564676

نحو فهم أنثروبولوجي لشعيرة الأضحية – قراءة في دراسة مارسيل موس وهنري هوبير حول طبيعة الأضحية ووظيفتها

بقلم: مصطفى العوزي

على سبيل الاستهلال:

تعتبر شعيرة الأضحية واحدة من أهم الشعائر الدينية[1] التي عرفتها الديانات الإنسانية منذ القديم وأبرزها وكذلك أقدمها، وإذا كانت شعيرة الأضحية لها بالأساس بعد روحي، فإنّها أيضًا طقس له أبعاد أنثروبولوجية وثقافية، يعكس في مستويات عديدة فهم الإنسان للواقع والعالم بما يبعث فيه نوعًا من الطمأنينة والسكينة، ولكشف هذه الجوانب وهذه الأبعاد الأنثروبولوجية والرمزية لشعيرة الذبيحة أو الأضحية قام الأنثرولولوجي الفرنسي المعروف مارسيل موس وزميله هنري هوبير بإنجاز دراسة علمية قيمة تحت عنوان «مقالة في طبيعة الأضحية ووظيفتها Essai sur la nature et la« »»fonction du sacrific ، وهي الدراسة التي ستنشر لاحقًا في حوالي 90 صفحة بالمجلة الشهيرة «حوليات علم الاجتماع»[2] سنة 1897 ، والتي سيكون لها أيضًا تأثير بالغ الأهمية في الفهم الأنثروبولوجي[3] 3 لواحدة من أهم الشعائر الروحانية والدينية التي مازالت قائمة اليوم بصور مختلفة لدى معظم المجتمعات المتدينة والتي نسميها «الأضحية » بالتركيز على مادة مستقاة من نصوص الحضارة الهندية القديمة ومن التوراة أي الديانتين الهندوسية واليهودية اللتين تختلفان من حيث أنّ الأولى تقوم على التوحيد والثانية تقوم على وحدة الوجود.

يقدم هذا العمل قراءةً للدراسة التي أنجزها مارسل موس وهنري هوبير من خلال إعادة صياغة الإشكال الرئيسي للدراسة وعرض النظرية الجديدة التي يقترحها العالمان لتفسير شعيرة الأضحية، انطلاقًا من السؤال التالي: ما هي الأضحية؟ وإلى أي حد يمكن مقاربة هذه الشعيرة الدينية أنثروبولوجيًّا؟ وهل من سبيل لفهم التأثير الاجتماعي والنفسي لها في حياة المجتمعات والأفراد؟ وما هي حدود العقلنة في هذا الطقس الديني؟

لماذا الأضحية موضوعًا للدراسة؟

منذ البداية يبرر الباحثان سبب اختيارهما لهذا الموضوع مادة للبحث الأنثروبولوجي، فيؤكدان على أنّ الغرض من ذلك هو فهم طبيعة الأضحية لدى المجتمعات الإنسانية بما فيها تلك القديمة، وأيضًا إدراك الوظيفة، أو بالأحرى الوظائف المتعددة لهذه الشعيرة في حياة الجماعات والأفراد النفسية والاجتماعية، ويشيران إلى أنّ هذا العمل قد تأثر بأعمال سابقة تناولت الموضوع نفسه وهي تلك التي قام بها كل من Taylor تايلور، Smith robertson سميت، Frazer فريزر، غير أنّ الجديد هو تقديم نظرية جديدة تفسر هذا الموضوع الشاسع والمعقد إلى حد بعيد، وتشكل في الآن نفسه تجاوزًا للمدرسة الأنثروبولوجية الإنجليزية وخصوصًا نظرية »R.smith« قصدنا في هذا العمل أن نعرف بالطبيعة والوظيفة الاجتماعية للتضحية، المشروع كان سيكون طموحًا إذا لم يكن قد هيئ بتوجيه من أبحاث Taylor تايلور، Robertson Smith سميت، Frazer فريزر، نعرف جميعًا ما نحن مدينون به لهم، لكن دراسات أخرى ستمكننا من اقتراح نظرية مختلفة لما جاؤوا به، وهي كما يبدو لنا أكثر إدراكًا»[4]

التصورات السابقة لفهم شعيرة الأضحية:

حاول موس وهوبير إبداء مجموعة من الملاحظات حول التصور الذي قدمه R.smith سميث لشعيرة الأضحية، والذي بعد تأمله لها في مجموعة من الحضارات المختلفة توصل إلى كون الأضحية عبارة عن هدية يقدمها الإنسان لمخلوقات خارقة للعادة «الآلهة تحديدًا » بهدف التعلق بها، وأيضًا ليستمر في التقرب منها كلما ابتعدت عنه، ومن هنا تصبح الأضحية هدية وتكريمًا للآلهة، وقد أدى تطور فهم الإنسان وتمثله للأضحية إلى الانتقال من التضحية بالحيوان إلى التضحية بالنفس وهي بذلك تمنح المؤمن امتيازًا عند ربه، حاول سميث R.smith أيضًا ربط الأضحية بسعي الأفراد إلى الحفاظ على انتسابهم إلى الطوطام نفسه «إله العباد وأبوهم » فالأضحية هنا هي الشعيرة التي تصون وتضمن الحياة المشتركة والترابط بين أفراد ينحدرون من الطوطام نفسه، فشعيرة الأضحية تحقق للأفراد عبر الوجبة المشتركة تجديد التحالف وتساعدهم على التشبه بالطوطام والتحالف معه ومن ثم إعادة إحياء الحلف المنقطع، هذه الأضحية التي تأخذ أشكالاً مختلفةً إما حيوانية أو نباتية قد يستعان بها للاستغفار أو الكفارة وأيضًا التهادي، غير أنّ نظرية سميث R.smith لم تعمل على تفسير وظيفة الأضحية بشكل دقيق في حياة الفرد المؤمن، وعلى المنوال نفسه تقريبًا حاول فريز M.frazer تناول شعيرة الأضحية وفهم معانيها لدى الشعوب والحضارات المختلفة، فبالنسبة إليه تبقى الأضاحي المضحى بها متشابهة في معظم الحضارات إذ أنّها تنطلق من الهدف نفسه وهو ضمان وحدة الجماعة وبقاء تحالف مكوناتها، فضلاً عن أنّها تنتهي إلى النهاية نفسها وهي الفناء والاختفاء «تقتل الأضاحي أو تؤكل».

تبقى أهم ملاحظة يسجلها الباحثان حول تصورات سميث R.smith ومن بعده فريزر M.frazer هي الخطأ المنهجي الذي وقع فيه فبدلاً من تحليل الأبعاد المعقدة لشعيرة التضحية عمل فقط على وصف نماذج لشعائر التضحية من حضارات مختلفة وتجميعها في نماذج متماثلة فأصبح عمله وكأنّه توثيق وإعداد موسوعة فقط «خطأ سميت كان خطأً منهجيًّا، عوض تحليل نظام الطقس السامي في تعقيداته الأصلية، فقد ارتبط بالأحرى بجمع الحقائق نسبيًّا من خلال تقرير التماثل الذي اعتقد أنّه رآه بينهم»[5] .

تعريف الأضحية وأصنافها ومستوياتها:

تحيل الأضحية بالنسبة إلى الباحثين دومًا على مبدأ التكريس، أي الاستمرار على تقليد معين ينقل الإنسان المؤمن من المجال المشترك المختلط بالأشياء المدنسة إلى المجال الديني المتسم بالقداسة، «كلمة أضحية توحي فورًا بفكرة التكريس ويمكن أن نكون حريصين على الاعتقاد بأنّ المفهومين ممتزجان، يقينًا إنّ الأضحية تعني ضمنيًّا ودائمًا التكريس، في كل الأضاحي هناك شيء يمر من المجال المشترك إلى المجال الديني»[6]، وهكذا فالمؤمن بعد تقديمه للأضحية يصبح شخصًا آخر مختلفًا عما كان عليه قبل الأضحية، فهي إذن تعبر عن لحظة الخروج من الخطيئة. وتقوم شعيرة الأضحية على أركان محددة تتمثل في المضحي والمضحى له الذي ينبغي أن تطاله بركة الأضحية، وقد يكون فردًا أو جماعةً أو عشيرةً أو قبيلةً أو أمةً، وقد لا تطال المضحى له مباشرةً بل تطال شيئًا ما في ملكه كمن يضحي من أجل أن يطرد أرواحاً شريرة من بيته، ثم موضوع الأضحية والآلهة التي ترسل إليها الأضحية، وتمثل الأضحية بالأساس حلقة لانصهار الحياة الإنسانية مع الحياة الإلهية، وحسب موس وهوبير يمكن أن نميز بين نوعين من الأضاحي، الأولى تشمل الأضاحي المعرضة للإتلاف والتي لا تكتمل شعيرة الأضحية إلا بعد إتلافها وإفنائها كالتضحية بحيوان مثلاً يتطلب الأمر ذبحه وأكله، وهناك أضاحٍ غير قابلة للإتلاف وإ اّمن يستفاد منها بتقديمها قرباناً كما هي، كتقديم الحبوب والبواكير مثلاً، فضلاً عن أنّ هناك أضاحي لا تكتمل إلا مصحوبة بأشياء أخرى، فمثلاً تقدم الحضارة العبرية الأضحية مصحوبة بالحلويات، وهناك حضارات لا تقبل إلا القرابين النباتية كما هو الشأن في الحضارة اليونانية القديمة.

أما مستوياتها فيمكن الحديث عن مستويين من الأضاحي: المستوى الأول تكون فيه الأضحية ذاتية، أي أنّها تحقق منفعة ذاتية مباشرة للفرد المضحي، مثال القربان الذي يرغب منه تحقيق أمنية شخصية، وفي المستوى الثاني تكون الأضحية خارجية أو جماعية أي أنّها تحقق منفعة جماعية للعشيرة أو القبيلة كتقديم قربان لجلب بركة السماء «المطر». ويؤكد موس وهوبير أنّ مناسبات تقديم الأضاحي متعددة، كما أنّ الأغراض الكامنة وراءها متعددة هي الأخرى والشيء نفسه يخص موادها والوسائل المعتمدة فيها.

وبالتالي يمكن تقسيم الأضاحي حسب أصنافها إلى صنفين رئيسيين، صنف الأضاحي المؤقتة والطارئة وتشمل الأضاحي النذرية «نذر»، والأضاحي الشفائية «تهدف إلى شفاء مريض»، وهناك صنف الأضاحي الثابتة والموسمية والتي تشمل الأضاحي اليومية وأضاحي اكتمال القمر، وأضاحي التجديد وأضاحي الأعياد الموسمية والرعوية، وأخيرًا أضاحي بواكر نهاية العام والمحاصيل الزراعية، وفي مستوى آخر يمكن تصنيف الأضاحي أيضًا حسب الأهداف والغايات المرجوة منها، وفي هذا الإطار يمكن الحديث حسب موس وهوبرت عن أربع رئيسية وهي: أضاحي الكفارة وأضاحي التوحد الديني، وأضاحي التواصل مع سمة مقدسة، ثم أضاحي طرد سمة مدنسة، وهكذا فمهما تعددت الأضاحي في المجتمعات الإنسانية إلا أنّها تبقى في العموم متشابهة من حيث المنطلق وأيضًا الأهداف والغايات.

الرسم البياني للأضحية أو الأركان الكبرى للأضحية:

يستعرض موس وهوبير الأركان الرئيسية التي تقوم عليها شعيرة الأضحية، والتي تتطلب أيضًا الالتزام بمجموعة من الطقوس المصاحبة والتي تكفل للمؤمن «المضحي » الدخول في الشعيرة والانتقال من عالم المدنس إلى عالم المقدس أو باللغة السنسكريتية[7] الدخول في الأضحية ولتوضيح هذه الأركان يقدم الباحثان نموذجًا للأضحية الحيوانية الهندوسية باعتبارها نموذجًا يستجيب بشكل كافٍ لهذه الأركان والتي نقدمها كالتالي:

المضحى له: وهو الذي يضحى من أجل أن تطاله المنفعة، أي الهدف من الأضحية، وعليه أن يلتزم بمجموعة من الطقوس التي تضمن له الانتقال من عالم الدناسة إلى عالم القداسة وتصبغ عليه بعض خصائص الإله، ومن بين هذه الطقوس عليه أن يمكث داخل كوخ يعزله عن العالم الخارجي، وأن يحلق شعره ويقلم أظافره بشكل مخالف لما دأبت عليه الناس، وأن يأخذ حمامًا تطهيريًّا ويلبس لباسًا أبيض، ثم يغطى بجلد الظبي الأسود ويجمع يده بقبضة كالجنين ليعود بذلك إلى لحظة جنينية وكأنّه يولد من جديد طاهرًا ونقيًّا من الأشياء المدنسة، ثم يمتنع عن كل ما يدنس طبيعته الإلهية الجديدة التي اكتسبها فتحرم عليه الملذات من معاشرة النساء وغيرها، ولا يتناول إلا الحليب ويستمر الوضع هكذا شهورًا عديدةً. إنّ هذه الطقوس الملزمة للمضحى له لا توجد عند الهندوس فقط بل يوجد بعض منها لدى الرومان واليونان أيضًا، وبالتالي فهي مجموعة من الطقوس الرمزية التي تضفي على روح المضحى له سكينة يعتقد من خلالها أنّه في طور التغير وأنّه فعلاً ينتقل من عالم إلى عالم آخر هو عالم القداسة.

المضحي: لدى العبرانيين هو القس الذي يقوم بإنجاز فعل الأضحية ويكون وسيطًا بين المضحى له والآلهة بالإضافة إلى كونه وكيل المضحى له وينوب عنه، وذلك راجع لكونه دومًا يتموقع في العتبة بين عالم الناس المدنس وعالم الآلهة المقدس، ويشترط فيه أيضًا أن يمتنع بدوره قبل التضحية عن الملذات كالخمر، وأن يغتسل قبل دخوله المحرم حيث سيقوم بالتضحية، ويلبس لباسًا من الكتان يزيله مباشرة بعد التضحية، ثم يؤدي القسم قبل التضحية بينما يعمد بعض الشيوخ إلى قراءة مقاطع من التوراة جلبًا للبركة ودرءًا للمفاسد.

الزمان المكان والأدوات: تعتبر هذه من الأركان الرئيسية في شعيرة الأضحية حيث يتم اختيار الوقت بعناية فائقة فليست جميع الأوقات صالحة للتضحية، عند الأشوريين مثلاً تستثنى أيام 7 و 14 و 21 من الشهر فهي محرمة للتضحية، ويتم تحديد الفترة بالضبط إذ يمكن أن يكون الصباح أو المساء أو الليل حسب التمثلات الخاصة للحضارات، والشيء نفسه يهم المكان إذ ينبغي اختيار المكان بدقة وتمنع التضحية في بعض الأماكن، وأفضل أماكن التضحية هي المعابد أو الأماكن المقدسة بطبيعتها، والتي ينبغي أن تظل نظيفةً وطاهرةً ومحافظةً على قدسيتها، ثم ينبغي أيضًا أن يهيأ المكان بطقوس خاصة كإضرام النار مثلاً في مكان التضحية عند الهندوس، وهي التي تعمل على طرد الجن الشرير والسحر والشياطين، ويجب أن يكون مكان التضحية مستطيلاً وواسعًا يسميه الهندوس “ »vihara وبداخله يوجد نصب حيث يضحى بالأضحية، ويتم إحداث دائرة على الأرض ترسم بعناية وتحفر فيها حفرة تغطى بالعشب ويعتقد أنّ الآلهة التي ترسل إليها الأضحية تجلس في هذا المكان، وهذا هو النصب بالذات، أما الأدوات فهي متعددة لكن ما يهم هنا هو جزء فقط من النصب والمسمى yupa وهو عمود مصنوع من شجرة مقدسة ذات طبيعة إلهية تربط فيه البهيمة المضحى بها، ثم هناك أيضًا الآلة الحادة التي تذبح بها البهيمة والتي بدورها تحتل مكانة مركزية في طقس التضحية. وعمومًا يجب أن توافق الأفعال الدينية المنجزة في شعيرة الأضحية الأفكار الدينية التي يحملها العبد المؤمن، لابد من التوافق بين ما هو داخلي وما هو خارجي.

الضحية: تتوفر في الغالب الضحية على صفات إلهية وراثية تضفي عليها نوعًا من القداسة، حيث كانت لها في ما مضى روابط مع الإله “تنتمي إلى نوع كان موحدًا مع الإله بروابط خاصة” وتتوفر فيها لزامًا مجموعة من الشروط، ومنها أن تكون بدون عيب وغير مريضة، وليست فيها أي عاهة واضحة، ولها لون معين وسن معين وجنس معين، وليكتمل طقس الأضحية ورفع الضحية إلى مرتبة القداسة يجب تتبع العملية بمجموعة من الاحتفالات، فالرومان مثلاً يعمدون إلى تطهير الأضحية وتمشيطها وتبييضها، وإزالة القرنين ووضع تاج على رأس البهيمة بدلهما بالإضافة إلى تزيين الرباط المربوطة به وإلباسها لباسًا تتشبه به بالإله وتتقرب به إليه، ويمكن أن تضاف إلى ذلك أفعال أخرى غرائبية إلى حد كبير ففي المكسيك مثلاً يقومون بتسكير الضحية، تعبيرًا عن أنّ السكر هو تملك الضحية من طرف الإله، أما الهندوس فإنّهم يضيفون إلى ما سبق مدح الضحية واستعطافها لتهدأ، والتوسل إلى رب البهائم أن يطلب من الضحية قبول ما يهيأ لها، ولهذه الطقوس وظيفتان وهما: أولاً إصباغ طابع التأليه على الضحية، وثانيًا درء أي انتقام يمكن أن تقوم به الروح التي يتم تخليصها من جسد الحيوان بعد موته، بالنسبة إلى الباحثين، الأمر كأنّه مصالحة تعقد بين الجماعة المضحية والروح التي غادرت الحيوان وانفصلت عنه، وهذا ما يجعل المضحي والمضحى له يترددان قبل الاقتراب من الضحية خوفًا منها، بعض المجتمعات الأخرى كاليهود واليونان يضيفون طقوسًا أخرى كدهن الحيوان مثلاً بالزبدة وإعطائه ماءً للشرب أو رميه بالحبوب والغرض من ذلك هو تحقيق شرط القداسة على الضحية. يرى موس وهوبرت أنّ الضحية، أي هذا الحيوان بعد دخوله عالم القداسة بفضل الطقوس السابقة وغيرها، يتمكن من أن يصبح وسيطًا بين المضحى له والآلهة التي يكون الحيوان حاملاً لصفاتها، وبفضله ينصهر البشر مع الآلهة ويتوحدون معها.

لإتمام الشعيرة بنجاح لا ينبغي رمي أي جزء من الأضحية في أماكن عشوائية، بل جمعها ومراقبتها في مكان محدد لتلك الغاية، وأخيرًا فإنّه على الجماعة تقديم توسلات أخرى هذه المرة للآلهة.

في الأضحية الحيوانية الهندوسية يتم تقطيع لحم الأضحية إلى ثماني عشرة قطعة وطهيها، وبهذا الفعل يحدث الإقصاء الشامل للأضحية من عالم الدناسة، تمنح هذه القطع المطهية إلى الآلهة والشخصيات الخرافية التي أقيم الطقس من أجلها، كما يمنح جزء منها إلى المضحى له وبها تمنح له البركة والمنفعة المرجوة أيضًا «لكن سبعة من هذه الأقساط تصلح لأشياء أخرى: من خلالها تبلغ للمضحى له الفضيلة المقدسة للضحية»[8]، أثناء إنجاز هذا الطقس تحضر الآلهة بدورها والتي تم النداء عليها من طرف الجماعة، تصحب معها قوًى خرافيةً أخرى كقوة الشمس والريح والجو والسماء والأرض والبهائم، حضورها يكون ضروريًّا لتحقيق الخير لعالم الجماعة المضحية.

إنّ أهم ما يسجله الباحثان من خلال مقارنة الأضحية الهندوسية والأضحية اليهودية هو ذاك التشابه الحاصل في مجموعة من الطقوس خصوصًا رش الدم ولبس الجلد وأكل أجزاء الحيوان، على الرغم من أنّه قد يبدو لنا في الظاهر نوعًا من الاختلاف بينها، فمثل هذه الطقوس حسب موس وهوبير تعكس شرط التوحد بين الضحية المقربة والمضحى له، وهو التوحد الذي يحمل بعضًا من صفات القداسة من الحيوان إلى هذا المضحى له المرتبط بعالم الدناسة، وكأنّ الأضحية هي القناة التي من خلالها يتم تصريف الصفات المقدسة، كما أنّ الطقوس سواء القبلية أو البعدية للتضحية يبقى الهدف منها دومًا هو إبلاغ الآلهة بالنية والإخلاص.

الخروج من الشعيرة: خروج من الأضحية:

كما هو الشأن عند لحظة الدخول في طقس الأضحية فإنّ لحظة الخروج هي بدورها تتطلب مجموعة من الطقوس الخاصة والتي يرجى منها محو جميع الأخطاء التي ارتكبت أثناء أداء الشعيرة، وأيضًا بغرض الإعداد للعودة إلى الحياة المشتركة التي تعني أيضًا العودة إلى عالم مدنس، ومن هنا فإنّ الخروج من الدائرة السحرية للشعيرة يجب أن يكون منظمًا بدقة وعناية بالغة، ومن ذلك التخلص من جميع الأشياء المستعملة في الطقس بشكل محدد، كإحراق الأجزاء المتبقية من الأضحية من ذهن وشحم، وإتلاف أداوت النحر بالإحراق بالنار، وسكب الماء المخصص للتطهير والذي لم يستعمل، وإخفاء كل ما يشير إلى الجريمة المرتكبة، وبالنسبة إلى القساوسة والمضحى له وأهله عليهم أن يتطهروا بالماء، وهكذا تتم الطهارة من الأخطاء المرتكبة في الشعيرة وكذلك من الأخطاء التي تهدف الأضحية إلى تخليص المضحى له منها، إنّها لحظة العودة إلى عالم البشر والعودة إنسانًا من جديد، يغتسل المضحى له وزوجته حد العنق في الماء، يبدؤون بالظهر ثم باقي الأعضاء بالتتابع، يغسلون أيضًا أحزمتهم السابقة، ينزع المضحى له أيضًا جلد الظبي، يتطهرون من جميع المزايا الخطيرة، ويلبسون ثيابًا جديدة، وهم بذلك يكفرون عن أخطاء الشعيرة وعن جريمة قتل الحيوان، في اليونان يصاحب طقس الخروج من الأضحية الاستغفارية عملية غسل جميع المضحين لملابسهم قبل العودة إلى المدينة، ومثل هذه التطبيقات نجدها في الأضاحي اليهودية أيضًا، حسب موس وهوبير على الرغم م قد يبدو من تعدد في هذه الطقوس، إلا أنّها تهدف إلى تحقيق وظيفة واحدة وهي المتمثلة في الطهارة من الآثام. ويرى الباحثان أيضًا أنّ المضحى له في نهاية الشعيرة يبدأ في العودة تدريجيًّا إلى عالمه الأول ويكون مستعدًّا لذلك بعدما وصل أوج طهارته في الشعيرة، عمومًا جميع هذه الطقوس تؤشر على صعود ونزول إلى ومن عالم القداسة، إنّها عملية ارتقاء تتبعها عملية اندحار، تفرض أن تتجدد باستمرار ليستمر التواصل والود قائمًا مع الآلهة التي لا ينبغي قطع الصلة معها.

خلاصات الباحثين حول الشعيرة:

يخلص موس وهوبير في هذه الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات الهامة من أهمها: أنّ شعيرة الأضحية ترتبط عند جميع الديانات بمفهومين مركزيين وهما مفهوم المقدس ومفهوم المدنس، وجميع أشكال الأضاحي مرتبطة بهذين المفهومين، هناك دومًا تقديس للضحية على الرغم م قد يشوبها أحيانًا من صفات الدناسة إلا أنّ عنصر التضحية يخلصها من تلك الصفات، يشير موس وهوبرت إلى أنّ جميع طقوس الأضحية جد معقدة تتطلب ترتيبًا ودقةً كبيرةً، وهي طقوس متكاملة وغير قابلة للنقصان، وبشكل عام فإنّ وظائف الأضحية متعددة تبقى أهمها: الاستغفار عن الخطايا، طلب نيل منفعة، عبادة الآلهة والتقرب إليها، النذر، التنجيم بالمستقبل، إلحاق أذى بعدو خارجي، اللعنة ودعاء الشر، استجداء قوى الطبيعة لنيل بركتها، الاستمتاع باللحم المقدس، هذه الوظائف يمكن لها أن تشتغل في الوقت نفسه وبشكل متوازٍ، والروح المضحى بها هي الموكول إليها نقل الغايات المرجوة من الأضحية إلى السماء، كل هذه الوظائف ترتبط وبشكل متماسك بوظيفة واحدة مركزية وهي إخراج المضحى له من عالم مدنس وإدخاله إلى عالم مقدس، إنّ الأضحية حسب الدراسة نظام متفرع ومتعدد، إنّ هذا الاقتراب الذي يقوم به المدنس نحو المقدس هو شرط أساسي في شعيرة الأضحية وهو من جهة أخرى بالنسبة إلى الباحثين مزدوج الصورة، فهو اقتراب على شكل ابتعاد “اقتراب من المقدس وابتعاد عن المدنس”، في النهاية ينتج عن شعيرة الأضحية موت المضحى له وهو موت رمزي يمثله موت الأضحية، إذ الآلهة تقبل القربان بدلاً من المضحى له الذي تعيده إلى الدنيا في هيئة جديدة، في هذه الشعيرة كلما كان الالتزام أكثر بالتعاليم الدينية تحقق شرط الابتعاد عن المدنس، وبالتالي فالتماهي والاقتراب الحميمي من الأشياء المقدسة يمنح كل الأشياء الأخرى صفات القداسة تلك، والأضحية أيضًا حسب موس وهوبير تكرس مفهوم الإيثار إذ أنّ المضحى له يعطي، والضحية بدورها تقدم نفسها في سبيل الجماعة، على الرغم م قد تحمله الشعيرة من امتثال للواجب لا غير، ومع ذلك وبغض النظر عن هذا الإيثار فإنّ المضحى له ينتفع من الشعيرة بالدرجة الأولى، وبهذا تكون للأضحية غاية مزدوجة، واجب ديني وفعل نافع، إنّ الأضحية من منظور الباحثين هي تبادل للمنافع بين المضحى له والآلهة، فالكل يعطي والكل يأخذ، المضحى له يأخذ المنفعة والبركة والآلهة تأخذ نصيبها من خيرات المدنسين، وهو النصيب الذي يضمن لها البقاء في وجه الشياطين، أما الضحية فهي الوسيط في هذا التبادل، غير أنّ كل هذه العمليات تختفي حينما يكون الإله نفسه هو الضحية، هنا يصبح الأمر عبارة عن تضحية كبرى في سبيل خير العالم، ما يلاحظه موس وهوبير هو النظرة التي يحملها غير المؤمن لهذه الطقوس المرتبطة بشعيرة الأضحية، إذ يراها عبثًا ونمطًا خرافيًّا من الأفعال يزاوله الإنسان، غير أنّ الحقيقة تفيد أنّ هذه الشعائر الدينية أضحت حقائق اجتماعية من الصعب التخلص منها، فهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحياة التجمعات البشرية، وبفضل الرموز التي تحملها الأضحية يتم التعبير عن مجموعة من المعتقدات الاجتماعية، من هنا فللأضحية وظيفة اجتماعية، فهي تجدد من جهة التضامن الاجتماعي للجماعة وتصون وحدتهم المشتركة وتخلق لهم عالمًا مثاليًّا ينشدونه عبر هذه التقديسات والشعائر والطقوس المتعددة، إنّ الأفراد يكتسبون قوة لوجودهم بفضل هذه الشعيرة، الأضحية أيضًا تضمن بقاءهم في دائرة القداسة وتحفظ خيراتهم وحقولهم ومنازلهم وتحفظهم من اللعنات والغضب الغيبي، وتعيد لحياتهم شكل التوازن والاستقرار عبر تلك الاستغفارات التي تمنحهم راحة نفسية، إنّها العامل الأساسي لضبط إيقاع الحياة البشرية وتوازنها مع نظم الطبيعة.

يعود موس وهوبير ليؤكدا أنّ ما قاما به هو عمل يكاد يكون أوليًّا يبحث في طبيعة الأضحية ووظيفتها ومنشئها، وهو عمل قابل للتطوير والمتابعة من خلال تناول جوانب أخرى من تطور الشعيرة وإدراك مختلف تشعباتها.

ملاحظات عامة حول الدراسة:

ونحن نعيد تقديم هذا العمل العلمي الهام الذي قام بإعداده موس وهوبير، لابد أن نشير إلى بعض الملاحظات العامة التي يمكن الخروج بها من خلال القراءة التي أنجزناها في هذا العمل “الدراسة” حول طبيعة الأضحية ووظيفتها، وهكذا فعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي قام بها الباحثان للابتعاد ما أمكن عن تقديم مادة توثيقية تستعرض نماذج لطقوس الأضحية في الديانتين الهندوسية واليهودية وأيضًا اليونانية، إلاّ أنّ العمل وفي كثير من جوانبه جاء في شكل توثيق لهذه الطقوس بما يشبه مادة وصفية استعراضية مصحوبة ببعض التفسيرات والمقارنات، كما أنّ الاكتفاء باستقراء نصوص تاريخية لم يساعد الباحثين بما يكفي على الإحاطة بالموضوع بالدقة والعناية اللازمتين وهو ما يشير إليه الباحثان نفسيهما، ما فتح الباب لإقحام عناصر ذاتية ترتبط بعامل الزمن. في المقابل فإنّ الدراسة كانت ستكون أكثر دقةً وانضباطًا لو تم الاعتماد فيها على المعايشة المباشرة للشعيرة، حيث يكون الفهم قائمًا على الملاحظة والمعاينة المباشرة في الزمان والمكان الفعليين لإنجاز الشعيرة، من جهة أخرى فقد تم الاعتماد بشكل كبير في هذا العمل على التحليل البنيوي لمختلف طقوس شعيرة التضحية، حيث البحث في البنيات الخفية الكامنة وراء البنيات الظاهرة في الشعيرة. بالإضافة إلى تحليل الكثير من أشكال السلوك الصادرة عن الجماعة المضحية بإيعازها إلى عوامل نفسية ومبررات سيكولوجية تركز على أشكال اللاوعي في الطقوس المصاحبة لشعيرة الأضحية.




بقلم: مصطفى العوزي – باحث مغربي، يعد رسالة دكتوراه في موضوع “النخبة الثقافية بالمجتمع المغربي”، جامعة محمد الخامس، الرباط. نشر العديد من المقالات في جرائد وطنية.




الهوامش:

[1] يشير الأنثروبولوجي المغربي عبد الله حمودي إلى أنّ الذبيحة والمسخرة والطقوس المصاحبة لها، هي نسق طقوسي شديد التعقيد وموغل في القدم توجد بشكل متشابه جزئيًّا لدى حضارات متعددة، وفيه تتجلى الصلة الوثيقة بين الوسط الطبيعي والإنسان ومختلف أشكال التصورات والطقوس التي تميز حياته، أنظر عبد الله حمودي: الضحية وأقنعتها، بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ص 10

[2] حوليات علم الاجتماع: مطبوعة علمية متخصصة في العلوم الإنسانية خصوصًا علم الاجتماع كانت تصدر بفرنسا، شكلت في حد ذاتها مدرسة سوسيولوجية في تاريخ السوسيولوجيا المعاصرة.

[3] يمكن أن نلمس هذا التأثير في مجموعة من الكتابات التي تناولت شعيرة الأضحية والتي استشهدت أو استعانت أو أحالت على دراسة موس وهوبير في الموضوع ونذكر منها: كتاب الأضاحي عند العرب أبحاث حول تطور شعائر الأضاحي طبيعتها ووظيفتها في غرب الجزيرة العربية ليوسف شلحت، دار الطليعة بيروت، الطبعة الأولى، 2013 . كتاب الضحية وأقنعتها، بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب لعبد الله حمودي، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر الدار البيضاء. علم الاجتماع الدِّينيِّ: الإشكالات والسياقات لسابينو أكوافيفا وإنزو باتشي، ترجمة عز الدين عناية، كلمة، أبو ظبي، الطبعة الأولى، 2011

[4] Marcel MAUSS et Henri Hubert: “Essai sur la nature et la fonction du sacrifice”, L’Année Sociologique, 1897; p1

[5] Ibid, p 8.

[6] Ibid, p 13.

[7]  لغة الهند المقدسة.

[8] Ibid, p 51.




المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث

الـمحـرر -

باحث في مجال الأنثروبولوجيا/السوسيولوجيا من لبنان ، من ضمن دائرة الإهتمامات : الأنثروبولوجيا التأويلية ، الإثنوغرافيا الذاتية ، المنظور التفاعلي - الرمزي ، الهوية الثقافية ، تمثلات الدين في المخيال الشعبي ، الفضاء الرقمي ، الأحلام ، ...

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>