الكتاب: الأنثروبولوجيا التطبيقية سياقات التطبيق ومجالاته المتعددة تأليف: ساتش كيديا وجون فان ويلجن ترجمة: د. هناء خليف غني | موقع أرنتروبوس

hana1

الكتاب: الأنثروبولوجيا التطبيقية

سياقات التطبيق ومجالاته المتعددة

تأليف: ساتش كيديا وجون فان ويلجن

ترجمة: د. هناء خليف غني

تقديم: أرسلت الدكتورة هناء خليف غني أستاذة اللغة لإنجليزية بالجامعة المستنصرية ببغداد مشكورة الفصل الأول من هذا الكتاب الممتاز حول الأنثروبولوجيا التطبيقية والذي قامت بترجمته ونظرا لطول الفصل فقد ارتأينا تقسيمه إلى أربعة أجزاء ستنشر تباعا.

الجزء الأول

تُعنى الأنثروبولوجيا التطبيقية، كما هو واضح من أسمها، بتطبيق المعارف، والمناهج، والمقاربات النظرية الأنثروبولوجية بهدف التصدي للمشكلات والقضايا المجتمعية ومعالجتها. والمحور الذي تدور حوله فصول الكتاب الحالي يتصل بمعرفة الآليات التي يتمكن بوساطتها الأنثروبولوجيون من وضع خبراتهم ومعارفهم النظرية والعملية تحت تصرف المحتاجين إليها في جملة من السياقات والمجالات. والهدف من توظيف هذه المعارف والخبرات، بحسب ما يؤكده الأنثروبولوجيون، هو الإستعانة بها في رسم السياسات، وإتخاذ القرارات، وتحديد الأولويات، واقتراح المبادرات التي من شأنها التخفيف من وطأة- وربما النجاح في معالجة- بعض المشكلات الاجتماعية، والاقتصادية، والصحية، والتكنولوجية الضاغطة التي تواجه المجتمعات البشرية المعاصرة. وفي ضوء إلتزامهم بحماية  خاصية التنوع في أنماط الحياة البشرية وضمان بقائها،  يضطلع علماء الأنثروبولوجيا التطبيقية بدورٍ محوري في مجال تطوير البرامج والمشاريع التي من شأنها التأثير في حياة الأفراد والمجتمعات البشرية. ان نطاق الدراسات التحليلية التي ينخرط فيها الأنثروبولوجيون تسهم إسهاماً مباشراً في تحدي الصور النمطية الشائعة عنهم في الأفلام السينمائية ومنتجات الثقافة الشعبية أمثال المغامر ذائع الصيت انديانا جونز في الفلم الذي يحمل الأسم ذاته، والمنقب عن الآثار الذي يعيش وحيداً بمعزل عن الآخرين، في أماكن بعيدة، وربما غير مأهولة.

ومما تجدر الإشارة إليه الزيادة في عدد الأنثروبولوجيين الحاصلين على شهادات عليا الذين فضلوا العمل في منظمات المجتمع المدني، والدوائر الحكومية، وقطاعات التجارة والأعمال المختلفة على العمل في مجال التدريس الجامعي. فطبقاً لما أوردته إحدى الدراسات الحديثة، بلغت نسبة حملة شهادة الدكتوراه ممن أختاروا العمل في غير المؤسسات الجامعية والأكاديمية الثلت تقريباً في العقدين الممتدين بين عامي 1977 و 1997. ولم يشهد هذا الوضع تغيراً في السنوات التالية، إذ ارتفعت هذه النسبة الى أكثر من (42%) في بعض الأعوام (برايس 2000).

ويتميز عمل الأنثروبولوجيين التطبيقيين  بكونه عملاً بين-معرفي بأمتياز لجهة اشتراك عددٍ كبيرٍ من الأطراف، أمثال صانعي السياسات الحكومية، والعاملين في المؤسسات والشركات ومنظمات المجتمع المدني وجماعات المصلحة الأخرى، والخبراء العلميين والتقنيين، واعضاء المنظمات والجماعات السكانية المختلفة، في إنجازه. وهذا التداخل والتعاون بين المعرفي الوثيق يتطلب من الأنثروبولوجيين التطبيقيين التحلي بالمهارات اللازمة التي تمكنهم من العمل مع الآخرين فضلاً عن ضرورة تعلمهم اللغات التقنية التي يستعملها المختصون والعاملون في الحقول المعرفية الأخرى بغية التواصل معهم. وثمة خاصية اخرى ينبغي للانثروبولوجيين التحلي بها هي ضرورة الإحاطة التامة بالمناهج البحثية والممارسات العلمية والتحليلية الشائعة، فضلاً عن أساليب التواصل المعتمدة في الحقل المعرفي الذي أختاروا العمل فيه لضمان حصولهم على المعلومات الضرورية، ثم توظيفها بدقة وكفاية عاليتين. وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي تحظى بها الممارسة العملية في المجالات التطبيقية وتفوقها، لجهة المكانة التي تحظى بها، على جملة متنوعة من المهارات البحثية والتواصلية، يُعد توفر عامليَ العناية والدعم من العناصر المهمة لضمان الحصول على النتيجة المطلوبة. وتكمن أهمية هذين العاملين في مساعدتهما الأنثروبولوجيين في تعزيز علاقات التعاون طويلة الأمد مع المجتمعات المحلية. وتستلزم عملية تحقق هذين العاملين مثابرة  الأنثروبولوجيين في عملهم وتعهدهم بالسعي الجاد لتحقيق جملة من الأهداف في النطاق العام للحقل المعرفي الذي يعملون فيه. وقد برهن الأنثروبولوجيون التطبيقيون على قدرتهم في التأثير في مجالات عملهم المختلفة ونجاحهم في تعزيز مصالح لا الحقل المعرفي الذي يعملون فيه فحسب، بل مصالح الأطراف المستفيدة من عملهم.

وتتميز المجالات التي من المؤمل ان يجد الأنثروبولوجيون التطبيقيون فرصاً للعمل فيها بالتنوع والتعدد، وكذلك بصعوبة تحديدها أو تعريفها على نحوٍ دقيقٍ. إذ يورد جون فان ويلجن (John Van Willigen) في كتابه الموسوم (الأنثروبولوجيا التطبيقية: مقدمة تعريفية، 2002، 8)، قائمةً طويلةً ومفتوحة، حسبما يؤكد، بالمجالات التي بمقدور الأنثروبولوجيين العمل فيها.

وانطلاقاً من ذلك، يضع المجلد الحالي نصب عينيه مناقشة مجالات التطبيق المهمة التي يمكن فيها للأنثروبولوجيين توظيف معارفهم، ومناهجهم، ونظرياتهم، ومهاراتهم ذات الصلة بالأنشطة التطبيقية بغية الربط ما بين الجوانب النظرية والعملية، وبالتالي النجاح في تفعيل العلاقة بين البحث والسياسة والفعل. ومجالات التطبيق المطروحة في المجلد الحالي تشمل التنمية، والزراعة، والبيئة، والصحة، والطب، والتغذية، وسياسات التوطين السكاني، والتعليم، والشيخوخة، وهي، كما هو واضح، مجالات متنوعة وواعدة. وقد حرص الأنثروبولوجيون التطبيقيون العاملون في هذه المجالات على توظيف خبراتهم ومعلوماتهم المستمدة من الدراسات، والأبحاث، والأدبيات الخاصة لا بحقلهم المعرفي فحسب، بل بكافة الحقول المعرفية الاخرى فضلاً عن المؤسسات، والمنظمات المهنية، والمشاريع، والبرامج الحريصة جميعها على توظيف أفضل المعارف والتقنيات وأحدثها في مجالات عملها. وهناك عددُ لا حصر له من مجالات التطبيق التي ما برح الأنثروبولوجيون يشحذون همهم فيها، ويوظفون مهاراتهم وفي الوقت نفسه يُسهمون في إثراء حقلهم المعرفي الأم وتطويره. والفصل الحالي معني بتقديم نبذة موجزة عن السياق العام الذي ينشط فيه العاملون في حقل الأنثروبولوجي بعامة، وتسليط الضوء على المسارات التي أتخذها تطور هذا الحقل وتاريخه، ومناهجه، والأدوار التي يتوقع منه أداؤها، وأخيراً وليس آخراً، أخلاقياته التطبيقية. أما خاتمة الفصل الحالي فكُرست لتقديم نبذة موجزة عن كل مجال من مجالات التطبيق المختلفة التي نشط فيها علماء الأنثروبولوجي.

الأنثروبولوجيا التطبيقية: نظرة على السياق التاريخي:

تمثل بداية علم الأنثروبولوجيا التطبيقية نقطة بداية علم الأنثروبولوجي ذاته. وقد بينَت جهود بعض الأنثروبولوجيين الذين أهتموا بدراسة تاريخ حقلهم المعرفي رجوع بدايات تأسيس الأنثروبولوجيا التطبيقية الى بواكير العصر الكلاسيكي. فقد جمع المؤرخ اليوناني، هيرودتس (Herodotus) (485-325  قبل الميلاد) المعلومات والبيانات عن الشعوب المجاورة في منطقة حوض البحر المتوسط لصالح حكومته بغية مساعدتها في وضع السياسة الخارجية لليونان (فان ويلجن 2002). وفي واقع الأمر، كانت غالبية المؤلفات ذات الطبيعة الأنثروبولوجية في تلك الحقبة تسعى الى تحقيق غايات عملية محددة من قبيل الحصول على المعلومات اللازمة عن الأعداء والأفراد الذين يُحتمل توظيفهم لدعم السلطة والحفاظ عليها. ويلاحظ الأمر ذاته في الحقب التاريخية التالية أمثال حقبة الهيمنة الفارسية وآبان حكم الأمبراطورية الرومانية والحكم الصليبي (غويني 2003).

وفي ظل هيمنة السياسة الأمبريالية ومفاهيم التوسع الجغرافي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أدركت الدول الغربية أهمية الإفادة من الدراسات الأنثروبولوجية عن الشعوب والمجتمعات البعيدة الأخرى لتمكينها من إحكام سيطرتها وضمان تطبيق استراتيجيات الهيمنة والاستغلال الاقتصادي المناسبة لها. ويُعد الأب جوزيف لافيتو (Joseph Lafitau) من طلائع الباحثين التطبيقيين البارزين في أمريكا الشمالية الذي سافر الى منطقة فرنسا الجديدة ( New France) في 1711 للعمل مبشراً في أوساط هنود الإيروكوا [نمط من أنماط مصطلحات القرابة يوجد في قبائل الهنود الحمر]. وقد تمكن لافيتو، بفضل إقامته الطويلة هناك وتعرفه الى ثقافة السكان المحليين وعاداتهم (مارثالر 2002)، من جمع خبراته وتجاربه ووضعها في واحدٍ من أهم المؤلفات الاثنوغرافية، هو (تقاليد الهنود الأمريكيين مقارنةً بتقاليد الشعوب في الأزمان القديمة، 1724). وبالمثل، أثر الباحثون والعاملون في الحقول المعرفية الاخرى في طبيعة الحقل المعرفي الناشئ، ونعني بذلك الأنثروبولوجي، ومساراته المستقبلية. وقد أسهمت مصادقة الأوساط العلمية على المناهج المستعملة في علم الأنثروبولوجي في مساعدة بعض الباحثين في تطوير رؤاهم وإنجاز أعمالهم. فها هو عالم النبات الشهير، كارلوس لينايوس (Carlos Linnaeus)، يستعمل المقاربات الاثنوغرافية في تطوير نظامه الثوري لتصنيف النباتات وتسميتها في مؤلفه المعروف (النظام الطبيعي) (1735). وشهدت بدايات القرن التاسع عشر تكليف عالم الحيوان المعروف، فرانسوا بيرون (Francois Peron)، مرافقة البعثة العلمية الفرنسية للأعوام من 1801-1804 الى نيو هولاند (جنوب استراليا الحالية وغربها) لجمع المعلومات الاثنوغرافية عن المنطقة وسكانها. وقد حظيّت هذه المعلومات بموقعٍ متميز وعُدت إسهامات قيمة في حقليَ التاريخ والأنثروبولوجيا الطبيعية (ادامز 1998).

وشهد النصف الأول من القرن التاسع عشر تنامياً مفرطاً في دراسات الأنثروبولوجيا التطبيقية وبرامجها في المستويين الحكومي والصناعي. ففي عام 1807 أتخذت شركة الهند الشرقية قراراً بتعيين فرانسس بوخنان (Francis Buchanan) وتكليفه بمهمة دراسة الشعب البنغالي في الهند بعد ان أدت ممارسات الشركة التعسفية وتحكمها بمقدرات السكان الى كارثة كبرى دفعت البرلمان البريطاني ذاته الى التدخل وسنَ قانون يخوله وضع اليد على الأراضي التابعة للشركة في تلك المنطقة (فيدبارثي 1984). وعبر الأطلسي، كلف الكونغرس الأمريكي هنري ر. شولكرافت، (Henry R. Schoolcraft)، أحد مؤسسي الجمعية العرقية الأمريكية بجمع دراساته عن القبائل الأمريكية المحلية ونشرها. وقد لعبت مجلداته الستة الموسومة (معلومات عن تاريخ القبائل الهندية في الولايات المتحدة الأمريكية وظروف معيشتها وتقاليدها)، الذي نشره تباعاً بين عاميً 1851 و 1857، دوراً بارزاً في توجيه السياسة التي تنتهجها الحكومة الأمريكية حيال السكان المحليين في المناطق التي جمع شولكرافت المعلومات عنها. وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، في أوروبا، خرج علم الأنثروبولوجي من رحم الخلافات التي عصفت بالجمعيات الاثنوغرافية البريطانية المعنية بدراسة المشكلات المجتمعية والقضايا الإنسانية في مطلع القرن التاسع عشر وأواسطه. ويعود السبب في هذه الخلافات الى رغبة العديد من الأطراف المعنية بالأنشطة الاثنوغرافية الكف عن إضاعة الوقت في المجادلة والسجال، والتوجه، عوضاً عن ذلك، الى تطبيق معارفهم ومهاراتهم لضمان لعب دورٍ أكبر في القضاء على العبودية، وضمان تمتع السكان المحليين (الأصليين) في المستعمرات بمعاملة أفضل (ريننغ 1962).

       وشهد مطلع القرن العشرين إندفاع الفروع المعرفية المختلفة المنضوية تحت راية علم الأنثروبولوجيا التطبيقية نحو التوحد والإلتحام. إذ شرع العاملون في فروع علم الأنثروبولوجيا كافة في وضع الخطط والبرامج المؤسساتية الكفيلة بمنحه المكانة والشرعية اللازمتين من قبيل إفتتاح الأقسام العلمية في الجامعات، والمباشرة بتطبيق برامج منح الشهادات العليا، وتأسيس الهيئات المهنية، وإعداد البرامج التدريبية. وفي مبادرة منهم لدعم هذه الجهود، بادر الباحثون  والمختصون الأنثروبولوجيون في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى والمكسيك الى إجراء الدراسات والمسوحات الاثنوغرافية الميدانية في المستويين الوطني والأقليمي فضلاً عن تأليفهم لعددٍ من الدراسات الاثنوغرافية القيمة التي أعتنت بدراسة الثقافات السائدة في مناطق بعينها. وعلى الرغم من إشراف الحكومة الأمريكية المباشر ورعايتها لغالبية الدراسات الأثنوغرافية،  شهدت هذه المرحلة كذلك حصول بعض البرامج والمشاريع الأثنوغرافية على تمويلٍ خاصٍ من مثل الدراسة التي اعدتها الجمعية الأنثروبولوجية النسوية الأمريكية في واشنطن عن أوضاع سكن الفقراء وظروفهم المعيشية في مناطق العاصمة الأمريكية في 1896 (فان ويلجن 2002). وبالمثل، أسهمت عملية نشر الدراسات والأبحاث المتجهة نحو المشكلة التي حظيّت برعاية المنظمات الحكومية، وأحياناً الخاصة، في تطوير الأدبيات الأنثروبولوجية وإثرائها. وكان الغرض من المناهج الدراسية التي أُعتمدت في قسم الأنثروبولوجي لدى إفتتاحه في جامعة أكسفورد في ثمانينيات القرن التاسع عشر هو تدريب الكوادر الإدارية وتأهيلها للعمل في الدوائر الاستعمارية المختلفة. ومما تجدر الإشارة له دخول مفردة الأنثروبولوجيا التطبيقية حيز التداول لأول مرة في هذه المرحلة عن طريق تدوينها في كراس أحد البرامج التعليمية الذي نفذته الجامعة (فورتس 1953؛ فان ويلجن 2002). وفي السياق ذاته، أضطلعت المشاريع والأنشطة التطبيقية التي نفذتها الجمعيتان العرقية والأنثروبولوجية في لندن اللتان تأسستا في 1843 و 1863 على التوالي، بدورٍ بارزٍ في تزويد الحقل المعرفي الناشئ بغالبية بناه التحتية بين-المعرفية (ريننغ 1962). وبعد ذلك بعقدين تقريباً، في عام 1888 تحديداً، أصدرت الجمعية الأنثروبولوجية في واشنطن (ASW)، التي عملت في ما بعد برعاية الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية (AAA) التي تأسست في 1902، أول مجلة أنثروبولوجية. وشهدت المرحلة ذاتها تنوعاً في الأنشطة الأنثروبولوجية وبروز العديد من الهيئات والجمعيات الأنثروبولوجية المختصة التي أتحدت وعملت معاً تحت راية الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية في شكلٍ لم يسبق له مثيل في المستويين المحلي والوطني.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أضحى علم الأنثروبولوجي مرادفاً للجهود التي تبذلها دائرة علم السلالات الأمريكية (BAE) التابعة للحكومة للفيدرالية، والتي تأسست في 1879 استناداً الى قانون سنَه الكونغرس الأمريكي بغية جمع المعلومات اللازمة لمساعدة الحكومة في إدارة المناطق التي يقطنها الهنود. ولهذه الدائرة تحديداً، سك جيمس موني (James Mooney) مفردة (علم السلالات التطبيقي)، وأوردها في أحد التقارير الصادرة عن الدائرة في 1902 (هنسلي 1976؛ فان ويلجن 2002). ولم تقتصر عناية الحكومة الأمريكية بدراسة الأثنولوجيا على الداخل فحسب، إذ شهد العام 1901 تأسيس (معهد الدراسات الاثنولوجية) في الفلبين الذي أتُخذ متحفاً في بادئ الأمر، ليتحول بعد ذلك الى أحد الأقسام الاثنولوجية  التابعة لهيأة العلوم في 1906. وفي 1899، أصبح فرانز بواس (Franz Boas)، مؤسس الأنثروبولوجيا الأمريكية، أول استاذ لمادة الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا. وقد أسهمت دراسة بواس (1907) عن الأطفال الأوروبيين المهاجرين التي كُتبت برعاية دائرة الهجرة الأمريكية وبتمويل منها في تغيير الآراء والمفاهيم الوراثية والعرقية الشائعة عن تأثيرات الهجرة في الأمريكيين من خلال دراسته عوامل العرق والثقافة واللغة كلُ على حدة. وقد أضحت هذه الدراسة في ما بعد الأساس الذي أستندت إليه النسبية الثقافية، وتمكن بواس بفضلها من التأثير في العديد من طلابه المعروفين امثال الفرد كروبر ورالف لنتون ومارغريت ميد وروث فلتون بندكت.

وتميز البحث الأنثروبولوجي في ذلك الوقت، كما هو اليوم، بطابعه التجريبي  لجهة اعتماده المكثف على جمع المعلومات والبيانات وتحليلها حول ثقافة أو مجتمع محلي ما بهدف تعزيز معارفنا عن أصل التنظيم والتكيف البشريين وتنوعهما الكبير. وطبقاً لفان ويلجن (2002)، فقد أدت هيمنة النموذج التطوري الدارويني في حقليً العلوم الطبيعية والأنثروبولوجية الى إيمان الممارسين الأنثروبولوجيين الذين تلقوا تعليمهم في الغرب برؤية غائية(1) للثقافة البشرية خلال الحقبة الاثنولوجية التطبيقية التي أمتدت من  1860الى 1930. وبناءً على ذلك، يبدو أمراً طبيعياً ان تًكرس الدراسات الحقلية في تلك المرحلة لتوثيق أنماط الحياة الشائعة في أوساط الجماعات السكانية المحلية في النصف الغربي من الكرة الأرضية والمجتمعات الأقل تطوراً في أفريقيا وآسيا وبعض مناطق الباسفيك. وكان هذا الرأي شائعاً في أوساط العديد من الأنثروبولوجيين الثقافيين الأوروبيين الذين عملوا لدى الحكومات الاستعمارية فضلاً عن الإداريين الذين تلقوا تدريباً خاصاً في حقل العلوم الاثنولوجية استعداداً للعمل في المستعمرات. وكانت الدراسة في هذا الحقل جزءاً لا يتجزء من برامج تدريب الكوادر المختصة بالعمل في الخارج في هولندا منذ العام 1864 (هيلد 1953؛ كندي 1944)، وأتحاد جنوب افريقيا في 1905 (فورد 1953)، والسودان الانكلو-مصرية منذ 1908 (ميرز 1928)، والمناطق الخاضعة للحكم البلجيكي منذ 1920(نيكيس 1960)، وغينيا الجديدة الاسترالية منذ 1925 (فان ويلجن 2002). كما حرصت العديد من الحكومات على تقديم الدعم للأنثروبولوجيين لإدراكها أهمية أعمالهم ومؤلفاتهم في مجال مساعدتها في إدارة المناطق الخاضعة لها. إذ وظفت حكومة بريطانيا العظمى عدداً من الأنثروبولوجيين لقابلياتهم البحثية الفريدة وقدرتهم على العمل في المناطق الخاضعة لحكمها، والتي ضمت عدداً كبيراً من الأقاليم في آواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من مثل ايرلندا والهند والسودان وزيمبابوي والعراق وغويانا (Guyana). وفي تلك الحقبة، أقتصر عمل الأنثروبولوجيين، بصفتهم وسطاء أو ممثلين لجهات معينة، على تعريف المسؤولين الإداريين بعادات الشعوب الخاضعة لسيطرة حكوماتهم وتقاليدها، وبالتالي الإسهام في تحديد ملامح السياسة الاستعمارية العامة، وتحديد أفضل السبل لتنفيذها(تشامبرز 1989). وفي 1909، كلفت الحكومة السودانية سي. ج. سيلغمان (C. G. Seligman) بإعداد دراسة ميدانية اثنوغرافية عن المجتمعات المحلية المقيمة في المنطقة. وبفضل عمله استاذاً للأنثروبولوجي، عمل سيلغمان في دعم جهود زملائه الآخرين والترويج لكتاباتهم أمثال سير أدوارد أيفان ايفانز-برتشارد (E. E. Evans-Pritchard) الذي كتب إحدى أفضل الدراسات الأثنوغرافية المعروفة في زمانه، وضمنها في ثلاثيته الشهيرة (قبائل النوير، وديانة النوير، وعلاقات القرابة والزواج عند النوير) (1940)، وسيغفريد فردريك  نادل (Siegfried Frederick Nadel)، الذي نُشرت دراساته القيمة عن الدولة النوبية في دولة النيجر ومنطقة النوبة في السودان في عام 1947.

وجاء إندلاع الحرب العالمية الأولى ليلقي بظلاله على الدراسات الأثنوغرافية التي تأثرت سلباً جراء انهماك الدول المتحاربة في العمليات العسكرية، وسقوط المجتمعات البشرية في آتون الحرب وأهوالها. وثمة عاملُ آخر أثر في زخم النشاط الاثنوغرافي يتصل بظهور جيلٍ من الناجين الذين تحمسوا لتحقيق مُثل الحرية والعدالة الاجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب بعد سنوات طويلة من الإحباط والدمار. وقد أضحت هذه المتغيرات الأساس الذي أستند إليه التحول الذي طرأ على دراسات الأنثروبولوجيا التطبيقية، مثلما هو واضح في أعمال الفرد ريجنالد رادكليف-براون،(Alfred  Reginald Radcliffe Brown)، الذي عُرف بتأييده ودعمه للعمل التطبيقي. فبعد تعيينه استاذاَ للأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا للمدة من 1920 الى 1925، حرص رادكليف على توظيف المناهج الأنثروبولوجية للإسهام في التخفيف من حدة الإضطرابات العنصرية المتفجرة في المنطقة. وقد أسفرت جهود رادكليف-براون ودراساته في تأسيس أطار نظري وظيفي أسهم في تجدد الاهتمام بالأنثروبولوجيا التطبيقية ودفع الحكومة الى دعم هذا النوع من الأبحاث. وفضلاً عن رادكليف-براون، عمل أي. دبليو. ر. ﭼنري (E. W. R. Chinnery)، الذي تلقى تعليمه في جامعة كامبردج، مستشاراً في شركة تعدين النحاس المحدودة في غينيا الجديدة في 1924 قبل مباشرته بالعمل بصفته انثروبولوجياً لدى حكومة غينيا الجديدة للمدة من 1924الى 1932. ومن موقعه الإداري الجديد، عمل ﭼنري في تطوير برنامج انثروبولوجي متكامل في جامعة سدني في 1957. كما أسهم في التأسيس لتقليد إرسال طلاب قسم الأنثروبولوجي في جامعة سدني الى غينيا الجديدة لمدة سنتين لتلقي التدريب العملي وصقل معارفهم النظرية بالخبرة والممارسة العمليتين. كما أتخذ ﭼنري سلسلة من الإجراءات التي عززت مكانة علم الأنثروبولوجي، منها المباشرة بتنفيذ برنامج طموح يتيح للطلاب فرصة الحصول على وظائف تؤهلهم ممارسة تخصصهم في أحد الأقسام الإدارية التابعة للحكومة بعد اجتيازهم متطلبات الدراسة في أقسامهم العلمية. وعلى الرغم من الدور الذي لعبته هذه الأنشطة والأبحاث في إثراء علم الأنثروبولوجي وتزويده بحالات دراسية قيمة للغاية، فإنه أسهم، ضمنياً، في ترسيخ منظور التمركز الأوروبي المعتمد في التعامل مع المناطق المُستعمرة، فضلاً عن دوره في مساعدة الحكومات الاستعمارية في إحكام قبضتها على المناطق الخاضعة لها. ومما يؤخذ على هذه الدراسات عدم عنايتها بمعرفة وتحديد الطرائق التي تُعين المجتمعات المحلية-موضوع الدراسة- على الإفادة من المعلومات والنتائج المتضمنة فيها في مجال معالجة مشكلاتها والتصدي للتحديات اليومية وضمان بقاء رواسبها الثقافية. ودأب الأنثروبولوجيون الذين يعملون في المجالات التطبيقية المختلفة قبل العام 1945 في إعداد دراساتهم بالإستناد الى المنظور الضمني للقيمة  المتأثر بمبادئ الفلسفة الوضعية (فان ويلجن 2002). وعلى الرغم من إدراك بعض الأنثروبولوجيين التطبيقيين لحجم القيود التي تفرضها مقاربة كهذه، دافع آخرون عنها مؤكدين أهميتها ودورها المحوري في عملهم. وفي السياق ذاته، أصر الأنثروبولوجيون التطبيقيون على التمترس خلف أسوار مواقعهم الوظيفية وعدم تجاوز حدود عملهم الإستشاري في طبيعته، لشيوع الإعتقاد وقتذاك ان تجاوز هذا الدور من شأنه إلحاق الضرر بخبراتهم وعلاقتهم بالاخرين في البيئات التي يعملون فيها.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، شكلت ظاهرة الكساد العظيم او ما يُعرف بالأزمة الأقتصادية في ثلاثينيات القرن العشرين فرصة مناسبة لعلم الأنثروبولوجي لتأكيد دوره بصفته إحدى الأدوات الفاعلة في التصدي للمشكلات المجتمعية الخانقة وإيجاد الحلول لها. وعلى الرغم من ندرة الوظائف المتاحة أمام الأنثروبولوجيين في الجامعات الأمريكية قبل الحرب العالمية الثانية، أزدادت فرص العمل المتاحة أمامهم في قطاعات الحكومة الفيدرالية والقطاع الخاص زيادةً كبيرةً. وفي أعقاب تنفيذ مشروع البرنامج الجديد(2) الذي أقترحه الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت (1882-1945)، ازداد الطلب على علماء الاجتماع الممارسين- ولاسيما من يتمتعون بخبرة أنثروبولوجية كبيرة في مجال إستملاك الأراضي، والهجرة، والتغذية، والتعليم، والتنمية الاقتصادية والسكانية في المناطق الريفية وتلك التي يقطنها سكان امريكا الأصليين-الهنود- لأهميتهم ودورهم في توفير المعلومات الضرورية في مجال رسم السياسات وتنفيذ البرامج الحكومية. وتزامن ذلك مع تأسيس العديد من مؤسسات الأبحاث التطبيقية التي تقف على رأسها وحدة الأنثروبولوجيا التطبيقية التابعة لمكتب إدارة شؤون الهنود (BIA) التي أسسها جون كوليير (John Collier) في ثلاثينيات القرن العشرين. وفي ظل إدارته، تمكنت الوحدة من إصدار العديد من التقارير التي سلطت الضوء على أنماط الإستيطان، وأثرت في السياسات الخاصة بالتنمية الاقتصادية والتعليم.

وعلى الرغم من ان التأثير في رسم السياسات هو الغاية الرئيسة من إعداد هذه الأبحاث والتقارير، فإنها لم تنجح، عملياً، في ممارسة التأثير اللازم في المراحل المختلفة لتنفيذ هذه السياسات وأعتمادها. وبرغم ذلك، يلاحظ ان نجاح كوليير لم يقتصر على إدارة الوحدة وإعداد الأبحاث، إذ أسهمت جهوده الرامية الى تعزيز مكانة علم الأنثروبولوجي بوصفه فرعاً معرفياً له أبعاد عملية مؤثرة في حياة الجنس البشري في زيادة فرص العمل المتاحة أمام الأنثروبولوجيين في دوائر الحكومة الفيدرالية. ففي برنامج التعاون التقني الذي وضعه مكتب إدارة شؤون الهنود الأمريكيين (TC-BIA)، عمل الأنثروبولوجيون بالتعاون مع وزارة الزراعة الأمريكية لتنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية وإدارة الموارد في العديد من مناطق المحميات الهندية (فان ويلجن 2002). كما عمل الأنثروبولوجيون في مشاريع بحثية كبيرة في منطقة حوض ريو غراند لدراسة الدور الذي تلعبه المعتقدات الثقافية الشائعة في أوساط بعض المجتمعات المحلية الأثنية، في بروز أنماط معينة من استغلال الأراضي في مناطق الجنوب الغربي. وفضلاً عن ذلك، نشط الأنثروبولوجيون العاملون في قطاع الصناعات الإنتاجية في دراسة الصلة بين بيئة العمل وطبيعة الأنماط الإنتاجية الشائعة. وتُعد الملاحظات الاثنوغرافية التي دونها دبليو ليود وارنر (W. Lioyd Warner) عن ثقافات العمل في مشروع الكهرباء الذي نُفذ في المنطقة الغربية تزامناً مع تجارب هوثورن للمدة من 1924 الى 1932 من أبرز الأمثلة في هذا المجال لدوره في تأسيس حقل الأنثروبولوجيا التطبيقية الصناعية والتجارية. وزيادة على ذلك، أسهم النمو في قطاع المشاريع التجارية وما تمخض عنه من عناية متنامية بآليات رسم السياسات ودراساتها الى توسيع قاعدة استعمال المفاهيم والمناهج الأنثروبولوجية التطبيقية من قبيل مفهوم “أبحاث الفعل” الذي أضطلع بدورٍ بارزٍ في التعجيل بالتغيرات التي شهدها هذا الفرع المعرفي والتي أتضحت بأنصع صورها في الحرب العالمية الثانية.

ففي 1941، أعلنت الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية دعمها الكامل لقرار مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وحرص أعضاؤها على مساعدة الحكومة في جهودها الحربية. وطبقاً لما أورده فان ويلجن، فقد قدَرت مارغريت ميد (1977) “نسبة الأنثروبولوجيين الأمريكيين الذين عملوا مع الحكومة الامريكية لدعم المجهود الحربي في أربعينيات القرن العشرين بأكثر من95%” (2002، 28). كما شجعت الحرب العديد من الأنثروبولوجيين على الإنخراط في مجال العمل الحكومي الفيدرالي، ولاسيما في ‘هيأة إعادة التوطين الحربية’، التي أشرفت على إدارة معسكرات الإحتجاز اليابانية- الأمريكية، والتي عملوا فيها كحلقات وصل بين الجانبين. وكما اتجهت بريطانيا العظمى صوب جامعتيَ كامبردج وأكسفورد للإستعانة بخبرات الأنثروبولوجيين في تدريب العاملين في المستعمرات البريطانية، أتجهت الولايات المتحدة، في أثناء الحرب العالمية الثانية، صوب جامعاتها لتأسيس معاهد ومؤسسات قادرة على تدريب الكوادر الحكومية والعسكرية وتعريفهم بأساليب معاملة اليابانيين والالمان في المناطق التي استولى عليها الامريكيون. وفي استجابة منهم للتطورات المتسارعة التي يشهدها حقل الأنثروبولوجيا التطبيقية، أسست مارغريت ميد وروث بندكت واخرون جمعية الأنثروبولوجيا التطبيقية(SFAA) في 1941، وهي جمعية مهنية مختصة تعمل جنباً الى جنب الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية (AAA) التي لم تكن تملك في ذلك الوقت قسماً تطبيقياً خاصاً بها. وفي الوقت نفسه تقريباَ، باشر المعهد السمثسوني للانثروبولوجيا الاجتماعية، الذي تأسس في 1943، بتنفيذ عددٍ من المشاريع البحثية التي وظفت جملة من المناهج والمقاربات الأنثروبولوجية. وأشرف على هذه المشاريع جورج فوستر(George Foster)، الذي أسهم في ما بعد في تأسيس فرع الأنثروبولوجيا الطبية التطبيقية (فان ويلجن 2002). وبقيت أنواع الوظائف التي شغلها الأنثروبولوجيون التطبيقيون بصفة باحثين ومستشارين ومدراء واساتذة، على حالها تقريباً لم يطرأ عليها تغيير حتى العام 1945. ومما تجدر الإشارة له في هذا السياق تردد العديد من الأنثروبولوجيين في التعريف بأنفسهم بصفتهم انثروبولوجيين تطبيقيين. ويتضح ذلك من محاولة البعض منهم الحفاظ على التوازن الحذر القائم بين عملهم الأكاديمي والتطبيقي، وقرار البعض الآخر التخلي عن وظائفهم في الدوائر الحكومية الفيدرالية لصالح العمل في المؤسسات الأكاديمية.

وأسهم انطفاء جذوة الحماس للحرب في الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في تنمية الحس النقدي لدى الأنثروبولوجيين، ولاسيما من عمل منهم في معسكرات الإحتجاز اليابانية-الأمريكية، الذين تساءلوا عن جدوى انخراط حقلهم المعرفي في جهود بلادهم الحربية. وأدى شيوع هذا الحس النقدي وتزامنه مع تقلص حاجة الحكومة الى الأنثروبولوجيين الى تبخر غالبية فرص العمل المتاحة  أمامهم في القطاع الحكومي. بيد ان ذلك لم يعق عملية التطور المتسارعة التي كان هذا الحقل المعرفي يشهدها، والذي تمكن من تجاوز أزمة فرص العمل في القطاع الحكومي بفضل إعلان الكليات عن توفرالعديد من فرص العمل فيها، ولا سيما بعد الزيادة الهائلة في عدد المتقدمين للدراسة في الجامعات في أعقاب تشريع الكونغرس لقانون إعادة تأهيل المقاتلين، المعروف عموماً بـ (GI Bill) في عام 1944، وشروع الحكومة بتوفير الإعانات المالية للمقاتلين العائدين من جبهات القتال.

غير ان  هذه المتغيرات والظروف لم تؤثر كثيراً في علم الأنثروبولوجيا التطبيقية الذي سرعان ما عثر على ميادين جديدة ينشط فيها. إذ أسهمت الإنقلابات العسكرية والإضطرابات الاجتماعية التي عصفت بعددٍ من مجتمعات ما بعد الحرب، وتضعضع القوة الإستعمارية الأوروبية في العديد من ارجاء العالم في توفير المناخ المناسب لتبلور وجهات نظر ومواقف غربية مغايرة لما كان سائداً في حقبة ما قبل الحرب، وبالتالي بروز الحاجة الى الإستعانة بالخبرات والمعارف الأنثروبولوجية. ويلاحظ في هذه المرحلة إنخراط بعض الانثربولوجيين في قضايا الدفاع عن الثقافات المُهمشة وحقوق المجتمعات المحلية الصغيرة عن طريق تزويدها بالمعارف، والمعلومات، والخبرات التجريبية اللازمة التي تعينها في مجال المطالبة بحق تقرير المصير، والاستقلال، والتمتع بفرص اقتصادية متساوية، وزيادة معدلات تمثيلها السياسي. وفي محاولة منهم لمواكبة المستحدثات في الساحتين المحلية والدولية، لم يتردد بعض الأنثروبولوجيين في طرق مجالات جديدة لم يعهدوها سابقاً من مثل إنخراطهم في عمليات صنع القرار بدلاً من الإكتفاء بتوفير المعلومات التي تؤثر في إتخاذها. وهذا التحول في الإشتغالات الأنثروبولوجية يعكس إصرار هذا الحقل المعرفي على رفض المقاربة الضمنية للقيمة التي تبنت مقياساً مستحيلاً للموضوعية لا يعكس العالم الواقعي. وهكذا، أضحى هذا التحول الأساس الذي أستندت إليه مناهج الأنثروبولوجيا التطبيقية المبتكرة التي تسمح بمشاركة أشمل وأكثر مباشرية في حياة الأفراد والمجتمعات موضوع الدراسة، فضلاً عن توفيرها وسائل أكثر كفاية وفاعلية لجهة إسهامها في إحداث تغييرات ايجابية في حياة المجتمعات المحلية. ويُعد ‘علم الأنثروبولوجيا العملية’ أو ‘علم أنثروبولوجيا الفعل’ الذي نشأ في خمسينيات القرن العشرين من أبرز ما أسفر عنه هذا الحراك المعرفي والأكاديمي.

وفضلاً عن ذلك، وظف بعض الأنثروبولوجيين الممارسين عدداً من المناهج المعنية بدراسة التغيرات في السلوك بغية المساعدة في وضع الخطط التفاعلية الكفيلة بتحسين الظروف المعيشية لأفراد المجتمعات المحلية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نفذ سول تاكس، بالتعاون مع قسم الدراسات الميدانية التابع لجامعة شيكاغو، مشروع فوكس في آواخر اربعينيات القرن العشرين لمساعدة أفراد قبيلة فوكس في ولاية آيوا في تطوير قدراتهم في مجال المطالبة بحق تقرير المصير معتمدة في ذلك على مقاربة ثنائية تتضمن الإفادة من مناهج المشروع البحثي ومقاربة الفعل التطبيقيين. ومن رحم هذا التطبيق المبكر المتضمن لعنصريَ الفعل والقيمة الواضحة أنبثقت فروع علم انثروبولوجيا البحث والتنمية، وعلم انثروبولوجيا تنمية المجتمع، وانثروبولوجيا الأبحاث التعاونية، والوساطة الثقافية (فان ويلجن 2002، تاكس 1958).         غير ان هذا الحراك والتغير في المنظورات والمقاربات، على الرغم مما ينطوي عليه من مناحٍ ايجابية، أسهم في بروز جملة من القضايا والإشكاليات الأخلاقية الشائكة التي اثارت جدلاً واسعاً في أوساط الأنثروبولوجيين بعامة، والتطبيقيين منهم بخاصة. وقد تجلت طبيعة هذه القضايا بأنصع صورها في أثناء تنفيذ مشروع فكوس (Vicos Project)(3) الذي تولى إدارته عالم الأنثروبولوجيا المعروف من جامعة كورنيل، آلن هولمبيرغ (Allen Holmberg). ففي خمسينيات القرن العشرين أكد هولمبيرغ وزملاؤه صحة الرأي القائل أن لعلم الأنثروبولوجي القدرة على التأثير في المجتمعات التي يدرسها، وان هذه القدرة هي صفة متأصلة فيه. في فكوس، نفذ هولمبيرغ مشروعه بنحوٍ يضمن له النجاح في تعديل الترتيب الهرمي السائد في المزارع المحلية- المسماة (Hacienda)- في المجتمع الذي درسه في البيرو عن طريق شراء المزارع وتولي إدارتها، ثم  العمل على تمكين العمال الهنود من استملاكها وإدارتها بأنفسهم بمساعدة حزمة من المناهج البحثية ومفاهيم التنمية المجتمعية التي طورها الأنثروبولوجيون. وعلى الرغم من نجاح هولمبيرغ في تنفيذ غالبية أهداف المشروع الذي أسفر في ما بعد عن تنفيذ المزيد من مشاريع التنمية والفعل الايجابية، لم ينج مشروع فيكوس من سهام النقد اللاذع التي وجهت له من أطرافٍ عدة طرحت تساؤلات عميقة وجادة حول الطبيعة الأخلاقية لهذا النوع من أنواع التدخل ودور علماء الأنثروبولوجي فيه (تشامبرز 1989، فان ويلجن 2002، هولمبيرغ 1958).

وقد حافظت الإشكاليات الأخلاقية الشائكة على موقعها المحوري في نقاشات الأنثروبولوجيين الذين انتقدوا بشدة تورط بلادهم في الحرب في فيتنام ورفضوا العمل في الدوائر التابعة للحكومة الفيدرالية احتجاجاً على استمرار العمليات الحربية. وتتجلى مسألة تسييس هذا الفرع المعرفي بأنصع صورها في الجدال الذي رافق تنفيذ مشروع كاميلوت الذي يُشكل إحدى القضايا الأخلاقية المعروفة في تاريخ الأخلاقيات الأنثروبولوجية. إذ كان الهدف المعلن من المشروع الذي حظيَ برعاية القوات المسلحة الأمريكية في عام 1964هو الإفادة من خبرات الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع في مساعدة بعض حكومات امريكا اللاتينية على التخفيف من تأثيرات الحروب الأهلية المستعرة في بلدانهم، وربما القضاء عليها. غير ان المشروع لم يحظ بموافقة غالبية العاملين في حقل الأنثروبولوجي الذين سارعوا الى إدانته وانتقاده لتدخله، بحسب رأيهم، في السياسات الداخلية لدول امريكا اللاتينية، ودوره المحتمل في ترسيخ التقسيمات الطبقية. ولهذا، أنتهى الأمر بالسلطات الى الإعلان عن توقف العمل بالمشروع، ولاسيما بعد معرفة علماء الأنثروبولوجي والاجتماع العاملين فيه ان مشاركتهم تتضمن القيام بأنشطة استخباراتية لصالح مكتب الأبحاث والعمليات الخاصة التابع للجيش الأمريكي.

وفي النصف الثاني من القرن العشرين، أضطلع شيوع نمط الأقتصادات المعولمة الكبرى وأنتشار الشركات متعددة الجنسية بدورٍ بارزٍ في زيادة الطلب على الأنثروبولوجيين للإفادة من خبراتهم في معرفة آليات العمل الشائعة ومواقعها، وطبيعة قوة العمل، وتعزيز فرص هذه الشركات في الدخول الى الأسواق العالمية وجذب المستهلكين الى بضائعها. وشهدت هذه المرحلة كذلك شروع المزيد من الأنثروبولوجيين في توظيف معارفهم وخبراتهم على نحوٍ أدواتي يضمن لهم تلبية احتياجات زبائنهم عوضاً عن الاكتفاء بدراسة مجتمعات وثقافات معينة. وفي السياق ذاته، شارك الأنثروبولوجيون العاملون في الوكالات والمؤسسات الدولية بفاعلية في تطوير حقل الأنثروبولوجيا التطبيقية. وشهدت العقود الثلاثة التالية من القرن المنصرم إنضمام المزيد من العلماء في الحقول المعرفية الأخرى الى علماء الأنثروبولوجي لدعمهم في جهودهم الرامية الى تطوير الفرع المعرفي الناشئ، ويندرج في خانة هؤلاء علماء الاجتماع العاملين في البنك الدولي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، ومنظمة الزراعة والغذاء الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، وغيرها من المنظمات الدولية.

ومن الجدير بالملاحظة الدور الذي يضطلع به الأنثروبولوجيون وعلماء الاجتماع العاملون في البنك الدولي في مجال رسم السياسات والبرامج الواعية اجتماعياً باستعمال منهجيات مبتكرة تتألف عناصرها من “الكفاية والمسؤولية الأخلاقية وتنمية إمكانات التطبيق ومجالاته”(سيرنيا 1994، 2). وتميز إسهام علماء الاجتماع على وجه الخصوص، في مجال إثراء العديد من الحقول المعرفية الاخرى وتطويرها، بالتنوع والعمق. ففضلاً عن عملهم في تعزيز النظريات والمناهج التطبيقية، حرص علماء الأجتماع على الإنخراط في عمليات تقييم التأثير ودعم الممارسات الأخلاقية المتبعة في المشاريع التنموية عن طريق الإستعانة بالأبحاث بين المعرفية والتعاونية.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أسهم عاملان إضافيان في تعزيز فرص التوظيف، وكتابة الأبحاث في تلك المرحلة؛ هما التقلص في عدد الوظائف الأكاديمية في نهاية سبعينيات القرن العشرين حتى الوقت الحاضر (بالدرستورم واردنر 1971، كارتر 1974، دي اندريد وآخرون 1975)، والتوسع في البنية والتنظيم الفيدراليين اللذين أسهما في تجدد الأهتمام بالابحاث الخاصة بوضع السياسات الداخلية. ومع زيادة الاهتمام بعوامل القدرة على تحمل المسؤولية وفعالية الكلفة، لوحظ ان غالبية المنح الفيدرالية المُخصصة لتقديم الخدمات تستلزم تخصيص جزء من ميزانيتها لتقييم البرامج المقترحة، وهو مجال حرص فيه الأنثروبولوجيون المعاصرون على توظيف خبراتهم البحثية والميدانية بدقة وفاعلية(أرفن 2000). ان المجالات التي يعمل فيها الأنثروبولوجيون اليوم لا تقتصر على المؤسسات الأكاديمية مثل الجامعات، بل ان الغالبية العظمى منهم يعمل في مجالات متنوعة عدة من مثل الدوائر التابعة للحكومة الأمريكية ودوائر البلدية في مستوى الولايات، والمنظمات الدولية، ومعاهد السياسة العامة، والجمعيات الخيرية أو غيرالربحية، وأحياناً المؤسسات الاستشارية والبحثية الخاصة أو الشركات التجارية. وبموازاة ذلك، شهدت هذه المرحلة زيادةً مُطردةً في عدد المجالات التي يمكن للأنثروبولوجيين تطبيق معارفهم وخبراتهم فيها، وبالتالي بروز العديد من الأدوار والأنشطة التطبيقية الإضافية التي يؤمل منهم اداؤها.

الـمحـرر -

الدكتور مبروك بوطقوقة أستاذ الأنثروبولوجيا بالجامعة الجزائرية، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.
2 تعليقان
  1. يقول fadhel alnashmi:

    الاخوة الزملاء في موقع انثروبوس المحترم

    وددت ان الفت الانتباه الى ان الدكتورة هناء خليف استاذة اللغة الانكليزية في الجامعة المستنصرية وليست استاذة الانثروبوولجيا كما ورد في التقديم، وقد قدمت الدكتورة اكثر من ترجمة رائعة في مجال الانثرو، ومنها ترجمتها الرائعة لكتاب (انثروبولوجيا التشرد)

    خالص الاحترام والتقدير

  2. يقول م. بوطقوقة:

    شكرا على التنبيه … تم التصحيح