون (لغـة البسـاطة) هي الدليل الأوضح لذلك الأدب الشعبي العراقي، ومن هـنا يطلقون عليه (معنى السـذاجة) لأن هـذا الأدب الشعبي ينطلق من القريحة التي لا تُخضِع هذا الأدب الى (المنطق العقلي) بل تنطلق من العاطفة العليـا في لحظة الانفعال الوجدانية الخاضعة لهـوى القلب والروح دون تردّد أو انضباط، لذلك هـو (أدب مرهف) عالي الحساسيّة، صادق المشاعر والوجدان .

ونظراً لكون الأدب الشعبي مرتبط بشكلٍ وثيق بقضايا الشعب، وهو يعبّر عن نفسية هذا الشعب في مختلف الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية، ولذلك نحن نعتقد بأن الأدب الشعبي، بشكل خاص، بوصفه أحّـد الروافع الأساسية في الفولكلور أو التراث الشعبي، هـو المعبّـر الأساسي لنفسية الشعوب، فالنصوص التي ينتجها هذا الأدب تمثّـلُ مقياساً نفسياً وثقافياً لتلك الشعوب، وكلّـما توغلنا عميقاً في دراستنا لتاريخ هذا الأدب، نستطيع أن نقرأ بوضوحٍ أكثر أصالة الشعوب في كل المنعطفات .

والأدب الشعبي، هـو جوهرة محصورة في ذاكرة الشعوب، وهـو يؤلف الرأسمال الثقافي الذي يعكس الملامح المتميزة لجماعاتٍ بشرية مختلفة.

أمّـا الخصائص التي تحدد للأدب الشعبي هويته وكيانه فهي:

1- أن يكون حيّـاً معافى، يحمل طاقة متجددة وقوة على التجدد والتلوين.

2- أن يكون له طابعه الخاص، لغـة وتعبيراً.

3- أن يكون معنياً بالصناعة اللفظية، وخصوصا  بتشقيق المعاني من الكلمة الواحدة ، كما هو في الشعر المجنّس، مثل (الموال والأبوذية والعتابة والميمر والهات وغيره).

4- أن يكون له أوزانه الخاصة في فـنونـه الخاصة.

5- أن يكون ابن بيئتـه، الزراعية والرعوية والصحراوية وبيئته الجغرافية.

6- أما فيما يتعلّق بالنثر، والذي يشمل (المثل والقصة والخطبة ومحاضر جلسات المصالحة العشائرية، والاتفاق على الديات، والخطبة والزواج والطهور، فأهـم الخصائص فيها فهي :(البساطة والسذاجة ومحاولة التطاول على النحـو والبلاغـة التقليدية، إنقيـاداً الى قيمتها واستسلاماً لها، بعكس الموقف فيما يتصل بالأشعار الخاصة بالفكر الشعبي) .

كــلـمة أخـيرة: لم يكن هذا العمل مجرّد نُـزهـة جذبتني لخوض غمارها، والسياحة في أبعـاد متـونهـا، بل هـو موقف معـرفي، وأخلاقي، فرضه النـازع الوطني، أزاء الثقافة العراقية  أولاً، وثـانياً، سِـحر التراث الشعبي العراقي، الذي يُـميّـز هـوية العـراق بين شعوب الأرض، فقـد كان مضغتي التي فُطمـت عليها، وظل مـذاقها لا يفارق شفتي حتى هذه اللحظة.

وفي الخـتام، هـذا ما أملاه عليّ الضمير، وما جادت بـهِ معارفي، وبهذا المنحى فأني أتمثّـل قـول شاعرنا الكبير الراحل معروف عبد الغني الرصافي، الذي يقول:

      (ومـا ان فـــاز أغـزرُنا عـلوماً          ولكن فـاز أسلمنـا ضميـرا)  


الكاتب: د. خيرالله سعيد، العراق، متخصص في التاريخ والتراث العباسي، له عشرات الكتب المنشورة من بينها: النظام الداخلي لحركة إخوان الصفا (1992) – خطاطو بغداد في العصر العباسي (1996) – وراقو بغداد في العصر العباسي (2000) – تاريخ انتشار الحضارة الإسلامية (باللغة الروسية) بالاشتراك مع مجموعة من المستشرقين الروس (2002) – الوراقة والورّاقون في الحضارة العربية الإسلامية / موسوعة في ستة أجزاء (2011) – دراسات في الموال العراقي (2014).

الـمحـرر -

باحث في مجال الأنثروبولوجيا/السوسيولوجيا من لبنان ، من ضمن دائرة الإهتمامات : الأنثروبولوجيا التأويلية ، الإثنوغرافيا الذاتية ، المنظور التفاعلي – الرمزي ، الهوية الثقافية ، تمثلات الدين في المخيال الشعبي ، الفضاء الرقمي ، الأحلام ، …

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
تعليق وحيد
  1. الأستاذ القدير علي هاشم المحترم / تحياتي إليك وشكراً لمتابعتك المعرفية لي، فليس هذا المقال الأول الذي ترصدني به ، حيث سبق لك وأن كتبت عن كتابي ( دراسات في الموال العراقي ) فشكراً لهذا الإهتمام، ولو أني كنتُ وادّاً – هنا في هذا الموقع تحديداً – أن تنشر ( المنهج ) الذي سرتُ عليه في كتابة هذه الموسوعة، بغية معرفة ( طرائق ومناهج الباحثين العرب) الذين يشتغلون في مجال الأنثروبولوحيا والفلكلور) مع خالص التقدير .

أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>