قراءة في كتاب “حتى ينتهي النفط ..الهجرة والأحلام في ضواحي الخليج”

قراءة في كتاب “حتى ينتهي النفط ..الهجرة والأحلام في ضواحي الخليج”

تأليف: صامولي شيلكه

ترجمة: عمرو خيري

على عكس الصورة البراقة التي تُقدم عن مجتمعات الخليج العربي، وخاصة دولتي الإمارات العربية المتحدة وقطر، حيث تجرى عمليات التحديث والبناء بوتيرة متسارعة للغاية، هناك صورة أخرى شديدة البؤس والقتامة لأوضاع العمال المغتربين في هذه الدول.

في هذا السياق، تأتي أهمية كتاب “حتى ينتهي النفط.. الهجرة والأحلام في ضواحي الخليج” لباحث الأنثروبولوجيا الفنلندي صامولي شيلكه، الصادر حديثًا  في نسخته العربية عن دار صفصافة بالقاهرة، وقام بترجمته عمرو خيري، يقدم الكتاب دراسة أنثروبولوجية عن أوضاع العمال المصريين المغتربين في دولة قطر، عبر رحلة معايشة وبحث تمتد لثمان سنوات في الفترة بين عامي 2007 إلى 2015.

يحتوي الكتاب على 12 فصلًا هي “السفر إلى الدوحة، وحراسة البنك، ودائرة ضيقة، والتحمل والمقاومة، وعوائل فقط، وكل شيء هنا يدور حول الفلوس، الأشياء التي لا بد أن تشتريها الفلوس، والحلم بالحتمي، وأن تكون عندك أحلام أخرى، وسجن أكبر، وحتى ينتهي النفط”، على مدار هذه الفصول يرصد ويتتبع الكاتب التغيرات والظواهر الاجتماعية التي يعيشها المهاجرون من أحلام كبيرة في البدايات سرعان ما تتبخبر ويحل محلها شعور بالاغتراب والضياع  والعجز وعدم الرغبة في الاستمرار، مع خوف من العودة لوطنهم.

يعتمد الكاتب على أسلوب يجمع ما بين تقنيات ومهارة الكتابة الأدبية وأدوات وقواعد البحث العلمي، فهناك تعدد للأصوات داخل الكتاب وسرد ممتع وبناء قصصي يتتبع حياة ومصائر الشخصيات الرئيسية محل الدراسة، مع حرص على رصد أدق التفاصيل الحياتية وتحليلها في نطاق أوسع يتتبع دلالتها ونتائجها وأسبابها ويربطها بسياق اجتماعي واقتصادي وسياسي يكشف مدى المعاناة والظلم والعبثية التي تحكم النظام الرأسمالي ومنظومة العولمة.

ينطلق الكاتب في بحثه من خلال شابين مصريين هما عمرو، وتوفيق، سافرا للعمل في دولة قطر، ومن خلالهما يدخل الكاتب إلى عالم العمال المهاجرين في قطر، يقول صامولي، في مقدمة الكتاب “بصفتي صديق وضيف على اثنين من العمال، وبمعرفتي بالعامية المصرية، سرعان ما رحب بي العمال المصريون، وبعد ذلك بقليل تعرفت على بعض العمال الآخرين من نيبال، كانوا جميعًا غير راضين عن ظروفهم المعيشية وقوانين العمل، وكانوا حريصين على الحديث عن تجربتهم معي. في مناسبات عدة أعربوا عن أملهم في مساهمتي في أن يعرف العالم بالظروف الصعبة التي يعيشون فيها”.

الهايبر واقع

يصف صامولي، الحياة في دولة قطر بكونها تجسيدا لمفهوم “الهايبر واقع” وهو شكل من أشكال المحاكاة، المقنعة لدرجة أن الشيء الأصلي يبدو إلى جوارها أقل واقعية، ففي قطر تنتشر الأبراج ومراكز التسوق وناطحات السحاب، لكن العمال لا يستطيعون دخول تلك العوالم، هم فقط يشاهدونها “سعي دول الخليج لخلق فضاءات استعراضية للفُرجة لا يضاهيها شيء ربما كان منبعه أحلام نخب الخليج للسيطرة والهيمنة، ربما المولات والأبراج هي مجرد الحد الأقصى لخيال هذه النخب عما يمكن أن يفعلوا بثروتهم المهولة”.

يعمل الثنائي عمرو وتوفيق، في وظيفة حراس الأمن بأحد البنوك، وباقي زملائهم من العمال الذين تركز عليهم الدراسة من مصر أو نيبال يعملون بذات الوظيفة، يشير صامولي إلى عبثية هذه الوظيفة وعدم وجود أي جدوى لها سوى رغبة القطريين في محاكاة النموذج الغربي، فهم يأتون بهؤلاء العمال ويدفعون لهم أجورا زهيدة من أجل “البرستيج” و”الفرجة” فقط، فالوضع في قطر آمن، وعلى مدار سنوات طويلة لم يحدث أي خطر أو اعتداء يتطلب تواجد كل هذا الكم من الحراس “عمل الحراس ممل للغاية، العمل في البنك، على سبيل المثال، يتكون من الوقوف عند مكتب الاستقبال، وعند مدخل الموظفين، وحراسة المدخل المفضي إلى منطقة انتظار السيارات، والعمل بحجرة الكنترول حيث توجد الشاشات التي تعرض ما تسجله الكاميرات، ورغم أن العمل ليس شاقا، كان الرجال يشعرون باستنفاد طاقاتهم، كان توفيق يعاني من اضطرابات في النوم وفقدان للشهية”.

يوضح صامولي، مدى المعاناة والحيرة التي يعيشها العمال المهاجرون “العمال المهاجرون يعانون من الاغتراب، وفي الوقت نفسه ليست أمامهم خيارات عديدة متوفرة، كانت خياراتهم محدودة أصلًا لحظة تقدمهم إلى مكاتب العمالة في بلادهم، والآن لا يمكنهم اختيار البحث عن وظيفة أخرى بسبب نظام الكفالة، الاختيار المتاح أمامهم، هو إما العمل حتى انتهاء العقد، أو العودة إلى الوطن خاسرين خاويي الوفاض”.

عنصرية المهمشين

يشير صامولي إلى واحدة من أبرز الظواهر في مجتمعات الخليج هى “عنصرية المهمشين”، واصفًا كيف استقبله العمال المصريون بترحاب كبير لكونه شخصا أبيض وأوروبيا، في حين يتعامل العمال المصريون مع العمال من الجنسيات الأخرى بتعال وعنصرية، والأمر يتكرر بصورة عكسية، فرغم فقرهم وتشاركهم في ظروف العمل القاسية وتعرضهم للقهر والتهميش، إلا أنهم بدلًا من أن يتحدوا لمواجهة هذه المنظومة الظالمة، يمارسون هم أنفسهم قهرا وعنصرية ضد بعضهم البعض.

 فالهنود يحتقرون المصريين، والمصريون يتعاملون بعنصرية مع السودانيين، ويستمر الأمر على هذه الوتيرة “عنصرية المهمشين ليست مجرد أثر جانبي عارض للهجرة من أجل العمل، إنها جزء رئيسي من معمار السلطة، في قطر يبلغ تعداد الأجانب أكثر من ٨٠ في المئة من إجمالي عدد السكان، ينظف بيوت القطريين ويرعى أطفالهم عمال منازل أجانب، ويمد الشوارع ويبني البيوت ويقوم بصيانتها عمال إنشاءات مهاجرون، والبنية التحتية كلها تحافظ عليها وتحرسها قوة عمل أجنبية، فضلا عن الشرطة والجيش الذين يضمان في صفوفها عمالًا مهاجرين يشكلون أغلب العاملين، باستثناء مستويات القيادة. إذا اتخذ المهاجرون موقفا موحدًا فسوف يسيطرون على دولة قطر بأكملها في نصف ساعة دون إطلاق رصاصة واحدة، لكن لأن الكراهية المتبادلة بين تلك الجنسيات أكبر من كراهية أصحاب العمل ونظام الاستغلال القائم في دولة قطر فلن يحدث هذا أبدًا”.

حتى ينتهي النفط

يروي صامولي، أنه في عام 2009 صادف أحد مشرفي الأمن المصريين وهو يتحدث مع ابنه على الهاتف قائلًا “أنا تعبت. نفسي أرجع، لكن مقدرش أرجع هنعيش منين، لازم أستحمل سنة كمان”، يوضح صامولي أنه عندما انتهى من هذا الكتاب عام 2015 كان مشرف الأمن مازال يعمل في قطر ولم يعد إلى مصر رغم مرور ست سنوات، وعندما سأله متى ستعود؟، أجاب “أنا قاعد هنا حتى آخر ريال، لغاية ما النفط يخلص”.

يشير صامولي إلى أن هذه واحدة من مأسي الهجرة بالنسبة للعمال الذين يحصلون على أجر متدن، فهم يذهبون وفي ظنهم أنهم بعد سنوات سوف يتمكنون من الادخار والعودة لعيش حياة مستقرة في وطنهم، لكنهم يجدون أنفسهم في مواجهة واقع أكثر تعقيدًا وقسوة مما ظنوا “ليس الفشل هو المشكلة، إذ إن الهجرة لو كانت فشلًا واضحًا لكان الناس قد كفوا عن الهجرة وعادوا لبلادهم وانتهى الأمر، المشكلة الحقيقة في الهجرة للعمل هي النجاح الضئيل، أن يوفر المهاجر ما يكفي بالكاد ليستمر في العمل والحلم في حدود متواضعة، الأجور رديئة لكنها موجودة، وطالما استمر تدفقها فالعودة النهائية تعني العودة إلى اللاشيء”.

ضواحي الخليج

رغم أن الكتاب يركز على أوضاع العمال المصريين في قطر، إلا أنه يلقي بظلاله على الوضع الداخلي في مصر، فبيئة العمل والوظائف المتاحة في مصر خلال العشر سنوات الماضية تبدو ممثالة لما عليه الوضع في الخليج، خاصة في المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية المغلقة “الكومبوندات”، التي تشبه إلى حد كبير ضواحي الخليج، فهناك قلة من البشر تستحوذ على الثروة والسلطة، في حين هناك ملايين العمال يخدمونهم ولا يحصلون سوى على الفتات، ويعملون في ظل ظروف قاسية للغاية.

في هذا السياق، يقول صامولي: “ضواحي الخليج تمتد في شتى ربوع مصر ونيبال وكيرالا وسريلانكا والفلبين، ولا يمكن فهم المجتمع المصري بمعزل عن الخليج ومواقع أخرى للهجرة المصرية. عائدات المهاجرين لا غنى عنها للاقتصاد المصري، والتيارات الدينية التي تروج لها نظم الخليج الملكية أثرت على طابع تدين المسلمين المصريين، أسلوب الحياة المميكنة للأثرياء وبنية المدن في الخليج أصبح النموذج المتبع للتخطيط العمراني وأساليب الحياة البرجوازية المصرية. يملك المستثمرون في الخليج قدرًا كبيرًا من الاقتصاد المصري وسوق العقارات، والدولة المصرية تعتمد كثيرًا على نظم الخليج سواء اقتصاديًا أو سياسيًا، هذا ظرف يرجح ألا يتغير طالما استمر الاقتصاد السياسي لثراء النفط، واستمرت الامتيازات الطبقية السلطوية والهجرة الاغترابية للعمل”.

المؤلف صامولي شيلكه، هو باحث أنثروبولوجيا وُلد في فنلندا عام 1972، وحصل على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة أمستردام في هولندا سنة 2006 برسالته عن الموالد في مصر. يعمل باحثا منذ عام 2009 في مركز دراسات الشرق المعاصر في برلين. صدر له بالإنجليزية في 2015 كتاب “مصر في زمن المستقبل: الأمل والإحباط والازدواجية قبل وبعد 2011” في الولايات المتحدة، ونشر بحثا مترجما في مجلة “الشعر” المصرية عام 2013 عن “أمل دنقل والثورة”، وصدر له عام 2011 كتاب “هتتأخر على الثورة: دفتر يوميات عالم أنثروبولوجيا شهد الثورة”. يعتمد صامولي شيلكه منهج “الأنثروبولوجيا التحاورية”، الذي يسعى لتوليد النظريات حول سمات الحياة اليومية عن طريق الاستماع إلى الناس ونقل كلامهم بحيادية وتفسيره بالاستعانة بنظريات العلوم الاجتماعية المختلفة، من أجل فهم الواقع المُعاش.

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>