الفترات الكبرى للقايدية – الجزء الثالث

kaid3

الفترات الكبرى للقايدية
بقلم: بول باسكون
تعريب:  زبيدة بورحيل

ح-الكوندافي:

إن الصعود الاجتماعي السياسي للطيب الكوندافي ليمدنا بمثال آخر عن نمو القايدية في الحوز. غير أنه كسيد حرب ورئيس عائلة الكوندافي لم يتجاوز مستوى الفيودالية الضريبية مثل الكلاوي والعيادي، وفي مستوى أقل من عبد المالك المتوكي وذلك أن نحن اقتصرنا فقط على الشخصيات المرموقة.

وليس غرضنا هنا أن نعطي التاريخ المفصل لبروز السلطة الفردية لدى الكوندافيين ، ولكن نرمي إلى أن تلقي الضوء على الخاصيات المرضية للقايدية قبل الحماية، من خلال تقديم نموذجين (أو ثلاثة) يشتملان على دلائل كافية.

حين نحاول تحليل السلوك الاجتماعي والموقف السياسي للقياد خلال تلك الفترة المميزة كل التميز لصعودهم، تعوزنا دائما الوثائق الأصلية أي الكتابات التي هي جزء لا يتجزأ من النشاط الذي قاموا به وليس الاعتماد على مجرد الشائعات المروجة بغرض الإطراء أو إطلاق الأحكام. وحتى لو وجدت تلك الوثائق وبوفرة وتصف بدقة مظاهر نواياهم وممارستهم، فإن الباحثين نادرا ما تتاح لهم فرصة الاطلاع عليها وبالتالي يضطرون لتقديم وصف عائم ومن الزاوية المرئية الواضحة فحسب.

وقد ساعدنا الحظ في الحصول على أهم الأرشيفات العائلية المتعلقة بأربع قياد كبار وحكام مراكش، تتناول أساس الفترة السابقة على سنة 1912 وبهذا نتوفر على ما يقرب من 2000 وثيقة تاريخية يتكون الجزء الأكبر منها من المراسلات العائلية. والصعوبة الوحيدة التي واجهناها في هذا النوع من الوثائق هي أنها توجد في مجموعتين:

مجموعة يمكن تسميتها شبه عمومية ذلك أنها تحتوي على رسائل شريفية «للتقديم» présentables خاصة ظهائر التعيين، ورسوم الملكية والعلاقات بين الأحداث الايجابية أما المجموعة الأخرى فمخفية أو مبعدة، وغالبا «منسية» وفي حالة سيئة وأتلف جزء منها وهي تتضمن المراسلات الشخصية وذكر فترات الضعف، والخلع، والحجز. وبما أن الورثة غالبا لا يهتمون كثيرا بما جاء في تلك الوثائق فهم لا يكلفون أنفسهم عناء قراءتها أو تصنيفها .

لذلك فالمجموعتان حين لا تتلف أو تباع لهاوة جمع الوثائق، ينتهي بها الأمر إلى جمعها في صندوق واحد، وحينذاك يمكن التوفر على سلسلات متصلة من المعلومات تبين الوجه المرئي والمخفي وراء بعض الأحداث .

والأرشيف الكامل للكوندافي الذي استطعنا أن نصنفه ونترجمه يشتمل على 405 نص كتب بين سنة 1671 و1957 ويتعلق بنفس السلالة: 307 نص مؤرخة و98 ليست تامة. ما عدا 15 نصا يمكن تحديد تاريخها بسهولة، نجد فيها بغزارة تاريخ كل الأسرة: النصوص الأكثر قدما تتعلق بالملكيات (الأشجار والمياه) وعقود الزواج. ومنذ 1850 تتعلق بتقارير سياسية مع المخزن الذي يتصدر المكانة فيها ثم تطغى المشاكل المالية والحسابية للمحصولات. ولكن نعثر فيها هنا وهناك على أخبار تتناول «اختطاف بعض الخادمات» وحكايات تتكلم عن فرار مجند ما، ومتمنيات للمطر، وسرد للمساعدات المقدمة ووصف بعض الأوبئة، وطلب ملابس الصيف من طرف الشركاء. وتقرير عن «التويزة» والدرس، وعقود البيعة لشيخ ما. كما نعثر فيها على صيحات الرعاة الصغار حين يطلبون الملابس أو يؤاخذون المالك على عدم عنايته بهم أو احد المؤجرين، حين يطلب الزيت لأن خدميه لا يمنحهم الزيت مما يؤثر على عملهم الخ.

وفي هذا الجبل من الوثائق اخترنا بعض العينات التي لها دلالة والتي يمكن أن تلقي الأضواء على الإجراءات المعمول به.

شراء المسؤولية القايدية سنة 1905.

سمى السلطان المولى عبد العزيز الطيب الكوندافي سنة 1905 قايدا على غيغاية وسكتانة ومجاط وناظرا على زاوية تامصلوحت . ونتوفر حول شروط الحصول على هذه التسمية على 20 وثيقة نصف العملية بتفصيل وخاصة رسالة من الطيب موجهة إلى إخوته:

الحمد لله وحده

خلائفنا الارضين الأخوين الارشدين إبراهيم ومحمد وولدنا الحسن وفقكم الله وسلام عليكم ورحمته وبركاته وعن خير سيدنا نصره الله وبعد فلا زائد لله الحمد وله الشكر والأحوال منا صالحة وجميع من معنا بخير لله الحمد نسأله تعالى كونكم كذلك مع جمع الشمل إليكم عاجلا بأحسن حال وأكمله بجاه النبي وءاله ءامين هذا وقد كنا قدمنا إليكم قدومنا بعد جواز العيد والهدية فإذا به ورد الحضرة الشريفة صانها الله نصراني نائب دولة فرنصيص دمرهم الله يطلب من المخزن أمورا وبسبب قضيته حصرنا المخزن هذه الأيام ويوم الكتب وأعدنا المخزن أعانه الله بالوداع يوم السبت القابل ويوم الاثنين أمامه ثامن التاريخ نسافر بحول الله إليكم مع هؤلاء العمال رفقة واحدة بلا شك أن شاء الله وعليه فاعلموا أن مولانا أيده الله بسط لنا ردى الرضى والقبول وساعدنا في جميع المطالب وقضى لنا الاغراضات كلها لأنفسنا ولمن تعلق بنا حمدا لله بالسعادة إلا أننا أخذنا عدة من الدراهم عند الناس دفعناها للمخزن على ذلك وعاملنا مع أرباب الدراهم أول دخولنا ووصولنا لمراكش ترد لهم دراهمهم في الحال وإن تأخروا عن وصولنا إليه بالانترايس حفظنا الله منه والآن بوصوله إليكم إن لا زلت أيها الأخ إبراهيم بالبلد فتتلاقا مع الأخ محمد وافرضوا شيئا من المال على الايالة كلها جبلا ووطاء واحسبوا كلا بما يصلح ويليق ويناسب وأرسلوا للأشياخ كل قبيلة وبيتوا كل ما جاءه وناب إخوانه وحرضوهم بأداء ذلك عزما عاجلا نجده ميسرا موجودا تحت اليد ولا بد كونوا على بال من ذلك وقوموا له بالجد واليقين ونضضوا بحيث لا هرج ولا طيش يحدث بذلك فافهموا أعانكم الله واخدموا أحسن السياسة وأكمل تدبير أرشدكم الله ووفقكم وألهمكم أصلحكم وأصلح بكم وكون بكم كل خير ءامين والسلام في 29 حجة الحرام عام 1322هـ ومنه فافرضوا اثني عشر ألف ريال بحسب كل قبيلة بما يناسبها وما جاءها مع سكتانة وزكيتة وامطاع وقدميوه واحضروا أشياخ كل قبيلة حتى تجعلوا لكل شيخ ما نابه وجاءه وكلفوه باذائه واحبكوا الأشياخ بأداء الجميع واضبطوهم وبعد ونضضوا ذلك عزما عاجلا بحيث إذا وصلنا بسلامة لمراكش إن شاء الله نجد كلا منكم من الخلائف حاز ونض تحت يده ما ناب من يحركه من القبائل فلا يقبل عذر ما ولا تأخير ما عند مجيئنا إن شاء الله ولو أن تنضوه من أنفسكم وافرضوا على الإخوان قبيلة واد النفيس كذلك ما أمكن ولاق واخرجوا الجميع من الناس بلطافة وحيلة وحسن سياسة بدون هرج ومطيش. افهموا أعانكم الله وها كتاب قواد سوس وأصلوه لهم ولا بد أصلحكم الله والسلام.

ولكي نوضح موضع الرسالة فإن عدة وثائق وخاصة رسالة وجهها من فاس اثنان من مرسلي الأغنام إلى إبراهيم أخ الطيب الموجود في أكركور. ويشرحان فيها أن السلطان قد استقبلهما بعد خمسة أيام من العيد وأنهما سلماه الأغنام. «ويقال أن القائد المكلف بمسفيوة ودمنات ورهوجدامة. ولكننا غير متأكدين من ذلك. وقد صفى الطيب جميع الحسابات مع عبد العزيز برادة واستطاع أن يضيف 1150.5 ريالا».

وفي الواقع في 21 فبراير/شباط 1905 أصدر السلطان ظهيرا يعين فيه الطيب على إدارة قبيلة غيغاية . وقد حصل الطيب في 9 مارس/آذار من دار بروشفيك وشركاؤه شيكا مؤرخا بـ 5 مارس/آذار. «بعد شهرين من هذا التاريخ نرجو أن تدفعوا مقابل هذه الرسالة مبلغ 5 آلاف دورو نقدا مخزنية قيمة مستحقة على السيد القائد الطيب الكوندافي في مراكش». وقد كتب الطيب على الهامش بالعربية ندين للتاجر برونشفيك بـ 5 آلاف ريال نردها له في بحر شهرين «2 محرم 1323». وقد أعيد الشيك للسيد عبد العزيز برادة (وزير المالية). ووقع على ظهره بتاريخ 25 ابريل/نيسان 1905 في طنجة. ورسالة أخرى للتبديل Change 1200 دورو مثل الأولى وموقعة من طرف نفس الشخص وكتبت في 12 مارس/آذار. وفي 14 مارس/آذار عين الطيب في إدارة زاوية تامصلوحت وسكتانة، وعلى قبيلة مجاط في الحوز .

وفي 3 مايو/أيار بعث الطيب بورقة إلى أخويه وابنه تحمل هذه الكلمات الألغاز: «ابعثوا البغال لحمل الأشياء الثقيلة. يجب أن تكون قوية، وانتبهوا. افعلوا ذلك بسرعة ذلك أن الشريف (السلطان) سيخرج بوم السبت. ابعثوا 10 بغال من كدميوة، و4 من أولاد مطاع، 4 من وزكيتة. 4 عن سكتانة الجميع 22». وهذا يعني نقل القطع النقدية للفرض، ومن هنا يمكن تقييم الضغط الضريبي النسبي الممارس على القبائل الاربع. ونذكر هنا أن سكان تلك القبائل كان على النحو التالي وذلك في سنة 1917

أسر عدد البغال

كدميوة 5600 10

ولاد مطاع 1400 4

وزكيتة 1160 4

سكتانة 1200 4

والرسائل المتعلقة بتأدية المبالغ ظلت تصل إلى نهاية شهر يونيو/حزيران. فمثلا كتب يوشا. كوركوس إلى الطيب في 13 يونيو/حزيران: لقد توصلنا برسالتك التي تطلب فيها أن أسلم لصديقك سيدي على بن ولد الدرقاوي مبلغ ست مائة ريال. وقد سلمتها له بحضور سي لحسن راني. وأديتها له على حسابك».

ولكن بعض القبائل قاومت ذلك فأرسل الطيب بعض الفرسان. وقد كتب الطيب إلى أخيه رسالة بتاريخ 23 يونيو/حزيران 1905:

أخبرت به من مشافهتك أعيان شرفاء تمصلحت وعوامها على أداء الترتيب وصوبتم لها الزمام وقرأ عليهم وسمعوا وأطاعوا وقاموا للأداء وصار مولاي الحاج يوسوس لبعضهم لخ ما شرحت كنا من ذلك يبال كما كنا ببال من كونك نازلا بسجتانة لتحريضهم ووزكيتة على أداء الترتيب وأن الناس شرعوا في الأداء معاذ شياطين غغاية لا زالوا يتلوون ويروغون لخ وبما وقع للظالم الفأر ببهائمه وتبعه الأصحاب ووقع عليه البارود مع فساد دوار تكانة ودوار مولاي إبراهيم نفع الله ومات من المفسدين موتين دمرهم الله لخ صرنا من ذلك ببال فقد كتبنا للمخزن بذلك وأنت فلا بد أصلحك الله رغم الناس على أداء ترتيبهم عزما عاجلا وارتكب السياسة لأولاد الحرام حتى نقضو الغرض.

وفي 30 يونيو/حزيران انتهى مجموع العملية بوصل محمد التازي: «أنا الموقع أسفله اعترف أنني توصلت من الطيب الكوندافي (المبلغ) الذي يدين به لصاحب الجلالة أي 25 ألف ريال. 26 ربيع الثاني 1123».

وفي النهاية يكون الطيب قد أدى 23350 ريال (170000 فرنك 1974) وللحصول على حكم ولاية غيغاية ومجاط وزاوية تامصلوحت أي حوالي 4000 أسرة. ولجمع هاته المبالغ باع كل محصول اللوز والجوز إلى شركة برانشفيك Braschewig المقرضة إلى صمويل Samuel وكوركوس Corcos وجعل القبائل يدفعون المبالغ. وقد دفع المخزن في الصويرة لتأدية الأقساط السنوية للدين وشراء الأسلحة لكي تستخدم ضد القبائل لاقتطاع الضرائب بصفة أكثر، الخ.

وقد كانت هذه هي الحلقة المفرغة التي تدور فيها الوضعية السياسة الاجتماعية التي تدهورت أكثر فأكثر وأعطت سلطة أكبر للقايدية إلى حد انهيار دولة المخزن والاحتلال الأجنبي. وسنرى فيما بعد أنه لملء هذا الفراغ السياسي الناجم عن هدم المنظمات القبلية اضطرت السلطة السياسية الجديدة للحماية إلى ترك المنظمات التي عملت هي على خلقها، دون وعي منها في مكانها.

الاقتطاع الضريبي:

لن نعود هنا إلى التمييز بين الاقتطاعات القانونية والاقتطاعات القايدية. نريد فحسب أن نأتي ببعض النصوص التي توضح الظروف التي كانت تتم فيها تلك الاقتطاعات خلف المستوى الرسمي والعبارات المخزنية.

وقد كان قصر تاكونتافت الذي بناه والد الطيب الكوندافي كأشغال شاقة مفروضة، على أعلى وادي نفيس، يشتمل في مدخله، مثل باقي الحصون في ذلك العهد، على ملحق يحصنه باب مزدوج ضخم من الحديد حيث كان يقيم الحراس والبواب وحيث كانت تدفع الضرائب على شكل تموين وكان البواب يقوم في الحقيقة بحساب المخزون في سجل الدخول والخروج وكان يسلم وصولات تدفع كل اعتراضات لاحقة. وقد عثر على بعض الصفحات من هذا السجل ممزقة ومبتورة، في أنقاض تاكونتافت مع بعض الوصولات. وطيلة السنوات 1896-1897 نجد أن عبارة «مونة» (تموين) تتكرر أمام أسماء بعض الأسر فمثلا في صفحات سنة 1314 (1897-1896) 5 ربيع الثاني (13 شتنبر/أيلول 1896):

آيت علي 30 دجاجة
3 خرفان
6 أكياس شعير (غرارة)
6 ريال عوض 11 كيلو تقريبا زبدة».

وهذه الإشارة الأخيرة لها دلالتها من حيث تطور الاقتطاع من شكل عيني إلى اقتطاع نقدي. وفي بداية 1314 (أي منتصف، يونيو/حزيران 1896):

«وهذه لائحة قصب الحدائق بتاكونتافت، كل واحد يجب أن يؤدي «غرارة» من الشعير أو القمح…» تليها لائحة بأسماء الأشخاص.

وبعد بحث قمنا به في عين المكان استطعنا أن نوضح طبيعة هذه الضريبة فالأراضي المسقية في تاكونتافت قد سجلت كلها في سجل المساحة، بواسطة قصب مقياس طول يساوي قامة. (1.75م تقريبا) وفي الحقول المنتظمة والمستقيمة السفلى، و«القصب» كان هو مساحة قطعة لها 10 قصبات وكان يقال عنها أيضا «أفوس» يد أي عشرة أصابع –عرضا في رأس الساقية وطولا، كل القطعة الأرضية الصالحة للزراعة المتقاطعة مع ضفتي الواد .

«والقصب-المساحة» للقطع السفلي قد أصبح نوعا ما يقوم بوظيفة عيار متري بالمقارنة التقريبية للمساحة في المناطق القليلة الانتظام. وما يجب ملاحظته هو إحلال فكرة مساحة مقاسة محل مساحة-سعة. فالطريقة التقليدية الجاري بها العمل كانت تقوم على تقدير مساحة الأراضي بواسطة الحجم (وزن) الحبوب التي يمكن زرعها فيها. وإن مقاييس دقيقة تبين أنه في الحوز مثلا يمكن بذر 60 إلى 120 كلغ من الحبوب في الهكتار، حسب منسوب الماء المتوفر، بوزن يقدر بـ 80 كلغ. غير أن الضريبة هنا تتناسب مع مساحة مسجلة فهي إذن ضريبة عقارية وليست تقديرا على المحصول (خرس)، ويلزم أن يتناسب معه ذلك بطريقة غير مباشرة.

ونجد في السجل أيضا أنه بالنسبة للسنة 1316 (1899) تسليم الجوز المقشر (مكسور) من طرف عمر نايت عبد الله وأهله كفرض ثم يلي ذلك لائحة للأشياء التي نقلت مكالة بالصاع . وفي المجموع كيل 147 وسجلت وسلمت إلى «القاعة» المعينة. وسلم لهم وصل بذلك: فبين ورقتين من السجل نجد ورقة طائشة:

فيها بيد الحامل ثلاثين ريال من ثمن الجوز بايت احسين وان ثمانين ريالة عند الهاشمي بن وحمان فإن جاء بهم فذاك وان دفعهم لنا يصلك في القرب وثمن الجميع مائة وعشر ريالة 110 وكيفية الإخبار في رأس الحامل والسلام.

ونعلم أن في سنة 1906 كان الطيب الكوندافي يبيع كل الجوز الذي يملكه لدار برانشفيك وكوركوس. ويظهر أن في سنة 1901 لم يكن هو المحتكر الوحيد لتجارة الجوز في نفيس بما أن أحد رعاياه باع جوزه في الشجر لآخر غيره. وبما أن القياد كانوا يقومون بدور الوسيط بين المنتجين والمشترين الأجانب فقد عملوا على إطالة نظام الاقتطاع عينا وقد كان من الجائز أن لا يطول ذلك لو كانت التجارة حرة. وقد علمنا من خلال برقية وجهتها وكالة تابعة للقنصلية أن الكوندافي كان يعارض المعاملات التجارية الأجنبية.

غير أن القياد حين يقعون تحت ضغط الحاجة إلى النقود في فترة لا يجدون ما يجني فيها أو يباع، فإنهم يرغمون الأهالي على دفع المبالغ نقدا ويرفضون الضريبة العينية.

«لقد تلقينا رسالتك مع المائة ريال الا بسيطة مقابل الفريضة عن الزيتون «وموزونة» عن الكراء (ملزوم). وقد دفع المسؤولون عن اللزوم من 80 إلى مائة ريال أما أنت فقد بعثت موزونة، فما هي هاته الموزونة؟ ألم أطلب إليك أن تأتي بنفسك؟ لقد وصلني من جهة أخرى أنكم اتفقتم على أن تعلنوا بأن محصول الزيتون كان سيئا هذه السنة بحجة أنكم يجب أن تدفعوا عنه نقدا…

الاقتطاع من عدد الرجال.

بالإضافة على الاقتطاع المالي الذي يشمل أولا الضريبة الشرعية (العشور، الزكاة) ثم مختلف الضرائب والابتزازات (فريضة، مونة، هدية) فإن مصادرة الفائض يتم أيضا في العهد القايدي على الرجال بواسطة نظام دوري. وقد شاهدنا الأعمال الشاقة (الكلفة) التي أصبحت ضريبة حقيقية تؤدي على شكل عمل ففي أراضي الكلاوي.

وبالإضافة إلى الأشغال الشاقة نجد التجنيد بهدف زيادة وسائل تحصيل الضرائب من القبائل المجاورة قد تزايد في أواخر القرن التاسع عشر. وعلى اثر توصيات البعثات العسكرية الأجنبية، (خاصة الفرنسية، الألمانية والانجليزية) قام المخزن بوضع إصلاحين مهمين: أحدهما في التسليح (المدفعية، البنادق الحديثة) والآخر في نظام تسجيل جيش احتياطي. وقد كان على كل قائد أن يأتي ليحارب ضد القبائل التي تمتنع عن دفع الضريبة يحوط به عدد كبير من المشاة والفرسان يجهزها المخزن جزئيا وتأخذ أجرها من المنطقة المغلوبة.

فنأمرك أن تكون على أهبة واستعداد للحركة الميمونة بالعدد المعتاد من خيل إخوانك ذوي النجدة والحزم والقوة بحيث إذا ورد عليك أمرنا الشريف بالنهوض.

وتحدد هذه الرسالة أن الفرسان يجب أن يأتوا بخيولهم وعدد المشاركين اللازم. أما بشأن التعبير «الاخوة» فيجب أن لا يخدعنا. فالرسالة موجهة فحسب إلى الطيب ويطلب له بتودد في آخر الرسالة بذل التشجيعات.

وندرك هنا إلى أي حد أن نظام الانخراط الذي كان يسيطر عليه القائد، وسيلة فعالة لإضعاف عشيرة ما وتقوية أخرى.

«لقد مر تاريخ رحيل المجندين إلى «الحركة» بخمسة أيام منذ صدور الأمر بالانخراط. وبما أن سيدنا (الحاكم) يرغب في ذلك فنحن على استعداد لكي نرسل المخازنية لتعقب المتمردين .

ورد علينا الأعز كتابك وفهمنا مضمنه من قدومنا لالوس وواضب الحركة، أما الزاوية فإننا أرسلنا إليها من يراقب عليها وما وجدوا فيها إلا نحوى خمسة وعشرون راميا أو ثلاثين وهكذا رأينا فيهم حيث رأينهم على الفطرة وأما كلاهـ الحركة فها نحن نبين لك عدد المكاسي كل واحد باسمه المقيدون يمنته واخرج عليهم صاحبنا بملزومه ليحرضهم على الحركة .

وأيضا:

ذاتا كبيرا على ما قدمناه لك من التشديد والحزم على أشياخ وزكيتة وسكتانة يقومون على ساق الجد ويتوجهون للحركة فإنهم ما بقي هنا بالحركة أحد لا من وزيكتة ولا من سكتانة وبقينا وحدنا وحتى العسة ما وجدنا من يعس علينا ما هذا التراخي والآن بمجرد .

وبعد مرور 11 سنة نجد نفس الصيحات:

فبوصوله إليكم فنأمركم أن تقدموا لحضرتنا على حد الصائم بمكاحلكم الصالحة بحيث فكل من قرء عليه كتابنا هذا يجمع رأسه ويقدم لحضرتنا بمكحولته ولا ينتظر أحد منكم بالآخر.

«إننا ننتظر منذ ثلاثة أيام «الناس اللي فوق». ونوجد في مأزق مع الوالد. لقد قلنا لكم أن ترسلوا كل من هو في سن قادر على حمل السلاح. أسرعوا فنحن ننتظر» .

لدينا نماذج أخرى عن الأشغال الشاقة تعبر عن سحب طاقة العمل واستغلالها لصالح القايد:

يا سيدي فوصلنا السويهلة بسلامة لله الحمد وضربنا فيه يومين ونصف في الحصاد في كراننا ونحن مائة وخمسين راميا وأربعين حميرا وضربنا في كران ووزيكتة .

.. نحوا عشرين راميا يكون رأسهم أحمد الماطي ومع أحمد أهم والعمال أن أرادوه أن يطلعوا، يطلعون وقد كتب لنا عبد الرحمان من أجرة علي .

«لقد جمعنا كل الركائب والرجال وهم ثمانون. وتجدون في الهامش حصة كل تاقبيلت ما عدا ثلاث أغريس الذين لم يظهروا بعد وقد وعد الفقيه بأن يعاقبهم. وكل واحد سيقوم بمعمله وقد قسمنا العمل وإذا تبقى لدي الوقت فسأبعثهم إلى كيك .

العلاقات الاجتماعية:

إن شكلية المصطلحات التي تدل على علاقات الإنسان بالإنسان لم تحلل ولم تثبت. فالنصوص تفصح عن نوع من الحياء (أو النفاق) بشأن تحديد الوضعية الاجتماعية للأفراد. ذلك أن التنافس الاجتماعي حي ومفتوح دائما: فهناك «مستويات وليس حواجز» على حد تعبير جوبلو Goblot.

وردنا كتابك صحبته الذمى ابن حيم ذاك أنه شاكيا بالشيخ الحسين نيت أحمد الادوزي بتعديه عليه وطالبا أن يستقل بنفسه وأموره الخ. وعليه فها هو رددناه إليك شد له العضد فيما احتاج به من أموره بموجب شرعي لا سواه والله بعينك .

فغير مرة أمرناك بالوقوف مع الشيخ محمد امبارك مارس وشدان العضد له في سائر الأمور ولم تبال بأمرنا وصار عندك .

وكما تعلم أن إبراهيم الذيب كان خطب ابنت محمد ابقدير المريقي ونلزم له بها وعزموا على العرس فإذا بهذا السفر المبارك فنأمرك أن لا تقبل له أن يعطيها لأحد ما فقد ذكروا أنه أراد أن يزوجها لأولاد مطاعة بتزفرت ولا نتركه يعطيها لأحد حتى يرجع بحول الله ومنه كنا سلفناه من الدراهم للحاج الطاهر والحاج محمد العماريين فلم سكنت عنهما فلا بد حرضهما عليهم كما تشد العضد لعبد السيد على ما قدم عليه ولا بد .

«إن الموقعين يشهدون بتعلقهم بإبراهيم ويطلبون منه أن يحميهم (حماية). نعلن عن المتمردين… (لائحة بأسمائهم)» .

وفي سنة 1905 يمكن أن نلاحظ خلال النص التالي أن الشيوخ يعينهم خليفة القايد:

إخواننا كافة الجماعة الذين كان عليهم عثمان بن القنديل بدار اكماخ أعانكم الله وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته عن خير مولانا نصره الله وبعد فماسكه الشيخ على بن محمد اجراي وليناه عليكم شيخا وكونوا عند أمره ونهيه فيما هي مصالحتكم في وظائف المخزن، فمن خلف أمره ونهيه فلا يلوم إلا نفسه والسلام.

وبعبارات أخرى: أن تفويض السلطة يتم من القريب إلى القريب ومن درجة إلى درجة دون أن تساهم فيها الدرجات العليا أو تخضعها لها فمن يوجد في أعلى درجة يسمى من يليه في الدرجة وهذا يمسى من بعده وهكذا تقوت شبكات فيودالية على نمط الأسياد Seigneurie الأول في أوربا.

فلا يخفي عليك أن محبنا الارضى الحاج لحسن الحداد منا وإلينا ومن خاصيتنا وأهل محبتنا ولا بد… قبل بأن تنفذ له بلاد يحرث فيها مع ما يكفيه من الماء ولم تنفذ له شيء وعليه فنأمرك أن تنفذ بلاد يحرث فيها باغاطيم بالمحل المسمى بشعبة أكزول وكذلك نفذ له ما يكفيه من الماء ولا تقصر معه لأني لا نحتاج إلى وصيتك عليه لما نعلم ما هو عليه من صدق المحبة والخدمة الخالصة .

شرطته للانجال نطلب الله أن يسمعنا عليهم وعليكم خيرا بجاه مولانا رسول الله ونطلب من سيادتك أن تشد عضدنا في البلاد الذي نفذت لنا بثلاثين النوائل وتوجهت بكتابها لمن كانوا فيها وطلبوا منا إبقاءهم فيها على وجه الشريكة وتفاصلت معهم على الشريكة وتشاهدنا بالعدول ولما حرثوا فيها وطاب المذكور تعرضوا لنا على نصيبنا الحاج قدور عراض قابيلن وأنهم اشتروا من عندك والآن نطلب من سيادتك أن تنفذ في نصيبي في أيام الله وأيامك وما ضرني سوى كلام ولد عراض في وسط تامصلوحت وأنه منعني من حقي ولم نقدر له على شيء والآن رعاك الله ما رضيت بهذه المذلة بين الناس والاحتقار وأنت في الوجود فطالبا من سيادتك أدام الله لنا .

ويظهر أن الشركاء قد استسلموا مع أراضيهم وأن أحدهم وقد كان لاجئا في حرمة زاوية تامصلوحت شعر بأنه في مأمن حتى يستطيع توجيه الشتائم غير انه منذ 14 مارس/آذار 1905 كان القايد الكوندافي هو القائم على الزاوية وعينه المولى عبد العزيز بظهير. فهل سيعرض عن ممارسات الحفاظ على الزاوية؟

«حمود وأخوه لحساين المنبهي لسوس كانا يقيمان معنا ويعملان معنا في امزوغ. ولكن شيخ لمطة أخذهما وشغلهما. لصالحه. لا نود أن يقيم معنا أحد ويشتغل عند الآخرين ويدفع «الفريضة» للمطة. لذلك إذن استولينا على بقرته ونطلب إليك مساندتنا إن ذهب لديكم شاكيا».

وهنا جماعة المؤجرين الشركاء في أراضي الخليفة هم الذين رفضوا أن يروا أمامهم قوى العمل تستغل لصالح شبكة أخرى. وكون شيخ لمطة «قد أخذهم» هو أمر غير مؤكد. ذلك أنه منذ 16 دجنبر/كانون الأول 1903 كان هذا الشيخ تحت سلطة الكوندافيين وعلى ذلك لا يبدو لنا أمر معقولا اغتصاب حق شركاءه سيده. ولم ينقل هؤلاء إلا بموافقة إبراهيم. لكن شركاء امزوغ لم يردوا الاعتراف بذلك وكانوا يرفضون إعطاء أي شيء لامزوغ. «لأنهم لا يعملون ولا يؤدون القسط الواجب (الفريضة)». وهذا يعني استعادة القواعد القبلية في الشبكة القايدية. ورسالة شركاء امزوغ يجب مبدئيا أن تدفع إبراهيم إلى الضغط على الآخوين لتحويل مسكنهم إلى لمطة».

الاقتطاع على شكل أراضي:

على الرغم من أن الكوندافي لم يتوصل، مثله في ذلك مثل الكلاوي أو العيادي، إلى أن يقيم ممتلكات مهمة في الحوز، فقد استفاد مع ذلك من الحجز على ممتلكات القياد المغلوبين أو المقالين.

وفي نهاية سنة 1903 أجبر القبائل الموجودة حول تارودانت على دفع الضريبة وقضى على انشقاقاتها وقد لفت الكوندافي الأنظار إليه بقدرته على الحرب وفعاليته. ولكن ما أن دخل إلى مراكش حتى أصدر إليه الحاكم الأمر بالاستعداد للذهاب في حملة ضد بوحمارة الذي كان يستولي على جبل تازة . وحين كان موجودا أثناء «الهدية» في عيد الأضحى حصل كتعويض عن المصاريف التي سيتحملها من أجل «الحركة»، على حق حيازة أملاك الحسن المزميزي القايد السابق لكدميوة.

الحمد لله

يعلم من كتابنا هذا أعز الله أمره أننا بحول الله وقوته كلفنا خديمنا الأرضى القائد الطيب الكنتافي بحيازة الأملاك التي كانت للخديم الحسن المزميزي بقبيلة جد ميرة وكذالك الدور التي له بمراكش وإذ ناله في التصرف فيها الجانب المخزن بحسب ما يراه من المصلحة ما عدى الأملاك التي ثبت أنها ارث للمزميزي عن آبائه فتبقى له ولا تحاز تكليفا وتصرفا تامين فنأمر الواقف عليه من عمالنا وولاة أمرنا أن يعلمه ويعمل بمقتضاه ولا يتعداه صدر به أمرنا الشريف في 20 حجة عام 1321هـ» .

وقد تلقى الطيب في نفس التاريخ بظهير أيضا مسؤولية إدارة «الأملاك المخزنية» الموجودة في قبيلة الكدميويين.

الحمد لله

يعلم من كتابنا هذا اسماه الله وأعز أمره أننا بحول الله وقوته وشامل يمنه ومنته كلفنا خديمنا الارضى القائد الطيب الكنتافي بسائر أملاك المخزن التي بقبيلة جدميوة والمحوزة من متروكات العمال هناك وخصصناه بالقيام بمقابلتها ونفذنا له التصرف فيها على وجه المصلحة تكليفا وتنفيذا تامين فنأمر من كانتصدر به أمرنا المعتز بالله في 20 حجة عام 1321 هـ» .

والظهيران ب و حـ المختلفان يؤكدان الفرق الواضح بين الأملاك المخزنية المتخلى عنها باسم «التنفيذية» (الربح في المعنى الفرنسي في القرون الوسطى) ومصادرة الأراضي بعد إقالة مزيمزي باسم حق التمتع والتصرف (jouissance) أما بالنسبة للقايد الكوندافي فقد كان الأمر لا يختلف عن ذلك: فهو المستفيد الرئيسي بكل شيء ما عدا الهدايا والتشريف المقدم من هذه الأملاك إلى السلطان مهما كانت وضعية الأراضي.

وبعد خمسة أيام عين الطيب في إدارة زوايا سيدي أحمد أو موسى الواقعة في مجاط ولدى ولاد مطاع .

وقد أصبحت الأملاك والثروات المركزة بيمن أيدي القياد المتتالين عادية تدريجيا ودخلت في نطاق ملكيات المخزن. ولم يكن القايد يتلقى هذه الاقطاعات إلا على شكل تصرف جزئي بما أنه يجب أن يحتفظ بنصيب من الأرباح لصالح الخزينة العامة. وبالتالي سيحاول أن يوسع ممتلكاته بالاستيلاء على أراضي ما زالت في يد أفراد القبائل التي تخضع لإمرته. وخطوة خطوة استولى على مجموع الأراضي لصالح المخزن في النهاية. والإقالة والحجز كانا وسيلتين طبيعيتين لاستيلاء المخزن قانونيا على الأملاك، أي أنه في الواقع تزايد الضغط الضريبي على نفس الشركاء الفلاحين.

د-التنافس بين القياد:

خلال السنوات الأولى للقرن العشرين وبالضبط منذ وفاة باحمد إلى دخول الفرق العسكرية الفرنسية إلى مراكش، كان الحوز الأوسط مجالا لمنافسات قوية بين القياد الثلاثة للأطلس: كوندافي ومتوكي والكلاوي.

وإن تتابع السلطات السياسية على رأس القبائل الضريبية قد أصبح سريعا ثم توقف نتيجة لإقامة الحماية ومساندة الكلاوي كأمير غير منازع لمنطقة مراكش. وقد قلنا سابقا أنه كان من المحتمل أن يكون شخص آخر غير الكلاوي: فليس هناك حتمية خاصة تضمن مصير الكلاويين. وتدخل الفرق الفرنسية ضد تصاعد حركة الهبة في اللحظة والمكان اللذين كان يحدث فيهما ذلك التصاعد قد قبض على عنصر لحظى في الحركة الفوضوية للمنازعات بين القياد.

في حين أنه في القرن 19 كانت إدارة الحوز مجزاة إلى عشرين قيادة تقريبا، ومنذ 1900 كانت ثلاث أسر كبرى تتقاسم المسؤوليات القايدية وأرست سيطرتها على مجموع السهل طيلة فترات قصيرة ما عدا الفترة الأخيرة:

1900-1906: الطيب الكوندافي

1906-1908: مدني الكلاوي

1908-1911: عبد المالك متوكي

1912-1956: التهامي الكلاوي

وليس غرضنا أن ندخل في تفاصيل المنافسات والتحالفات المتقلبة بين المتنازعين الثلاثة. ولدينا وثائق وفيرة حول هذا على الخصوص نتيجة للتقيظ الكبير الذي كانت تبذله فروع القنصلية في تتبع عن كثب التصرفات المتقلبة والممارسة من طرف أولئك المتنازعين، والإشاعات السارية والتي كانت تحاول أن تكون رأيا انطلاقا من ذلك عن النظام السياسي المغربي. والمواقف المتطرفة تكشف جيدا عن أسس اللعبة السياسية. ذلك أن القوى المجتمعية حينئذ كانت تتواجه وقد سقطت أقنعتها. غير أن انهيار جهاز الدول المركزية، التي كانت عاجزة عن قمع الأطماع والتحكيم في الصراعات، قد تركت المجال مفتوحا لظهور مرحلة المنازعات القايدية من جديد.

وفي الحقيقة، في السنوات الأولى من القرن العشرين كان الوضع يتلخص وكأن «تاقبليت» التي كان مسيطرا عليها وأعيد تجمعها على شكل قطاعات ضريبية كبرى (خمس الأخماس) بواسطة أسياد الحرب بمساعدة من السلطة المركزية، كانت تكون تحت ظل سطوة القياد، كيانات سمتها الإدارة الاستعمارية فيما بعد «قبيلة» «tribu». وأن ظاهرة توسيع المجال الاجتماعي والسياسي من «تاقبليت» إلى القبيلة لم يكن لا مستمرا ولا سائرا في خط مستقيم واحد ولا غير قابل للتراجع. فقد تم من خلال تصفية امتيازات مجلس الشيوخ المسنين والالوغارشيين، بمناسبة الاستيلاء المطلق على السلطة من طرف القياد. وقد حدثت قفزة كبرى في توسيع المجال السياسي الداخلي وذلك بين سنة 1900 و1912، انطلاقا من تشخيص سلطة القياد ذاتها الذين استعملوا من جديد الوهم الإيديولوجي لكيان القبيلة. وبدون أي تدخل خارجي كان من الظاهر أن نوعا من التوازن هو في طور التكوين لكي يقطع مجموع الجنوب الغربي المغربي إلى ستة أو سبعة مجموعات كبرى «اتحادات»: حاحا، متوكة، كوندافة، كلاوة، رحامنة، سراغنة، الخ، تمتص كل الجماعات، الموجدة على الحدود، والمستضعفة والمسحوقة بعمليات عديدة من النهب والابتزاز. ولكي نوضح جيدا فترة من الفترات القصيرة –ولكنها معبرة- التي حققت في بضعة أسابيع سنوات من الانتظار والترقب. لقد اخترنا أن نستعرض فترة بارزة ولها دلالة مهمة تتناول الصعوبات التي صادفها الطيب الكوندافي لكي يدخل إلى قبيلته خلال فترة ربيع سنة 1906 .

ففي نهاية حفلة عيد الأضحى لسنة 1323 (10 ذي الحجة-5 فبراير/شباط 1906) التي أقيمت في قصر المولى عبد العزيز بفاس، تسلم الطيب الكوندافي إدارة وريكة في ظروف مشابهة لظروف السنة الفارطة، وقد كانت هذه يديرها ب. القرشي الوريكي . كما حصل على إدارة زوايا أمغاريين أي تامصلوحت وفروعها وكذلك فيما يبدو قيادة ولاد بوسبع .

وإلقاء نظرة واحدة على خريطة الحوز تفسر أن الكلاوي والمتوكي معا قد اعتبرا تلك التعيينات كضربة موجهة ضدهما، ومنذ ذلك الحين دخل الكوندافي إلى السهل بواجهة عريضة. والتحالف القديم بين رحامنة وكوندافة يقطع شريطا أرضيا من سوس في نهر أم الربيع ويقع في وسطه مراكش وبذلك حرم كلاوة ومتوكة من كل أمل في محاصرة العاصمة.

وحين كان الطيب في طريق العودة حاملا معه ظهائر التعيين الخمسة عشر والطوابع لتوزيعها على القياد الصغار الذين سيكونون تحت امرته قرر التهامي الكلاوي وعبد المالك المتوكي في 4 أبريل/نيسان 1906 أن يشتركا في مكيدة ضد الطيب وأن يمنعاه من تنفيذ تعديل مولاي عبد العزيز وأن يدفعا مولاي حفيظ إلى المطالبة بالعرش.

وسيكون من السخف الاعتقاد كما يدعي أغلب الملاحظين الأجانب المسؤولين في مراكش أن شخصية مولاي عبد الحفيظ قد صنعها المتوكي والكلاوي بهدف وضع حد للصعود المزعج للكوندافي. يجب أولا اعتبار الوضعية العامة للبلاد، فالقوى الأوربية قد ضيقت الخناق على النظام لكي يقبل السيطرة الاستعمارية. وقد وقع بالفعل عقد الجزيرة الخضراء في 7 أبريل/نيسان 1906 وعرف الكل بعد بضعة أيام أن المولى عبد العزيز قد فتح أبواب المغرب للتدخل الأجنبي. والمعارضة الصامتة للسلوك الخاص والسياسي للسلطان تلك المعارضة التي كانت تتكون وتتقوى منذ أصبح مجيء وذهاب المبعوثين الأوربيين واضحا للعيان، قد اتخذت شكلها وكيانها. وكان مولاي حفيظ بمثابة حل للأزمة على ما يبدو، على اعتبار أنه أكثر احتراما للتقاليد وأكثر مقاومة للضغوط الأجنبية. وبديهي أن لم تمارس عليه أية ضغوط بعد لأنه لم يكن هو السلطان. ولا جدال أن حركة مولاي عبد لحفيظ كانت موجودة قبل سنة 1324. ولا شك أنه كان لا بد من ضم التشجيعات المحلية إلى الفرص المواتية لإعطاء قوة لشيء كان سيظل مجرد احتمال. ولا نعلم بالتفصيل من منهم: الكلاوي أو المتوكي أو مولاي حفيظ كان يحرض الآخرين في ربيع 1906، غير أن نجاح الكوندافي لدى مولاي عبد العزيز لم يكن ليؤدي سوى إلى سرعة الأحداث .

ويمكن أن نتتبع تقوية محور الكوندافي –مولاي حفيظ- الموتكي وذلك مرحلة مرحلة أي كلما اقترب الكوندافي من مراكش. وحين وصل في 22 أبريل/نيسان 1906 إلى عاصمة الجنوب حاملا معه رسالة من مولاي عبد العزيز موجهة إلى خليفته لكي يوصيه على الطيب ويطلع على تعيينات القياد الجدد ، ظل ثلاثة أيام يطلب مقابلة مولاي حفيظ ولكن هذا رفض ذلك . وبديهي أن الطيب وعى بالخطر الذي يتهدده حين علم بأن كتائب مسلحة من متوكة وكلاوة قد استقرت على الطرق المؤدية إلى واد نفيس: معناه أن دخوله إلى أراضيه الجبلية قد أصبح ممنوعا. صحيح أن يتوفر على ظهائر التعيين على قبائل ديارة، ولكن تنقص القوة الفيزيائية حتى يجعل تلك الظهائر واقعا ملموسا. وفي الحقيقة لم تعد السلطة على الحوز كلها بين يدي المولى عبد العزيز.

فتصرف الطيب حينئذ له دلالته من حيث العودة إلى الجيوبوليتيك القبيلة القديمة. فعقد حلفا مع قايد أنفلوس في حاحا، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لإبعاد أطماع المتوكي عن الحوز. وأخبر الحاحي أن لديه ظهائر التعيين لقيادات الغرب، لصالح أصدقاء أنفلوس، وأن المولى عبد العزيز سيرسل له جنودا يقودهم مولاي العرفة لمعاقبة المتوكي، وبمساعدة الرحامنة، على قضية الذخيرة . وفي الحقيقة لا نعرف مدى الاستعداد لهذا التدخل، وعلى كل لم يحدث نظرا لاشتغال مولاي عبد العزيز بمشاكل أخرى ولنسجل هنا أن الكلاوي لم يكن يعتبره الكوندافي هو العدو الأول الذي يجب مواجهته.

ثم قرر الطيب أن يذهب إلى نفيس العالي مهما كلفه ذلك. ففي 26 أبريل/نيسان وصل إلى الورديين حيث قامت جماعة من رجال المتوكي بقطع الطريق عليه فاضطر للرجوع على عقبيه. وفي 27 أبريل/نيسان ذبح ثورا لزاوية بن ساسي ليطلب مساعدة الرحامنة. وقد اقترح هؤلاء أن يتوسطوا بينه وبين مولاي حفيظ حتى يحد من النزاع . غير أن الطيب غضب فهو لا يريد أن يخضع لسلطة غير شرعية، واقترح تحالفا مع الرحامنة: فإن هم ساعدوه على تنصيب ولد الحاج حمادى، الذي سماه مولاي عبد العزيز قايدا على مسفيوة فسيعدهم بأنه سيحصل لهم على أراضي مسفيوة الموجودة في السهل. وعندما علم المتوكيون باجتماع زاوية بن ساسي، استعدوا لمهاجمة الرحامنة. وإذ ذاك في 9 ماي/أيار احتل أنفلوس زليتن وصرف المتوكيين عن الحوز الأوسط. وبعد بضعة أيام وصل الكوندافي إلى ملجأه الجبلي. ويذكر جوستينار الحكاية الكلاسيكية للسجين الذي فر حين اعتقد أنه ذهب ليتوضأ.

وكل هذا غير واضح جيدا ولكن سنلاحظ أن الطيب قد استطاع الاقتراب من أكركور، دون حراس بعكس ما يذكره جوستينار . بفضل تواطؤ أو وساطة الحاج عبد السلام الورزازي خادم حاكم مراكش. وغداة مروره احتل الكلاوي الكيك، ولو فعل ذلك يوما من قبل لقطع على الكوندافي الطريق على الجبل . ويظهر أنه كان مطمئنا إلى أن معارضي الكوندافي يفضلون أن يروا هذا سجينا في جبله على أن يروه مدبرا للمؤامرات في السهل.

انقلاب التحالفات:

كذلك كانت سلطة أخرى في طور الميلاد والنمو في جنوب المغرب: حركة ماء العينين التي كانت تهدد التوازن السياسي القار في الحوز وقد تكسح تلك التقسيمات ومنازعات الوادي، وذلك بانضواء الكل تحت نفس السطوة القوية. ولكن التاريخ دار بسرعة: فالمولى عبد العزيز لم يخلع بعد عن العرش والمولى عبد الحفيظ الذي لم يبرز كثيرا بعد أم كانت سلطته المستقبلة مرهونة بهالة رجل يزايد في ميدان التمسك بالدين واستقلال الدولة اتجاه القوى الأوربية. ولم تكن اللحظة مناسبة بالنسبة لقياد الأطلس الذين وجدوا في مولاي عبد الحفيظ بطل قضيتهم، لكي يتحركوا في فوضى. وقد تجلى أن المدني الكلاوي قد أبان عن حنكة سياسية حين استطاع أن يفهم الطيب الكوندافي أن المولى عبد العزيز لم تعد لديه أية سلطة، وأن الظهائر التي كان يحملها لم تعد لها أية قيمة ، وفي ذات الوقت ساعده على الإفلات من هوان القبض عليه أو التعرض للهزيمة.

وفي 25 شتنبر/أيلول 1906 تم اجتماع غريب في أكركور بين التهامي الكلاوي وإبراهيم أخ وخليفة الطيب الكوندافي. ويتعلق الأمر بالاقناع بمصير مولاي حفيظ ومباشرة تقسيم متوازن للحوز. والثمن المدفوع لإدخال الكوندافي في التحالف هو إرجاع كيك له، وأمزميز ومجاط أي الواجهة المؤدية إلى السهل. وقد انتظر الطيب مدة سنة حذرا قبل أن يعقد المصالحة ويزور مولاي حفيظ ويشارك في الدعوة له في مراكش بتاريخ 16 غشت/آب 1907 .

وقد أدرك عبد المالك المتوكي أن الحوز سيفلت من بين يديه فتقرب من المولى عبد العزيز .

وهذه التقلبات واللعبات المزدوجة والرهانات على المتنافسين لها دلالتها فيما يخص الغياب السياسي لنفوذ الدولة. والتضامنات الوحيدة والتي حوفظ عليها هي التي تضمن نجاح الجماعة القبلية الأصيلة وأبناء القايد.

ويمكن أن نعطي عن هذا مثالا آخر:هو اللقاء بين الكلاوي والمتوكي ولد منو وميكريت قنصل فرنسا في مراكش بتاريخ 3 غشت/آب 1911 وفي حين أن الهبة قد دخل لتوه منتصرا إلى تارودانت، من جهة، واللقاء الآخر بتاريخ 12 غشت/آب 1911 حيث التزم الكلاوي والمتوكي والكوندافي بالتزامات معاكسة لذلك مع الهبة الذي كان يعسكر بفروكة وعلى وشك محاصرة مراكش.

إن النظام القايدي بصفته مؤسسة سياسية قد ولد في حضن تاقبليت وذلك بتأسيس سلالة قوية انطلاقا من أفراد غرباء عن الجماعات في غالب الأحيان أو هامشيين فرضوا أنفسهم بممارسة العنف على جماعات يتزايد عددها كما أن أفرادها يكونون غرباء عن السلالة الأولية على أن يعترف بهم من طرف السلطة المركزية كوسطاء إجباريين بين المخزن والجماعات التي يلزم عليها تأدية الضرائب. والاعتراف بالقايدية ليس تفويضا محضا للسلطة عليها تأدية الضرائب. والاعتراف بالقايدية ليس تفويضا محضا للسلطة كما يدعي كلود كاهان Claude Cahen ولا بيعة إرادية وتلقائية من محمي تجاه حامي. فليس هناك قانون statut للنظام القايدي ولا تقنين ولا تشريع. والقواعد الشرعية لا تتكلم عن هذا النظام. والبروتوكول المخزني يعتبر القياد مثل خدام «أرضياء لجلالته» والذين بالتالي يخضعون كلية له. ورسالة من مولاي الحسن إلى قياد سوس الذين عينوا جديدا نعتبرها من هذه الناحية لها خصوصيتها:

…«بعد أن وطأنا لهم عنف الترحيب فبوأنا مع توسمنا فيه الأهلية للتولية على إخوانه مهادا وقلدناه أمرهم جمعا وفرادى وضربنا للكل فيها على مقتضى السياسة بمعونة الله بسهم مصيب وأرعيناه من مربع خدمتنا الشريفة المرعى الخصيب حتى وقع التمكن من أزمتهم وأجلسنا خاصتهم وعمالهم على أسرتهم فاتصلت بهم المخزنية اتصال الأرواح بالأجساد واستنارت هذا الأرجاء بنور الله استنارة عمت الحاضر والباد فأدوا من الطرف والهدايا ما فيه غنية لمن ركب متن المزايا مع كون البلاد لم تحكم بالمخزن مدة من السنين تنيف على عدد الستين…»

(الاستقصا… ج9 ص 175، 176)

ولكن القياد كانوا يعرفون أن مجرد استطاعتهم رفع الضريبة إلى أقصى حد على القبائل التي كانوا يسيطرون عليها كان يتيح لهم الحصول على ظهير تنصيبهم على تلك القبائل. وتلك الظهائر التي كانت وظيفتها قبل سنة 1860 على الخصوص بالنسبة للقبيلة كيكان يدفع الضرائب لتحديد القابض، قد أصبحت بالتدريج، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تكون نوعا من التحكيمات، تعين الحدود بين أطماع القياد المتنازعين. ذلك أن السكان قد أدركوا في تلك الحقبة أن مشروعية الضرائب غير القانونية لا جدوى من المطالبة بها أمام قوة عنف القابضين الذين أخذ ارتباطهم بالجماعات التي يطالبونها بالأداء يتلاشى شيئا فشيئا.

ولا نغفل أن تطور القايدي ذاك كان وثيق الصلة بالوضعية السياسية العامة النوعية، أي وضعية سيطرة الرأسمالية الأوربية التي أخذت تتجلى بوضوح لأعين الأفراد الذين يصنعون تاريخ المجتمع كشيء حتمي ولا رجعة فيه بدليل الأمثلة التونسية والجزائرية.

وندعم إذن أطروحة أن النظام القايدي الذي ولد في الهامش وفي نفس الآن مع التدخل الاستعماري، دون أن يستنفذ نمطه المثالي، يطابق تعبيرا مجتمعيا يلتصق بالتكوين المجتمعي المغربي. ولكنه لم يستطع أن ينمو إلا كإجابة عن ضعف السلطة المركزية الناجم عن السيطرة الاستعمارية ذاتها. وانطلاقا من الحوز لم يستطع الاستعمار أن يجد حلا آخر سوى الاعتراف ثم تدعيم وفي النهاية تعميم الصياغة التي وضعت في هذه المنطقة، على مجموع المغرب.

وأخيرا لنلاحظ فشل انتشار النظام القايدي على مستوى التكون المجتمعي بكامله: لم يكن المجتمع المغربي مجتمعا قايديا بشكل تام، وسنوضح فيما بعد بعض التحفظات التي يجب القيام بها بشأن اختفائه التام.

المصدر:
المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع تصدرها جمعية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والإحصائية، تحت إشراف المعهد الجامعي للبحث العلمي

العدد الخامس والسادس/1981

ص ص: 67 إلى 149

 

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.