12576307_10205593072290169_123378342_n

 

رمزية الغراب في الحكاية الشعبية

د. محمد فخر الدين

الـغـراب رمـز لـلـفـراق والـمـوت، إنـه يـهـدد بـطـل الـحـكـايـة بـمـوت مـحـتـمـل ويـقـضـي عـلـى مـشـروعـه الـبـطـولـي و الـتـصـاعـدي .

 و الـغـراب مـثـمـن سـلـبـيا فـي الـثـقـافـة الـعـربـيـة بـشـكـل عـام أولا لـشـدة سـواده كـمـا يـقـول عـنـتـرة :  فـيـهـا اثـنـتـان و أربـعـيـن حـلـوبـة   سـودا كـخـافـيـة الـغـراب الأسـحـم[1]

فـقـد سـمـاه الـعـرب الـقـدمـاء « غـراب الـبـيـن و فـراق الـمـحـبـيـن «،تـمـامـا كـمـا سـمـوا المـوت «  هـازم الـلـذات و مـفـرق الـجـمـاعـات» ، و نـجـد ـ فـي مـعـجـم الـرمـوز ـ نـفـس الـتـثـمـيـن الـسـلـبـي لـلـغـراب :» إنـه رسـول… و يـعـرف جـيـدا سـر الـعـتـمـة «[2]

 وهـذا مـا نـجـده فـي الـحـكـايـة الـشـعـبـيـة الـمـغـــربـيـة، فـفـي حـكـايـة °(الـجـبـل الـمـسـحـور° رقـم 52 ) يـفـرق الـغـراب بـيـن الـبـطـل وزوجـتـه عنـدمـا يـسـرق الـعـقـد مـن يـده ويـهـرب ،وعـنـدمـا يـريـد هـذا الأخـيـر اسـتـرجـاع الـعـقـد يـسـقـط فـي الـبـئـر .

وهـكـذا فـإن الـغـراب ارتـبـط مـنذ الـقـديـم بـالـتـجـويـفـات الأرضـيـة، بـالـكـهـوف والانـحـدارات إنـه يـرمـز للـقـبـر وللأرض الـتـي تـبـتـلـع، و يـهـدد مـشـروع الـبـطـل كـكـل،ويـرتـبـط بـالابـتلاع والـسـقـوط الـذي يـجـسـده الانـحـدار فـي جـرف أو هـاويـة أو بـئـر .

 يـرتـبـط الـغـراب بـالـفـضـاءات الـمـعـتـمـة الـتي تـقـتـرن  بـالـمـوت والـهـلاك وخـاصـة الـبـئـر ، فـلا غـرابـة إذن أن تـرتـبـط صـورة الـغراب الـذي يـسـرق الـعـقـد بـالـبـئـر كـمـكـان للـسـقـوط والانـحـدار.

 هـو مـرتـبـط بـالـشـؤم والـمـوت،لأنـه يــبـتـلـع الـبـطـل كـمـا نـجـد فـي حـكـايـة °هـايـنـة°[3]

 فـبـعـد أن يـسـتـرجــع الـبـطـل  ابـنـة عـمـه هـايـنـة مـن قـبـضـة الـغـول يـبـتـلـعـه الـغـراب لـيـفـرق بـيـنـه و بـيـنـهـا.

 إن للـغـراب قـدرة غـريـبـة عـلـى نـشـر الـمـوت فـي كـل مـكـان يـحـل بـه ، فـبـطـنـه الـمـعـتـم رمـز للـمـوت الـمـحـقـق، إنـه خـادم للـمـوت الـذي يـأتـي دائـمـا فـي الـلحظة غـيـر الـمـنـاسـبـة (لـحـظـة الـوصـال) لـيـسـرق الإنـسـان مـمـن يـحـب ، إنـه فـعـلا خـادم وفـي للـمـوت  {هـازم اللـذات ومـفـرق الـجـمـاعـات}.

  تـقـول الـحـكـايـة الـمـغـربـيـة  عـن أصـل الـغـراب : “أن الـغـراب كـان سـلـطـانـاً ،وكـان لـه قـصـر عـظـيـم، وكـان يـجـلـس عـلـى كـرسـي فـي صـدر الـقـاعـة ،ويـدهـن الـمـمـر الـمـؤدي إلـى مـجـلـسـه بـالـصـابـون الـبـلـدي فـكـل مـن تـقـدم إلـيـه يـنـزلـق ويـسـقـط أرضـا، فـيـسـخـر  مـنـه مـقـهـقـهـاً، فـمـسـخـه الله غـرابـاً وأصـبـح صـوتـه خـشـناً قـبـيـحـاً”

[4]

فـالـغـراب كـائـن مـلـعـون لأنـه نـاتـج عـن مـسـخ، لـذلـك اتـخـذ هـذه الـصـورة الـرديـئـة انـطـلاقا مـن لـونـه الأسـود حـتـى مـشـيـتـه الـقـبـيـحـة الـتـي تـحـدث عـنـهـا ابـن الـمـقـفع فـي كـلـيـلـة ودمـنـة،علـى اعـتـبـار « أن الـغـراب أراد أن يـقـلـد مـشـيـة الـحـجـلـة فـنـسـي مـشـيـتـه فـصـار مـن أقـبـح الـطـيـر مـشـيـاً…»

[5]

 و فـي حـكايـة مـغـربـيـة بـعـنـوان « الـصـيـاد و الـحـنـاش ـ رقـم 24 ـ « الصياد و الثعابين :

« يـتـعـاقـد الـغـراب مـع الـصـيـاد عـلـى أن يـرشـده فـي الـصـيـد مـقـابـل أن يـعـطـيـه حـوايـا  الـطـريـدة.

وعـنـدمـا لـم يـجـد الـغـراب الـمـتـفـق عـلـيـه ،قـام بـسـرقـة سـهـم مـكـتـوب علـيـه اسـم الـصـيـاد وحـمـلـه وغـرسـه فـي جـسـم الـغـريـق الـذي وجـده.

 وفـعـلا يـتـم الـعـثـور عـلـى الـغريق ويـعـرف صـاحـب الـسـهـم فـيـلـقـى عـلـيـه الـقـبـض ويـلـقـى بـه الـسـجـن إلـى حـيـن …..»

[6]

فـالـغـراب كـائـن مـعـتـم يـتـهـدد كـل وصـال بـفـراق مـحـتـمـل ، فـهـو نـذيـر شـؤم لـذلـك تـشـاءمـت مـنـه الـعـرب وتـطـيـرت مـن صـورتـه وذكـرت ذلـك فـي شـعـرهـا:

 .. تـطـيـرت الـعـرب مـن الـغـراب للـغـربـة ،إذ كـان اسـمـه مـشـتـقـاً مـنـهـا، قـال أبـو الـشـيـص:

 أشـاحـك واللـيـل مـلـقـي الـحــران         غـراب يـنـوح عـلى غـصـن بـــــــــــان

وفـي نـعـبـات الـغـراب اغــــتــــراب      وفـي الـبـان بـيـن بـعـيد الـتـدانـي

[7]

 ونـجـد أيـضـاً عـن الـغـراب :

     « لـيـت الـغراب الـذي نـادى بـفـرقـتـنـا     يعـرى مـن الـريـش لا تـحـويـه أوكـار»

[8]

 و هـذا الـتـثـمـيـن الـسـلـبـي لـلـغـراب  لـيـس خـاصـاً بـالـعـرب وحـدهـم بـل يـشـاركـهـم فـيـه الـعـبـريـون أيـضـاً: «ولـقــد اجــتــمـــع الـعـرب و الـعـبريـون عـلـي اعـتـبـار الغـربـان و الـبوم مـن الـحـيــوانـات الـنـجــسـة الـمـشـؤومـة  «

[9]

  يـرمـز الـغـراب هـنـا للـقـبـر و الـمـوت والابـتـلاع، الـذي يـكـون عـقـابـاً عـلـى اخـتـراق الـوصـيـة، وصـيـة كـائـن خـارق ـ الـغـول ـ الـذي يـعـلـم الـغـيـب و يـتـنـبـأ بـالـمـسـتـقـبـل.

فـالـصـورة الأصـلـيـة للـغـرابـيـن الـمـقـتـتـلـيـن لا يـنـبـغي أن تـخـتـرق بـتـدخـل بـشـري لأن لـهـا مـرجـعـيـة ديـنـية هـدفـهـا تـعـلـيـم الـبـشـر دفـن مـوتـاهـم.

 قـد نـرى فـي ذلـك إشـارة وتـلـمـيـحـاً خـفـيـاً إلـى اعـتـقـاد الـنـاس فـي رجـوع الأمـوات، وعـودة الأرواح الـتـي ابـتـلـعـهـا غـراب الـمـوت وإمـكـانـيـة اسـتـرداد الـنـاس لـمـوتـاهـم بـواسـطـة أعـمـال سـحـريـة وطـقـوسـيـة . لـقـد تـم تـضـخـيـم حـجـم  الـغـراب فـي الـحـكـايـة الـشـعـبـيـة الـمـغـربـيـة  حـتـى اتـخـذ حـجـمـاً خـرافـياً كـطـائـر الـرخ أو الـعـنـقـاء و صـار قـادراً عـلـى ابـتـلاع الـبـطـل وهـو راكـب عـلى صـهـوة جـواده ،  فـهـو إذن طـائـر كـبـيـر أسـود مـعـتـم يـقـتـنـص فـرصـة تـحـقـيـق الـبـطـل لـرغـبـتـه لـيـتـدخـل كـالـقـدر لـيـفـرض الـفـراق والـمـوت .

 إنـه رمـز الـمـوت ، الـنـهـايـة الـحـتـمـيـة لـكـل اتـصـال بـيـن الـبـشـر و الـحـيـاة ، هـذه الـنـهـاية الـتـي لا يـقـبـلـهـا الإنـسـان لـذلـك يـعـمـل بـكـل الـوسـائـل لـيـقـاومـهـا فـي اتـجـاه تـكـريـس فـكـرة الـخـلـود ( مـلـحـمـة جـلـجـامـش نـمـوذجـاً ) .

 هـكـذا يـكـون الـغـراب مـن خـلال لـونـه الأسـود ،وصـوتـه الـذمـيـم ،وارتـبـاطـه بـالـمـوت وأكـل الـجـيـف ودفـن الـطـعـام ومـشـيـتـه الـرديـئـة حـامـلاً لـخـوف لاواعـي للإنـسـان ـ الـمـتـطـيـر مـنـه ـ مـن الـفـراق والـمـوت .

هـكـذا ثـمـن الـمـغـاربـة كـغـيـرهـم مـن الـشـعـوب سـلـبـيـا رمـز الـغـراب وأسـنـدوا إلـيـه صـفـات الـقـبـح والـمـوت، وجـعـلـوه مـرتـبـطـاً بـالـمـوت والـفـراق والانـحـدار فـي جـوف مـظـلـم، فـلا غـرابـة إذن إذا كـان مـؤثـثـاً فـي حـكـايـاتـنا الـشـعـبـية  لـلـفـضـاء الـمـعـتـم  الـذي يـنـعـق بـالـظـلـمـة و الـفـراق و المـوت .

الهوامش

[1] ـ مـعـلـقـة عـنـتـرة بـن شـداد ـ شـرح الـمـعـلـقـات الـعـشـر ،ص:157 .

[2] -Dictionnaire des Symboles  p: 286.

[3] ـ حـكـايـة هـايـنـة ـ سـيـدي رحـال

[4]  ـ حـكـايـة شـفـاهـيـة مـن قـلـعـة الـسـراغـنـة .

[5] ـ ابـن الـمـقـفـع (عـبـدالـلـه) :<<كـلـيـلـة و دمـنـة >> الـمـكـتـبـة الـحـديـثـة ، بـيـروت ، ص:255 .

[6] حـكـايـة ـ الـصـيـاد و الـحـنـاش ـ قـلـعـة الـسـراغـنـة ـ رقـم 24 .

[7] ـ ابـن عـبـد ربـه : << الـعـقـد الـفـريـد >> الـجـزء الأول ، ص:59 .

[8] ـ ألـف لـيـلـة و لـيـلـة ـ الـمـجـلـد الـثـانـي ـ ص:282 .

[9] ـ شـوقـي عـبـد الـحـكـيـم :<<الـفـولـكـلـور و الأسـاطـيـر الـعـربـيـة >> دار ابـن خـلـدون ـ الـطـبـعـة الأولـى ـ 1978 ـ ص119 .

 

 

المصدر : د محمد فخرالدين : الحكاية الشعبية المغربية ـ بنيات السرد و المتخيل ـ دار نشر المعرفة الطبعة الاولى الرباط 2014

 

مصدر المقال:

مجلة الموروث الشعبي الالكترونية/ مملكة البحرين

رابط المقال: أنقر هنا

 

الـمحـرر -

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>