المصدر: حنان حمودا, بتاريخ شهر ماي من سنة 2014 بفضاءات دوار أولاد اعميرة

الماء كمنشط أنثربولوجي لإنتاج الطقوس بواحة سكورة جنوب المغرب

حنان حمودا – المغرب*

 

تكاد تُرجِعُ أغلب أساطير المجتمعات البشرية القديمة, أصل الكون والحياة وجميع أصناف المخلوقات إلى الماء, والتي تعبر عنها داخل قوالب معرفية أسطورية شائعة الصدى منذ القدم, كأشكال من المعتقد والموروث الشعبي المتصل بالماء, وتترجمه كمضامين دالة على موضوع المقدس والخصوبة والحياة والموت, خصوصا أنه كان موضوعا للعبادة, عبر طقوس تبجيل وتقديس آلهة الماء, التي تتعدد ما بين آلهة البحار وآلهة الأنهار, وآلهة الآبار والمغارات المائية إلى غير ذلك من المجالات المائية المقدسة, التي لازالت تحظى بنفس التمثل المُقدٍس لهذا المورد, ولمنابعه ورموزه الأسطورية القديمة عند الساكنة الأصلية القبلية بواحة سكورة.

الماء مَرجِع ومحور الممارسات الطقوسية بواحة سكورة أهل الوسط

وتعود فترات تقديس الموارد المائية ومنابعها في بلدان شمال إفريقيا, حسب عدد من كتابات المؤرخين, إلى مرحلة ماقبل التاريخ, فهذه المادة شكلًت للإنسان السكوري, مادة للتقديس وللممارسة الطقوسية التي إرتبطت بمفهوم «المقدس» وصوره داخل الفضاء الثقافي والاجتماعي الواحي العام بسكورة. إذ يُحتفى بمجالات العيون كأمكنة للتبرك والتشافي من «العقم» ومن «السحر», ويتم توظيفها  كمزارات من لدن النساء طمعا في الزواج والإنجاب وفك قيود «النًحْسْ» أو «التْقَافْ» إلى غير ذلك من الأشكال الممارساتية التي تترجم بنية ذهنية  الإنسان الواحي, وهي زاخرة بطقوس الزيارة والتبرك.

ويَعتبِر الباحث الفرنسي René Basset, أن المطر  أو «أَنْزَارْ» (باللغة الأمازيغية) تَمً  تشخيصه وإعتبراه كائنا مذكرا في العديد من المناطق القبيلة المغاربية وبالخصوص المغرب والجزائر, أمازيغية كانت أم عربية, وأنه كان يُنظر من طرف سكان هذه المناطق إلى «قوس قزح» على أنه عروس للمطر. كما إعتبر ذات الباحث أن المطر-أنزار حافظ على إستمرارية أثر الأسطورة, التي تعبر عن الطريقة التي كانت تستمطر بها السماء العديد من القبائل العربية والأمازيغية في فترات الجفاف والخصاص المائي, ومنهم سكان واحة تْوَاتْ الذين كانوا يخرجون للطواف بالملعقة الخشبية المزينة على هيئة عروس آدمية.

من جهته تطرق الإثنولوجي Emile LAOUST في مؤلفه Mots et Choses Berbères عن الإسقاطات الدلالية, والحمولة الرمزية التي تربط بين الٲداة المِغْرَفَة «تَاغَنْجَا» والفتاة العروس «تَاسْلِيتْ», التي يتم الطواف بها في موكب نسائي طمعا في نزول الغيث من لدن ٳلاه المطر والخصب آنذاك, حسب الٲسطورة المؤسسة لهذا الطقس الإستمطاري, مؤكدا بذلك فرضية إستباق العنصر الثقافي لهذا الطقس عن العنصر الديني, بحيث ٲنه قديم جدا وتمتد جذوره لما قبل الإسلام. وقد لعبت البنيات الزراعية الراسخة بمنطقة سكورة داخل الضمير الجمعي لساكنتها, دور ترجمة مجموعة من الطقوس التفاعلية والجماعية التعبيرية, سواء في فترات إنحباس المطر عن الٲرض, ٲو عندما تنضب مياه العيون والٲنهار وتجف الآبار من مياهها, عندئد يتم ٳحياء طقس الٳستمطار هذا من قِبَل القبائل الٲمازيغية بالمغرب, طلبا للغيث والمطر, بواسطة ٳستحضار شخصية وصورة «المرٲة» وأدوارها النمطية المتعلقة ب«الخصوبة» و«الإثارة الجنسية», مع ٳعادة ٳنتاج نفس الرموز التي إرتبطت بها منذ القدم.

من خلال دراسة ميدانية لنا بواحة سكورة, لطقس «تْلاَ-غَنْجَا» الأنثربولوجي بإمتياز, وجدنا أنه مليء بالدلالات والرموز التي تترجم فيما بعد على ٲشكال متنوعة من اللوحات التعبيرية, التي يمكن ٳعتبارها ظواهر اجتماعية تُغري بالدراسة والوصف والتحليل. فالماء كان دائما عاملا للٳلهام في الكثير من ٲشكال التعبير الفني والفلكلوري المحلي, سواء في القصائد الشعرية أو في مسرح الهواء الطلق (الحَلْقَة), أو داخل مضامين وكلمات الٲغاني والٲهازيج المحلية, وأيضا في الحكايات والقصص الشعبية القديمة التي تحكيها الجدًات للأطفال  .

ولهذا شَكَلًت الطقوس المائية والزراعية, موضوعا تدور حوله العديد من التمثلات الثقافية والاجتماعية المُقدسة لموضوع الماء والتي تحيطه من جهة بهالة من الترهيب والغموض, ومن جهة ٲخرى, ترفعه اجتماعيا (عرفيا ودينيا), لتضعه على ٲقدس المقدسات, وهو بمثابة الخيط الناظم لمختلف العلاقات الاجتماعية, وميكانيزما عضويا في تفعيل ٲو تعطيل آلية الصراع, وآلية التضامن والتلاحم ما بين المجموعات الاجتماعية المرتبطة بروابط دموية وعائلية.

هكذا نجد طقس «تْلاَ-غَنْجَا» أو عروسة المطر,  يزخر بترسانة غنية من الحمولات الرمزية التي تحتفي في كنهها بعمق البنيات الزراعية المتجدرة في جل التعبيرات الجماعية المحتفية بموضوع الماء, كمادة ٲساسية للبناء الاجتماعي, وكعلاقة شرطية لتسلق سلم الترقي الاجتماعي حسب المنطق القبلي السائد بالمنطقة, والذي لا يتحدد ٳلا من خلال ٳمتلاك عنصر الماء بإعتباره المتصدر والمتربع على رٲس ٲقدس المقدسات بمجتمع واحة سكورة.

فهذه الطقوس المائية, يتم تخزينها داخل الذاكرة الجماعية للسكان المحليين في قالب متنوع وغني من الثرات الثقافي الشفوي اللامادي, وترجمتها كصور متتالية في بنية اللاشعور الجماعية, التي تغذي الظواهر الاجتماعية الجارية, والتي تطبع صوره بعلامات لا تُمْحَى من الذاكرة والمخيٍلة, ما دفع ثلة من الباحثين الٲنثربولوجيين والسوسيولوجيين بتصنيفها إلى نوعين:

أولا: طقوس رسمية مترجمة ومتماشية مع التقاليد الدينية.

تانيا: طقوس عرفية على شكل ممارسات وإعتقادات كانت سائدة قبل مجيء الدين الٳسلامي, والكثير من هذه الطقوس نجدها تتناقض مع الدين الإسلامي, وهو ما خلق نقاشا حادا بين من يوافق على ٳخراج هذه الطقوس من دائرة الٳقصاء والتهميش وطرحها في المختبر الٲنثربولوجي والسوسيولوجي الٲكاديمي للدراسة والتحليل, ومن هو متشبت بطرحه الديني والٳديولوجي, الرافض تماما للٳعتراف بدلالاتها ورموزها المتمضهرة على ٲرض الواقع, متجاهلين ٲو مُغفلين العلاقات الممكنة بين بنية النسق الطقوسي والنظام الٳجتماعي.

طقس «تْلاَ-غَنْجَا» وترجمة مضامين المقدس الرمزي بواحة سكورة

«تْلاَ-غَنْجَا» هي ممارسة طقوسية أمازيغية أنثوية قديمة, رامية إلى إستمطار السماء وطلب الغيث خلال فترات ٳقتراب بدء الموسم الزراعي, حيث كلما إستشعر السكان بوادر ٲو ٳشارات دالة على تأخر المطر أو تراجع في منسوب مياه الأنهار والوديان أو العيون والخطارات, إلا وعجًلوا في ٳقامة طقس «تْلاَ-غَنْجَا».

تقوم النساء في يوم تخليد طقس «تْلاَ-غَنْجَا» بحمل دمية على شكل عروس, والطواف بها عبر دواوير وأراضي المنطقة وأضرحتها, في موكب إحتفالي مهيب خاص بعروس المطر ٲو كما يطلق عليها باللغة الٲمازيغية «تَاسْلِيتْ نُونْزَارْ». ويتم تمثيل طقس «تْلاَ-غَنْجَا» في تطواف  النساء والصبية بمغرفة خشبية «أَغْنْجَا» مكسوة ومزينة بزي عروس «تَاسْلِيتْ» في موكب تتداخل فيه مظاهر الإحتفال ومظاهر طلب الغيث والرجاء,  يردد خلاله النساء والأطفال الغير البالغين بعد,  مجموعة من الأهازيج المخصصة فقط لهذا الطقس الإستمطاري, فتقوم امرأة مسنة داخل هذا الموكب بغناء مجموعة من الٲغاني المحلية القديمة وبترداد «الزغاريد» على ٲساس ٲن تقوم النساء الٲصغر سنا والأطفال الذين يرتدون ملابس تقليدية بيضاء اللون, بترداد ما تقوله المرٲة المتقدمة في السن ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

آشْتَا صْبٍي صْبٍي                       رَاهْ وْلِيدَاتْكْ فِيقًبٍي

وَا شْتَا تَاتَاتَا                             وَسْعْدَات الحْرًاثَة

الصَبًا والغَابَا نْبِيعُو نٌوًارْ              فِي حْيَاةْ السْواڭِي يا رسول الله

وتكمل امرأة أخرى إنشاد الأهازيج الخاصة بهذا الطقس, ولكن هذه المرة بلسان أمازيغي:

ٲَنْزَارْ ٲَيًا ٲَنْزَارْ                          ٲَشْكِيدْ ٲَيًا ٲَڭلٍيدْ

رِيِري رِيرِيرِي                         يَا رْبٍي نْرَا وَامَانْ نُونْزَارْ

ٳِفْرُوخَنْ ٳِلَبْهَايْمْ ٳِسْتًحْقًانْ وَامَانْ       رِيِري رِيرِيرِي

يَارْبٍي بَابَا نْسْتًاحْقًا وَامَانْ نُونْزَارْ     رِيِري رِيرِيرِي

 

يتم إذن ٳنشاد هذه الٲهازيج وغيرها, من لدن الٲطفال والنساء, وفي ٲثناء ذلك يتم رش الحضور والدمية العروس المعلقة في السماء بالماء, إذ تكون مرفوعة ٳلى الٲعلى في صوب السماء على رٲس «لَعْلاَمْ», مع ترداد البسملة والزغاريد والصلاة على الرسول محمد, ويستمر الموكب الإحتفالي بالطواف داخل حدود واحة سكورة كلها, وأضرحتها من دوار لدوار مقتحما عدد كبير من «الجْنَانَاتْ» والبساتين الشجرية, متتبعين مسار ماء «واد امْدْرِي» وصبيب ساقيته  وعدد من الفضاءات المائية الأنثوية المقدسة محليا.

وفي طريق الموكب, تقوم الساكنة المحلية للواحة, كبارا وصغارا, رجالا ونساء, برش الموكب بالماء مع التركيز على رش «تَاسْلِيتْ نُونْزَارْ», والحرص الشديد على تبليلها بالماء من أعالي وأسطح البيوت، في هذه الٲثناء يقدم السكان لامرأة متقدمة في السن العديد من الصدقات  والهدايا (السكر,  الشاي, البيض, الحليب, الخبز, الشاي, اللوز, الثمر, زيت الزيتون, دواجن حية, بعض أنواع الخضر والفواكه…), هذه المواد الغذائية يتم تجميعها وإعدادها على شكل مٲذبة جماعية تدعى «المَعْرُوف», يأكل منها كل الحاضرين من الذين شاركوا في هذا الطقس بأحد أضرحة سكورة.

فهذا الطقس كان يعد تاريخيا من الطقوس الشائعة في بلدان شمال افريقيا كلها, وفي مناطق عديدة في المغرب بجبال الٲطلس الكبير والمتوسط وكذا بجبال الريف, وهو يتشابه في تفاصيل كثيرة ويختلف في بعضها الآخر, حسب السياق المحلي لكل منطقة, وتعدد الٲنساق الثقافية والاجتماعية والتقاليد والٲعراف والتصورات التي كانت تؤثت كل فضاء على حدى.

وعموما, فقد ٳلتصق ٳحياء طقس «تْلاَ-غَنْجَا» بفترات الجفاف وإنحباس المطر على الٲرض والٳنسان, فالناس يمارسون شعائره كلما ٲحسوا أو استشعروا تٲخر المطر عنهم ٲو بداية موسم الجفاف والعطش, بحيث يتهيء له الجميع بحماس واستعداد نفسي جماعي كبير, فيتم استحضار قيم العطاء والسخاء والخصب والتضامن من خلال الٳحتفال بعرس السماء والٲرض, لتنعم الٲرض بالسلام والٳستقرار, وتبرز تيمة الخير والحب للٳنسان والحيوان, نتيجة توفر الطعام والماء لهما, إذ يتم خلالها تناسي وتجاوز كل الخلافات والصراعات التي تكون بين الٲفراد أو ما بين المجموعات خصوصا ما تعلق بالتنظيمات القبلية الأمازيغية ذات الأصول الثقافية الزراعية والمائية.

وعرف مجتمع الواحة خلال سنوات الجفاف, في جل مراحله التاريخية, ٳحياء هذا الطقس الإستجدائي, بحيث يشارك فيه الكبير والصغير, الغني والفقير, كلٌ ومساهمته حسب محدد الدور المنوط به والموقع الاجتماعي الذي يمثله. فالموكب يشارك فيه النساء والٲطفال فقط, بحكم طبيعة عرف هذا الطقس الأنثوي الذي يقوم بإعادة التذكير بنظام العادات والتقاليد المؤثثة للفضاء العام بالمنطقة منذ القدم, والتي وضعت كل من المرٲة والرجل في مجال مختلف, قد يلتقيان في مناسبات وتضاهرات ٲخرى غير هذه.

وعموما, جاء في الرويات الشفوية المستقاة من الميدان, ٲنه كان في القدم مجموعة من القبائل القديمة بمنطقة درعة كلها, تمارس مجموعة من الطقوس المائية القديمة جدا والسابقة على الديانة الإسلامية, والتي كانت ترجع إلى ٲسطورة آلهة المطر القديمة, وبالتالي فهذه الممارسات الطقوسية الفلكلورية تعدو زاخرة بأنماط متعددة من التمثلات والدلالات والرموز المُصًرفة داخل ثنايا طقس «تْلاَ-غْنْجَا».

 

الطقوس ووظيفة تصريف الرموز

إن تجربة المشاركة الميدانية الإثنولوجية في طقوس الماء والزراعة بمجتمع دراستنا سكورة, كشفت لنا من جهة, عن علاقة «التكرار» و«الإستمرارية» على مستوى بنية الطقس, في عدد من المظاهر الإحتفالية الاجتماعية والعائلية التي يُقيمها السكان. فالماء يُحتفى به في إحتفالات الزواج, الختان, الأعياد الدينية, المناسبات العرفية, عند الولادة وعند الوفاة. ومن جهة ثانية, كشفت  لنا تجربة الملاحظة بالمشاركة عن عمق تجذر قدسية الماء وإرتباطه برموز «البركة» و«الخصب» في الذهنية الجماعية لسكان الواحة بمجتمع الدراسة.

وجدير بالذكر, أن هذه الطقوس المائية الممارسة بواحة سكورة تؤدي العديد من الأدوار داخل قطار ومحطات الطقس, فهي تعيد توثيق أواصل العلاقات القرابية والعائلية, وتُحيي الزمن القبلي القديم المتصل بالبوصلة الزراعية والمائية,  وتستحضر أحداث تاريخه الإيجابي ومفاخره. كما أن هذه الطقوس المائية تعمل على إحياء صور المقدس الشعبي ومجالاته مثل: الأودية, العيون, الآبار, السواقي, الأضرحة..إلخ. وهو أيضا آلية رمزية للعبور عبر الزمن الأسطوري, من العالم الواقعي المادي, إلى العالم الغيبي اللامادي المتصل بالتمثلات الدينية حول دور الفاعل «الله» وصوره.

تقوم الطقوس المائية بواحة سكورة بٳعادة ترتيب تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية للمجتمع السكوري, كما تؤدي وظيفة «غيتية» و«إستجدائية» ذات نتيجة «إستمطارية»; وهي مشبعة بطاقة رمزية كبيرة, يمكن تبنيها في هذا السياق ك: «طقوس إستهلالية», تُعبر من خلال رموزها على ممارسات دينية  تعود لما قبل مرحلة التاريخ وهي ذات دلالات متعددة مرتبطة بمنظومة القيم الثقافية والزراعية الناظمة لبنية النسيج الاجتماعي  الداخلي بسكورة.

تأسيسا على ما سبق فإن الرموز من الناحية الأنثربولوجية هي بمثابة آلية يتم توظيفها لترجمة مضامين وشِفْرات صور«المقدس» بكل تجلياته وهو الذي يؤتث بدوره محتوى الطقس. فالرموز هي حاملة لدلالات «الخصب» و«الغيث» و«التضامن», وكذا لقيم الإتصال بالطبيعة عبر ممارسة «طقوس المرور», التي يمكن إعتبارها بمثابة محطات سوسيو-ثقافية تكرارية  تؤرخ  لرموز المقدس المائي, وهي غالبا ما تُمارس لتصريف قيم ومعايير الواقع الطبيعي والمناخي الصعب, وتكريسه الاجتماعي رمزيا وطقوسيا داخل فضاءات سكورة.

هذا وقد أسفرت عملية التعرض للمتخيل الرمزي للذهنية السكورية, في محطات ممارسة الطقوس المائية والزراعية, إلى الكشف عن عمليات للعبور عبر بنية المعتقد وتجليات «المقدس» جسديا ولغويا ومجاليا. وتَعرف هذه الأبعاد تداخلا على مستوى البنى الاجتماعية مع الثقافية مع الدينية مع الرمزية للساكنة المحلية المُمارسة لهذا الفعل, والحاملة لأبعاد هوياتية متشابكة.  كما تتصل إنتظارات وتمتلات هذه الساكنة المحلية بسؤال «المصالح», الشيء الذي يظهر بجلاء كبير داخل إحتفالات «اللًامَات» (الولائم القبلية الجماعية) التي تُنظم سنويا بالواحة ما بين المجموعات الاجتماعية بالقبيلة.

وتبقى إذن  هذه الطقوس المائية الأنثوية الإحتفالية, حاملة وناقلة لصور ورموز المقدس, عبر التعبير الجسدي واللغوي لمضامين قوة حضور الفاعل المائي في الحياة الجماعية لساكنة الواحة. وهي أيضا تأكيد على فاعلية أدوار هذه المادة السوسيو-طبيعية, على حياتهم وممارساتهم وإستقرارهم, وكذا من خلال تصريف الإنشغالات اليومية للساكنة إلى نظام تعبيري رمزي تَصرُخ به الطقوس المُمارسة داخل الفضاءات المائية ومنشئاتها كتجسيد للمقدس الطبيعي في بنية وذهنية السكان المحليون, خصوصا الشيوخ منهم.

خريطة المقدس المائي بين أضرحة «الصًالِحِينْ» وهيمنة الممارسة الطقوسية الأنثوية على الذكورية

إجمالا يحتضن الحقل الإثنولوجي مفهوم الطقوس المُجسدة للممارسات والتمثلات, ويربطها بعلاقتها مع فئات سوسيولوجية جد محددة حسب معايير ومؤشرات مضبوطة. ويعتبر Jean COPANS أن كل ما هو طقوسي ليس بالضرورة ديني. فالطقوس هي موجودة ومُلاحظَة, وتتمظهر بشكل رمزي وهي التي تُحدد موقع كل من «المقدس» و«المدنس», وتبقى أقوى لحظات الطقوس هي التي تتمظهر إحتفاليا. إذ يضعها Roger CAILLOIS  ما بين مفهوم «المقدس» مقابل مفهوم «الدنيوي المدنس».

ففضاء الأضرحة بسكورة والتي دفن فيها مجموعة ممن تَرفعهم الساكنة المحلية إلى مقام الأولياء والوليات «الصًالِحِين»,  تحتضن العديد من الممارسات الطقوسية الأنثوية المائية بإعتبارها فضاءات «للزيارة» و«التبرك» والإنتقال من الزمن الحاضر إلى الماضي طلبا في نيل سلطة وتأتير «الكَرَامَات», أو الإستفادة من قوة وطاقة «الولي» الذكر أو «الولية» الأنثى عبر ممارسة شعائر طقوسية ومَنْظُومَات دلالية. فالخطاب السائد لدى ساكنة مجتمع الدراسة زاخر بعبارات مثل: (بركة لالة أو بركة سيدي, النِيًة والصْفًا, عْطِيًة مُولانا أو بَرَكة مولانا, الصُلَحَا.. إلخ).

أما الفضاءات الضرائحية الأنثوية المتواجدة بواحة سكورة ككل فترتبط ببركات مائية من خلال توفرها على عيون مائية تبركية يتم تطقيسها وتأنيثها بممارسات وشعائر رامزة على الأدوار الثقافية التقيلدية المَنُوطَة بالمرأة كالإنجاب والخصوبة والزواج. ومن بين هذه الفضاءات نجد متلا: ضريح «لالة عيشة وًتْ حَمٌو» الذي تقصده الفتيات في سن الزواج للتبرك, عبر طقوس الإستحمام بمياه عينها المائية المتصلة ببئر ماء تحمل إسم «عْوِينَة لاَلًة عِيشَة», مع إشعال سبعة شموع بيضاء بجنبات العين المائية, مع نثر خلطة «النْشُورْ» أو «إِسَڭًارْ» بالأمازيغية مباشرة بعد طقس الإستحمام (خلطة مكونة من: الحناء, الورد, القرنفل, السواك).

وتبقى إذن, هذه الأشكال الطقوسية والإحتفالية في مجملها  تتصل بالممارسات الفلكلورية الزراعية البنى وتؤدي في شق كبير وظيفة شَخْصَنَة المقدس الرمزي داخل مسرح اجتماعي وأنثربولوجي وديني شعبي بالأساس. كما ترمز الطقوس الإحتفالية المائية بفضاءات الأضرحة داخل مجتمع سكورة على قيم الخصب والعطاء التي يشكل فيها مورد الماء المركز والمحور.

قائمة البيبليوغرافيا الموظفة:

Roger, CAILLOIS, L’Homme et le Sacré, Ѐditions Gallimard, Paris 1950.

– Emile, LAOUST, Mots et Choses Berbéres, Société Marocaine D’éditions-Collection Calques, Rabat 1983.

Marthine, SEGALEN, Rites et Rituels Contemporains, Ѐditions NATHAN, Paris 1998,

– Abdelaziz, BEL FAIDA, L’Eau au Maghreb Antique, Entre le Sacré et le Profane, Rabat NET Maroc, 2011.

عبد الله, حمودي, الضحية وٲقنعتها, بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب, ترجمة عبد الكبير الشرقاوي, دار توبقال للنشر, الطبعة الٲولى 2010

بيير بورديو, الرمز والسلطة, ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي, دار توبقال للنشر, الطبعة التالثة, 2007,

–  نور الدين, الزاهي, المقدس والمجتمع, أفريقيا الشرق 2011,

محمد, الدهان, العلم والٳيديولوجيا في الٲنثربولوجيا الٳستعمارية, بحث لنيل الدراسات العليا في علم الاجتماع, 1993

 

«..الأنساق الطقوسية من ألعاب ومساخر, المميزة للدورة السنوية في المغارب, وخصوصا في المغرب الأقصى, تثير إهتمام الملاحظين منذ بداية نهاية القرن التاسع عشر. والفرنسيين منهم في المقام الأول. طبعا من واقع حضورهم الإمبريالي والإستعماري الطويل […] أما المؤلفات التاريخية العربية إن لم نخطئ, فلم تنطق بكلمة عن الأعياد المُحتفَل بها خارج التقويم الإسلامي. فهل تلك الأعياد هي المذكورة بطريقة غير مباشرة في الديانات التقليدية التي يصدرها عدد من المتعلمين في حق العادات الشعبية, المصنًفة تحت التسمية العامة والسهلة للغاية و لِ «عوائد العامًة»? لكن الأمر لا يتعدى أبدا القدح, لأن هذه العادات إما لكونها صادمة للغاية أو مألوفة للغاية, فهي لهذا السبب أو ذاك أو لكليهما معا, لم تُوحِ بشيء لأقلام مثقفي إفريقيا الشمالية […] وفي المغرب, تحدث أغلب هذه التظاهرات ما بين عيد الأضحى ومطلع السنة الهجرية. وهذان الإحتفالان يُسمًيان في العامية بإسم العيد الكبير وعاشوراء, وبالأمازيغية يحتفظ الثاني بنفس الإسم والأضحى يسمى تفاسكا. يتعلق الأمر بزمن بالغ القدسية في التقويم الإسلامي, ولأن هذا الأخير قمري, كما ذكرنا, فهو بالطبع مغاير للتقويم الجولياني (أو الفلاحي) الذي يتحكم في دورة الأنشطة الفلاحية بإفريقيا الشمالية[…] المواكب والمساخر تتخلل بالضبط بين عيد الأضحى والسنة الجديدة, متصادفة في الأغلب مع الأول في البوادي, ومرتبطة أكثر بالثاني في المدن, وهي متل العيدين, تميز إنتقالا في الزمن ..»[i].

 

*حنان حمودا، باحثة في علم الاجتماع

hanamoda2007@yahoo.fr

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[i] نص مقتطف من:

عبد الله, حمودي, الضحية وأقنعتها بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب, ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي, دار توبقال للنشر, الطبعة الأولى 2010, ص: 27-25.

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بالملحق العربي لجريدة السفير اللبنانية.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>