أدوار النخبة عند الباحث الأنثروبولوجي عبد الله حمودي

عبد الله حمودي

أدوار النخبة عند الباحث الأنثروبولوجي عبد الله حمودي

عبد الله عنتار

يعتبر عبد الله حمودي واحدا من رواد البحث الأنثروبولوجي بالمغرب، فأبحاثه تتسم بالغزارة على المستويين النظري والمنهجي، إضافة إلى عمق التجارب وغناها، فهي تنهل من مناطق جغرافية متعددة، وثقافات متفرقة ؛ تغوص في التاريخ، وتقتحم الأديان، ناهيك عن النسق السياسي، والمعمار …
بالموازاة مع هذه الأبحاث ؛ يقوم حمودي بعدة خرجات إعلامية يناقش فيها أطروحاته، ويناقش اليومي والمعيشي، مما يخول له الاحتكاك المباشر بالمجتمع، و في هذا الصدد قمنا بانتقاء حوار أجراه حمودي، والذي كان موضوعه : ” أدوار المثقف : المجتمع المدني والحركات الأصولية “، ففي هذا الحوار يبرز هوية النخب الموجودة في المغرب، وفي ذات الوقت يبين علاقتها بالمخزن، كما لا يفوت تأكيده على دورها في عقلنة المجتمع، عقلنة تنطلق من إعطاء هذا الأخير أهمية للمثقف الذي يبقى دوره فاقدا للفعالية دون حس طبقوي يتجاوز المنطق الانتهازي الضيق، بل حتى ذلك المنتشر في الجامعة، غير أنه يؤكد على أهمية الجامعة الخفية والشجاعة السياسية .
هذا فيما يخص العرض، أما بالنسبة للمناقشة، سيتم تخصيصها لجزأين، الأول سيناقش فيه المفارقات والتقاطعات بيننا وبين حمودي ؛ تكمن المفارقات في تحديده الملتبس للعقلانية، إضافة إلى مساءلة سؤاله حول كيفية عقلنة المجتمع، أما بالنسبة للتقاطعات، فهي تتعلق بالأوضاع السائدة في الجامعة، أما فيما يخص الجزء الثاني، فهو يتجلى في المناقشة الخارجية، إذ ستحاول أن تخرج بمواضيع حمودي من سياقها لكي تتناظر مع أبحاث أخرى تناولت نفس الموضوع، سواء تعلق الأمر بوضعية النخب، أو علاقتها بالمخزن، أو النقد الذات .

1) أدوار المثقف : المجتمع المدني والحركات الأصولية

أ) وضعية المثقف

يرى عبد الله حمودي وجود نخبتين من المثقفين ؛ الأولى تتسم بالعقلانية التكنوقراطية، والثانية تتصف باليسارية، والماركسية، وبينهما صراع قديم يعود إلى التجربة الأوروبية، لكنهما تشتركان في كونهما تعرضتا للتنكيل، والقمع، إضافة إلى الاحتواء، وسيطرة النزعة البرغماتية، وهنا يبرز حمودي أن العديدين منهما شاركوا في الشبكة المخزنية كما هو الحال للجامعة التي سيطرت عليها هذه النخبة، وتعطي شهادات على أساس إيديولوجي- زبوني .

ب) إمكانية تحالف القوى المدعاة بالعقلانية مع المخزن

إجابة على هذا السؤال ؛ أبرز حمودي أن هذه النخبة المثقفة عاشت عزلة، وانعدم تواصلها مع المجتمع مما أدى إلى صعود قوى أخرى، فإذا استثنينا الاتحاد الاشتراكي عن طريق الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وحزب الاستقلال في القرى، فالقوى التقدمية المثقفة ينعدم تواصلها مع الجمهور، غير أن هذا الفراغ ملأته الدولة المخزنية سواء بالمساعدة، أو بالتعذيب تارة أخرى، ناهيك عن بعض الحركات الشعبوية الأصولية، ودخولا في عمق السؤال ؛ يؤكد حمودي أن الوضع السياسي الراهن لا وجود للعقلانية، وهذا ما حصل منذ مدة مع النخبة العقلانية، ومن ثمة لا مجال للحديث عن هذا عقلاني، وذاك غير عقلاني، فكل واحد له عقله، فإذا كان الأول يعتمد على العقلنة في رسم معالم الدولة و المجتمع، فإن الثاني يعتمد بدوره على العقل، ولكن مع الخضوع للمرشد الذي يعمل على تقييده في إطار حدود معينة .
من هنا، يطرح سؤالا حول الكيفية المفضية إلى عقلنة المجتمع المدني والسياسي، يفترض حمودي أن المجتمع يتغير بدليل الحوار الذي يدور بينه، وبين الصحفي، وفي نفس الوقت يؤكد أن لا سبيل أمام المثقف لتفادي العزلة سوى الانخراط في الثقافة، والمعرفة، غير أنه يستدرك ذلك مبينا أن حكومة التناوب سيطر عليها الولاء الحزبي في التعيين، لكن رغم ذلك تم فتح قنوات الاستشارة .

ج) دور المثقف

يبرز حمودي أن دور المثقف، إما يتجلى في تقبل المناصب، أو التحلي بالنقد، بيد أن المشكلة ليست في الحصول على المنصب، ولكنها تكمن في المزج بين الدورين، فالعلم له له منصبه ودوره ؛ لكن البعد الاقتصادي مهم، ومن ثمة بات من الضروري إعطاء المكانة اللائقة للمثقف من طرف المجتمع والدولة، بقدر استقلاليته عنهما، إلا أن حمودي لا يذهب حد القطيعة مع المجتمع السياسي والقصر الملكي، ثم إن الاستقلالية ستوفر جوا ملائما للنقد الذي لا يعني التشهير والسب والقذف ؛ بل إعطاء البدائل، والحلول المؤقتة النسبية، وفي هذا الإطار يجب على المثقفين أن يعتبروا أنفسهم سلطة مادام المجتمع يقبل عليهم، لكن شريطة أن لا تتحول إلى عقيدة مغلقة، وهنا يلفت حمودي إلى بوادر ظهور مجتمع معرفي وثقافي يتجاوز غياب التواصل السائد بين المثقفين .

د) دور الطبقة المثقفة في المغرب

يشيد حمودي بالملاحظة التي أثارها الصحفي، والمتعلقة بالمقارنة بين المغرب وإسبانيا، لكن الاحتياط شرط أساسي لأنه يقي من التعالي على الانجازات التي تحققت في الثمانينات ( في إسبانيا )، فحسب حمودي لا يجب أن ينسى أنها دولة استعمارية كبيرة ؛ قوية علميا وتقنيا وماديا ؛ سياستها وديمقراطيتها تتشابه مع فرنسا، وانجلترا، ناهيك عن احتلالها لمواقع من المغرب .
إن اسبانيا عرفت تغيرات قبل النظام الفاشستي، ففي مناطق كطالونيا، وقادس نشأت طبقات ثقافية تعتز بدورها، وهنا يعود حمودي إلى التاريخ، ويبرز أن في الثلاثينات كان المثقف الاسباني يشعر بالتميز على الارستقراطي، والبورجوازي، كما يضيف أن الفاشية فشلت في القضاء عليه، لأن النضال جعله حيا نظرا لسيادة شعور ميتافزيقي يبرر الوجود، وكأن يفضل صاحبه السجن دفاعا عنه . وبفضل هذا النضال، عادت الطبقة إلى دورها في الوقت الذي هوت فيه الفاشية، واستمر النقاش الحاد بين العقلانيين وغيرهم .
وانطلاقا من تجربة هذا المجتمع، لا يظهر لحمودي أن طبقته المثقفة ( المجتمع الاسباني ) سيكون مآلها هو مآل نظيرها في المجتمع المغربي، لكنها تمنح القدرة على التخيل، والإبداع من أجل تشكيل طبقة مثقفة مستقلة تحمل هم وإخلاص للثقافة .
غير أن الذي يسيطر على النخبة المغربية هو المنطق السياسوي، مع العلم حسب حمودي أن السياسة لا تمارس من داخل الحزب حتى تسمى سياسة، بل تمارس من زوايا أخرى غير التعيين والمناصب .

ه) أحوال الجامعة المغربية

انطلاقا من حمودي ؛ تعتبر الجامعة ملاذا للزبونية، وانتهاك حرمتها، إنه انتهاك ليس من قبل البوليس فحسب، بل من قبل الزبونية الحزبية، أما تطورها رهين بتجربتها الخاصة، وفي نفس الوقت تبقى الجامعات الغربية إطارا للتفكير.
بالموازاة مع وضع الجامعة المزري، يشير حمودي إلى وجود جيوب من الطلبة، والأساتذة يشكلون جامعة خفية تعمل وراء تقهقر الجامعة الرسمية، إضافة إلى جامعة أصولية، وهذا كله بمثابة رد على التخريب الذي تقوم به الدولة والمجتمع السياسي، ومن ثمة إن إعادة بناء الجامعة مرتبط بالجامعة الخفية، وبوجود إرادة سياسية شجاعة تشرك جميع الفاعلين .

ح) إصلاح الجامعة

يرى حمودي أن إصلاح الجامعة مرتبط بالشجاعة السياسية التي تعني مراعاة الشروط العلمية، وليس السياسية ؛ مثلا : جودة التعليم مرتبطة باحترام الطاقة الاستيعابية، فلا يمكن أن يسمح بتسجيل آلاف الطلبة في شعبة تفتقد إلى القدرة في التأطير العلمي، كما يضيف أن الشجاعة تعني القدرة على اتخاذ قرار بالموازنة بين إمكانية الشعبة، وعدد الطلبة، زيادة على التصدي للرشوة والزبونية .

خلاصة

1- يرى حمودي وجود نخبتين عقلانيتين بالمغرب، واحدة تكنوقراطية، والثانية ماركسية تعرضتا للقمع، غير أن الكثير منهما دخل الشبكة المخزنية .
2- وجود إمكانية تحالف هذه القوى مع المخزن، يبرز حمودي أن لا وجود للعقلانية، بقدر وجود عقل لدى كل واحد يوظفه بطريقته الخاصة، الشيء الذي أفضى به إلى التساؤل حول كيفية عقلنة المجتمع .
3- تنطلق هذه العقلنة من دور المثقف، إذ عليه ألا يخلط الأدوار، لكن عدم الخلط رهين بدور الدولة والمجتمع في إعطاء المكانة اللائقة للمثقف لكي يمارس وظيفته على ما يرام من جهة، ومن جهة أخرى يتوجب عليه ألا يمارس التشهير، ويحول دوره إلى عقيدة مغلقة، بل النسبية والحلول المؤقتة .
4- إن دور المثقف هو دور طبقة مثقفة بالدرجة الأولى، إذ عليها أن تتخذ من المغرب، ولاسيما اسبانيا إطار للتخيل والإبداع من أجل تشكيل طبقة تحمل هم الثقافة، هم يتجاوز المنطق السياسوي السائد .
5- انطلاقا من هذا المنطق المهيمن على الواقع، يعتبر حمودي الجامعة ملاذا للزبونية، ولاسيما الحزبية، لكن بالموازاة مع ذلك توجد جامعة خفية من الطلبة، والأساتذة تنهض بالحالة السائدة .
6- غير أن هذه المبادرة تبقى غير مكتملة، فاكتمالها رهين بالشجاعة السياسية القائمة على التصدي بحزم لبعض الممارسات المخلة بالوضع الجامعي، كالمحسوبية والزبونية والاكتظاظ…

2) نقاش داخلي : حمودي مفارقات، وتقاطعات

انطلاقا من العرض الذي تقدم، يبدو أن حمودي سقط في الكثير من المفارقات، ففي البداية يبرز وجود نخبتين عقلانيتين كلتاهما يساريتين، ويظهر هنا أنه يقصي الطابع العقلاني لدى القوى الأخرى غير اليسارية، الشيء الذي جعله يستدرك ذلك في الجواب الثاني، حينما بين بأن كل القوى لها عقل، ولكن توظفه بطريقتها الخاصة، غير أن الشيء الذي ليس واضحا في هذا الجواب هو عندما نفى وجود العقلانية لدى كل القوى، إنها مفارقات ستبرز أكثر وضوحا لما طرح سؤالا حول كيفية عقلنة المجتمع، فكيف يا ترى يعقلن المجتمع، وهو لديه قبلا عقل ؟ و إذا كان له عقل، ما الداعي إلى عقلنته ؟ ولماذا لا يعقلن هذا العقل عقله مادام عقلا ؟
يواصل حمودي سلسلة مفارقاته مبرزا أن العقلنة هي بالضرورة منوطة بالمثقف، ويفهم من هنا أن العقلنة غائبة، ومن يقوم بها هو المثقف، لكن أ ليس هذا الأخير من إنتاج المجتمع ؟ بمعنى أليست لديه مصالح، وطموحات مشروطة بالوضعية التي يتشرطن فيها داخل المجتمع ؟ يجيب حمودي أن المجتمع هو من عليه أن يمنح المكانة اللائقة للمثقف عن طريق مده بالامكانيات اللازمة، لكن عليه ألا يمارس التشهير، والقذف، وما إلى ذلك، غير أن السؤال المطروح، كيف يمكن أن يعطي المجتمع المكانة اللائقة للمثقف، وهو غير معقلن ؟ وهل المثقف معقلن ؟ ألا يلعب المجتمع دورا في عقلنة، وعدم عقلنة المثقف ؟
يبدو من خلال متابعتنا للأجوبة الحمودية أنها بدأت تتماشى مع منطق أسئلتنا، ولا سيما الجواب الرابع الذي يهمش دور المثقف فاسحا المجال لطبقة مثقفة حملت هم الثقافة، وناضلت وانهجست بها، لا بل استبدنت فيها، لكن هل في الأرضية المغربية يوجد هذا الانهجاس، انهجاس يحمل الهم التغييري الجذري ؟ ما يوجد هو المنطق السياسوي الضيق-الانبطاحي أمام المخزن من أجل هدياه، ولكن أية هدايا ؟ إن المثقف هنا يبيع ذاته، ويغلقها، ويخندقها في قفص، وفي نفس الوقت يموقعها وفق ما يمليه المخزن .
نساير حمودي حينما يظهر أن الجامعة ملاذ للزبونية، وفي نظرنا ليست حزبية فقط، بقدر ما هي إداراتية ممخزنة تتمثل في إداريين، وأساتذة قمعيين يتعاملون من منطلق متعال، ومتسام ؛ فوقي ؛ ينظرون إلى الطلبة كأنهم حثالات مدجنة لا تفقه شيئا أمامهم، فبمجرد ما يريد الطالب أن يتكلم حتى تجابهه نظرة مستعرة تفيد : ” لا تتكلم ! كلامك لا يعني شيئا، أنت والو “، وخاصة إذا كان هذا الطالب يتسم بحس نقدي يعيد النظر في كلام الأستاذ، ولاسيما إذا كان هذا الأخير لا يتستر وراء مخزنته، ودغمائيته، عندئذ لا يجد أمامه إلا ممارسة الكبح، زيادة على هذا، هناك بعض الإدارات توظف جواسيسا، وأتباعا من الطلبة يتنصتون على الطلبة الآخرين، وفي نفس الوقت توظفهم ممثلين عنهم في مختلف الأنشطة، وهي في الواقع الأمر لا تساير إلا ما تريده الإدارة .
لا نجد أمامنا بدا سوى أن نتفق مع حمودي فيما يخص الجامعة الخفية ؛ نعم لا ننكر وجود أساتذة وطلبة يبدلون جهود جبارة رغم التحديات التي تعترضهم كالإمكانيات المتاحة، والميوعة والتعقيدات الإدارية، الفقر، كما نتفق معه في عدم اكتمالها نظرا لصلابة التحديات، لكن هل نسايره في ذكره للشجاعة السياسية ؟ يبدو أن حمودي يطلب ملتمسا من الأعلى لكي يصلح بعض الممارسات المخلة في الأدنى، غير أنه ينسى أن هذا الخلل هو خلل الأعلى، وعيوبه، هل من يتسبب في الخلل بشكل مبيت يحتاج لناصح ؟ إن المسألة تبقى في نظرنا جذرية وذات أبعاد متعددة تشمل كافة البنى الاجتماعية، كما تحتاج لسيرورة طويلة من النضال يكون مشحونا بمتطلبات الواقع الحي .

3) النقاش الخارجي : حمودي ودور المثقف

إن متطلبات الواقع، وضرورة الإنصات إليه، ومسايرته هي التي جعلت رؤية حمودي المتعلقة بالتمخزن الذي يطال بعض الأحزاب، تصل حد تكسير البنية الداخلية ( الفكرية )، والخارجية ( التنظيمية ) لبعضها ؛ التي تدعي العقلانية، ونقرأ هنا : ” والحال أن هناك من يعمل اليوم على أن تبقى حركية الحقل السياسي بدون ذاكرة، لأن من شأن ذلك أن يفتح المجال لشتى أنواع الممارسات الانتهازية التي تتخذ من الحربائية مسلكا لها، وبالاستتباع تفشي اللصوصية السياسية ” .
يفهم من هذه القولة أن هناك رجة، ومخاضا داخليا لتلك النخبة التي يسميها حمودي بالعقلانية التي تفرعت إلى عدة نخب، وأصبحت كل واحدة توجه النقد للأخرى متهمة إياها بالتسلق، وتجاوز الماضي النضالي .
غير أن هذا المخاض لا يدعو إلى الانفصال، بقدر ما يدعو إلى الاتصال المؤسس على ذلك الانفصال، ألا و هو الدفع بوتيرة وحدة اليسار، فهذه الوتيرة ما كان لها أن تتحقق لولا الانفصال، فعن طريق هذه الأخير تشكل الاتصال الداعي إلى الاتصال، لكن هل حقق الاتصال اتصاليته ؟ تجيبنا التمنيات الخطيبية بالقول : ” هذا نبأ سار حول الالتئام المحتمل لليسار، وقصة جديرة بالمتابعة ” .
بيد أن هذه الفرحة سرعان ما تتكسر حينما فشلت تجربة التناوب التي تبينت فيما بعد أنها لم تكن سوى إغراء مخزني، وشكل من أشكال احتياليته وتربصاته التي تميع العمل السياسي، إضافة أن تلك النخبة التي استدعيت للحكم المزيف-الشكلي-الانبطاحي لم تكن إلا جماعة من المتملقين-الوصوليين وظفهم المخزن، وفبرك صورة تفيد التوافق، وهي لا تعكس بالمرة الصراع بين القوى السياسية المختلفة .
إن فرحة الخطيبي سرعان ما تتهدم أمام الطرح الحمودي القائل بانعدام العقل لدى كل القوى، ومنها اليسارية، وليس بالضرورة أن يصل اليساري إلى السلطة، معناه سلطة العقل، إن العقلانية غائبة في هذه القوى ذاتها، إضافة إلى المخزن المفتقد للعقلانية، والمنتصر للبرغماتية، كذلك تتهدم أمام طرح آخر من نوع آخر، ألا وهو الطرح النتشوي : ” نحن معشر الباحثين عن المعرفة ؛ لا نعرف أنفسنا، إننا نجهل أنفسنا ، وثمة سبب وجيه لذلك، فنحن لم نبحث عن ذواتنا، فكيف لنا أن نكتشف أنفسنا بأنفسنا ذات مرة ” ؛ إنه نقد غائر في عمق النخب السياسية، وخاصة تلك التي تدعي العقلانية ؛ إن أغلبيتها لم يسبق لها أن أعادت النظر في أفكارها، بل تسيطر عليها الدوكسا، وفي نفس الوقت توجد نقدها للخارج، الشيء الذي لم يخول لها فهم، ومعرفة ذاتها .
إن غياب النقد هو الذي جعل حمودي غارقا في المستقبليات، غير أن عبد الإله بلقزيز لا يغيب وجود نقد ذاتي، بل هو موجود، لكن ليس بالمعنى الإيجابي، بل بمعناه القدحي-السلبي، وفي هذا الإطار يقول : ” النقد الذاتي ليس جلد الذات، وتعذيبها على نحو أليم وجارح كما بتنا نشهد هذه الأيام لدى جمهرة من المثقفين العرب، النقد الذاتي مقاربة صحية ؛ هادئة لأخطاء الذات، ولمواطن الخلل، أو العطب فيها، في ضوء ما تمدنا به الحقائق الجديدة في الواقع، وفي الوعي بمعطيات تسمح بمراجعة رصيدنا السابق من المعرفة، والتصورات “، يشيد هنا بلقزيز بأهمية النقد الذاتي، لكن في طابعه الإيجابي، وليس الانتقام، وجلد الذات، لأنه يفيد نزعة دوغمائية تنتقم من ذات تبنت وقائعا ظنت أنها حقيقة، فذهبت إلى جلد الذات كطقس عبور إيذانا بحقيقة أخرى لا تقل وثوقية عن الأولى ؛ يورد هنا : ” نرجسية المثقفين واحدة من هذه الأمراض التي تفتك بجسم الثقافة العربية ( الإنسانية )، ونعني بها ما تعنيه عبارة النرجسية : حب الذات المرضي، ويضيف بلقزيز : ” يكتشف القارئ في خطاب السادي إدمانا رهيبا على استعمال مفردات العدوان الذم والتجريح بلغة الشتم البذيئة .
إن النرجسية، والسادية لهما ارتباط وثيق بالسؤال الذي وجهناه إلى حمودي هو : أ ليس المثقف منغمسا في المجتمع ؟ انطلاقا من بلقزيز يتضح الخيط الرابط بين المثقف والمجتمع، فمتى اعترف المجتمع بالمثقف قلت ساديته، ومازوشيته، والعكس صحيح، لأن المجتمع هو صوت المثقف، والمثقف هو صوت المجتمع .
أما إذا لم يعترف المجتمع، فسنصل إلى الخلاصة التي آل إليها حمودي، ألا وهي التشهير، والقذف، وهي حالة لا نجدها إلا في المجتمع الالغائي، أي ذاك المجتمع الذي يريد من مثقفه السكوت، والصمت، صمت حتى من يصبغون على أنفسهم بالثقافة ؛ يقول لانيو : ” إننا ننكر على أنفسنا كل توق إلى الشهرة، أو الشعبية، ونمنع على أنفسنا كل طمع في أن نصبح ذوي سلطة، أو قوة، أو نفوذ “، يبرز من خلال هذا الكلام، أن المثقف يحب الانزواء والانكفاء، ولا يريد الشهرة ؛ بل حتى السلطة، باعتبارها قلب الصراع عبر التاريخ ؛ الشيء الذي يجعلنا نفهم من كلام كهذا ؛ التعالي، وعدم ملامسة المجتمع والتاريخ، وفي نفس الوقت سقوط في فخ الدوكسا التي أراد حمودي القفز عليها .
في هذا الصدد يبرز حمودي أن تخندق المثقف في زاوية من شأنه أن يميع الثقافة، وبالتالي لابد من إطار تخييلي يأخذ بعين الاعتبار إنجازات الآخر، وهو إلى حد ما يتفق مع سعيد شبار الذي يقول : ” التحديث (…)وتدشين عصر الحداثة عربي وإسلامي مستلزم لإدراك عميق للجدل الإيجابي بين المحلي والكوني “، غير أن سعيد شبار يلح على الإيجابي، ولكن لا نعرف ما هو هذا الإيجابي ؟ هل هناك حدود بين السلبي والإيجابي ؟ هل يكون الإيجابي إيجابيا في غياب السلبي ؟ لا نجد جوابا من شبار، وفي عدم الإجابة هناك افتراق وانفصال عن حمودي، فهذا الأخير واضح في مسألة الانفتاح على الآخر-الغرب ؛ انفتاح سيساعد على تشكيل مجتمع مغربي في ثوب جديد، وليس كما ذهب شبار بالقول أن هناك إيجابيا في المحلي، سيتفاعل مع إيجابي قي الكوني، وينتج الإيجابي ؛ ليس هناك إيجابي إلا بحضور السلبي .
تتجلى هذه الجدلية عند الحديث عن الجامعة المغربية، فهي تستحوذ عليها الزبونية كما قال حمودي، لكن لا تسيطر عليها، والدليل على ذلك هو وجود جامعة خفية، وإلا ستفقد الجامعة معناها، لكن هل المعنى دائما مرتبط بجدلية السلبي والإيجابي ؟ يجيبنا عبد السلام الحيمربالقول : ” تعتبر المدرسة إحدى أجهزة الدولة الايديولوجية في مجال الفعل التربوي بحيث إن تهذيبها السلوكي، وتكوينها وتأهيلها المعرفي، والعلمي والتقني للناشئة منظورا إليها كقوة عمل منتج لا تتم إلا في إطار إخضاع إيديولوجي ” .
يفهم من هذه القولة أن المعنى واللامعنى من إنتاج القوة، فالزبونية لا يمكن أن نفصل وجودها عن المعنى المضفى عليها بواسطة القوة، أ كانت رمزية، أو مادية، لهذا نتفق مع سالم قمودي في كون الايديولوجيا هي الوجه العلني للسلطة، والسيكولوجيا هي الوجه الخفي الحقيقي، وبالتالي فالمعنى مرتبط بالسيكولوجيا ومزاجها .
خلاصة عامة
يؤكد حمودي وجود نخبتين بالمغرب، واحدة ماركسية، والثانية تقنوكراطية، لكنه يقصي بقية النخب، غير أنه يستدرك ذلك بالقول : أن كل نخبة تستعمله بطريقة معينة، وفي نفس الوقت ينفي العقلانية لدى الجميع طارحا سؤالا حول كيفية عقلنة المجتمع، وبالموازاة مع ذلك نستفهم سؤاله حول كيفية عقلنة العقل ؟ يجيبنا بأن عقل المجتمع هو المثقف، لكننا لا نتأخر في مساءلته من جديد : هل المجتمع الذي انطلق منه المثقف معقلن ؟ لا يجيبنا حمودي، بل يغير الوجهة صوب الطبقة داعيا إياه إلى الانفتاح على تجارب أخرى، بعدها يعرج على الزبونية الحزبية، لكن ليست الوحيدة التي تهيمن على الحقل الجامعي، بقدر هيمنة الزبونية الإداراتية، بيد أنه في نفس الوقت توجد جامعة خفية غير كافية مما يجعل حمودي يتمنى شجاعة سياسية من الأعلى، وفي الوقت ذاته نافيا أهمية الأدنى .
إن النخب العقلانية ( غير العقلانية ) حسب حمودي أعادت النظر في ذاتها عن طريق الانفصال من أجل الاتصال، غير أن هذه الإعادة سرعان ما تكسرت نتيجة منطق المخزن والانبطاح، وغياب العقلانية لدى تلك القوى ذاتها، لكونها لا تعرف ذاتها حسب نيتشه، كما يعوزها النقد الذاتي الإيجابي ( بلقزيز )، إضافة إلى الإلغاء، مما ينتج التشهير، والقذف ( حمودي ) .
وعلى النقيض من ذلك، يرى لانيو أن المثقف هو ذاك الذي ليست له حاجة بالسلطة، بينما سعيد شبار لا يتوانى في التأكيد على أهمية الإيجابي في دور المثقف، غير أن هذه الإيجابية تبقى دون معنى في نظر حمودي لكون السلبي هو الإيجابي، والإيجابي هو السلبي، وهما أساس الطبقة المنوط تأسيسها على الشاكلة المغربية، وليس على شاكلة أخرى شرقية، أو غربية، شأنها في ذلك شأن المدرسة، بيد أننا نآخذه هنا بالقول : أن جدلية السلبي والإيجابي تبقى رهينة بمن يتحكم في هذه الجدلية ذاتها .
لائحة المراجع :
1-عبدالله حمودي-مصير المجتمع المغربي رؤية أنثروبولوجية لقضايا الثقافة و السياسة والدين والعنف – إعداد وتنسيق : توفيق بوعشرين و محمد زرنين – دفاتروجهة نظر-دفاتر وجهة نظر- ص 20
2- عبد الإله بلقزيز- نهاية الداعية الممكن والممتنع في أدوار المثقفين – المركز الثقافي العربي – ط 1 – ص 40
3- محمد الشيخ – المثقف والسلطة –دراسة في الفكر الفرنسي المعاصر-دار الطليعة- ط 1- ص 22
4- سعيد شبار – النخبة والايديولوجيا والحداثة في الخطاب العربي المعاصر –سلسلة دراسات وأبحاث فكرية – ط 2 –ص 185
5-وحدة اليسار في المغرب لماذا وكيف ؟ في تحدي التحدي التاريخي والكوني- مؤلف جماعي – ط 1 –مطبعة النجاح الجديدة – ص 3
6-أيمن عبد الرسول في نقد المثقف والسلطة والإرهاب – رؤية – ص 11
7- عبد السلام الحيمر –مسارات التحول السوسيولوجي في المغرب – منشورات جريدة الزمن – ص 56
8- عبد الله عنتار – الآليات الأسرية ودورها في لا تأثيرية المسلسلات المدبلجة – بحث الإجازة – السنة الجامعية 2011/ 2012 ص 43

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.