موقع أرنتروبوس

الوكالة الخوارزمية والذات البشرية: رؤى أنثروبولوجية في عصر الذكاء الاصطناعي

 الوكالة الخوارزمية والذات البشرية: رؤى أنثروبولوجية في عصر الذكاء الاصطناعي

مقدمة:

يشهد العالم تحولاً جذرياً بفعل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي (AI)، الذي يتجاوز كونه مجرد أداة تقنية ليصبح قوة فاعلة تشكل جوانب متعددة من الحياة البشرية. في هذا السياق، تبرز مفاهيم مثل “الوكالة الخوارزمية” (Algorithmic Agency) كإحدى أبرز التحديات الفكرية التي تواجه الأنثروبولوجيا المعاصرة. فبينما كانت الأنثروبولوجيا تركز تقليدياً على دراسة الوكالة البشرية في سياقاتها الثقافية والاجتماعية، فإن ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تبدو وكأنها تتخذ قرارات مستقلة يفرض إعادة التفكير في حدود الوكالة، الذات، والمسؤولية [1]. يهدف هذا المقال إلى استكشاف الرؤى الأنثروبولوجية حول الوكالة الخوارزمية، وكيف يمكن للمنظور الأنثروبولوجي أن يسهم في فهم أعمق للتفاعلات المعقدة بين البشر والذكاء الاصطناعي، مع التركيز على التحديات النظرية والمنهجية التي يطرحها هذا التطور

مفهوم الوكالة في السياق الأنثروبولوجي:

تاريخياً، ارتبط مفهوم الوكالة في الأنثروبولوجيا بالقدرة الفردية أو الجماعية على التصرف بحرية، اتخاذ القرارات، وممارسة التأثير على العالم الاجتماعي. وقد تناولت المدارس الأنثروبولوجية المختلفة الوكالة من زوايا متباينة؛ فمن التركيز على البنية الاجتماعية التي تحد من الوكالة (مثل البنيوية)، إلى التأكيد على قدرة الأفراد على التفاوض والتغيير ضمن هذه البنى (مثل نظرية الممارسة) [2]. ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم التقليدية للوكالة تفترض وجود ذات بشرية واعية ومقصودة كمركز للقرار. إن ظهور الذكاء الاصطناعي، وخاصة الأنظمة ذاتية التشغيل (autonomous agents)، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للآلة أن تمتلك وكالة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي تداعيات ذلك على فهمنا للوكالة البشرية والمسؤولية الأخلاقية؟ ## الوكالة الخوارزمية: تحدي للأنثروبولوجيا تُشير الوكالة الخوارزمية إلى قدرة الأنظمة الخوارزمية على اتخاذ قرارات، تنفيذ إجراءات، وممارسة تأثير على البيئة المحيطة بها، غالباً دون تدخل بشري مباشر أو بحد أدنى منه [3]. تتجلى هذه الوكالة في أنظمة التوصية (recommender systems) التي تشكل خياراتنا الاستهلاكية والإعلامية، وفي المركبات ذاتية القيادة، وفي أنظمة التداول المالي عالية التردد، وحتى في أنظمة المراقبة والتحكم الاجتماعي. إن التحدي الأنثروبولوجي هنا لا يكمن فقط في الاعتراف بوجود هذه الوكالة غير البشرية، بل في فهم كيفية بنائها، تفاعلها مع الوكالة البشرية، وتأثيرها على الثقافات والمجتمعات.

 أبعاد الوكالة الخوارزمية:

1. الاستقلالية الظاهرية: تبدو بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي وكأنها تعمل باستقلالية تامة، مما يخلق انطباعاً بأنها تتخذ قراراتها بنفسها. هذا الانطباع، وإن كان غالباً ما يكون نتيجة لتصميم بشري معقد، يثير تساؤلات حول حدود التحكم البشري والمسؤولية [1].

2.التأثير الاجتماعي والثقافي: تؤثر الخوارزميات بشكل مباشر على السلوكيات البشرية، تشكيل الهويات، وحتى إعادة تعريف العلاقات الاجتماعية. على سبيل المثال، يمكن لخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي أن تعزز الانقسامات المجتمعية أو تشكل الرأي العام، مما يعكس شكلاً من أشكال الوكالة الثقافية [4].

3. الغموض والتعقيد: غالباً ما تكون آليات عمل الخوارزميات المعقدة، خاصة في نماذج التعلم العميق، غير شفافة حتى لمصمميها. هذا الغموض يجعل من الصعب تحديد مصدر الوكالة أو المسؤولية عند حدوث أخطاء أو نتائج غير مرغوبة [1].

 الأنثروبولوجيا والذكاء الاصطناعي:

نحو مقاربة نقدية لمواجهة تحديات الوكالة الخوارزمية، تحتاج الأنثروبولوجيا إلى تطوير مقاربات نقدية جديدة تتجاوز الثنائيات التقليدية بين البشر وغير البشر، وتأخذ في الاعتبار الطبيعة الهجينة للوكالة في عصر الذكاء الاصطناعي. يمكن للأنثروبولوجيا أن تسهم في هذا المجال من خلال:

1. دراسة الإثنوغرافيا الرقمية: إجراء دراسات إثنوغرافية معمقة للمجتمعات التي تتفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، لفهم كيفية بناء المعاني، الممارسات، والتصورات حول هذه الأنظمة. هذا يشمل دراسة مطوري الذكاء الاصطناعي، المستخدمين، وحتى الخوارزميات نفسها كـ”كائنات ثقافية” [5].

2.تحليل الخطاب حول الذكاء الاصطناعي: فحص كيفية بناء الخطابات حول الذكاء الاصطناعي، وخاصة تلك التي تمنحه صفات بشرية مثل “الذكاء” و”الوكالة”. هذا التحليل يمكن أن يكشف عن الأيديولوجيات الكامنة والتأثيرات الاجتماعية لهذه الخطابات [1].

3.تأطير المسؤولية الأخلاقية: من خلال فهم الطبيعة العلائقية للوكالة، يمكن للأنثروبولوجيا أن تسهم في تطوير أطر أخلاقية وقانونية أكثر شمولية للذكاء الاصطناعي، تحدد المسؤولية ليس فقط في الأفراد أو الشركات، بل في الشبكات المعقدة من البشر والآلات [1].

4. الأنثروبولوجيا التصميمية: المشاركة في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي من منظور أنثروبولوجي، لضمان أن تكون هذه الأنظمة متوافقة ثقافياً، أخلاقية، وتلبي احتياجات المجتمعات التي ستخدمها

 الخلاصة:

إن عصر الذكاء الاصطناعي يفرض على الأنثروبولوجيا تحديات وفرصاً غير مسبوقة لإعادة التفكير في مفاهيمها الأساسية حول الوكالة، الذات، والمجتمع. من خلال تبني مقاربة نقدية ومتعددة التخصصات، يمكن للأنثروبولوجيا أن تقدم رؤى فريدة حول كيفية تشكيل الوكالة الخوارزمية للعالم البشري، وكيف يمكن للبشر أن يتفاعلوا مع هذه الأنظمة بطرق مسؤولة وأخلاقية. إن فهم الوكالة كظاهرة علائقية، تتشكل من خلال التفاعلات المعقدة بين البشر والتقنيات، هو خطوة أساسية نحو بناء مستقبل مستدام وعادل في عصر الذكاء الاصطناعي.

المراجع:

[1] Timaite, G., & Castelle, M. (2025). Agents Without Agency: Anthropological and Sociological Lessons for Contemporary AI Research and Policy. *Proceedings of the AAAI/ACM Conference on AI, Ethics, and Society*, *8*(3), 2493–2507. https://ojs.aaai.org/index.php/AIES/article/view/36733

[2] Ortner, S. B. (1984). Theory in Anthropology Since the Sixties. *Comparative Studies in Society and History*, 26(1), 126-166. [3] Kitchin, R. (2017). Thinking about algorithms. *Progress in Human Geography*, 41(1), 1-16.

[4] Seaver, N. (2017). Algorithms as culture: insights from the social study of science and technology. *Big Data & Society*, 4(2), 2053951717738431.

[5] Boellstorff, T. (2008). *Coming of Age in Second Life: An Anthropologist Explores the Virtually Human*. Princeton University Press. [6] Dourish, P. (2017). *The Stuff of Bits: An Essay on the Materialities of Information*. MIT Press.

Exit mobile version