الأمثال الشعبية في العالم العربي

التراث الشعبي الفلسطيني كحلقة وصل

أ.د.يحيى جبر                 أ. عبير حمد

الأمثال الشعبية

مدخل

إن التراث الشعبي في فلسطين، لا ينفصل بحال عن التراث الشعبي في باقي الأقطار العربية الشقيقة؛ ذلك لما بين هذه الأقطار من تآخٍ وتواصل جغرافي وثقافي وتاريخي، ووشائج تنبثق من ماض مشترك وحاضر متشابه ومستقبل واحد،وحضارة صنعها الأجداد على مدى أحقاب متطاولة من الزمان، مما يعمق جذور الوحدة في هذه الأمة الواحدة، ولكن ذلك لا يمنع من إغناء التنوع الحضاري الذي يبقى في إطار الوحدة.

ومن هنا، فقد اخترنا هذا الموضوع ليدور حوله بحثنا، وذلك لما للتراث الشعبي من أهمية في دراسة المجتمعات الإنسانية على حقيقتها، لأن التراث الشعبي مرآة صادقة، تقدم صور الحياة بشفافية وأصالة،ولا تختبئ وراء الحواجز والأقنعة، ولذلك، فقد أولى علماء الاجتماع “الأنثروبولوجيا” التراث الشعبي مكانة عالية في أبحاثهم ودراساتهم.

وإذا كان الحديث عن الشعب الفلسطيني بخاصة، والشعوب العربية بعامة، فإن التراث الشعبي يكون له أهمية مضاعفة، وتكون دراسته ملحة أكثر وأكثر، وذلك لما يضطلع به هذا التراث مكن دور في توجيه الشعب، ودعم صموده، وتعزيز وحدته، في مواجهة الاستعمار المباشر وغير المباشر.

وأكثر أنماط التراث الشعبي التي يوليها الدارسون أهمية، هي الأغنية الشعبية، التي تشترك الأجيال في إبداع كلماتها وصياغة إيقاعاتها، لتغدو صورة حية لأشكال الحياة وهمومها، تعبر عن مدى اندغام الوجدان الجماعي برائحة الأرض والتراب المضمخ بدماء الشهداء وعرق الفلاحين.

ولكننا سنتناول بالدراسة والتحليل ـ إلى جانب الأغنية ـ كثيرا من أشكال التراث الشعبي المادي وغير المادي، من أدوات وصناعات وعادات وتقاليد ومعتقدات …. وغير ذلك، مشيرين إلى وجوه التشابه والاختلاف بين الشعوب العربية في كل منها، ومفسرين أسباب التشابه أو الاختلاف ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. وإننا لنرجو أن يكون بحثنا هذا،لبنة متينة في جدار الوحدة العربية، وعاملا من عوامل الصمود والتحدي وترسيخ الهوية العربية والثقافة الأصيلة،في وجه المحاولات الشرسة التي ترمي إلى تذويبها ومحوها، بل وسرقتها.

الأمثال الشعبية

إن التراث الشعبي العربي هو  الروح السارية في عروق الشعب وهي الجينات التي تنقل الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء، وأول هذه أشكال التراث الشعبي التي سنتوقف عندها في هذا البحث هر الأمثال الشعبية، لما لها من شهرة واسعة، حيث سنتوقف عند بعض الأمثال بصورها التي تتشابه في الدول العربية إلى حد التطابق أحيانا كما سنرى.

لقد كثرت تعريفات المثل وتنوعت، لكنها جميعا لا تخرج عن أنه “قول مأثور، تظهر بلاغته في إيجاز لفظه وإصابة معناه، قيل في مناسبة معينة، وأخذ ليقال في مثل تلك المناسبة”. (1)

و ” تأخذ الأمثال الشعبية أهمية دراستها من اعتباراتها الوضعية والضمنية، فالوضعية كون مصدرها وواضعها جمهور الشعب، والضمنية؛ أنها حددت الموقف الجماعي العملي لكثير من القضايا والأمور التي تواجه الإنسان في حياته اليومية،فكانت الأمثال ( خلاصة تجارب الأمم، ومستودع خبراتها، ومثار ذكرياتها، ورجع عاداتها ووقائعها، وترجمان أحوالها،ومصدر تراثها ومتنفس أحزانها،فهي مرآة الأمة؛ تعكس واقعها الفكري والاجتماعي بصفاء ووضوح.

فدراسة المثل إذن، وسيلة لمعرفة الموقف الجماعي من القضايا التي واجهت المجتمع خلال أحقاب الزمان، وهي كفيلة بكشف طبيعة هذا الموقف ونوعيته، إضافة إلى كونها وسيلة من وسائل كشف الحقائق والأحداث التاريخية، والتصورات الذهنية لأفراد المجتمع وهم يواجهون مواقف تقتضي الحكم عليها، فبوساطتها تكشف خفايا المجتمع التي سهت عنها بطون كتب المؤرخين.” (2) ومن هنا فقد آثرنا أن نقف أول ما نقف عند الأمثال الشعبية في الوطن العربي، لنتبين ما بينها من تشابه في اللفظ والمضمون. ففي موضوع الأصالة مثلا نجد الأمثال التالية:

” إذا قعدت ما تزين، وإذا قامت ما تبين.

ويقال بصيغة أخرى: “لا محضر ولا منظر”.

وهو في الجزيرة العربية بلفظ: “لا زينة ولا بنت رجال”

وفي الكويت: “لا خنينة ولا بنت رجال” ، خنينة: الرائحة الطيبة.
وفي مصر: ” لا سيمة ولا قيمة”

وفي تونس: “لا أصل شريف ولا وجه ظريف”. (3)

أما في موضوع الترفع فنجد مجموعة الأمثال التالية:

الحرّ إذا وقع بالشبك ما يلبّط. (الحر طائر الصقر، الشاهين)

وفي هذا المعنى قال شاعر:

” وإذا بليت بعسرة فاصبر لها             صبر الكريم فإن ذلك أحزم”

وقد ذكره الميداني بلفظ “الحرّ حرّ ولو مسّه الضرّ”.

في الجزيرة العربية: “الحر إلي شاف الجفا عاف”.

في الكويت: الحرّ لي صادته الشبكة يصبر”.

في العراق: “الحرّ حرّ ولو مسّه الضرّ” .

وفي فلسطين: “الأصل إذا وقع ما لَبَط”  (الأصل: الحر).

وفي تونس: “الطير الحر إذا حصل ما يخبط”. (4)

كما نجد مجموعة أخرى في الموضوع ذاته وهي:

لا يضر السحاب نبح الكلاب

أورده الميداني في أمثاله: “لا يضر السحاب نباح الكلاب”.

قال المعري:

” وقد نبحوني وما هجتهم                    كما نبح الكلب ضوء القمر”.

في الجزيرة العربية: “نبح الكلاب ما يضر السحاب”.

وفي الكويت: “إيش على السحاب من نبح الكلاب” .

وفي فلسطين: “نبح الكلاب ما بيأثر في السحاب”.

وفي اليمن: “كلب ينبح قمر”.

وفي تونس بلفظ الميداني .

وفي العراق: “السما ما يضرها نبح الجلاب” .

وفي مصر بلفظ سوريا. .

وفي تونس: “نبيح الكلاب ما يضر السحاب” . (5)

وكذلك في خيبة الأمل، نجد عددا من الأمثال الشعبية الشائعة في الوطن العربي ومنها:

لو كان فيه خير ما رماه الصياد. أو، ما رماه الطير.

وقال المولدون: “لو كان في البومة خير ما تركها الصياد” .

وهو في مصر: “إذا كان منه خير ما كانش رماه الطير” .

وفي الجزيرة العربية: “لو فيه خير ما خلاه الطير”.

وفي العراق: “لو بيه خير ما رماه الطير” .

وفي اليمن: “لو في الغراب خير ما فات على صياده” .

وفي تونس: “البومة لو كان فيها خير ما يخلفوها الصيادة” .(6)

أما في موضوع المبالغة فيمكننا رصد الأمثال التالية:

جنازة حافلة والميت كلب.

وفي مصر: “الجنازة حارة والميت كلب” .

وفي الجزيرة العربية: “الميت كلب والنعاية مرة” .

وفي فلسطين: “الميت كلب والجنازة حامية”.

وفي اليمن: “الجنازة كبيرة والميت فار” .

وفي تونس: “الجنازة حامية والميت كلب” .(7)

ويبدو واضحا أن المثل الشعبي أكثر ألوان المأثورات الشعبية تداولا ولذلك نجد المثل يحمل المضمون الواحد ولكن تختلف بعض كلماته أو تركيب عبارته باختلاف الأقطار وتبعا للهجة كل قطر. ومن الواضح كذلك “أن الأمثال التي تنفرد بها منطقة دون سواها، إنما تعبر عن الصبغة المحلية. ولا ننتظر من سكان الصحراوات أو البلاد الجبلية أن يدركوا دلالات المثال المتعلقة بالبحر. ولا من سكان الشواطئ أن يهتموا بالأمثال اللصيقة بالحياة الصحراوية، والتي تتحدث أحيانا عن حيوانات لا يعرفها إلا العائشون في محيط الصحراء. فقد لا يعني كثيرا سكان الشواطئ، المثل الذي يقول: (العربي بقلة ميرته، وخفة سلاحه، وسرعة حركته) لأنهم لا يعرفون معنى الحياة في الفيافي والقفار، وما تتطلبه من رشاقة وخفة وسرعة في العدو والحركة. وفي البيد لا تظهر صورة البحر في أمثالهم. فأهل الساحل يقولون عن الحاذق الماهر الذي يتقن قنص الفرص: (لو رميناه في البحر، يطلع وبتمه سمكه). وفي الكويت ذات البيئة البحرية يستخدمون السمك لتوضيح نتائج رفقة السوء: (السمكة الخايسة تخيس السمك). وفي أمثال الصحراء نرى حيوانات البيئة الصحراوية حاضرة واضحة. … منها: (البِلْ خطاها طوال) والبل هي الإبل، وهذا يقال للسرعة في صورة هادئة.

…… وتظهر في أمثال البادية، صورة الثور، والجراد، والجربوع، والذئب: (الذيب يبكي ما يبيهم يسرحونه بالغنم) ويضرب لمن يتظاهر بالتقوى عكس ما يضمر. ولأن أشجار النخيل وثمارها على مرمى النظر منهم، فهي حاضرة أبدا على في أحاديثهم وأمثالهم. فنحن … نقول عن الشيء أو الشخص المفيد: (مثل الورد كله منافع)، بينما في الجزيرة العربية يقولون: (مثل النخلة كل ما فيها يفيدك). وأيضا: (التمر مسامير الركب) وفي سوريا يقال : (البرغل مسامير الركب). والبرغل هو نتاج القمح المسلوق والمجفف ويطبخ مثل الرز. وهذا يدل على أن الغذاء الأكثر شيوعا، يختلف بين مناطق نخيل البادية ، ومناطق زرع السهول.” (8)

” وهنا يمكن الحديث عن تشابه الأمثال رغم الخصوصية التي تتسم بها الشعوب، أي أنه كما تختلف الأمثال وتتباين في التعبير، نجدها أيضا تتماثل وتتشابه، ومردّ هذا التشابه في جانب كبير منه إلى حقيقة مهمة، ملخصها أن الأمثال في كل مكان وزمان، هي واحدة في جوهرها الإنساني.” (9)

ولا ننسى أيضا ” أن خبرات الإنسان وسلوكه متشابهة في وظيفتها النفسية؛ بمعنى أن السلوك هو وسيلة الفرد للحصول على حاجاته الفزيولوجية والاجتماعية والنفسية، وقد أدى ذلك إلى تشابه كبير في مضمون الأقوال المأثورة الشائعة في ثقافات مختلفة،كما أن بعض الأقوال المأثورة تعبر عن فكرة مجردة فقط.” (10)

الهوامش

  1. الراوي، محمد. موسوعة الأمثال الشعبية والعامية في الوطن العربي، دار أسامة للنشر والتوزيع، الأردن ـ عمان، ط1، ص5.
  2. التراث الشعبي، مجلة تصدرها وزارة الثقافة والإعلام، دائرة الشؤون الثقافية والنشر، الجمهورية العراقية ـ بغداد، العددان الحادي عشر والثاني عشر، ص11.
  3. طه، جمانة. موسوعة الأمثال الشعبية العربية، الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع،ط1، 1999م. ص141 ـ 142
  4. موسوعة الأمثال الشعبية العربية، مصدر سابق، ص 224.
  5. المصدر سابق، ص225.
  6. المصدر سابق، ص 387.
  7. المصدر سابق، ص 603
  8. المصدر سابق، ص45 ـ 46.
  9. جبر، يحيى وزميلته،أبحاث ودراسات في الأدب الشعبي الفلسطيني. الدار الوطنية للترجمة والطباعة والنشر والتوزيع، قلقيلية ـ فلسطين،ط1، 2006، ص163
  10. عبده، سمير. التحليل النفسي للأقوال المأثورة. دار علاء الدين ـ دمشق، ط1، 1994، ص5.

رأي واحد حول “الأمثال الشعبية في العالم العربي”

اترك رداً على وحدة دلوعة إلغاء الرد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.