دراسة أنثروبولوجية تكشف عن الأسباب التى تختفى وراء إنتاج النصوص المسرحية

 

مهداة إلى روح عميد المسرح العربى الفنان يوسف بك وهبى

من المعروف أن النشاط المسرحى نشاط معرفى ، إذ إنه يتيح للمشاهد اكتساب معرفة معينة ، فضلاً عن أبعاده المهنية والفنية والترويحية . ففن المسرح ، كأى فن من الفنون ، هو عبارة عن وسيلة اتصال . فالمسرحية بأنواعها تتضمن رسالة يحاول الأداء أن ينقلها للمشاهدين . وبقدر الأداء الجيد ، بقدر ما يتحقق التعليم والاقتناع بمضمونها الخفى ، فضلاً عما تحققه من المتعة والتسلية . فالمسرحية تؤكد بوجه عام على عناصر ثقافية واجتماعية وسياسية ودينية من ناحية ، وما يتعرض له الواقع الاجتماعى من اضطرابات وعدم توازن ، وعدم انسجام من ناحية أخرى .
إن أكثر خصائص الفن المسرحى – الدراما – أهمية بلا جدال ، أن هذا الفن ينقل المجتمع الكبير ، بقضاياه ومشكلاته ، مفسراً ، وشارحاً الأسباب ، وطرق العلاج إلى المشاهد ، وهو جالس فى مكانه فى راحة وانسجام ، ينتقل فى نطاق المسرحية الصغير المحدود ، فضلاً عن المعرفة الدقيقة التى توفرها له لذلك كان الفن المسرحى أكثر الأشكال الفنية تحقيقاً لأهداف الفن النفسية والجمالية والاتصلية والتعليمية ، بل والوظيفية الاجتماعية للفن . لهذا ينال الاهتمام والتدعيم والرعاية من جانب السياسين وأصحاب الأيديولوجيات ، لأنه النشاط الفنى الذى يقدم مجموعة محددة من الرموز التى توظف وفقاً لقواعد محددة . لتعبر عن مجموعة كبيرة من الدلالات والأفكار والمشاعر ، وذلك عن طريق فن الكلام وفن الحركة ، فن الأداء حركة وكلاماً . إذ إن الأداء المسرحى فعل اتصال ، شُكل بأسلوب معين ليقدم عرضاً للجمهور . ومن ثم ، فإن تحليل الأداء يبرز المضمون الثقافى الاجتماعى والجمالى لعملية الاتصال ( الأداء ) وهو ما تهتم به بالكشف عنه أنثربولوجيا المسرح .

فالفن ثقافة تعبيرية ، فهو منتجات ثقافية إبداعية . فالفن إذن إبداع ، والقصد منه الاتصال بين البشر بحكم أنه – فى جانب منه – ناقل للأفكار والمعارف ، وإن كانت بصورة فنية . فمصدر الفن الأساسى هو حاجة الإنسان لأساليب ذوات معنى للتعبير عن أفكاره ومعتقداته وتقاليده وقيمه الاجتماعية ، ومبادئه ومثله ورؤيته للعالم ، فضلاً عن أنه يتيح خلق وابتكار الرموز .

وفى ضوء كل ما سبق ، فالدراسة الخالية فى مجال أنثربولوجيا الأدب والمسرح . تتناول نصوص المسرحيات التى اختيرت للدراسة ، وذلك فى إطار المجتمع المصرى وثقافته فى فترة تأليفها وأدائها . وبالطبع هذه غاية منطقية ومقصودة لأن نصوص المسرحيات ، وبالذات تلك التى ألفها يوسف وهبى ، تتميز بخصوصية ثقافية للمجتمع المصرى فى تلك الفترة ، وبناء على ذلك تعتمد الدراسة على النهج البنائى للبنائية الفرنسية التى وضع أسسها كلودليفى سترس ، ولكن فى إطار القاعدة الأولى لهذا المنهج ، وبالطبع تعتمد الدراسة كذلك على منهج التناقص ، مادامت تتناول الدراسة النص الدرامى فى علاقته ببقية النصوص ، وطالما لأنها تهتم بالكشف عن الأسباب التى تختفى وراء إنتاج هذه النصوص .

تركز الدراسة الأنثروبولوجية على بعض المسرحيات التى عرضت فى الفترة ما بين عامى 1938 و1941 وقد أختير سبع مسرحيات هى :
العدو الحبيب ، تأليف يوسف وهبى ، وعرضت فى موسم 1938 .
العدو الحبيب هو جميل إبراهيم بدر الدين ، البطل الدرامى فى المسرحية ، وهو العدو فى نظر بسيمة ، البطل الثانى ، لأنه أتهم بقتل خطيبها عزيز سامى الذى ارتبطت به ارتباطاً عاطفياً قوياً فى الوقت الذى كانا يستعدان للزواج والسفر إلى أوروبا لقضاء شهر العسل ، كما هو تقليد أبناء الطبقة العليا التى ينتميان إليها . وجميل هو الحبيب الذى عشقته وأحبته بسيمة عندما تبين لها أنه ليس القاتل ، وإنما أخته هى القاتلة انتقاماً من عزيز ، ككما أنها أدركت حبه وتعلقه الشديد بها . والأهم من ذلك ، أنها عرفت مدى انحطاط خطيبها عزيز وفساد شخصيته ، الأمر الذى أدى إلى اقتناعها بأن قتله هو انتقام لها لخيانته ، فاذداد حبها لجميل . فقد حكى جميل كيف قتل دفاعاً عن شرف نعمات أخته .

شوفير الهانم ، تأليف محمد سعودى ، عرضت فى موسم 1938 .
حسن باشا مجدى أمير الاى فى الجيش ، وقد أحيل إلى المعاش ، وهو من كبار الأغنياء وملاك الأراضى الزراعية ، وابنته فيفى وهما البطلان الدراميان فى المسرحية ، يقيمان فى قصر ، تتولى خدمتهما حميدة الخادمة مع الإشراف على بقية الخدامين ، وزكى سواق سيارة فيفى . ورءف حمدى ابن أخو حسن باشا ، وهو طبيب ومفتش صحة . وهؤلاء يؤدون الأدوار الرئيسية فى المسرحية ، فى مواقف تأكيد محتوى مضمون المسرحية .

يركزمضمون المسرحية على أثر التربية والتنشئة الاجتماعية فى تشكيل سمات الشخصية باعتبارها عملية غرس ثقافى ، يخضع لها الفرد منذ ميلاده وبخاصة فى مرحلة الطفولة .

إمرأة لها ماض ، تأليف يوسف وهبى ، وعرضت فى موسم 1939 .
يتلخص المضمون الدرامى للمسرحية فى أنه ليس من الضرورى أن تكون العلاقة التى تتكون بين الفتى والفتاة علاقة حب حقيقى تكون نتيجتها الزواج . فقد يكون للفتى أغراض للمتعة التى قد تؤدى إلى الاعتداء عليها . ومن ثم ، فإذا كانت الفتاة فاقدة الوعى بهذه الحقيقة ، فلم تستطيع الكشف عن حقيقة هذه العلاقة ، تكون النتيجة الخضوع لرغباته ، الأمر الذى يؤدى إلى الإساءة إليها وإلى أسرتها .

أولاد الشوارع ، تأليف يوسف وهبى ، وعرضت فى موسم 1939 .
مضمون المسرحية أن التربية والنتشئة الاجتماعية التى يتلقاها الطفل فى مرحلة الطفولة ، باعتبارها عملية غرس ثقافى ، تشكل شخصيته . ومن ثم ، فلا فرق ما بين ابن الشارع وابن أية طبقة اجتماعية حتى لو كانت طبقة عليا ، إذا خضع كل منهما لعملية تربية وتنشئة اجتماعية مماثلة للمضمون بعناصره المتنوعة .

بنت المدارس ، تأليف يوسف وهبى ، وعرضت فى موسم 1940 .
لغة المسرحية اللغة العامية الريفية ، بعض ألفاظ اللغة الإنجليزية ، يتلفظ بها شباب من أبناء المدينة ( القاهرة ) تقليداً للأوروبيين فى أحاديثهم وسلوكهم . تجرى وقائع وأحداث المسرحية فى قرية كفر سليط فى منزل أسرة عبد المقصود الفلاح المزارع ، وهو من ضغار ملاك الأراضى الزراعية ، والد مديحة وهى البطل المسرحى ومحمد البطل الثانوى .
الفاجعة ، تأليف يوسف وهبى ، وعرضت فى موسم 1940 .

على الموضة ، تأليف يوسف وهبى ، وعرضت فى موسم 1941 .

 

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس
الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا
ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

التصنيف: كتب
تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.
تعليق وحيد
  1. يقول tarek:

    السلام عليكم أشكر أعضاء المنتدى على جميع المجهودات القيمة و على موضوع دراسة أنثروبولوجية تكشف عن الأسباب التى تختفى وراء إنتاج النصوص المسرحية، فالمسرح بالرغم من أهميته فهو يمكن أن يؤدي رسالة في المجتمع كا لتوعية، و التضامن الاأنه للأسف مهمش في جميع البلدان العربية و الاسلامية و اعتباره للهزلو الضحك فقط ، فيجب العمل أكثر على تغببر هذه المفهوم الخاطئ والضييق، فقد صدق من قال أعطين مسرحا أعطيك شعباواعيا