الأنثروبولوجيا والفولكلور والثقافة القومية

التراث الشعبي

الأنثروبولوجيا والفولكلور والثقافة القومية

طلعت رضوان

اعتقد أنّ الكتابة عن (الهــُوية الثقافية) لأى شعب ، لابد وأنْ تـُحيل الباحث إلى علم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) بمراعاة أنّ العلماء الذين تخصّصوا فى هذا العلم اهتموا بدراسة ثقافات العديد من الشعوب المختلفة (سواء على المستوى النظرى بعد قراءة البرديات والحفريات أو على المستوى التطبيقى بواسطة استمارات الاستبيان) وكان هدف هؤلاء العلماء الوصول لإجابة عن السؤال الذى شغل كثيرين من المثقفين فى شتى أنحاء العالم : هل تتشابه الشعوب فى ثقافتها القومية أم تختلف ؟ وتوصـّـلوا إلى نتيجتيْن : الأولى أنّ الإنسان يولد (فى كل مكان على كوكبنا الأرضى) ولديه نوازع (فطرية) نحو الخير والحب والجمال والعيش فى سلام والاهتمام بشئونه الشخصية الحياتية التى تضمن له المستوى المعيشى اللائق بالإنسان ، بحيث لا يحتاج إلى تسول المساعدة من أحد . ثم تبيّن لهؤلاء العلماء أنّ هذه النتيجة الأولى ، مرتبطة بالنتيجة الثانية : فالإنسان المولود فى بيئة جغرافية معينة ، وفى زمن تاريخى محدد ، وتحكمه منظومة سياسية واجتماعية وثقافية لها سماتها وتوجهاتها الخاصة (مع الديمقراطية أو ضدها ؟ مع العدالة الاجتماعية أم مع التمييز الطبقى والدينى والمذهبى ؟ إلخ) وكذلك دور مؤسسة التعليم ومؤسسة الإعلام : هل هما يدفعان الوطن للأمام أم للخلف المؤدى للتخلف ؟ ثم تبيّن لهم أنّ هذه العوامل هى التى تـُشكــّـل (الوجدان الشعبى) وبالتالى هى التى تــُميّـز وتــُفرّق بين شعب وشعب ، أى بين ثقافة قومية وثقافة قومية أخرى . وكان التعريف العلمى الدقيق لمفهوم الثقافة القومية هو : مجموع أنساق القيم التى أبدعها شعب من الشعوب عبر تاريخه الممتد . ومع مراعاة ضرورة التفرقة بين (الثقافة) بمعناها الشائع (التعليم ، كتب التاريخ والفلسفة والأدب إلخ) ومعناها العلمى فى مصطلح (الثقافة القومية) التى يُشارك فى إنتاجها الأميون مع المتعلمين .

من بين العلماء الحاصلين على شهرة عالمية فى علم الأنثروبولوجيا العالم (كلود ليفى شتراوس) الذى كتب ((إنّ الإسهام الحقيقى لأية ثقافة لا يتكوّن من قائمة الاختراعات التى أنتجتها بل من اختلافها عن غيرها ، فالإحساس بالعرفان والاحترام لدى كل فرد فى أية ثقافة تجاه الآخرين ، لا يقوم إلاّ على الاقتناع بأنّ الثقافات الأخرى تختلف عن ثقافته فى جوانب عديدة ، حتى وإنْ كان فهمه لها غير مكتمل ، ومن ثم فإنّ فكرة الحضارة العالمية لا تــُقبل إلاّ باعتبارها جزءًا من عملية شديدة التعقيد . ولن تكون هناك حضارة عالمية بالمعنى المُطلق الذى روّج البعض لاستخدامه ، لأنّ الحضارة تعنى تعايش الثقافات بكل تنوعها . والحقيقة أنّ أية حضارة عالمية لا يمكن أنْ تـُمثــّـل إلاّ تحالفـًا عالميًا تحتفظ فيه كل منها بأصالتها)) (1)

وفى الكتاب المهم عن (التنوع البشرى الخلاق) مجموعة من الدراسات منها دراسة (مارشال ساليز) الذى كتب ((هناك قدر كبير من الخلط ينشأ فى الخطاب الأكاديمى والسياسى ، حين لا يتم التمييز بين الثقافة بمعناها الإنسانى ، والثقافة بمعناها الأنثروبولوجى ، باعتبارها نهجًا كاملا ومُتميزًا لحياة أى شعب أو مجتمع . ومن هذا المنطلق فلا جدوى من الحديث عن العلاقة بين الثقافة والاقتصاد (لأنّ) ثقافة أى بلد تعكس تاريخه وأخلاقياته ومؤسساته وتوجهاته وحركته الاجتماعية)) (2) وفى دراسة العالم (جاك ديلور) جاء بها أنّ ((الثقافات تتداخل فيما بينها . والأفكار الأساسية موجودة فى العديد من الثقافات . ولكن الثقافات – عادة – لا تتحدث بصوت واحد فيما يتعلق بالمسائل الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية وسائر جوانب حياة البشر)) ثم أكد على أنه ((لابد أنْ تؤخذ رغبات الأقليات الثقافية (فى الاعتبار) للتأكيد على هويتها الثقافية أو التعبير عنها مأخذ الجد . ولابد من تشجيع التنوع الثقافى . وأنّ الشعوب تختلف فى رؤاها حول القيم التى ينبغى لمجتمعاتها أنْ تـُحافظ عليها)) (3)

وجاء فى دراسة (ألفا أوما كونارى) رئيس جمهورية مالى عام 1993 ((ما دام هناك حضارة تـُمارس قهرًا سياسيًا وفكريًا وأخلاقيًا على غيرها من الحضارات ، بدعوى أنّ الطبيعة والتاريخ قد اختصاها بمُميزات ، فما من أمل فى حلول السلام على البشرية. فإنكار الخصائص الثقافية لشعب من الشعوب يُعد نفيًا لكرامته)) وأضاف ((ليستْ هناك ثقافة مغلقة على نفسها ، فكل الثقافات تتأثر وتؤثر فى بعضها البعض. وفى ضوء ذلك فإنّ حاجة الناس إلى العيش والعمل معًا فى سلام ، تؤدى احترام كل الثقافات ، من أجل التسامح واحترام الغير. وهناك بعض الثقافات قد لا تستحق الاحترام لافتقارها للتسامح وميلها للقهر والاستغلال والقسوة. ومهما قيل لنا عن أهمية عدم التدخل فى العادات المحلية ، إلاّ أنّ هذه المُمارسات المُنفرة – سواء كانت موجّهة للناس من مختلف الثقافات أو إلى أعضاء آخرين فى نفس الثقافة ، لا تستحق إلاّ الإدانة وينبغى عدم التهاون معها)) ثم عبّر عن حق كل شعب فى التعبير عن ثقافته فأضاف أنه مِنْ ((حق مَنْ ينتمون إلى ثقافات تفتقر إلى التسامح ، يجب إتاحة الفرصة لهم ليُعبّروا عن آرائهم بحرية مادام أنّ تصرفاتهم لا تجور على حقوق الغير ممن لا يتفقون معهم . أما بالنسبة للباقين فالتسامح مطلوب فى سائر الثقافات . وينبغى أنْ نفرح بالاختلافات الثقافية ، ونحاول أنْ نتعلم منها ، لا أنْ نعتبرها غريبة أو غير مقبولة أو مكروهة. ويمكن للحكومات أنْ تـُجرّم بعض المظاهر الخارجية لعقدة كراهية الأجانب والعنصرية)) وعن خطورة (اللاتسامح) مع الثقافات المختلفة أضاف أنّ الخوف ينبع من أنْ ((تتحوّل مواقف اللاتسامح إلى سلوك ضار، حين تـُصبح سياسة تتخذها الحكومات غير المُتسامحة ، فتتحوّل التفرقة والتمييز والعزل القائم على السمات الثقافية إلى سياسة رسمية. وفى تلك الحالات يجب معاقبة كل أشكال العنصرية واضطهاد الناس بسبب معتقداتهم)) وعن قضية اختلاف اللغات بين شعوب العالم أضاف أنه ((من أشد القضايا حساسية فى موضوع تعدد الثقافات قضية اللغة. فلغة أى شعب ربما كانت السمة الثقافية الأساسية التى تـُميزه. وكل لغة فى العالم تـُمثــّـل أسلوبًا فريدًا فى رؤية التجربة الإنسانية والعالم نفسه. إلاّ أنّ اللغة لا تزال كأداة للهيمنة والتفتيت والضم . ولا غرو أنْ كانت اللغة فى طليعة الحقوق التى تــُطالب بها الأقليات ، ومن هذه المطالب تعليم اللغة واستخدامها بالمدارس ووسائل الإعلام . إنّ السياسات المُستنيرة تجاه الأقليات ، يجب أنْ تحفظ لهم لغاتهم وإتاحة الفرصة أمامهم لكى ينضموا إلى المجتمع الأكبر، فينبغى تدريس عدة لغات فى المدارس ، خاصة لغتىْ الأغلبية والأقلية (الثقافية) لدعم قدراتهم . وهذه مسألة حيوية لتصميم نظام تعليمى مُتعدد الثقافات ، يعطى الأقليات مكانـًا أفضل فى النظام التعليمى ، وفى صدره الثقافة القومية التى تسعى كل دولة لاتخاذها . ومثل هذا التوجه لا يزال يلقى مقاومة من جانب الساسة)) (4)

وفى دراسة العالم (كونور كروز أوبريان) كتب أنّ الدين ((غالبًا ما يُتخذ ذريعة للغزو المادى. كما يُسهم الدين – إذا اصطبغ بالسياسة- فى زيادة حدة الصراع أكثر من إسهامه فى بناء السلام . ومن الأمثلة على ذلك الصراع بين الهندوس والمسلمين فى الهند ، وبين الشيعة والسنة فى باكستان والعراق ، وبين البروتستانت والكاثوليك بأيرلندا الشمالية)) وأضاف أنه ((فى أواخر القرن العشرين استشرتْ الأصولية المُسيّسة فى كل الأديان . وكما يقول أحد علماء الأديان المُقارنة : أنّ التطرف الدينى ليس قاصرًا على دين بعينه. والتحدى اليوم- كما كان فى الماضى- هو التمييز بين معتقدات الأغلبية (المُسالمة) وأنشطتها ، وأقلية من المُتطرفين الذين يُبرّرون العدوانية والعنف باسم الدين والعرق والعقيدة السياسية)) واختتم حديثه قائلا ((ومع أننا نشترك فى إنسانية واحدة ، فإنّ هذا لن يجعل منا أعضاء قبيلة عالمية واحدة ، فتنوع الجنس البشرى هو الذى يضرب بجذوره فى هذه الإنسانية المُشتركة)) (5) وجاء فى دراسة العالم (كارلوس فوينتيس) أنه ((من عجائب كوكبنا تعدد تجاربه وخبراته وذاكرته ورغباته. وأية محاولة لفرض سياسة مُوحّدة على هذا التنوع ستكون بداية النهاية)) وأضاف أنّ ((التعددية ليست غاية فى حد ذاتها ، فالاعتراف بالاختلاف ما هو إلاّ شرط لبدء الحوار، وبالتالى لبناء اتحاد أوسع نطاقــًا بين مُختلفين . ولابد من إيجاد سبيل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مُشتركة. وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع مُتعدّد الثقافات ، بل دولة تتألف من ثقافات مُتعدّدة. دولة يمكن أنْ تعترف بالتعددية دون أنْ تفقد وحدتها. إنّ الهــُويات القومية الواضحة تـُعد ضرورية. ولا يمكن تحقيق الاستقرار طويل المدى للمجتمع مع سيطرة إحدى الطوائف العرقية. وأضمن طرق التوفيق بين التنوع العرقى ، هى خلق شعور بالأمة كمجتمع مدنى يقوم على قيم مُشتركة بين كل العناصر للمجتمع القومى . ويتحقق مثل هذا الشعور بأفضل صورة إذا تحرّر مفهوم الأمة من أية إيحاءات بالشمولية العرقية (6)

العلاقة بين الأنثروبولوجيا والفولكلور :

يستند علماء الأنثربولوجيا على الدراسات التى قام بها المُهتمون بالأدب الشعبى لدى الشعوب المُختلفة. ويرون أنّ علم الفولكلور أكد على أنّ الشعوب مختلفة تمامًا فى إبداعها لثقافتها القومية (أمثال ، مواويل مجهولة المؤلف ، الرقص ، أغانى العمل وأغانى الغزل والإبداع المادى مثل التشكيل بالطين والخزف إلخ) وجاء فى موسوعة علم الإنسان أنّ علم الفولكلور ((كان يُستخدم فى الأصل بمعنى دراسة جوانب الثقافة القروية. ثم توسع مدلوله بحيث أصبح يشير إلى ثقافات وثقافات أخرى فرعية. وتشمل بحوث علم الفولكلور دراسة المعرفة التقليدية والعادات الاجتماعية والتراث الشفاهى والفنى لأى مجتمع يتسم ببعض العوامل التى تجمع بين أفراده ، مثل حرفة مشتركة أو هوية سلالية واحدة . ولذلك يمكن أنْ نتكلم عن فولكلور جماعة حرفية معينة أو جماعة دينية. وجوهر الفولكلور هو طبيعته التلقائية أو العضوية. فهو ثمرة خبرات وتفسيرات خبرة أشخاص يجمع بينهم تفاعل اجتماعى . ولذلك كثيرًا ما يكون هذا التراث فى صراع مع المعلومات أو القيم أو المعرفة التى تنقلها وتنشرها المؤسسات التعليمية الرسمية أو تلك المُستمدة من ثقافة الصفوة المتعلمة السائدة. ويلاحظ أنّ التطورات الايجابية الحديثة فى تحليل الأسطورة وفى ميادين علم اللغة والأنثروبولوجيا قدّمتْ إسهامات مهمة فى ميدان علم الفولكلور باعتباره دراسة لإبداع أنساق التفسير والتعبير عن الواقع . ويلاحظ أنّ بعض عناصر الفولكلور كثيرًا ما ترتفع إلى حيث يجرى تضمينها فى التراث المُتعلم المسيطر، حيث يمكن أنْ تكون منبعًا للتجديد الفنى والاجتماعى على السواء)) وفى الهامش ذكر المُشرف على الموسوعة أ. محمد الجوهرى ((هناك آراء أخرى عرفها علم الفولكلور، ترى أنّ حركة عناصر التراث الشعبى تتجه من أعلى إلى أسفل داخل الكيان الاجتماعى ، وهى الظاهرة المعروفة فى أوروبا بنزول التراث من الطبقة المثقفة أو الصفوة إلى الطبقة الأم أو الطبقة الدنيا للشعب. وأثبتنا فى كتابنا (علم الفولكلور) شواهد عديدة على صحة هذه الفرضية من التراث الشعبى المصرى . وأصبح من الواضح أنّ الثقافة الشعبية تتميز بطبيعة تلقائية وأنّ لديها قدرات إبداعية)) (7)

وللتأكيد على أنّ التراث الشعبى يختلف من شعب إلى آخر، عقدتْ د. عزة عزت مقارنة بين الأمثال الشعبية المصرية والعربية. مع ملاحظة أنّ المعنى واحد ولكن (بنية) المثل اللغوية المُحمّلة بتراث كل شعب كشفتْ عن الفروق الجوهرية بين الأمثال المصرية والعربية. وساقتْ بعض الأمثلة منها : مثل عربى ((ترى الفتيان كالنخل وما يُدريك ما الدخل)) (يقصد الداخل) يُقابله المثل المصرى ((من برا هلا هلاّ.. ومن جوا يعلم الله)) وقال المثل العربى ((حسبك من الشر سماعه)) فصاغه المصرى هكذا ((إبعد عن الشر وغنى له)) وقال العربى ((قـَلـَبَ له ظهر المجن)) فأبدعه المصرى هكذا ((ورّاه الوش التانى)) وقال العربى ((حسبه صيدًا فكان قيدًا)) بينما المصرى قال ((تيجى تصيده يصيدك)) وقال العربى ((بشـّر مال الشحيح بحادث أو وارث)) فدخل المصرى فى الموضوع مباشرة وفى ثلاث كلمات ((مال الكنزى للنزهى)) وفى الكتاب أمثلة أخرى كثيرة (8) ونظرًا لوعيها بالفروق المُميّزة بين شعب وآخر، كتبتْ عن حزن شعبنا على موتاه ((لعلّ هذا الأسلوب فى الحزن لا مثيل له فى أى بلد عربى ، إنْ لم نقل أنه لا مثيل له فى كل أنحاء العالم ، فهو خاصية مصرية مُميّزة)) (9) وكتبتْ ((يمكننا القول أنّ هناك صفات متميزة للشعب المصرى ينفرد بها دون غيره من الشعوب ولا يمكن لأحد إنكارها)) (10) وكتبتْ عن خاصية مصر فى الجذب والصهر ((اجتذبتْ مصر عبر الأجيال العديد من البشر من كل جنس ولون : جاؤوها غزاة فاتحين أو تـُجارًا أو مُغامرين أو مُهاجرين واستقروا بها وذابوا فيها فتكلموا عاميتها وبرعوا فيها كأهلها. ومارسوا عاداتها وتمسكوا بها وكأنها عاداتهم الأصلية. ولا يستطيعون أنْ يُميّزوا أنفسهم عن المصريين)) (11) ونقلتْ عن د. سيد عويس أنه قال عن المجتمع المصرى أنه ((مجتمع فريد مُتميّز عمن حوله. رغم وجود تشابه وتفاوت بينه وبينهم . وهو أصل حضارة الإنسان منذ وُجد وهو مصدر للقيم الاجتماعية. وهو مجتمع لم يفن ولم تتغير خريطته رغم الحكام الطغاة وسنوات القهر والمعاناة)) (12) وعن بلاغة لغة الأميين فى أمثالهم كتبتْ ((إنّ العامية المصرية غنية بالتشبيهات والكتابات المُتداولة- القديم منها والمُستحدث- والتى لا نستطيع حتى الوصول إلى كنهها أو معرفة مم أشتقتْ أو نـُحتت أو المناسبة التى قيلت فيها)) ثم ساقتْ بعض الأمثلة (13)

وفى ختام رسالتها للدكتوراه عن ألف ليلة وليلة كتبتْ د. سهير القلماوى أنها تأمل من دراستها ((النظر إلى دراسة آدابنا المصرية الشعبية. ففى هذه الدراسة- غير اللذة التى تـُتيحها دراسة الأدب الحى دائمًا- أمل كبير فى الوصول إلى تفهم نفسية هذا الشعب، لأنها أصدق مما قد توصلنا إليه دراسات أخرى . ولفهم نفسية الشعب آثار تـُعد فى مختلف النواحى الاجتماعية والسياسية. ولكن لفهمها أكبر الأثر فى دراسة الأدب المصرى قديمًا وحديثــًا. وأكبر الأثر فى إنتاج الأدب المصرى الجديد الحى الذى يُغذى طبقات الأمة كلها على السواء. ويُغذى أدب الأمم الأخرى بخواصه التى يمتاز بها . فأغانينا الشعبية وقصصنا الشعبية بل حياتنا الشعبية ، بكل ما فيها من مظاهر الفن ، مواده وفيرة يتجلى فى الروح المصري وتبرز فيها الشخصية المصرية الحية التى طاولتْ الزمن أزخر مما صوّرها ولا يزال يُصورها أكثر أدب الخاصة فى مصر (14)

وكتب أ. عبد الحميد حواس أنّ العامة فى الريف والحضر لهم ثقافتهم ، وإنْ لم يـُنسبوا إلى مؤسسات ومعاهد تعليمية. وبصرف النظر عن الأمية الكتابية ، فهؤلاء العامة لهم وسائلهم المتنوعة ولهم منظومة من المعارف والتصورات والقيم والأعراف ولهم أشكال من الإبداع الأدبى والفنى وخلاصة القول أنّ لهؤلاء العامة ثقافتهم الشعبية (15) وعن اختلاف الثقافات القومية بين الشعوب كتبتْ د. فاطمة حسين المصرى أنّ ((عقلية الأسرة الألمانية أو اليابانية تختلف اختلافـًا تامًا عن عقلية الأسرة الأمريكية. فالاتجاهات الأسرية والمبادىء والاتجاهات التربوية تختلف بالنسبة لكل ثقافة من جماعة لأخرى)) (16) وعن الدين الشعبى كتبتْ ((إنّ الشعب يُخرج لنفسه دينـًا متميزًا يتفق فى رسمياته مع دين الدولة أو الأمة ويختلف فى حقيقته فى كثير عن الدين الرسمى)) (17) وكتب أ. أحمد رشدى صالح ((عندما ندرس الشخصية المصرية نـُخطىء إذا اعتبرناها فرعونية جوهرًا أو قبطية جوهرًا أو عربية بدوية جوهرًا ، إنما هى من بعد ومن قبل مصرية قومية ولا شىء آخر)) (18)

الثقافة القومية هى إذن التى تـُميّز شعب عن آخر. وأنّ هذه الثقافة القومية لها امتداد فى عمق التاريخ القديم ، ثم تواصل عبر الأجيال فى أشكال مختلفة ، ومن أمثلة ذلك ما ذكره عالم الاجتماع الكبير د. سيد عويس عن أسباب ولع شعبنا (مسلمين ومسيحيين) بظاهرة الموالد والتبرك بالأولياء فكتب ((إنّ مكانة الآلهة المصرية انتقلتْ فى فترات التحول فى تاريخنا المصرى بعملية توفيقية إلى الأنبياء والقديسين ثم الأولياء)) (19) وفى نفس الصفحة كتب عن وجود الصلة بين الإمام الشافعى والإله أوزير، فالإمام الشافعى يرأس (المحكمة الباطنية) كما يعتقد فى هذا بعض مرسلى الرسائل إليه من المصريين ، وبين الإله أوزير كقاضٍ لمحكمة الإله الأعظم فى مدينة الأموات)) وعن التواصل الحضارى أيضًا ذكر أ. محرم كمال أنّ مسجد سيدى أبى يوسف الحجاج تم بناؤه على معبد آمون بالأقصر. وأنّ المصريين الذين يحتفلون بمولد أبى الحجاج (ويأتون من كل محافظات مصر) يُمارسون نفس الطقوس التى كانت تـُقام للإله آمون ((الذى كان يخرج فى احتفال مهيب مرة كل عام فى سفينته المقدسة فيطوف فى أرجاء مدينته التى يتولاها بحمايته ورعايته ، فإنّ سيدى أبا الحجاج يخرج هو أيضًا فى كل عام فيطوف فى مدينته المحبوبة الأقصر. فأنت ترى من هذا كله أنّ أبا الحجاج شأنه فى ذلك شأن الإله آمون (20) وعالم المصريات سليم حسن وهو يُترجم كتاب (فجر الضمير) وجد برستد ذكر أنّ الإله أوزير بعد موته ثم بعثه من جديد ، فإنّ القبر تم فتحه له. وجاء فى النقش المكتوب على متون الأهرام ((لقد خرج اللبن من أجلك من القبر العظيم)) فكان تعليق سليم حسن فى الهامش ((لا يزال وضع اللبن تحت رأس المتوفى عادة متبعة عند المصريين الحاليين فى الوجه البحرى)) (21) وذكرتْ د. نعمات أحمد فؤاد عن استمرار الحضارة المصرية ((قارنوا بين أى معبد مصرى ومسجد السلطان حسن تجدوا أنّ طراز البناء واحد : المدخل ضيّق ، وفى المعبد يُفضى إلى بهو الأعمدة ثم قدس الأقداس ثم بحيرة الاغتسال . والإنسان (فى مصر القديمة) لا يتطهر إلاّ إذا اغتسل واستحم أربع مرات مُتتالية. والوضوء فى الإسلام خمس مرات فى اليوم . وفى مسجد السلطان حسن : المدخل الضيّق يُفضى إلى الصحن ، تـُحيط به الأيونات الأربعة وفى الصدارة القِبلة والمحراب . وتــُقابل ميضة الوضوء فى المسجد ، بُحيرة الاغتسال فى المعبد)) (22)

وعن العلاقة بين الانفتاح على كل ثقافات العالم ، مع الاحتفاظ والدفاع عن الثقافة القومية لكل شعب ، صاغ الأب الروحى للشعب الهندى (المهاتما غاندى) تلك العلاقة فى كلمات غاية فى البساطة والعمق إذْ قال ((إننى أرغب أنْ تهب على بيتى جميع ثقافات العالم ، ولكننى أرفض أنْ تقتلعنى من جذورى إحدى هذه الثقافات)) (23)

 

المراجع :

1 – ليفى شتراوس (كتاب التنوع البشرى الخلاق) مجموعة دراسات لعلماء فى الأنثربولوجيا–

صادر عن المشروع القومى للترجمة- المجلس الأعلى للثقافة- رقم 27- عام 97- ص29.

2- مارشيل ساليز- المصدر السابق – ص 19، 23.

3- جاك ديلور- المصدر السابق – من ص 35- 48.

4- ألفا أوما كونارى – المصدر السابق – من ص 53- 56.

5- كونور كروز- المصدر السابق – من ص 69- 73.

6- كارلوس فونتيس – المصدر السابق – ص 74.

7- موسوعة علم الإنسان – تأليف شارلوت سيمور- سميث – ترجمة مجموعة من المترجمين – المجلس الأعلى للثقافة- المشروع القومى للترجمة- رقم 61- عام 98- ص520، 521.

8- د. عزة عزت (الشخصية المصرية فى الأمثال الشعبية) كتاب الهلال – سبتمبر97- من ص 440- 443.

9- د. عزة عزت – المصدر السابق – ص 163.

10- د. عزة عزت – المصدر السابق – ص 32 .

11- د. عزة عزت – المصدر السابق – 36، 37.

12- د. عزة عزت – المصدر السابق – ص 45 .

13- د. عزة عزت – المصدر السابق – 113، 120.

14- د. سهير القلماوى (رسالة الدكتوراه عن ألف ليلة وليلة- مكتبة الأسرة – عام 97- ص 326، 327.

15- عبد الحميد حواس (أوراق فى الثقافة الشعبية) مكتبة الأسرة – عام 2006- ص 130.

16- د. فاطمة حسين المصرى (الشخصية المصرية- من خلال بعض مظاهر الفولكلور المصرى) هيئة الكتاب المصرية- عام 84- ص 180.

17- د. فاطمة حسين المصرى – المصدر السابق – ص 155.

18- أحمد رشدى صالح (الأدب الشعبى) مكتبة الأسرة – عام 2002- ص 81.

19- د. سيد عويس (الازدواجية فى التراث الدينى المصرى) طبعة على نفقة المؤلف – عام 81- ص 17.

20- محرم كمال (آثار حضارة الفراعنة فى حياتنا الحالية) سلسلة الألف كتاب (الأول) ونشرته دار الهلال المصرية عام 1956- من ص 67- 77.

21- برستد (فجر الضمير) ترجمة سليم حسن – مكتبة مصر بالفجالة- بدون سنة نشر- ص 118- ومكتبة الأسرة عام 99.

22- د. نعمات أحمد فؤاد (أبعاد الشخصية المصرية بين الماضى والحاضر- مجموعة محاضرات- إعداد طلعت رضوان – هيئة الكتاب المصرية- عام 99- ص 67.

23- جاءتْ كلمات غاندى فى كتاب (التنوع البشرى الخلاق) مصدر سابق – ص 75

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.