من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النواتية – واقع المرأة العربية؟ | موقع أرنتروبوس

p07

بقلم : سوسان إلياس جرجس


إذا كان البعض يجد شبهاً لغوياً بين كلمة “أسرة” و “أسر” بمعنى الحبس ، فإنّ البعض الاخر يرى في كلمة “أسرة” إشارة الى التآزر أو التضامن والتناصر. وفي ضوء التعاريف التي قدّمها علماء الإجتماع والأنتربولوجيا، يمكننا القول أنّ الاسرة مؤسسة اجتماعية أساسية، ونظام إجتماعي ذو إنتشار عالمي يعتمد في وجوده على عناصر بيولوجية ضرورية وتتداخل الثقافة في توجيه وتعديل هذه العوامل بما يناسب طبيعة المجتمع وظروفه وتحولاته.

فما هو واقع المرأة في ظلّ التحوّل الذي طال بنية الأسرة العربية ؟

لمّا كانت البنية العائلية هي إنعكاس وترجمة للبنية الإجتماعية والإقتصادية في المجتمع عامة، فقد شكّل نمط الإنتاج الزراعي أرضية قامت على أساسها العائلة الممتدة التي تعيش وتعمل كوحدة اقتصادية واحدة[1]. وقد كان للمرأة كما للزواج ضمن هذه العائلة أهمية عظمى على أساس الوظيفة الإنجابية. فالمولود هو مستقبلا يد تعمل وتساعد الأب في الزراعة وضمانة إقتصادية في العجز والشيخوخة، وبالتالي فإنّ العقم أشبه ما يكون بكارثة عند المرأة وأسرة زوجها، أو أنّه عارٌ عليها ونقص في وجودها[2]. وفي كل الحالات، فإنّ عدم الإنجاب يشكّل أهمّ المشاكل الأسرية بإعتبارها ممثلٌ لعدم القدرة على الدخول إلى دينامية الأسرة. وضمن العائلة الممتدة الأبوية بالدرجة الاولى، تتميز العلاقات الأسرية بسلطة قوية للزوج على الزوجة التي تتماثل دورها دائماً كزوجة وأم، مهمتها أن تلد وتربي الأطفال وأن تحرص على تأمين كافة الخدمات المنزلية اليومية لأفراد الأسرة . وقد رُسخت لديها منذ الطفولة المبكرة، فكرة أنّ الزواج هو هدفها الرئيسي وهو الحامي لها من المخاطر التي تترقبها.

وغالبا ما تقع المرأة هنا رهينةً ضمن منطق إقتصاد التبادلات الرمزية وبمعنى أدق فإنّها “تُستخدم” في تشييد علاقات قرابة وزواج حيث يتمّ التعامل معها (بل مع جسدها) على أنّه شيء قابل للتبادل من أجل الفوائد الذكورية حيث يتمّ توظيفها من أجل إعادة إنتاج الرأسمال الرمزي[3].

مع تحوّل نمط الإنتاج من الزراعة إلى الصناعة وإثر تعقّد الحياة اليومية، تمّ إفراز مؤسسات حديثة أثبتت أنّها أكفأ من العائلة في إدارة شؤون الحياة في وجوهها كافة، وفي إشباع حاجات الفرد فأخذت منها أهم الوظائف التي كانت تتولّاها في عصر ما قبل الصناعة، وقبل نشوء الدولة الحديثة، أصلية كانت ام مقلّدة أو مستحدثة حسب تعبير هشام شرابي.

إنّ هذه التحولات على مستوى الوظائف إنعكست على بنية العائلة وعلى تركيبها ودورها في المجتمع الأوسع. فاستجابت لهذه التغيرات وانتقلت من نمط الأسرة الكبيرة الممتدة الى الأسرة النواتية ، مع ما لحِق من تغيير في العلاقات بين أعضائها وإنخفاض أهمية الأب، وكان ذلك نتيجة تلقائية لتفكيك أواصر اللحمة والتماسك المتناسبة مع نمط المعاش القائم على الزراعة ومستلزماتها. وإن كانت الأسرة الموسّعة تخضع لسلطة الأب ويتمّ فيها الزواج وفقاً للقيم الإجتماعية السائدة وذلك على شكل تزويج، فإنّ الأسرة النواتية تخضع لسلطة الفرد ولقوة عمله ولقدرته الإقتصادية والفردية ولحريته في إتخاذ قراراته الشخصية. وهذا هو واقعاً نمط البيئة الصناعية[4]، حيث يتمّ إشراك العلاقات العائلية القرابية بعلاقات جديدة قائمة على التشارك في الحياة. وبالتالي، فقد نشأ عن ذلك روابط موضوعية تتجاوز إعتبارات الأهل والعصبية الأهلية، وتنمّي الإنتماء المدني بما يحتويه من تعدّد في العلاقات المُختارة والطوعية.

إنّ الأسرة الحديثة هي نتاج ظروف إقتصادية وإجتماعية أتاحت للمرأة التعلّم والإنفتاح على الخارج والإنخراط في سوق العمل لمواجهة أعباء الحياة الأسرية التي تتطلبها الحياة الحديثة ، ولتحقق ذاتها من خلال العمل مع ما يتطلبه ذلك من أمور الإختلاط وإبداء الرأي والنقاش واظهار خصائص الشخصية بإستقلال عن الرجل. إلّا أنّ ما يلفت النظر خاصة في مجتمعاتنا العربية البطركية أنّ الأسرة التي قد تبدو نواتية في الظاهر من حيث الاستقلال في السكن ومشاركة المرأة في العمل، إنّما هي في الواقع أسرة متحوّلة هجينة، فقد بيّنت الدراسات أنّه في مقابل الإتجاه الغالب لإنفصال الأسر الجديدة سكنياً، فإنّ التفكير الأبوي لا زال مستمراً في “تلقيح” كافة العلاقات الاسرية في “الخلايا” النووية الجديدة وكذلك القيم التي يستوحيها أعضاء هذه الأسر من أجل تربية أطفالهم والحفاظ على نوع من العلاقة مع الجماعة العائلية الموسعة. من ناحية أخرى ، أظهرت الدراسات أنّ الحدود بين الاسرة النووية والأسرة الممتدة شفافة وقابلة للنفاذ ، بمعنى أنّه عند الحاجة أو حدوث أزمة في الأسرة (النووية) فإنّ العائلة (الموسعة) التي كانت مستترة إلى حدّ ما تعمل مجدداً كعائلة ممتدة لصالح الإرتباط العائلي المعني. ويتّضح أكثر معنى ما نقول حينما نلحظ أنّه حيث تلاشت القبلية والعشائرية وضعف وجود العائلات الممتدة، تبرز ظاهرة نشوء الجمعيات العائلية التي تلعب دوراً مهماً في مجالات السياسة والإقتصاد بالإضافة الى المجالات الإجتماعية[5].

أمّا بالنسبة للعلاقة بين الجنسين في الأسرة المتحوّلة، فإذا سلّمنا بوجود مساحات مشتركة بين الزوجين من حيث رعاية الأبناء والقيام بالأعمال المنزلية (نتيجة لعمل المرأة) فإنّه يمكن القول أنّ مجالات تدخّل المرأة في شؤون المنزل ما زالت اوسع بكثير من مجالات تدخّل الرجل. فالبيئة الإجتماعية لم تتخلّ بعد عن ذلك التنميط التقليدي لحقل الحياة المنزلية والعلاقات بين الجنسين، مع ما يعنيه ذلك من ترسّخ ثقافة تبخّس المرأة وتمنعها من إثبات ذاتها فعلياً ولعلّ هذا ما عنته الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي بقولها “ان الحديث عن العائلة والحياة الجنسية والحب هو كلام عن الثقافة، وليست المرأة إلّا رمزاً من رموزها”[6]. ولا نبالغ إن قلنا أنّ المرأة هي الوكيل الأول للتعبير عن ثقافة المجتمع وحمايتها بكل ما تتضمّنه من عادات وتقاليد وقيم، ويوم “تضعف” عن تنفيذ تلك المهمة فسوف ينبذها المجتمع (الذكوري) وربما يعلن موتها. ومن هنا كانت جرائم “الشرف” التي ربطت بين مفهومي الشرف والعفة عند المرأة إرتباطاً فيزيقيا مختزلاً في اطار العذرية والبكارة.

ويبقى مثل هذا النص مفتوحا على تساؤلات عدة تقتضي البحث والتحليل. فهل يكفي تحوّل النمط الأسري نحو النواتية بما تتضمنه من استقلالية اقتصادية وسكنية لتغيير موقع المرأة ودورها ضمن الأسرة؟ هل يكفي تعلّم المرأة ودخولها سوق العمل لأن تصبح شريكاً في الأسرة بكل ما للشراكة من أبعاد فكرية ووجدانية وجنسية ومعيشية؟ اذا كانت المرأة قد بقيت، ورغم تبدل النمط الأسري، الموكلة بحماية منظومة القيم الإجتماعية بكل ما فيها من غبن وظلم للمرأة نفسها، فكيف يمكن لهذه المرأة إذاً أن تأخذ دورها الإيجابي والتغييري في بناء الأسرة والمجتمع؟




كاتبة المقال : سوسان إلياس جرجس : كاتبة وباحثة في مجال الأنتربولوجيا من لبنان. تركز اهتماماتها على الدراسات الجندرية. تهوى الكتب والمطالعة وكتابة الشعر والقصة القصيرة. تكتب في بعض المواقع الإلكترونية العربية مثل مجلة معارج الفكر ومجلة صدى الفصول الشعرية.




الهوامش :

حليم بركات ، المجتمع العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، ص 193.[1]

[2] علي زيعور، التحليل النفسي للذات العربية، دار الطليعة، 1977، ص 30.

[3][3] Pierre Bourdieu, La domination masculine, Seuil, 2002, p. 66.

[4] عباس مكي، دينامية الأسرة في عصر العولمة، المؤسسة الجامعيةللدراسات والنشر والتوزيع، 2007، ص 55.

حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، مرجع سابق، ص. ص. 193-194.[5]

[6] Fatima Mernissi, Le musulman et le temps, lamalif, numéro 189, Juin 1987.

الـمحـرر -

باحث في مجال الأنثروبولوجيا/السوسيولوجيا من لبنان ، من ضمن دائرة الإهتمامات : الأنثروبولوجيا التأويلية ، الإثنوغرافيا الذاتية ، المنظور التفاعلي - الرمزي ، الهوية الثقافية ، تمثلات الدين في المخيال الشعبي ، الفضاء الرقمي ، الأحلام ، ...

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.

التعليقات مغلقة