ما بعد الكولونيالية.. من الهامش إلى المركز غزلان هاشمي | موقع أرنتروبوس

GOZLAN 

ما بعد الكولونيالية.. من الهامش إلى المركز

الباحثة والناقدة غزلان هاشمي

يشير مصطلح ما بعد الكولونيالية إلى حقل من حقول الدراسات الثقافيةالمنتجة في زمن ما بعد الحداثة، حيث اعتمدت على دراسة أدب الحداثة بالنظرإلى محتواها الثقافي وكشف تجلياتها الامبريالية، وكذا رد الاعتبار إلىالحواف والهوامش التي سعت في نضالها إلى خلق مكانة ودور جديدين بزحزحةالمركز وإعادة تشكيله أو إلغائه، وهذا بالحكم على الأمور وفق نظرة متزحزحةعن المعايير التي أنتجتها ثقافة المركز، التي تروم خلق هوية للمغاير مطابقةلمعايير الذات ومستمرة للحظاتها التاريخية.  إن هذه النظرية ترفض الصياغةالغربية وتسعى لرسم حدود المختلف، بحفاظها على هوية إنسانية واسعة تتلاقىفيها جميع الثقافات، أو كما اصطلح عليه ادوارد سعيد في الإستشراقبـ”الهجنة”، التي تعني الرفض التام لمبدأ الهوية النقية التي صاغها الغرب،وقام بصناعتها من أجل جعل باقي الثقافات تسعى لتبنيها من منطلق رد الفعل.
يعتبرادوارد سعيد وغاياتري سبيفاك وهومي.  ك. بابا الثالوث المقدس لهذهالنظرية، بحكم أنهم هاجروا من بلاد الهامش إلى بلاد المركز، مما جعلهميحتفون بالهجنة في عالم جديد أرادوا فيه البحث عن صورتهم  بدلا عن ثقافاتهمالوطنية.
تسعى ما بعد الكولونيالية إلى نقد الفرضيات التي تقوم عليهارؤى المركزية الأوربية، على اعتبار أنها مصطلح أطلق على كل ثقافة تأثرتبالوجود الامبريالي الذي أنتج أيديولوجيا غربية متعالية، ومجد صفة الإنكارلكل ماهو طرفي أو هامشي، وكانت البداية مع اللغة التي اعتبرت أداة للسلطةمن خلال تمسك الذات بلغة المركز، وتأسيس خطاب يكيف ليلائم المكان المستعمر. تتحقق هذه الكتابة بالنظر إلى عمليتين أساسيتين تتمثلان في الإقصاء ـ أيإنكار تميز اللغة الاستعمارية والتمرد على المفاهيم المعيارية التي تحددماهو صحيح في هذه اللغة ورفض سلطتهاـ، والاستيعاب أي محاولة فهم لغة المركزثم إعادة بنائها وتشكيلها من خلال توسيع نطاقها، حتى تتمكن من استقبالاستخدامات جديدة تكون رمزا للانفصال عن الامتياز الكولونيالي. من هنا اتجهتهذه الكتابة إلى تفكيك أفكار المركز، وإنتاج فكر يجادل في أصالته ويحكمعليها بالتزييف، إذ أن ماهو أصيل في الحقيقة هو ما بدا لنا هامشيا.  إنمهمة تفكيك الخطابات الاستعمارية تهدف القضاء على الاختلاف والتمايزات التيساقتها الممارسات الخطابية الغربية، والتي أنتجت في جو من القوة والسلطةوالمعرفة المحتكمة إليهما، وتحاول التخلص من الممارسات المعقدة التي أنتجهاالتخييل، لتعبر عن هوية هاربة من حدود اللااعتراف، بل وتحاول التوقف عندحدود التمثيل المؤدلج الذي يحتكم لمنطق السيطرة.
تمثل كتابات ادواردسعيد اتجاها جديدا يروم البحث عن إشكالات التمثيل الذي تمارسه الخطاباتالغربية الاستشراقية، والتي أسهمت في بلورة تصور استعار نموذجه لا من حقيقةالتمثيل والتصوير نفسه، ولا من إرادة الذات في الكشف عن العوالم المغيبةبطريقة علمية موضوعية، وإنما من رغبة دفينة في موضعة الآخر المتمثل فيالشرق في إطار من التهميش والانتقاص، بل وإعادة تشكيله في المتخيل الغربيبطريقة تستبعد هويته وتطمس حقيقته، حيث يصبح معه الشرق صنعا غربيا، يتمإدراكه بوصفه عالما عجائبيا، ومكونا تتجمع فيه الذكريات والغرائبية وكلماهو استثنائي، مما يتيح لفكرة التراتب والتمايز أن تظهر بين شرق وغرب، حيثبين في كتابه الإستشراق”كيف أن الصورة الغربية عن الشرق، تلك الصورة التيصاغتها أجيال من المشتغلين بالعلم، تنتج أساطير عن كسل الشرقيين وخداعهمونزعتهم اللاعقلية”(1).  درس سعيد الإستشراق بوصفه أسلوبا غربيا من أساليبالسيطرة على الشرق، عن طريق تفكيك خطابه وإبراز تناقضاته، فبين أنه ـ أيالإستشراق ـ”ليس مجرد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبية في الثقافة،والبحث، والمؤسسات، كما أنه ليس مجموعة كبيرة ومنتشرة من النصوص حول الشرق،كما أنه ليس معبرا عن، وممثلا لمؤامرة امبريالية غربية شنيعة لإبقاءالعالم الشرقي حيث هو بل انه، بالحري، توزيع للوعي الجغراـ سي إلى نصوصجمالية، وبحثية، واقتصادية، واجتماعية، وتاريخية، وفقه لغوية، وهو أحكام لالتمييز جغرافي أساسي وحسب [العالم يتألف من نصفين غير متساويين، الشرقوالغرب] بل كذلك لسلسلة كاملة من المصالح التي لا يقوم الإستشراق بخلقهافقط، بل بالمحافظة عليها أيضا بوسائل كالاكتشاف البحثي، والاستبناء فقهاللغوي، والتحليل النفسي، والوصف الطبيعي والاجتماعي”(2)، وهو فوق ذلكإرادة للسيطرة والتحكم.
من خلال النص السابق يتضح سعي سعيد لإبرازفوقية الفكر الإستشراقي، الذي أنتج ضمن سياقات سياسية واجتماعية وعقائديةمحددة، حيث عبر هذا الفكر عن مركزية الغرب وتفوق العرق السامي، برسم العالمالمضاد عالم الشرق بطريقة تنزع إلى موضعته في حدود المهمش والمنتقصوإعادة كتابة التاريخ الثقافي الأوربي بصورة تحقق له الوحدة والاستمراريةمن جهة، وتجعل منه التاريخ العام للفكر الإنساني بأجمعه من جهة أخرى”(3)،ومن ثمة إبراز امبريالية هذا الاتجاه بكشف اختلاقاته التمثيلية، المنساقةنحو تركيب عوالم مزيفة تخضع للرغبة وتحيزاتها، وتنساق نحو تصورات الذاتوموجهاتها السياسية، إذ تركزت أهداف الإستشراق “في خلق التخاذل الروحيوإيجاد الشعور بالنقص في نفوس المسلمين والشرقيين عامة، وحملهم من هذاالطريق على الرضا والخضوع للتوجيهات الغربية”(4). إن هذه الدراسة هي مناقشةللآليات التي تستخدمها المعرفة من أجل بسط قوتها، واستبصار لما تخلقهالثقافة والأدب من تمثيلات غير بريئة، امتدت حدودها لتشكل الوعي المعاصر،ضمن معايير تقوم برسم صورة نموذجية ونمطية عن الذات والآخر، بل إنها محاولةلإدانة الاعتراف حينما يكون منجزا خطابيا من الآخر، وليس خلقا لأسئلتهالخاصة حول الهوية والعالم المشترك والمساواة المفترضة، هذا الاعترافالملتبس بفعل التحقير هو ما خلقته بؤر الصراعات من أجل تعزيز هيمنةالغرب..، أو هو ما خلقه ذلك الموقف اليائس من الذات التي تعيش مكانتها وفقموقع متسم بالغموض والتغييب، ويبين سعيد هذه الصورة من خلال توضيحه لدوافعكتابه المؤلف عن الإستشراق في قوله:”إن تجاربي الشخصية لهذه القضايا هي مادفعني جزئيا لكتابة هذا الكتاب. فحياة الفلسطيني العربي في الغرب، وبشكلخاص في الولايات المتحدة، تبعث اليأس في النفس. إذ يوجد هنا إجماع كليتقريبا على أن الفلسطيني غير موجود سياسيا، وحين يتسامح فيعترف بوجوده،فبوصفه إما أمرا مزعجا، أو شرقيا”(5).  يلحظ ادوارد سعيد أن العلاقة بينالشرق والغرب أظهرت ملمحين أساسيين، أولهما تنامي المعرفة الأوربية بالعالمالشرقي والتي دعمتها المواجهات الاستعمارية، والاهتمام بالوجود الأجنبيحيث غذت عدة علوم نامية كالتشريح المقارن وفقه اللغة والتاريخ..، إضافة إلىما أنتجه روائيون وشعراء ورحالة..  وثانيهما ظهور أوربا في موضع قوةوسيطرة. مما أنتج معها أحكاما تموقع الآخر بشكل مبتذل، وذلك تمهيدا للسيطرةعليه بدوافع مقنعة، إذ”الشرقي لا عقلاني، فاسق، طفولي، مختلف، وبالمقابلفان الأوربي عقلاني، متحل بالفضائل، ناضج، سوي”(6). ويواصل سعيد تأمله لفعلالاستشراق، حيث يجد أن موضوعه هو الشرقي الذي يوضع في قاعة التدريس، فيمحاولة لتصحيح مساره الإنساني من طرف الغرب، ومن ثمة أصبح مؤسسة تمارسسلطتها المعرفية تأكيدا لمركزية الغرب وهامشية ما عداه، و إنشاء لوضع مبنيعلى التمايز، هذا الوضع غذي برؤيا سياسية وخلق تفاضلا بين عالمين:عالممألوف هو عالم الغرب وعالم غريب مخالف هو عالم الشرق، وقد أسهمت الجغرافياالتخيلية في تقديم هذه الصورة القائمة على التراتب بين عالمين متضادين، إذاستغلت آليات التمثيل لرسم فوقية الغرب عن طريق وسمه بصفات متعالية، تبرزايجابياته بشكل واضح وتطمس في المقابل ميزات الشرق، عن طريق تقديم صورةنمطية تمتثل لمعايير الغرب، وتمثل الشرق لا كما هو موجود بل كما هو مأمولفي المتخيل الغربي، “ولا يقتصر الأمر على أن الشرق يعدل بحيث يستجيبللضوابط الأخلاقية للمسيحية الغربية، بل إن الشرق يحاط بسلسلة من الآراءوالأحكام التي تدفع العقل الغربي لأغراض التصويب والتحقيق”(7)، ومن ثمةإنتاج أيديولوجيا إقصائية تحاكم الشرق واختلافه، وتعاقبه لخروجه عن حدودالمجتمع الأوربي، حيث تصبح شخصياته مخلوقات منتجة بفعل الفهم الغربياللامتجانس.
إن المواجهة بين الإسلام والغرب هدد مركزية الأخير وزحزحمكانته، مما جعل اللغة تتلاعب بالحقيقة المنتجة، وتؤسس عوالم واهمة عنالذات وعن الآخر المختلف، ومن هنا كانت جهود الإستشراقيين موجهة لخدمة فكرةالتمركز، بوضع أحكام إنتقاصية إزاء الآخر ومن ثمة إعطاء الشرعية لاستعمارهوالتحكم فيه بدافع تخليصه من بربريته وجهله، هذا الأمر وجده ادوارد سعيدبشكل واضح في حملة نابليون على مصر وما حمله مشروع المعرفة التي برر وجودهبها، إذ كانت مهمة هذا المشروع تتمثل في”أن يصوغ الشرق، يعطيه شكلا وهوية،وتحديدا يصحبه اعتراف كامل بمكانته في الذاكرة، وبأهميته بالنسبةللإستراتيجية الإمبراطورية، وبدوره الطبيعي من حيث هو ملحق لأوربا”(8).  إذن أنتج الإستشراق معرفة متواطئة تحول معها إلى مؤسسة امبريالية تتحيز فيرؤيتها للآخر الشرقي إلى الذات، حيث وجد سعيد أن الجغرافيا التخيلية وأدبالرحلات أسهما في تعزيز المركزية الأوربية وفي التعامل بنوع من الاصطفاءالعدواني الذي يلغي الآخر ويقصيه، ومن ثمة تصوير الشرق على أنه موجود لأجلالغرب ولأجل تعزيز مكانته، أو هو اكتشاف من اكتشافات الذات الغربية تحولإلى مكون غربي، وإلى رمز لسيطرة هذه الذات على العوالم المجهولة، هذاالشرق الذي يتجلى في الإستشراق، إذن هو نظام من التمثيلات مؤطر بطقم كاملمن القوى التي قادت الشرق إلى مجال المعرفة الغربية، والوعي الغربي”(9).  وقد وجد عبد الله إبراهيم أن هذه التمثيلات موجودة في ثنايا الخطاباتالفلسفية الغربية، التي تحتفي بنوع من التعالي إزاء الآخر.
كانت كتاباتادوارد سعيد تمثيلا لصراع مركز مع هامش، صراع خطابات، حيث مثل جيلا منالكتاب يسعى لخلق المختلف وخلخلة الثابت، فادوارد سعيد “ذلك المفكر الذيتأبى نتاجاته التشرنق أو التخندق أو القولبة أو الاصطفاف في أي من أبوابالمنهجيات والشعاب الأيديولوجية، أو أشكال الانتماء الموحدة انه نموذجالانتماء الحواري الذي يختلف ويتنوع، ويتطابق ويختلف، ففي تطابقه اختلاف،وفي اختلافه تعدد..”(10)، وفي كتاباته تلمس لذلك التعدد واحتفاء بكلالأدوار المحقرة.  لكن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل استطاع سعيد التحرر مننطاق الهيمنة الغربية بعد كشفها في الخطابات الاستشراقية؟، ألا يعدالاعتماد على مناهج الغرب في دراسته وفضح أساليبه، من باب الاعتراف بهيمنةالآخر على عقولنا وكل طرق تفكيرنا؟، أليس من الأولى أن نفكر كيف نؤسس نظرةمغايرة تؤمن بحدود المختلف، وتحتفي بهويتنا وتفكيرنا المتحرر من قيودالإتباع؟.
يعد فرانز فانون أحد رواد مابعد الكولونيالية، إذ نشر كتابابعنوان”المعذبون في الأرض” عام1961، تضمن مقالا تحت مسمى”حول الثقافةالوطنية”، حاول من خلالها إرساء دعائم النظرية النقدية المتجهة إلىالاستعمار بالنقد والمساءلة، “في تعاطف شديد مع الدول المستعمرة التي لميكتف الأوربيون، كما يقول فانون بتخريب حاضرها وإنما اتجهوا إلى ماضيهاأيضا، وسعوا إلى هدمه أو تشويهه بالقدر نفسه من الشراسة”(11)، من أجل ذلكسعى مثقفو هذه البلدان المستعمرة للعودة إلى ثقافاتهم الوطنية من أجلاستعادتها.
وأما المفكروالفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي والذي كان أحدقياديي الحزب الشيوعي الفرنسي في سبعينيات القرن العشرين، فقد ظل يهاجمالصهيونية رغم ما وجده من معارضة شديدة من الإعلام الغربي، ورأى أن مهمةالمفكر هي تحطيم كل الأغلال والأصنام والأساطير التي تحكم العالم خاصةالخرافات اليهودية. وصدرت له العديد من المؤلفات في هذا الموضوع منهاالأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل”، والذي كان سببا في تقديمه للمحاكمةوالسجن مع إيقاف التنفيذ. وكذا كتاب “أمريكا طليقة الانحطاط“.
في كتابهالإرهاب الغربي” الصادر عن دار الأمة الجزائرية، تناول المفكر جذورالإرهاب الثقافي والسياسي والاجتماعي منذ ثلاثة آلاف سنة قبل ظهور الحضارةالأمريكية الحديثة، وهذا المصطلح الذي تستعمله أمريكا الآن لمحاربةالإرهاب. وأما في كتابه “الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها” يتعرضغارودي للأصوليات المنتشرة في الغرب والشرق، إذ يجد أن الأصوليات لها فكرمتعالي ومركزي، حيث ترى نفسها أنها خلاص للبشرية كلها، وتدعي امتلاكالحقيقة المطلقة للدين والفكروتحتكرها لتمثيل ذلك، وهذا ما يجعلها ذات منحىاصطفائي معاد للديمقراطية، ومهمش للآخر ومبرز للعنف ضده ومقصي له، ممادعاها لاختراع العدو والعيش في الماضي، واستحضاره في صيغة جواب عن إشكالاتالحاضر، ويميز جارودي بين هذه الأصوليات، فبالنسبة للأصوليات الغربية يرىأن أولها الأصولية العلمية، التي تنطلق من اعتبار العلم مبدأ النظام الجديدعلى أساس أنه وقائع ثابتة، إذ تستند في رؤيتها إلى التفوق الغربي علمياوتقنيا في العالم أجمع، ومن هنا فالعلم قادر على حل كل مشكلات البشرية منهذا المنظور، وهذا ما حوله إلى أصولية قامت بتوظيف منجزات العلم في الإقصاءوالتصفية والتهميش والإبادة..، واستبعاد كل قيم الحب والإيمان والإبداعالفني في الوقت ذاته. النوع الثاني من الأصوليات الغربية “الأصوليةالستالينية” إذ اعتبرها انحراف عن الماركسية التي في جوهرها فلسفة نقديةتختلف عن كل مذهبة أصولية، فالثورة البلشفية انحرفت منذ لينين وخاصة في عهدستالين، وحولت الحزب إلى بديل عن الطبقة ومتكلم باسمها، وصار الجهاز يتكلمباسم الحزب والقادة باسم الجهاز إلى أعلى سلم فيه، والذي يتحدث باسمالجميع، مما حوله إلى نظام متسلط طاغ لا يسائل الواقع ولا يستجوبه، وهذا ماحولها إلى لاهوت يحتفي بالنموذجية المتعالية، وصار معها النموذج السوفياتيهو النموذج الأوحد للاشتراكية وأقصيت كل النماذج الأخرى.  النمط الثالث هوالأصولية الفاتيكانية ومثلت سلطة الكنيسة بكل مكوناتها الهرمية، إذ قامتبفرض قانونها والعودة إلى الماضي لإبراز الإيمان المسيحي في شكل غربي، ممايسمح بصفة الاصطفاء لأن تظهر على اعتبار أن جميع تلامذته ومريديه همالحاملون للحقيقة المطلقة للبشر، والنمط الرابع هو الأصولية اليهودية التيبرزت أكثر في القرن العشرين مع المشروع الصهيوني لإقامة دولة لليهود فيفلسطين، ونجح الأخير بفضل الدعم الغربي بعد أن استند إلى مرتكزات عنصريةومذهبية.
فإسرائيل تحولت إلى نموذج كبير للأصولية بإلغائها الآخروإقصاء حقه في الأرض. أما الأصوليات الإسلامية فيتوقف غارودي عند ثلاثةأنماط الأول الاسلاموية الجزائرية التي قمعت الآخر وحاربت المجتمع، وتخفتتحت عباءة الدين وتغذت من موروث استعماري فرنسي مقصية كل تفكير ديني تقدمي. النمط الثاني الاسلاموية الإيرانية حيث كانت ثورة عكس التاريخ، إذ رفضتالحضارة الغربية رفضا مطلقا فكانت ضد الحضارة وتقدم الإنسان وقيم الغرب،واعتمدت على تراث ديني متمثلا في مبدأ الإمامة الشيعية، أو كما ترجمهاالخميني في نظرية”ولاية الفقيه”، والتي توازي في مضمونها ماكان سائدا فيالقرون السابقة في اعتبار البابا ظل الله على الأرض. النمط الثالث الأصوليةالسعودية وأصولية الإخوان المسلمين، والتي انطلقت من شعار الإسلام هوالحل، ودعت للعودة إلى التراث والذي ترجمته السعودية في طاعة الحاكم تنفيذالمشيئة الله، والإخوان المسلمين في دعوتهم لنظام الخلافة الإسلامية علىاعتبار أن الخليفة وكيل الله. وهنا يرى غارودي أن التصدي للأصوليات يشكلتحديا كبيرا من أجل بناء النظام الديمقراطي.
ومن أجل خلق علاقات حواريةفي عالم يعترف بالهويات المتجاورة، يدعو غارودي إلى احترام الآخر وحضارتهبعيدا عن كل الممارسات الاقصائية أو أي فكرة تبيت التنافس والسيطرة، وفيهذا الصدد يقول:”ومن الواجب أن نتعلم من الحضارات الأخرى، بصورة أساسية،المعنى الحقيقي لعلاقة المشاركة الإنسانية التي تجد كل فاعلية ذاتها وهيتنهض بعبء من أعباء المجتمع المسؤول”(12).  وذلك ما يؤصل لمبدأ الشراكةوالتفاعل الايجابي.
قدم المفكر الأوربي تزفيتان تودوروف قراءة في الفكرالغربي، إذ قام بمساءلته بعيدا عن قيود العقائدية الفكرية، وسوق في كتابهروح الأنوار” تصورا جديدا حول رؤية الفكر الغربي وتناقضاته الخاصةبالإنسان المعاصر، وقد راجع فيه مدى فاعلية الأنوار وتأثيره على حياةالمجتمعات، حيث رأى فيه مولدا للإقصاء والتهميش ولكل نظام شموليوأيديولوجيا استعمارية، إذ أعلى من شأن الإنسان وقيم الحرية والمساواة،لكنه أدى لعكس ذلك أي لسحق الإنسان.
قام تودوروف بنقد التوظيف الغربيالسيئ وغير البريء للعقلانية والاختلاف الذي احتفت به فلسفة الأنوار، وشخصكل الممارسات السياسية الغربية ليصل إلى أنها أساءت لهذه الأفكار. لقد حاولتودوروف في هذا الكتاب أن يراجع التقبل الغربي لعصر الأنوار، إذ تحرر منالنظرة التاريخية لينظر في مدى فعالية الأنوار وقدرته وتأثيره على حياةالمجتمعات، إنه تشريح للواقع الراهن واتهام لهذا العصر بأنه مولد للنظامالشمولي والأيديولوجيا الاستعمارية، وإحراج للسلطة السياسية الغربية بفضحممارساتها التي كانت في عمقها خيانة لروح الأنوار.
دعا تودوروف إلىإعادة التفكير في روح التنوير ووجد أنه مشاعا إنسانيا لا احتكارا غربيا،وأيضا دعا إلى المساءلة والتشكيك والى رفض كل نظرة تقديسية لأي عقيدة أومؤسسة. وفي الفصل الثاني من هذا الكتاب أبرز أهم الانتقادات الموجهة لفكرالأنوار، إذ وجد أن الدول الأوربية رأت نفسها أرقى من كل الأمم، وأن قيمهاهي القيم المثلى التي يجب على باقي الأمم التمثل بها، مما هيأ لفكرةالاحتلال وشكل سندا لتبرير الاستعمار، بوصفه حاملا لقيم التقدم التي علىأوربا أن تنشرها في العوالم المغايرة لتخليصها من التخلف.
قام تودوروفبدراسة الآلية التي تستخدم من طرف الغرب لإقصاء الآخر وتهميشه، ففيالثمانينات انكب على دراسة الظواهر الاستعمارية الاستشراقية، وماهية التصورالغربي للآخر أثناء اكتشاف أمريكا. في كتابه”نحن والآخرون” ركز على ماطالالذاكرة من تخريب بفعل آليات مختلفة استعملها الاستعمار.
فكك تودوروفالخطاب وتشكيلاته المتخيلة والتي تحوي نبذا للآخر وإقصاء له، وقد عمققراءته في مشروع ادوارد سعيد بل قدمه في تصديره لكتاب الاستشراق بالفرنسيةإلى القراء الفرنسيين، وناصر القضية الفلسطينية، بل حتى أنه حضر آخر حفلشعري قدمه محمود درويش في آرل جنوب فرنسا.
ولأجل وضع علاقة الذاتبالآخر موضع المساءلة، قدم عبد الوهاب المسيري قراءته لتعرية الأيديولوجيةالصهيونية في موسوعة”اليهود واليهودية والصهيونية”، وكتابه”الأيديولوجيةالصهيونية 1983، كما استطاع المفكر المصري حسن حنفي أن يمثل الوجه المضادللاستشراق في كتابه”مقدمة في علم الاستغراب”1991، وذلك بجعل الغرب موضوعاللدرس بعد أن كان دارسا في الدراسات الاستشراقية.
والتساؤل الذي يطرحنفسه:ألا تعد دراسات ادوارد سعيد للاستشراق وللمعرفة الغربية، بمثابة بحثعن البديل العلمي، إذ جعل الخطاب الغربي موضع البحث والمساءلة؟ ألا يعد ذلكتأسيسا لخطاب الاستغراب الذي دعا إليه عبد الملك أنور وحسن حنفي؟.

الهوامش:
1
ـ رامان سلدن:النظرية الأدبية المعاصرة. ص156.
2
ـ ادوارد سعيد:الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت/لبنان، ط4، 1995. ص47.
3
ـ محمدعابد الجابري:التراث والحداثة، مركزدراسات الوحدة العربية، بيروت/لبنان، ط2، 1999. ص27.
4
ـ محمد البهي:الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، دار الفكر، بيروت/لبنان، ط6، 1973.  ص534.
5
ـ ادوارد سعيد:الإستشراق. ص59
6
ـ ادوارد سعيد:الاستشراق. ص71.
7
ـ المرجع نفسه. ص95.
8
ـ ادوارد سعيد:الاستشراق. ص112.
9
ـ المرجع نفسه. ص214.
10
ـ بشرى موسى:نظرية التلقي أصول.. .  وتطبيقات، المركز الثقافي العربي، المغرب/ لبنان، ط1، 2001 ص 79.
11
ـ د ميجان الرويلي د سعد البازغي:دليل الناقد الأدبي. ص160.
12
ـ روجي غارودي:حوار الحضارات، ترجمة:عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت/ لبنان، ط5، 2003 ص162

المصدر: مجلة دليل الكتاب http://www.dalilmag.net

الـمحـرر -

الدكتور مبروك بوطقوقة أستاذ الأنثروبولوجيا بالجامعة الجزائرية، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.
تعليق وحيد
  1. أشكر لكم جميل الاهتمام لكن الصورة المرفقة ليست صورتي وإنما صورة الشاعر سليمة ماضوي