كتاب علم الأناسة: التاريخ والثقافة والفلسفة

inassa

عنوان الكتاب: علم الأناسة: التاريخ والثقافة والفلسفة

تأليف: كريستوف فولف

ترجمة: د. أبو يعرب المرزوقي

 

عرض: د. أبو يعرب المرزوقي

موضوعات الكتاب وأهميته للقارئ العربي

يعالج الكتاب خمس مسائل أساسية، المسألة الأولى يحاول أن ينزّل الإنسان في التاريخ الطبيعي، كيف نشأ الإنسان في سلسلة تكوّن الظاهرة الحية، وطبعا ما أعجبني في هذا التنزيل هو التلخيص مع الدقة العلمية وخاصة التدليل على أن الإنسان الحديث لم ينشأ في أوروبا وإنما نشأ في أفريقيا ثم بعد أفريقيا في الشرق الأوسط ثم بعد الشرق الأوسط في أوروبا وفي ذلك دحض للنظريات العنصرية التي يعلم الجميع أنها كانت سائدة في الفكر المتمركز على الغرب. المسألة الثانية يدرس فيها الكاتب تكوينية هذا العلم علم الأناسة، وفي هذا الباب يمكن أن يكمن كل نقدي لهذا الكتاب، هو هذا الباب الوحيد الذي لم أكن موافقا على الكثير منه ولكن بقية الكتاب سمحت لي بأن أقبل ترجمته. الفصل الثالث هو أهم الموضوعات والأغراض التي يدرسها هذا العلم علم الأناسة وسأذكرها عندما أتحدث عن موضوعات الكتاب، بعد ذلك يحدد التطور الذي نشأ في منهجية علم الأناسة الذي انتقل من محاولة البحث عن منهج مخصوص به إلى نوع من منهج تعاون الاختصاصات وحتى منهج تجاوز التخصص والحاجة إلى نوع من التكامل بين الاختصاصات يعني البيولوجيا والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس، كل هذه العلوم تساهم بمناهجها في دراسات هذا العلم. أخيرا المسألة الأخيرة هي أهم النتائج التي توصل إليها الكاتب وتتعلق خاصة بمجالين وهما مجالان مهمان بالنسبة إلينا نحن كثقافة عربية خاصة في اللحظة الحالية، المستوى الأول هو مراحل تغير الرؤية الأوروبية والغربية المتمركزة على الذات، ما الذي حدث حتى يصبح الغرب شيئا فشيئا أولا يشك في مركزيته على ذاته وثانيا -وهذا هو الأهم- يدرك أهمية دور الثقافات الأخرى ويعترف بها، والأمر الثاني وهو المهم بعد حصول هذا الاعتراف، التواصل السلمي بين البشر بعد التخلص من الاستعمار المباشر لأنه كان هناك خطر أنه بعد التخلص من الاستعمار المباشر يأتي الاستعمار غير المباشر الذي ليس فيه تواصل سلمي وإنما فيه احتلال مخفي احتلال بواسطة نخب البلاد احتلال البلاد بنخبها من خلال الاستعمار الثقافي. هذا كتاب قرأته بالألمانية ولما أعجبني نقلته إلى العربية، مؤلفه اسمه كريستوف فولف وهو أستاذ علوم التربية والأناسة الأنتروبولوجيا في جامعة برلين الحرة، وهو من الأصدقاء تعرفت عليه السنة الفارطة وخلال حديثنا تعجب من عدم نقلي بعض مؤلفاته إلى العربية رغم أنها قد نقلت إلى حوالي ثلاثين لغة باستثناء العربية، فاقترحت عليه أن يختار كتابا ووعدته بأني سأنقله إلى العربية إذا أعجبني، سأقرأه وإذا أعجبني أنقله إلى العربية، فأعطاني هذا الكتاب قرأته وهو كتاب موسوعة موجزة يقدم فيها علم الأنتروبولوجيا من جميع نواحي هذا العلم من حيث الموضوعات والمناهج والتجديد الذي حدث فيه ومراحل تأسيسه، دراسة الإنسان من كل الوجوه. نقلته إذاً إلى العربية ونشرته مؤسسة كلمة للترجمة من إمارة أبو ظبي مع دار متوسطية للنشر في تونس.

جوانب التميز وجوانب التقصير في الكتاب

لننظر في المسألة الأولى مسألة تنزيل الإنسان في التاريخ الطبيعي، بالنسبة إلى مسلم قد يجد في ذلك نوعا من الحرج، كيف نعتبر الإنسان حلقة من سلسلة التطور الحيواني ونحن نؤمن بخلق آدم في القرآن؟ ولكن نظرية خلق آدم في القرآن لا تستثني إمكانية أن يكون هذا الخلق بطريقة أو بأخرى أي أنها لم تحدد الكيفية التي تلغي هذه الكيفية في تكون الإنسان، قد يكون الله أراد أن يكون الإنسان بطريقة التطور وهذا لا يتنافى بصورة صريحة مع نظرية الخلق في القرآن. المسألة الثانية وهي المسألة التي لي مع المؤلف خلاف كبير حولها هي تكوينية علم الأناسة يعني كيف تكون علم الأنتروبولوجيا؟ بالنسبة إلى هذا المؤلف علم الأنتروبولوجيا تكون بالأساس في ألمانيا ولا يذكر بالأساس إلا علماء وفلاسفة ألمان ثم بعد ذلك يذكر فلاسفة إنجليز أو فرنسيين إلى آخره، ولا ينظر في الثقافات الأخرى والدور الذي ربما تكون قد أدته في تكوين هذا العلم. يعني إذا كان هذا العلم مبني أساسا على التعرف على الثقافات الأخرى ووصف الظاهرات الثقافية الأخرى فيمكن أن نقول إن رحلات ابن بطوطة تنتسب إلى بدايات هذا العلم وإن كتابات ابن خلدون في التاريخ للذهنيات وفي التاريخ لأشكال الثقافة تنتسب إلى بدايات هذا العلم وربما هناك ثقافات أخرى أسهمت في هذا العلم لكن لم يورد ذكرا لهذه المساهمات، قد تكون جنينية لا شك في ذلك ولكن لم يذكرها، وقد يكون.. أنا لم أتحدث معه بعد لم نلتق لأن الكتاب لم ينشر إلا منذ شهر لم نلتق بعد الترجمة وعندما ألتقي معه طبعا سأتحدث في هذا الموضوع، لماذا أهمل مساهمات الثقافات الأخرى خاصة والكتاب يدعو إلى التواصل بين الحضارات والثقافات؟ بالنسبة إلى أغراض علم الأناسة اهتم خاصة بدور الدين ودور الشعائر ودور الفن ودور الجسد ودور طقوس الموت وطقوس الدفن وطقوس إحياء ذكرى الموتى في تكون هويات الأمم كيف تتكون هوية الأمم، وهذه الدراسة فعلا دراسة مهمة وهو فيها يحاول أن يبين أنه حتى لو تصور ماكس فيبر أن المجتمع الإنساني يمكن في يوم من الأيام أن يستغني عن التصور الديني للحياة الإنسانية فهو لن يستطيع أن يستغني عن دور الشعائر والمشاعر في تنظيم الحياة الجماعية، وإذاً فهناك شعائر قد لا تكون ذات صبغة دينية ولكنها شعائر ويذكر بعض أمثلة مثل الشعائر السياسية في الانتخابات الأميركية مثلا الحفلات وكذا إلى آخره. بالنسبة إلى المناهج ذكر أن أهم تطور في منهجية علم الأناسة حدث في مدرسة الحوليات الفرنسية، وهنا أيضا لي نوع من النقد لهذا الكاتب لأن أحد كبار زعماء هذه المدرسة وهو بروديل يقول “إني مدين لابن خلدون بهذه المنهجية” لكنه لم يشر إلى ذلك لكأنه لم يكن يدري أن ابن خلدون هو أول من ميز بين التاريخ المديد والتاريخ القصير وبين نوعين من الكتابة كتابة التاريخ المديد وكتابة التاريخ القصير، ومع ذلك فالكتاب يبقى كتابا مهما ومفيدا للمثقف العربي وحتى للقارئ العادي.

هذا الكتاب توصل إلى نتيجتين أساسيتين، شروع الغرب في التخلص من مركزيته الذاتية وشروع الغرب في فهم أهمية التواصل مع الثقافات الأخرى. حسنا لكن هاته النتائج التي ذكرها الكاتب ربطها بظاهرتين خطيرتين جدا، الظاهرة الأولى هي منزلة الأقليات من الثقافات الأخرى في المجتمعات الغربية والظاهرة الثانية هي منزلة الحداثة الغربية في الثقافات الأخرى.

فهرس الكتاب

  1. التطور والتأنس والأناسة
  2. لأناسة الفلسفية
  3. لأناسة في علم التاريخ
  4. الأناسة الثقافية
  5. لأناسة التاريخية
  6. الجسد بوصفه تحديا
  7. التعليم وأسسه
  8. إعادة اكتشاف الشعائر
  9. اللغة بين الكونية والخصوصية
  10. الموت والغيرية

المصدر:الجزيرة

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.