محمد أركون

محمد أركون

حاوره: وسام سعادة

يشكو محمد اركون من ان العرب مقلون في قراءته، ويتابع مع ذلك مشروعه في “نقد العقل الاسلامي” على وقع سؤال لا ينفك يردده: “كيف نفهم الاسلام اليوم؟”.

ترداد السؤال ينبع من رغبة في الانتقال من ذهنية التبحر والرسوخ في العلم الى ذهنية التعرية والحفر والتفكيك والتشبع بالمنهجيات النقدية والمقارنة، الا انه ايضا تردد بين أرخنة معطاءة، تقول بتاريخية كل خطاب، وبين أنسنة نخشى القول بأنها تردد نفس الاشياء.

مع محمد اركون، وفي لبنان الذي قدم لزيارته بدعوة من جامعة البلمند فالتقى وناقش وحاضر واستقبل ما أوتي من نقد برحابة صدر، كان هذا الحوار الذي تشعب بين سؤال المنهجية والاشكال الابيستيمولوجي، ومن الطوائف الى المسألة الامازيغية، الى العلمانية ومشكلات الدولة الامة وعراقيل الحداثة. وامام ما يعصف بالعالم من حرب معممة، شدد أركون على وجود كلمة غائبة وملحة ينبغي السعي وراءها، وعدم اضاعة الطريق اليها بين الدعوات المتلبسة للجهاد وحملات لفظ الارهاب. انها كلمة غائبة يستوي فيها اللامفكر مع ما ليس بالمتاح قوله.


= زيارتك لبنان هي مناسبة للتعرف عن قرب الى المسألة الطائفية بما تطرحه من علاقة السياسي بالديني وعلاقة الاختلاف الثقافي بشكل الدولة وطبيعة الصراع فيها ومعها. دعوتنا بالامس، وعلى هامش محاضرة البلمند، الى مقاربة الطوائف من حيث هي ذاكرات جماعية، وشددت استطرادا على اهمية العناية بتعدد اللهجات حسب الطوائف. وفقا لأي منهج، ومن اي زاوية، يمكن ان تدرس المسألة الطائفية في بلد مثل لبنان، وهل الاولوية لمقاربة انثروبولوجية أم تاريخية، وثقافية أم سياسية؟

نعم، ظاهرة الطائفية في لبنان قديمة جدا، ومفهوم الطائفة اخذ أبعادا سياسية وتاريخية معقدة لقدم تواجد الطوائف المتعددة في هذا البلد وفي الشرق الاوسط بصفة عامة. وبما ان هذه الطوائف تصارعت، وخاصة هنا في لبنان اثناء الحرب الاهلية، اخذت بعدا سياسيا وابتعدت عن ابعادها الثقافية والدينية اي ما يتعلق بالعبادة والعقائد التي يجب ان تتميز عن المقاصد السياسية. هذا حدث طبعا في جميع المجتمعات العربية والاسلامية لكنه اخذ في لبنان صفة خاصة لاسباب يعرفها اللبنانيون.

الذي يهمني ان نرجع للابعاد الثقافية والدينية لما يسمى الطوائف، لذلك استعمل مفهوما آخر سوسيولوجيا انثروبولوجيا وهو مفهوم الذاكرة الجماعية. ليست للذاكرة تلك المقاصد السياسية التي تغلبت على لفظة طائفة، ولذلك بتغيير التسمية ننتقل الى اشياء مهمة ونركز اهتمامنا وبحوثنا على المحتويات الثقافية والانسانية التي تحافظ عليها الذاكرة، اما الشخصية واما الجماعية، ونلفت الاهتمام الى الابعاد او الروابط الاجتماعية، وهذه الروابط لها محتوى ثقافي لغوي يتعلق بالتقاليد كما لها محتوى يتعلق بالاحداث التاريخية التي عاشتها الجماعة الاجتماعية ولذلك يجب علينا ان نبحث عن الاحداث التاريخية التي كونت الذاكرة ونتساءل كيف تتكون تاريخيا الذاكرة الجماعية؟ تتكون بالاحداث المهمة التي تحافظ عليها، ولكن هناك احداثا تنساها ايضا الذاكرة والمؤرخ يهتم بما نسي كما يهتم بما حافظت عليه الذاكرة.

ايضا هناك بعد آخر، هو ان البحث عن محتويات الذاكرة يعتمد على اللهجة التي يستعملها اعضاء الجماعة ولا يمكن الاعتماد على ما كتب عن الذاكرة، فما يكتبه العلماء الباحثون عن الذاكرة عن الذاكرة على المكتوب لا على الشفاهي اليومي، في حين ان الشفاهي اليومي حامل لألفاظ تعيدنا الى تاريخ الذاكرة الجماعية الحقيقية، وهذا امر لم نعتن به بعد في مجتمعاتنا العربية بسبب الفصل الذي استمر في جميع المجتمعات العربية بين اللغة المكتوبة واللغة الشفاهية.

اهملنا اللغة الشفاهية لأننا لم نعتن بالعلم الذي يدرس الذاكرة الشفاهية، وهذا العلم له اسمان: علم الاثنوغرافيا الذي يعتني بالوصف الدقيق لجميع مظاهر الحياة اليومية للجماعة، يعتني بالتقاليد والعقائد والمناسك القديمة التي ترجع الى ما قبل الاسلام او ما قبل المسيحية، وهذا بعد اهملناه لأسباب دينية لان العقائد الارثوذكسية في المسيحية او الاسلام او اي دين آخر تغطي التقاليد او العقائد التي ترجع الى ما قبل الاسلام او المسيحية، والاثنوغرافي يكتشف هذه التقاليد في تاريخها البعيد، وهذا يوضح حرص كل ذاكرة جماعية على المحافظة على هذه التقاليد والعقائد كما تعيشها وتدركها هي بالرغم من انها تدركها كإسلامية ومسيحية لانها لم تتمكن من البحث الحفري عن هذه التقاليد والعقائد التي نرجع عليها عندما نلم بالمعجم الخاص بكل ذاكرة جماعية.

والخطوة الاثنوغرافية في البحث عن الذاكرة الجماعية يكملها ويتبعها البحث الانثروبولجي عن الذاكرات الجماعية المختلفة المتساكنة في مجتمع من المجتمعات حتى ندرك كيف تفاعلت بينها اثناء تاريخها وأثناء الصراعات التي وقعت في مجتمع بين الذاكرات المختلفة، وهذا يمكننا من ان نتحرر مما يتلقاه المخيال الاجتماعي اثناء الصراعات السياسية ليدافع عن هوية كل ذاكرة دون ان يهتم بالرجوع الى القاعدة الثقافية والتقليدية التي تشترك فيها الذاكرات.

السلطة المركزية واللغة وثقافة العلمنة

= اختلاف اللهجات مسألة شائكة، فكما يجدر بنا لحظ تعدد اللهجات في بلد معين، ينبغي ايضا مقاربة الموضوع من زاوية درجة الاختلاف بين اللهجات في هذا البلد او ذاك. عندما تتناول اللهجات في معرض حديثك عن الطائفية، فأنت تعمد الى مقارنة الوضع اللبناني بالحال المغاربية. ما هي العناصر المتيحة المشابهة وأين يكمن الاختلاف؟

نعم، نعم، هذا موجود في المغرب العربي. مثلا الصراع الذي نشاهده في المغرب والجزائر بين ذاكرات جماعية تتكلم الى الآن اللهجة الامازيغية وتتكلم في نفس الوقت اللهجة العربية. هذه الذاكرات الجماعية تشارك في ذاكرتين: الذاكرة المبنية على اللغة والثقافة الامازيغية، والذاكرة التي تستعمل اللهجة العربية، والبحث الاثنوغرافي والانتروبولوجي يكشف هذين المستويين من الذاكرات المختلفة المتواجدة في المغرب الكبير، ونحن في خطابنا القومي الذي طغى علينا منذ حروب التحرر من الاستعمار اهملنا هذا كله كأنه غير موجود بل فرضنا على الذاكرات الجماعية ان تنفصل عن ذاكرتها الحية حتى تتحد في ذاكرة واحدة مبنية على شعارات ايديولوجية ومنفصلة انفصالا جذريا عن الهوية التي يلتمسها البحث الاثنوغرافي والانتروبولوجي عندما يوجد باحثون تكونوا وتمكنوا من الاعتماد على هذين العلمين، ونحن نلاحظ ان البحوث العلمية في مجتمعاتنا العربية لم تعط هذين العلمين ما يستحقانه من الاهتمام في البحث العلمي ومن الاهتمام ايضا بتطبيق النتائج العلمية التي يأت بها هذان العلمان، اي في تدريس تاريخ المجتمعات العربية تدريسا شاملا محيطا بالانثروبولوجيا التاريخية للمجتمعات العربية.

هذه المجتمعات خاضعة الى يومنا هذا الى ظاهرة الامية، والامية تعني ان النساء يستعلمن لغتهن التي تدل على اشياء لا تدل عليها في لغة الذكر، لان مجتمعاتنا مبنية على الفصل بين ذاكرة النساء وذاكرة الرجال لاسباب ايديولوجية، وهذا الفصل بين الذاكرتين يؤثر وأثر اثناء قرون على تربية البنات وتربية الاولاد. وهناك مشكلات لم نحلها الى اليوم في ما يخص العلاقات الجنسية لاننا لم نهتم بهذه الجوانب المهمة من حياتنا الثقافية والفكرية، وطبعا، السياسية، اذ نخلط بين كل هذه المستويات لإدخالها في خطاب واحد شامل نصفه بخطاب قومي وهو في حقيقته يؤدي وظائف ايديولوجية تفرضها الجماعة الغالبة على الجماعات الاخرى لانها استلمت السلطة المركزية.

= اين يدرج خطاب السلطة المركزية الساعي الى تحقيق الوحدانية اللغوية، ضمن باب غياب فكرة التسامح عن العقل الاسلامي، وبالاخص في ما يتعلق بقضية اللسان، أم ضمن باب اعتماد نموذج الدولة اليعقوبية؟

هذا الامر نجده في جميع المجتمعات. الجمهورية الفرنسية الثالثة على سبيل المثال اعتمدت على خطاب قومي شامل موحد للذاكرات الجماعية المختلفة المتساكنة في المجتمع الفرنسي التي كانت تستعمل لهجات مختلفة (لهجات، لانها لم تكتب)، وأصبحت هذه اللهجات مهمشة ثم منسية لان الدولة الفرنسية المركزية اليعقوبية فرضت على جميع المواطنين بفرنسا برامج تعليمية في المدارس العمومية علما ان التدريس اجباري ومجاني وعلماني. هذه الشروط الثلاثة التي ارادتها الحكومة المركزية هي التي نجحت في تكوين ذاكرة واحدة موحدة من طريق التعليم ومن طريق تجنيد المواطنين ونتيجة ذلك هو تكوين الدولة الامة الفرنسية التي نعرفها اليوم والتي تركت جانبا النموذج السياسي الآخر الذي نجده في سويسرا وهو النموذج الفدرالي.

اذاً، هذا المفهوم، مفهوم الذاكرة الجماعية له ابعاد عديدة تمكننا من ان نفكر في الاعتماد على نموذج سياسي غير مركزي وبضرورة احترام القيم التي تطالب بها وتحافظ عليها كل ذاكرة من الذاكرات الجماعية دون ان يكون الصراع المستمر كما نجده في لبنان على ما يسمى القيم والعقائد الخاصة بكل طائفة، يمكننا ان نجمع بين فوائد النظام الفدرالي وفوائد النظام المركزي لإعطاء كل ذاكرة حقها وجعلها في نفس الوقت تتمكن من التفاعل السلمي والتسامحي مع الذاكرات الاخرى.

المدرسة الرسمية او العمومية فرضت او عممت عملية التوحيد اللغوي في فرنسا. كيف تكون مقاربة النموذج اليعقوبي من زاوية السياسة التعليمية، وهل أخفق هذا النموذج العلماني الذي يرفض اي حلقة وسيطة بين الفرد بوصفه مواطنا وبين الدولة بوصفها كائنا معنويا عاما؟ نقول هذا وفي البال لبنان الطائفي الذي يتبع نموذجا آخر. الدستور اللبناني يعطي حرية للطوائف في اقامة مدارسها ومزاولة التربية والتعليم، وبالتالي فان التعليم الرسمي في لبنان، انوجد تاريخيا كاستثناء. نحن هنا أمام نموذج يبتعد عن العدالة او الديموقراطية في قضية التعليم، الا انه يتبع في نفس الوقت موقفا اكثر تسامحية وتعددية لجهة الاختلاف الثقافي.

هذه القضية تتعلق بما نسميه ثقافة العلمنة التي لا تعني الاعراض عن الاديان او رفض العقائد الدينية كما يظن الكثيرون، على العكس من ذلك، الموقف العلماني مبني على احترام جميع الذاكرات الجماعية مع عقائدها الدينية، والدولة تحمي جميع الذاكرات المتساكنة، ولكن في نفس الوقت تلح على ضرورة تدريس التاريخ مع تدريس الابعاد الانثروبولوجية للثقافات المتواجدة في مجتمع من المجتمعات، وذلك حتى تتمكن العناصر المتساكنة من ادراك هذه القاعدة الثقافية المشتركة لجميع الجماعات في المجتمع.

هناك برنامج تدريس للأديان يمكن الذاكرات الجماعية ان تحافظ على قيمها الدينية وتقاليدها وان تدرك في نفس الوقت ان هذه القيم والعقائد لها كلها قاعدة انثروبولوجية مشتركة. لكننا الى الآن لم نفكر بعد في البرامج العلمية التي يجب ان تطبق في الانظمة التربوية التي نعتمد عليها في تدريسنا في المدارس الابتدائية والثانوية والجامعية. وهذا لا يمكن ان ندركه الا اذا اهتممنا في الجامعات بتشجيع البحوث التاريخية الانثروبولوجية، في نفس الوقت، حتى نخرّج من الجامعات معلمين واساتذة يكونون قادرين على تبليغ هذه المعلومات التي تفتح الذهنيات على رؤية شاملة، متسامحة، محررة، لجميع القيم الاخلاقية والدينية والفكرية التي نجدها في جميع اللغات وجميع اللهجات ايضا.

هذا حل انثروبولوجي وسوسيولوجي وألسني وتاريخي ونفساني اجتماعي لجميع العراقيل الذهنية التي لم تزل تتفاقم وتتزايد بتغلب وتسليط الشعارات الايديولوجية التي تغذي المخيالات الاجتماعية المتصارعة وتضعف وتهمّش، بل تمحو، الذاكرات الجماعية الحية، وهذا ما حدث مع الاسف في مجتمعاتنا العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

دراسة الإسلام على الطريقة الانثروبولوجية

= تشديدك على الانثروبولوجيا بهذا الشكل يطرح اكثر من سؤال؟ عن اي انثربولوجيا يجري الحديث؟ الانثروبولوجيا في معناها السابق الملتصق بحقل الفلسفة، ام تلك التي تعطي الاولوية للعمل الحقلي؟ اذ يحضر مشروع نقد العقل الاسلامي نسأل: هل الانثربولوجيا التي تدعونا للاقبال عليها هي تلك التي تعنى بالمنهجيات السابرة للاختلافات والخصوصيات الشديدة الدقة، ام تلك الساعية الى ابراز بنى أولية للطبيعة البشرية؟

ثم ما هي طبيعة العلاقة بين الانثروبولوجيا وغيرها من العلوم. في الماضي، جعلت الماركسية من التاريخ علما حصريا او مرجعيا، وردت بقية العلوم الاجتماعية اما الى ضروب من علم التاريخ واما الى تشويهات او محاولات لطمسه، ومن الماركسيين من اعتبر الانثروبولوجيا ضربا من الايديولوجيا، وهناك من صنفها في حكم الظاهرة البحثية المرتبطة بالمرحلة الكولونيالية. هل تعتبر في المقابل ان الانثروبولوجيات باتت العلم المرجعي، وشرط جميع العلوم الاجتماعية الاخرى؟ نلحظ في ما تكتب تقسيما للمهام بين الانثروبولوجيا وعلم التاريخ تبعا لثنائية الشفاهية والكتابية، وهو امر يعزز الدعوة الى ارخنة الخطاب الديني في نفس الوقت الذي يميز بين ظاهرة الوحي كحاملة لمدلولات انثروبولوجية وبين ظاهرة الكتاب التي يجب ان تخضع للتاريخ. الا تقود المبالغة في التأسيس على ثنائية الشفاهية والكتابية الى الاحتكام الى نوع من الميتافيزيقيا، تضعنا امام مفهوم انثربولوجي للتاريخ، ما يجعل احاطتك بتاريخية الظاهرة الدينية بمثابة قول ضمني بدينية التاريخ وليس العكس؟

الانثروبولوجيا مبنية على جميع العلوم التي نصفها بعلوم الانسان والمجتمع، ولا يمكن ان نقوم ببحث انثروبولوجي الا اذ مهدنا له بتاريخ يكتب هو ايضا بمعاجم عديدة خاصة بالعلوم الاجتماعية، اي بالاعتماد على السوسيولوجيا التاريخية وعلم النفس التاريخي.

هذه العلوم هي التي تؤدي الى التفسير الانثروبولوجي للمجتمعات. ولذلك قلت ان الانثروبولوجيا لا يمكن ان تنحسر الى اثنوغرافيا الثقافات الجماعية، الذي اذا ما اكتفينا بها نلم بمعلومات مهمة ولكن لا يمكن ان ندرك تلك القاعدة الثقافية المشتركة للعناصر المتساكنة في المجتمع، وللأديان المتواجدة في المجتمع. مثلا: الاثنوغرافيا تبحث عن الحرام والحلال في جماعة من الجماعات التي تعتنق دينا من الاديان، اما الانثروبولوجيا فتبحث عن الحلال والحرام في جماعات مختلفة تعتنق اديانا مختلفة وتتساءل عن المعايير التي تستعملها كل جماعة لتفرض ما هو حرام وما هو حلال، وكذلك جميع الجماعات مع أديانها المختلفة تبني قيمها على الروايات القصصية Les Recits mythiques، وهذا عنصر مشترك لجميع الذاكرات الجماعية ايا كان دينها وتقاليدها.

اضرب مثلا ليفهم القارئ مقاصد الانثروبولوجيا. درس الاميركي كليفورد غيرتز الذاكرات الجماعية في جافا بأندونيسيا وألم بجميع المعلومات الاثنوغرافية الخاصة بهذه الذاكرات الجماعية، ثم انتقل من جافا الى المغرب الاقصى، وهنا يبدأ المنهج الانثرولوجي. بعدما تزود بالمعلومات الاثنوغرافية الخاصة بالمجتمعين رجع الى برنستون حيث كتب كتابه الشيق الذي يجب على طلبتنا ان يقتدوا به: Islam Observed.

كيف ندرس الاسلام على طريقة انثروبولوجية؟ هذا يجب ان تلح عليه حتى لا تثور المخيالات الاجتماعية ضد محمد اركون حين يقرأون هذا في لبنان، لانه قد يسىء الفهم. أنا لا أتدخل في الامور السياسية والدينية التي تخص النظام الطائفي. انا أتكلم كأنثروبولوجي مؤرخ، والسؤال الذي ننطلق منه: كيف نفهم الاسلام اليوم؟ وهو السؤال الذي يقود جميع الاشكاليات التي اطرحها في بحوثي العلمية، ثم التربوية، لأني لا افصل ابدا وظائف البحث العلمي عن وظائف الانظمة التربوية لكل مجتمع من المجتمعات. حتى في المجتمعات الاوروبية أدافع عن نفس المنهاج لان الانظمة التربوية في المجتمعات الاوروبية اليوم لا تتبنى هذا الطرح العلمي التحقيقي لما تفرضه على كل مجتمع اليوم التعددية الثقافية واللغوية والعنصرية. في المجتمع الفرنسي اليوم مثلا، نجد “طوائف” او فرق عنصرية ودينية ولغوية تنتمي الى جميع الاديان الحية اليوم، ومعظم اللغات التي تنطق بها الجاليات المختلفة الموجودة في المجتمع، والنظام التربوي الفرنسي لا يزال يتبنى المبادئ التي وضعتها الجمهورية الثالثة لتوحيد الوعي القومي في أواخر القرن التاسع عشر.

اليوم بات بالامكان تقديم البكالوريا الفرنسية بالبروتون او بلغة الباسك.

الآن بدأوا يعتنون بذلك ولكن مثلا التدريس لا يعطي المكانة اللازمة للجاليات العربية والاسلامية الموجودة بفرنسا أو بألمانيا.

الحرب العادلة والفوضى الدلالية

= لنعد الى موضوع المحاضرة التي ألقيتها في جامعة البلمند: “اعادة التفكير في الظاهرة الدينية بعد 11 أيلول”. كشف الحدث ازمة تخص الحداثة الغربية واخرى تخص المجتمعات التي لم تحقق حداثتها. تبع الحدث حرب تستخدم العنف الايديولوجي الى العنف الحربي، وجاء بيان المثقفين الاميركيين الذي تطرقت اليه في محاضرتك، حيث تناولت مفهوم “الحرب الباردة” من حيث اندراجه ضمن المعجم اللاهوتي القروسطي. في المقابل، يمكن ان نجد في عملية استحضار المفهوم رغبة في الخروج من سياسية الحرب بالمعنى الكلاوزفيتسي، ما يكلل الخروج من السياسة كما عرفها عصر الحداثة. “الحرب العادلة” هي ايضا حرب ضد الخارجين عن العدالة. انها حرب ملاحقة “مجرمين”، “ارهابيين”، ويجري فيها استحضار معجم آخر، هو معجم الكريمينولوجيا. ليس هناك بالتالي حصرية للمعجم اللاهوتي القروسطي، بل هناك مزاوجة له مع معجم آخر، وفي معرض الافراغ من السياسة او تفريغها.

عندما قرأت البيان الذي اصدره هؤلاء المفكرون والباحثون استغربت امرهم وفكرهم واستغرب طريقتهم في التدخل في قضايا من الاهمية بمكان اذ تخص كيفية الاعتماد على العقل اليوم أمام الاحداث التاريخية التي نشاهدها ونعاني منها. ونجد ان باحثين ومفكرين يرجعون الى معجم لاهوتي ويقدمونه بلغة معجم موصوفة بالحديثة، بينما هم يخلطون بين الحداثة والاستدلالات التقليدية القديمة الراجعة الى ما قبل الحداثة، ويخلطون بين مستويات المعرفة ليعطوا “مشروعية” لحرب ليست لها أية صفة، لا من مشروعية قديمة، لاهوتية او فلسفية، ولا من مشروعية حديثة تتبنى ما يمكن ان نستمده من معلومات واستدلالات في ما يتعلق بنقد العقل التشريعي او الفلسفي او الديني او التاريخي او الانثروبولوجي. هذه المستويات من نشاطات العقل الحديث وهي اما مجهولة، اما مرفوضة عمدا، وذلك بغية اعطاء مشروعية لحرب تعسفية فرضتها على الشعوب ارادة الهيمنة المتخلفة، البدائية، الوحشية، البعيدة كل البعد عما يقدمه هؤلاء العلماء باسم القيم الغربية الديموقراطية. أقول هذا لا لأؤيد موقفا ضد آخر، لا لأؤيد موقف الضعفاء، او بالاحرى لا لأؤيد الوضع التاريخي للشعوب المستضعفة، مع ان تلك الشعوب تستحق المراعاة والحماية والتأييد، ولكن في نفس الوقت من الواجب عليها ان تتبنى هي ايضا، وخاصة على مستوى “نخبها”، ما من شأنه ادراك النقائص الفكرية والمواقف التعسفية التي تقفها باسم اصالة مخيالية وقيم تقليدية لم يفكر فيها بعد تفكيرا نقديا حتى يتميز الجانب الأنسني منها من الجانب التحجري الذهني والتقاليد المميتة للايمان والتفكير وللقيم التي تحتاج اليها اليوم كافة المجتمعات والجماعات والذاكرات الجماعية. اقول هذا في ما يخص المجتمعات الاسلامية، ملحا من جهة اخرى على نفس النقد للقيم “الغربية” كما تمارس في الفكر السياسي وفي الاستراتيجيات الجغرافية التي تفرضها ارادة الهيمنة على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

= ولكن ألم تنته الجغرافيا، أليست هذه الحرب نهاية للجغرافيا السياسية؟ أليست اختتاما للسياسة في معناها الحداثوي او التحديثي؟ “المارينز” اليوم فوق جبال أفغانستان والهملايا، الا يقفل ذلك مدلولات الاستعارة المؤسسة للجغرافيا السياسية، استعارة امبراطورية البحر وامبراطورية البر. الدولة الامة تذهب الى غير رجعة، وثمة نموذج معمم، لا داخل فيه ولا خارج، يفرض نفسه في ما وراء الحداثة. في المقابل نجدك تطالب بأن يصاغ النظام العالمي كما تصوغ دولة القانون النظام السياسي في بلد ما؟ ما إمكان ذلك في فضاء ما بعد الدولة الامة؟

هناك بعد 11 أيلول كلمة لا تزال غائبة في الخطاب السياسي الغربي. أقول كلمة ولا أقول الخطاب، لان الكلمة حاملة لقيم أنسنية لا يحملها مع الأسف الخطاب السياسي الذي جرى ولا يزال يجري ليس بعد 11 أيلول فقط ولكن منذ الخمسين سنة الماضية. هذه الكلمة الغائبة ليست تلك التي تعلن على العالم دعوة مثالية للسلام بل التي تعني الالتزام بمبادئ أنسنية في تدبير العلاقات الدولية على أساس شرع دولي جديد وتعريف غير ايديولوجي لمبادئ حقوق الانسان، مع محاكم دولية تكون لها قدرة التدخل في جميع الاوضاع السياسية الخاضعة لمبادئ الاستبداد على الشعوب. وهذه الكلمة لن تصغي اليها الشعوب الا اذا كانت مبنية على ثقافة وممارسة للتاريخ تحترم جميع ما ذكرته في ما يتعلق بحرية الذاكرة الجماعية في الكلام عن نفسها. والكلمة الغائبة هي التي تأخذ بعين الاعتبار التفاوت التاريخي والمدني والمعرفي الذي يفصل بين الشعوب المعاصرة اذ نرى التكنولوجيا محتكرة في البلدان الثرية التي تقدر على انتاجها لخدمة هيمنتها على سائر الحضارات والثقافات التي لم تجد طريقا ولم تتوفر لديها الوسائل العلمية والثقافية حتى تخرج من مآزقها الايديولوجية التي ادت بثقافاتها وتراثاتها الدينية الى الانحلالات والتمزّقات والتهميشات التي تعاني منها لأسباب عديدة منذ الخمسين سنة الماضية، ومن دون ان تساعد الأمم الثرية في تشجيع انظمة تربوية وبرامج بحوث علمية لانقاذ تلك الشعوب من جميع المواقف التطرفية والاصولية التي تستتبع نشر الجهل والضعف داخل المجتمعات وخارجها.

أزمتنا هي أزمة عدم تحقيق الحداثة في عصر ما بعد الحداثة. الحداثة الغربية أسستها لحظات ثلاث، تضمن كل منها توترا وصراعا يتواصل ويتقاطع مع التوتر والصراع في اللحظة الاخرى. أعني بهذه لحظات: عصر النهضة، حركة الاصلاح الديني، عصر الانوار. نحن انتظرنا طويلا ولم تأتنا اي من هذه اللحظات. انتظرنا اصلاحا لوثريا في الاسلام. لم ولن يأت. في المقابل انقسمنا بين دعاة ولوج المجتمعات الاسلامية الى الحداثة من طريق “التحديث”، وبين دعاة شق السبل الى حداثة اسلامية تتفرد بلحظاتها الخاصة. في الحالتين يبقى اقرار بأن لحظة الاصلاح اللوثري للاسلام لن تأتي، ويجري التعامل على هذا الاساس. هل الحداثة المفقودة هي تلك الكلمة الغائبة في ما يخص مجتمعاتنا؟

الكلمة الغائبة ضائعة بالغرب، كذلك في المجتمعات الاسلامية اذ نجد عددا كبيرا من المسلمين يسعون الى حل مشكلاتنا بأسلمة الحداثة بينما آخرون يدعون الى تحديث الاسلام. لهذين الموقفين مشروعية تاريخية ثقافية ونفسانية ولكن يجب على الباحثين ان يمعنوا التحليل النقدي التاريخي والانثروبولوجي واللاهوتي والفلسفي والتشريعي في جميع الخطابات الجارية في التيارين المذكورين لأننا في حاجة الى اعادة كتابة تاريخ الفكر الاسلامي، كما ان المسيحيين واليهود في حاجة ماسة ايضا الى اعادة الكتابة واعادة التفكير في جميع ما يتعلق بتاريخ الاديان المنزلة الثلاثة.

لا يمكن ولا يحق لأحد علميا وفكريا ان يدعو الى مسحنة الحداثة او أسلمتها دون ان يتسلح بالأدوات العلمية والاطر الفكرية التي يمارسها العلماء المتخصصون في علوم الانسان والمجتمع. وهذه العلوم كما يمارسها الباحثون بالغرب لا تقدم الى يومنا هذا الا مناهج واشكاليات وإسهامات تستوجب هي ايضا اعادة النظر فيها قبل ان تستوظف للاجابة على الاسئلة المطروحة خاصة في مجتمعاتنا الاسلامية العربية التي لا تزال بعيدة كل البعد حتى مما آلت اليه الحداثة الكلاسيكية من نتائج وتفسيرات وتأويلات يتقيد بها خطابنا العلمي وخطابنا التربوي.

هنا ايضا ألح على ان هناك كلمة غائبة في البيئات الاكاديمية التي لا تزال تدعي الحداثة او الاعتماد على الحداثة دون ان تشعر ان هناك حداثة كلاسيكية تندرج في تاريخ الفكر، ولا تصلح هذه البحوث والتأويلات للتحديات العديدة التي لا يزال يتفاقم ضغطها علينا بعد حوادث كحرب الخليج، والحرب التي نحن فيها منذ 11 أيلول.

ماذا أعني بالكلمة الغائبة؟ لا أعني فقط رؤية سياسية جديدة اكثر ملاءمة لحل القضايا المطروحة. أقصد اكثر من ذلك ما لا يمكن التفكير فيه في الفكر الغربي المعاصر، وخاصة في ما يتعلق بالفكر التشريعي والسياسي والاقتصادي والتربوي. ليس هناك فكر يوثق به حتى نعتمد عليه لتوجيه اعمالنا وقراراتنا وحلولنا للقضايا المطروحة. واذا كان هذا ينطبق على الفكر الغربي المعاصر فماذا يمكن ان يقال في شعاراتنا الايديولوجية المزيفة والمضللة لا للعقل الفعال فقط المستشعر بمسؤولياته الجديدة بل المضللة والمفككة للذاكرات الجماعية والمخيالات الاجتماعية.

ان مفهوم الكلمة الغائبة يفرض نفسه كموضوع للبحث والتفكير على جميع الثقافات والاطر التفكرية المستعملة والمعتمد عليها في جميع المجتمعات المعاصرة. واذا اقتنعنا بأن هناك كلمة غائبة في مستوى جميع الانظمة السياسية الموجودة اليوم في العالم، وكذلك في مستوى جميع البيئات الاكاديمية والعلمية، وعلى مستوى جميع الاطر المتكلفة برعاية الاديان وتعليمها والدعوة الى الاقتداء بها، اذا ما بلغنا هذه الدرجة من الاستشعار بالبحث عن كلمة أمل وإنجاز توجه الى جميع الشعوب المعاصرة، يمكن ان ننطلق في مشروعات تاريخية تعتمد على ما أسميه العقل المستقبلي الذي ليس له بعد الوجود المنتشر في الخطابات المترددة علينا في كل مكان، ومن كل “الحضارات”.

= تتحدث عن كلمة غائبة في زمن شيوع كلمة واحدة في كل خطاب وسجال: الارهاب. كيف تتعامل كمفكر وباحث “مهاجر” مع هذه المقولة الرائجة؟

ظاهرة الارهاب متعلقة بالفوضى الدلالية الشاملة في جميع أنحاء العالم. هناك فوضى دلالية ايضا في الغرب والمجتمعات الغربية، لان العقل الذي يستوظف في الخطابات المعاصرة هو في ازمة فكرية اذا لا يمكنه ان يشير الى قيم تفرض نفسها على كل وعي بشري معاصر، ولا معيار يفرض نفسه في عملية التأصيل للأحكام الشرعية التي يحترمها كل مواطن في وطنه وكل مواطن خارج وطنه.

لقد وعدنا منذ نهاية الحرب الباردة بالانتقال الى نظام شرعي دولي جديد. بعد عشر سنوات من حرب الخليج دخلنا في حرب جديدة، ولا نزال محرومين من محكمة دولية ترفع اليها القضايا العديدة لملاحقة المتعسفين من رؤساء الدول على غرار ميلوسوفيتش. ان هناك ميلوسوفيتشات لا تزال تتعدد.

عوض ان نصل الى ما تتوق اليه جميع الشعوب في ما يخص قانونا دوليا محترما ينفذ في كل مكان وعلى كل من يتبنى سياسة مجرمة نحن أمام قرارات تعسفية تأخذها إرادة واحدة لا تُسأل عما تفعله وهم يُسألون.

  • جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 12 نيسان / أبريل

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس
الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا
ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

التصنيف: حوارات  الوسوم: ,
تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.

التعليقات مغلقة