مصطلحات انثروبولوجية: الهويّة

الهوية
الهوية

مع نهاية الخمسينيات، انبثقت إشكالية نقدية للهوية الإثنية من أبحاث الأنتروبولوجيين العاملين في إفريقيا (ف.بارث، م. غلوكمان، س. نادل، و. واتسون) أو جنوب شرق آسيا (ك. ف. كيز، إ. ر. ليتش، م. مورمان، س. تامبياه). فقد نتج عن سياق التحرر من الاستعمار والصراعات من أجل الاستقلال، وكذلك التوزيع السياسي الجغرافي الجديد، ومطالبات الأقليات بالاستقلال، أن واجه الأنتروبولوجيون ظروفاً جديدة للعمل الميداني مرتبطة بالتحضرن مثلاً، وسياقاتٍ اقتصادية وسياسية جديدة، وشركاء جدد أيضاً.بحسب المثال البنيوي الوظيفي للأنتروبولوجيا الاجتماعية الكلاسيكية، والموروث عن رادكليف – براون ومالينوفسكي، والذي أعاد فيرث وايفانز – ريتشارد النظر فيه، تشكل الإثنية، التي تعرّف بهيئتها الثقافية، الهوية المرجعية بامتياز. يفترض هنا أن الجماعة الإثنية هي واقع أساسي وشامل للحياة الاجتماعية. وينطوي ذلك على التلميح إلى أن الجماعة الإثنية هي وحدة ذات طبيعة بيولوجية، كما هو النوع. قد يعكس الانتماء الثقافي بالتالي روابط الدم: يرى كايز (1981) أن الإثنوية (تتحدّر من التأويل الثقافي للسلالة). ويبرهن بارت في الجماعات الإثنية وحدودها (1969) أن الحدود الإثنية والهويات توجد وتصان بلعبة التواصل بين الجماعات. وهو يطلق بذلك مشروع تفكيك منهجي لمفهوم الإثنية، في أعمال ما تسمى مدرسة مانشستر (أ.كوهن، أ. إبشتاين، ك. ميتشل، ف. تورنر، ج. ويلسون)، أو في أعمال المستفرقين الفرنسيين المهتمين بالحراك الاجتماعي (ج. ل. أمسال، ج. بالاندييه، ج. ب. دوزون، م. إيزار، ك. مياسو، ب. ميرسييه، إ. تيراي).

لقد كانت بيئة استثمارات المناجم ومناطق الغيتو في المدن هي التي أتاحت تبيان تنوع وتعدد تشكيلات الهوية على أساس إثني، تلك التشكيلات التي تمثل رداً على مظاهر القهر والصراعات الخارجية، وتبيان دور القادة والعمل الفردي في إطلاق الهويات. لم تعد الهوية تمثل أمراً واقعاً، أي توزيعاً واضحاً للجماعات في مدى غير محدد المعالم الزمنية. فقد أصبحت مفهوماً نسبياً يرتبط في نفس الوقت بالنزاعات وموازين القوى، وبتوازن البنى أيضاً. إنها مسيرة في طور التشكل، وضع تاريخي، إلى الأبعاد العاطفية والنفسية للهوية وإلى أوليات اكتساب إدراك الهوية (عبر) تربية الطفل وعالمه الاجتماعي، ومع ذلك يبقى مفهوم الهويةمفهوماً داخلياً يعكس معطيات خارجية.

تشير الصفة الاعتباطية للفئات الاثنية إلى طبيعتها السيميائية وليس إلى نقص في تأثيرها على العالم الحقيقي. ويصب تطور مفهوم الهوية من هذا المنظور في سلسلة من التساؤلات التي ينتمي أغلبها إلى مقاربة من النمط المعرفي. كيف تشاد وتنتظم هذه الإنشاءات؟ وكيف تتجذر في البعد الديني، وفي القيم والفنون؟ وما الذي يربطها ببنى التواصل؟ وعلى أي مستوى من الوعي تدل؟

إن واقع إقامة المجتمعات الأوقيانية في الجزر قد وضع الأنتروبولوجيين داخل حدود تعريف زماني – مكاني للهوية، وقد أنتج تأملاً يعتبر فكرة الهوية احد أشكال (العادة)، أو نمط حياة ومنظومة قيم، أو مرجعية وشيفرة أخلاقية. وقد ساهم سكان المجتمعات الأوقيانية أنفسهم في هذا التأمل فارضين وجوده في صلب السجالات حول نزع الاستعمار والاستقلال والوحدة الوطنية والنمو، ومستخدمين عبارة (العادة) للتعبير عن هويتهم (كيسينغ، 1989). قدّمت العادة في كل مكان وعلى مختلف الأصعد كمرجع رئيسي، كدرع الدفاع عن الهوية (دو ديكر وكونتز، 1998)ن وكخميرة وحدة تسمح بإعلانها. لا يقدّم لنا التاريخ الهوية كاملة على حد قول جان – ماري تجيباو، بل هنالك دائماً إعادة تأويل بحسب حاجة العاملين في الحاضر. وهذه هي حال العادة. فإن مطالبة سكان المجتعات الأوقيانية بالهوية (الطبيعية) للعادة تعكس تطلعهم إلى تخطي فكرة الإسناد إلى شرعية ماض غابر يجتهدون في ترسيخ فعاليته على الصعيد الراهن كما على صعيد الدول والدستور والقانون والبنى الإدارية.

إن اللجوء إلى مفهوم الهوية وإلى كافة مشتقاته من أجل إعادة تشكيل المفاهيم المؤسسة للأنتروبولوجيا – ثقافة، إثنية، شخصية – ينم عن الميل إلى قطيعةٍ مع أنتروبولوجيا تجيز ضمناً نوعاً من (لا مادية لا زمنية) بنسا، 1996) للمجتمعات التي تدرسها. يرمي البحث اليوم إلى تجاوز حتمية هذا الهدم للفئات من أجل عادة التركيز على تحليل (المشاريع الراهنة للهوية)، أي إلى وضع تقرير عن رهاناتها الموضوعية والرمزية، وفعاليتها الاجتماعية والسياسية، وتنظيماتها وأنماط تشكيلها، إن التطور في ميادين التواصل، والحركية المتزايدة، وتسارع التبادلات وتزايدها، والاتصالات ومختلف أشكال التهجين التي (تشوش) و(تناشد) في آن الأنظمة الاعتيادية لمرجعية الهوية، تفضي بنا إلى دراسة هذه الأنظمة عينها إذ أنها تطالبنا بأكثر من إعادة نظر في الهوية.

الهوية: المعنى والاصطلاح

تتداخل كلمة الهوية مع عدد من المفاهيم التي تساعد في جلاء المعنى احياناً او تعقيده في احيان اخرى. وذلك بسبب مجالات الاستخدام مثل الثقافة والسياسة وعلم النفس والمنطق والاجتماع وغيرها من المعارف، مما يقتضي البحث عن جذر ثم تطويعه دون الابتعاد كثيراً. ولا تقدم المعاجم القديمة معنى شاملاً يعبر عن واقعها و نجد في معاجم اخرى، مثل المعجم الوجيز ان الهوية تعني: الذات «مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1997، ص 654» وفي المعجم الوسيط: تعني حقيقة الشئ او الشخص التي تميزه عن غيره «الجزء الثاني، 1989، ص 998» وقد ساعد الفلاسفة اكثر من اللغويين في تفسير الهوية (بضم الهاء) وهي منسوبة الى (هو) وهي تقابل الآخر او الغيرية. وتعني في كتاب التعريفات عند الجرجاني:« الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق» ويكمل (الصديق) في قاموسه الفلسفي المعنى بقوله:

«هوية، ما يعرف الشئ في ذاته دون اللجوء الى عناصر خارجية لتعريفه، ويستعمل ايضا للدلالة على الجوهر والماهية. وعند المتصوفة هي الحق المطلق الذي يحتوي كل الحقائق احتواء النواة على الشجرة في الغيب المطلق. اما في المنطق فان هذه اللفظة تشير الى معنيين:

1/ التساوي او التشابه المطلق بين كمين او كيفين وهنا تعني التوافق.

2/ ان يكون الشئ ثابتاً لا يتغير بما يعتريه او يعتري ما يحيط به وهنا تعني الثبوت تقول «الموسوعة الفلسفية العربية» هي كلمة مولدة اشتقها المترجمون القدامى من الـ«هو» لينقلوا بواسطتها ا لى العربية كما يقول – الفارابي – المعني الذي تؤديه كلمة «هسست» بالفارسية وكلمة «استين» باليونانية اي فعل الكينونة في اللغات الهندواوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثم عدلوا عنها ووضعوا كلمة «الموجود» مكان الـ«هو» والوجود مكان «الهوية» ومع ذلك فقد فرضت كلمة الهوية نفسها كمصطلح فلسفي يستدل به على كون الشئ هو نفسه.

تتداخل الهوية مع مصطلحات عديدة مثل الخصوصية بالذات حين يكون الحديث عن قيم ومبادئ عامة وانسانية مثلما نلاحظ في نقاشات حقوق الانسان على المستويات الدولية والاقليمية والمحلية. والاعتراض بسبب مفهوم الخصوصية يستدعى مباشرة وجود هوية مختلفة مما يتطلب سلوكاً وردود فعل مختلفة او حتى مقاومة لما يمكن ان يعتبر تهديداً للهوية بسبب «غزو ثقافي» مثلاً.

وتزايد التركيز على الهوية مع تصاعد سيرورة العولمة التي يرى فيها اصحاب فكرة الهوية الضيقة، خطراً ماحقاً على الثقافات الاخرى «غير الغربية». ويطابق البعض بين العولمة والامبريالية او القطب الغربي الواحد، ويرون فيها مخططاً او حتى مؤامرة للهيمنة على الثقافات الاخرى: بوعي وقصد فالعولمة حين تسقط الحواجز والحدود وتحول العالم الى قرية تهدد بالفعل ثقافات اخرى ولكن ليس بقصد المؤامرة والمخطط بل حتمية تطور التداخل: ثقافيا واقتصادياً.

وقد يقف دعاة الهوية عموما او المغلقة امام خيارين (اقرب الى المستحيل) وقف العولمة او تعميق الخصائص والميزات والصفات التي تحصن من دون اي تأثير خارجي. فأين الحل؟ هو حسب رأيي – التكيف باقل خسارة ممكنة. ولكن ماذا يبقى من الهويات؟ قد تكون هناك حالة انسانية عالمية لا يفترض فيها بالضرورة التعارض مع الهويات او تذويبها قسراً، اي تضمنيها والتبادل معها، وهذه وضعية تعبر فيها الثقافات التقليدية او الوطنية عن الحاجة الى الاندماج في العولمة وفي نفس الوقت تبحث عما هو خاص بها ويقول WALLERSTEIN «فالحقيقة ان الكونية يمكن معاينتها خلال الخصوصية والعكس صحيح».

يرى البعض صعوبة تحديد وتعيين الهوية او الخصوصية على صعيد الواقع وبالتالي اعتبر الكثيرون ان مفهوم الهوية مصطلح ايديولوجي اكثر منه علمي. وذلك لان الهوية يمكن التعبير عنها او تجسيدها من خلال الدين او اللغة او الدولة الوطنية او القومية. وكل هذه خصائص متغيرة حسب طريقة استخدامها وتوظيفها، لذلك يمكن لمجتمع واحد ان يبدل «هويته» حسب المراحل المختلفة تاريخياً ووفقاً للظروف الحاكمة.

ومثال ذلك التاريخ العربي المعاصر، حيث اثرت الايديولوجيا على تحديد الهوية. فالامة التي كانت مقتنعة بحتمية سيادة القومية العربية ورآها البعض رسالة خالدة للامة في الستينات، يتردد الآن بين الكثيرين شعار: الاسلام هو الحل.

هناك من يرى الهوية اصلاً مجرد مصطلح سياسي ولد ضمن عملية صراع سياسي. ويستهل المفكر الفرنسي «بابار» كتابه عن الهوية بمفهوم «بيان السياسة» منطلقاً من ان «العلاقات المعقدة بين التصورات الثقافية والممارسات السياسية والاساليب الشعبية في التحرك السياسي والخيال السياسي» هي سبب بالنزاعات التي تملأ العالم وترجعها الى الهوية. وذلك حسب افتراض يزعم بان «الهوية الثقافية» تقابلها بالضرورة هوية سياسية لا تخلو ايضا في الواقع من طابعها الوهمي.

والحق ان كلا الهويتين تكون في احسن الاحوال بناء ثقافياً او سياسياً او ايديولوجياً اي بناء تاريخي اصلا. فلا توجد هوية طبيعية تفرضها الاوضاع. ويؤكد ان الخبرة التاريخية تثبت ان هوية الفرد مرتبطة بالاوضاع ومتعددة الجوانب ونسبية وهي مفترضة ضمنياً. ويعطي مثالاً لهذه الهويات:« فالشخص المقيم في سان مالو سيعرف نفسه على انه مالوني (نسبة الى سان مالو ) في مواجهة آخر من رين، وكمواطن من مقاطعة بريتانيا في مواجهة مواطن من باريس، و كفرنسي في مواجهة مواطن الماني، وكاوربي في مواجهة امريكي، وكابيض في مواجهة مواطن افريقي، وكعامل في مواجهة صاحب العمل، وككاثوليكي في مواجهة البروتستانتي، وكزوج في مواجهة زوجته، وكمريض في مواجهة طبيبه.

وقد تكون هذه ادوار اجتماعية ولكنها هي التشكيلة الكبيرة لتعريف الذات. ويدين التفكير الثقافي الانغلاقي: «لانه لا يكتفي بتحويل الهويات المتغيرة باستمرار الى مسألة لا ترتبط بالزمن بل وتتستر على العمليات الملموسة التي يعرف انفسهم بها مجموعة من الافراد او فرد واحد في لحظة تاريخية معينة، وفي ظروف محددة ولفترة محدودة».

ويطرح اسئلة مهمة مثل لماذا انتظر الهوتو والتوتسي في رواندا طويلاً حتى يتقاتلا لو كان السبب هو يتعلق بالهوية الاثنية فقط؟ وسنجد صعوبة في فهم لماذا توقف الكاثوليك عن الصراع مع البروتستانت او كيف تصالح الفرنسيون مع الالمان؟

ويذهب «معلوف» في نفس الاتجاه، حيث يرى ان الهوية هي الانتماء الرئيسي الوحيد الذي يستمر في مختلف الظروف اقوى من الانتماءات الاخرى. وقد يكون لدى البعض هو الوطن او الدين او الطبقة. ولكن حين نتفحص النزاعات القائمة ندرك انه ما من انتماء له الغلبة بصورة مطلقة. فعلى سبيل المثال حين يشعر البعض بأنهم مهددون في عقيدتهم الايمانية يرتفع الانتماء الديني مختصراً لهويتهم.

ولو تهددت اللغة الام او جماعتهم الاثنية يمكن ان يواجهوا ابناء دينهم يقول:« فالاتراك والاكراد مسلمون لكنهم مختلفون في اللغة فهل النزاع بينهم اقل دموية؟ الهوتو كما التوتسي هم من الكاثوليك، يتكلمون نفس اللغة، فهل منعهما ذلك من التذابح؟ التشيكيون والسلوفاك كاثوليك ايضا فهل يسر ذلك العيش المشترك فيما بينهم».

رأيان حول “مصطلحات انثروبولوجية: الهويّة”

  1. مرحبا بك أخي حسين
    الموقع يعتمد فلسفة التشارك و التعاون
    بمكنك نشر المواضيع شرط أن تكون في التخصص
    بمكنك مراسلتي من خلال صفحة المراسلة لمعرفة المزيد

    رد

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.