سوسيولوجيا الاسترجاع1

كتاب: في سوسيولوجيا الإسترجاع مواقف جامعية ساخرة.

المؤلف: أ.د عبد الرزاق أمقران*.

الناشر: دار الأيام للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

الطبعة: الأولى.

سنة النشر: 2015.

        يؤسس الكتاب لمفهوم جديد في علم الاجتماع لم يسبق توظيفه في العالم من قبل يقترح جسورا أولية بين مقاربات معروفة وبين اسس الصناعات الاسترجاعية التي تعرف رواجا كبيرا في العالم الغربيعلى وجه الخصوص.
أسس سوسيولوجيا الاسترجاع:
من أكثر الصناعات رواجاً في أيامنا هذه في العالم الغربي خصوصا. تلك الصناعات القائمة على استرجاع النفايات التي تُخلّفها عمليات الاستهلاك الواسعة في المجتمع الواحد وفي مجموعة من المجتمعات.
الدول في عصرنا الحالي، تشجع المؤسسات الحكومية والخاصة على الاستثمار في هذه الصناعات والتي تدر أرباحا طائلة على العاملين فيها. كما أن هذه الصناعات بالاستناد على ترسانة من القوانين المحفزة، تسهم عمليا في المجهود العالمي لحماية البيئة.
تسترجع المؤسسات العاملة في هذا النشاط الكثير مما استُهلك وهو مرشح للضياع، وأبرز ما تسترجعه: الورق، الزجاج، الحديد والخشب، وتعيد تصنيعه على هيئته الأصلية أو يأخذ طبيعة جديدة، ويقدم للمستهلك كمادة استهلاكية جديدة.
لكن، يحق لمن يقرأ ما كتب أعلاه أن يتساءل عن مغزى حضور “صناعة الاسترجاع” (l’Industrie du Recyclage) في عمل سوسيولوجي. ما الرابط بين علم الاجتماع وهذا النوع من الصناعة؟ وهل هناك رابط بينهما حتى نتساءل عن طبيعته؟
سوسيولوجيا الاسترجاع، كما نراها، هي ذلك الجانب من علم الاجتماع الذي يشبه إلى حد بعيد صناعة الاسترجاع في مجموعة من الأسس نعرضها الآن بإيجاز ونعود إليها لاحقا بتفصيل أوسع.
تتشابه سوسيولوجيا الاسترجاع وصناعة الاسترجاع في ما يلي:
-من حيث الموضوع:
موضوع سوسيولوجيا الاسترجاع هو الاهتمام بالممارسات الشفهية والممارسات السلوكية للأفراد والجماعات، وتقع ضمن هاتين الخانتين، المئات من القضايا المرشحة للضياع، للنسيان والتجاهل، وهي قضايا كما ذكرنا سالفا لا تثير الانتباه، تلبس قناع ما هو روتيني، وصفتها في الكثير من الأحيان “عـادية”.
أما موضوع صناعة الاسترجاع فهو النفايات، وهي أيضا ستكون مرشحة للضياع والإهمال بحكم أنها نفايات، إذا ما افترضنا غياب الصناعة التي تهتم بها وغياب من ينتبه أصلا إلى وجودها.
موضوع سوسيولوجيا الاسترجاع وموضوع صناعة الاسترجاع متشابهان إذن، من حيث أنهما يتعاملان مع مخرجات: مخرجات الفرد والجماعات في المجتمع بالنسبة للسوسيولوجيا، ومخرجات المستهلك والمؤسسات بالنسبة للصناعة.
-من حيث الغايات:
سوسيولوجيا الاسترجاع باهتمامها بـ”نفايات” الممارسات الشفهية للأفراد والجماعات، وكذا الممارسات السلوكية، إنما تطمح إلى حماية الذاكرة الجماعية – أو على الأقل- جوانب منها، من الذوبان ثم الإندثار. وقد يفضل البعض أن نعبر على نفس الفكرة بأسلوب آخر، فنقول ما يلي:
سوسيولوجيا الاسترجاع تدعم الرصيد المعرفي الذي يملكه المجتمع حول ذاته. المجتمع ولأنه لا يعرف كل شيء، ولأنه يتجاهل، ينسى، يرمي بالكثير من الأشياء جانبا، يحتاج لمن يسترجع ما نساه، تجاهله ورماه ويعيد تقديمه للمجتمع بغاية الاستزادة في المعرفة.
أما صناعة الاسترجاع، فغايتها هي إعادة تصنيع ما صُـنّع سابقا وانتفت صفة التصنيع عنه بعدما استهلك وطرح على شكل نفايات. صناعة الاسترجاع أيضا تسهم في الحفاظ على الذاكرة الجماعية –أو الدولية حتى- من حيث أنها تعطي وتمنح الخلود للكثير مما يستهلكه الإنسان.
– من حيث العنصر البشري:
كما يحتاج المجتمع إلى سوسيولوجيا الاسترجاع ليتمكن من جديد مما أضاعه، نساه، تجاهله ورماه، فإن سوسيولوجيا الاسترجاع بدورها تحتاج لـ”من يسترجع”.
تحديد طبيعة العاملين في سوسيولوجيا الاسترجاع قضية مصيرية ومحورية: يبدو من الوهلة الأولى بأن الانتماء للجامعة والتدريس في أقسام علم الاجتماع لا يؤهلان وحدهما من يرشح نفسه ليصبح عضوا فاعلا في هذه الورشة الضخمة.
سوسيولوجيا الاسترجاع تطرح وتواجه تحديات، وليس بإمكانها القبول بالعنصر البشري الذي لا يؤمن ولا يشتغل بروح التحدي.
ومن جهتها، صناعة الاسترجاع، لم تبلغ ما بلغته في العالم الغربي من حضور إلا لأنها استثمرت في “المادة الرمادية”، وقبل ذلك وجدت ذلك “العقل النادر والاستثنائي” الذي رأى جدوى في كذا صناعة، فرفع التحديات التي تفرضها بيئيا، سياسيا، ثقافيا واقتصاديا.
-من حيث نسق القيم:
حينما أشرنا إلى أن سوسيولوجيا الاسترجاع تفرض معايير صارمة لمن يريد العمل في فضاءها، فنحن لم نكن نُلـمّح فحسب لضرورة توفر المؤهلات العلمية –والتي ترتبط عند الكثيرين بالشهادات العلمية، بالأستاذية والبحث في حقل علم الاجتماع- لكن انشغالنا يذهب إلى نسق من القيم، قيم عملية وعلمية قد تفلت حتى من نسق القيم المتداول في الجامعة. التحدي الذي تمثله سوسيولوجيا الاسترجاع، يستدعي توفر قائمة من القيم في من يشتغل بغايات هذا النوع من السوسيولوجيا. وربما الأصح أن نقول، قيم التحدّي التي يحملها جمع من العاملين في علم الاجتماع –على قلّتهم- هي ما قد يسمح بتأسيس سوسيولوجيا الاسترجاع.
أما القيم المرتبطة بصناعة الاسترجاع، فقد سما المؤمنون بها إلى مستوى القيم الاجتماعية والثقافية. استطاع هؤلاء فرض ممارسات من طبيعة معينة على المستهلك الذي لم يعد يتحرج من فرز نفايات ما يستهلكه حسب طبيعة المواد، ويجد مثلا المطبخ مهيـئاً لعملية الفرز هذه والتي تكاد تتحول إلى ممارسة ميكانيكية لقوة تنظيمها وبساطتها. أما البعد الاجتماعي في القضية فيتمثل أساسا في التسهيلات الموفرة للمستهلك خارج البيت ليفرز النفايات في أماكن مخصصة لا يمكن أن يخطئ في هويتها كما يتمثل البعد الاجتماعي في العدد المتزايد للأشخاص الذين يتقبلون “ما فرض عليهم” بالكثير من الصبر والمثابرة.
-من حيث الإعداد الفني والتقني:
إذا كانت سوسيولوجيا الاسترجاع تمثل تحديا على مستوى التصور، القيم، طبيعة العاملين في فضاءها وغاياتها، فهي تطرح تحديا على مستوى الوسائل التقنية التي يجب أن توظف. التحدي الذي تمثله هذه الوسائل والتقنيات لا يشتق من كونها خارقة للعادة أو أنها جديدة لم توظف من قبل، لكن التحدي يجب أن يفهم في ضوء المجتمع الذي تظهر فيه.
المجتمع الجزائري، بالمنطلق البحثي، يُصبغ مثلا تقنية الاستمارة هالةً غير مبررة على الإطلاق، ومن جهة أخرى يتجاهل تقنية تحليل المضمون بمبررات واهية أو بدون مبررات، في الوقت الذي تعددت المضامين الاجتماعية وتطورت بوتيرة تجعل تجاهل تقنية تحليل المضمون خطوة ساذجة. إذن، التقنيات البحثية التي ستعمل بها سوسيولوجيا الاسترجاع، قد تصطدم مع “المجتمع الرسمي” وستجد قبولا عند المجتمع الذي يفلت لما هو رسمي. زيارة أسرة لإجراء مقابلة مقننة، تقع في خانة “المجتمع الرسمي”، أما ملاحظة ما يكتبه الشباب على جدران المدينة، فيقع في خانة “المجتمع غير الرسمي”.
لا شك أن صناعة الاسترجاع لم تكن لتقنع المواطنين بجدوى الإسهام في استرجاع النفايات في ضوء ترتيبات أصبحت سهلة مع مرور الوقت، لم يكن في مقدورها بلوغ هذه الدرجة من الإقناع الاجتماعي إلا بعدما رصدت مجموعة من الوسائل والتقنيات، كُيّفت طبيعتها مع ممارسات المستهلكين وتوقعاتهم، وبذلك تحولت التقنيات من حالة “الحياد السلبي” إلى حالة “الانحياز الايجابي”.
التقنيات تكون محايدة سلبيا عندما تتقوقع على مواصفاتها الفنية ولا تعير أدنى اعتبار للسياق الاجتماعي الذي توظف فيه، وتكون منحازة إيجابيا عندما تخضع تلك المواصفات للسياق الاجتماعي الذي تحاول التقرب منه لفهمه وتحليله.
-مجالات اهتمام سوسيولوجيا الاسترجاع:
حددنا موضوع سوسيولوجيا الاسترجاع أعلاه وقلنا بأنه يتضمن مخرجات الفرد والجماعات في المجتمع، وميّزنا بصورة أولية بين الممارسات الشفهية والممارسات السلوكية.
من الواضح، وفي ضوء هذا التحديد، أن ما تهتم به سوسيولوجيا الاسترجاع مجالاته متعددة وواسعة، وبذلك لا تختلف في شيء عن اهتمامات علم الاجتماع بكل فروعه. فما هو الجديد الذي تقترحه سوسيولوجيا الاسترجاع إذا كانت تهتم بقضايا كانت تاريخيا محلّ اهتمام؟
دعونا نوظف مثالا عمليا حتى نفهم ما تسهم به سوسيولوجيا الاسترجاع في المجهود الشامل لعلم الاجتماع. لنفترض أن الموضوع البحثي الضخم هو فئة ذوي الاحتياجات الخاصة. ومن هذا المحور خصصنا اهتماما معينا لفئة المعاقين حركيا. لا شك أن هذا الموضوع متداول على نطاق واسع ليس في علم الاجتماع فحسب ولكن في فروع معرفية أخرى. لنفترض بأنني قررت البحث في هذا الموضوع، ولنفترض أيضا بأنني متشبع بمجموعة من القيم العملية والعلمية، وأنني في بحثي هذا وفي أبحاث أخرى، أهتم بالزوايا النادرة التي لم يتم التطرق إليها، وأنني كذلك أمتلك تحفظات مؤسسة حول الممارسات السوسيولوجية الحالية في الجامعة الجزائرية، كما أملك تصورات اتجاه العامل في علم الاجتماع، تصورات تصطدم مع ما يحمله هؤلاء من تصورات اتجاه ذواتهم، وتصطدم مع تصورات “الآخرين” تجاه العاملين في حقل علم الاجتماع.
إذا افترضنا كل هذه الأمور، سهُل عليّ أن أُصرح بأنني طرقت باب سوسيولوجيا الاسترجاع. الاحترازات التي توجهني في بحثي ستقودني حتما إلى زاوية بحثية لم يفكر فيها الآخرون بالرغم من قربها الشديد منهم. في موضوع المعاقين حركيا، وإذا كنت والد أحدهم، قد يلفت انتباهي ما يرسمه الإبن من رسومات بالرغم من إعاقته الحركية الشديدة ليعبّر عن العالم الخارجي الذي هو محروم منه. أقوم بجمع تلك الرسوم وهي مرشحة أصلا لأن تلتحق بنفايات المنزل، وأحتفظ بها في غفلة من الإبن ولا أشعره إطلاقا بغاياتي من جمع رسومه، وإلا أصبح يرسم ليعجب أبيه بعدما كان يرسم بغايات حددها لنفسه.
الخطوة التالية من عملية الاسترجاع قد تتمثل في إجراء جرد بأسماء الأساتذة الجامعيين على مستوى جامعة سطيف والذين لهم أبناء معاقين حركيا، ويتم الاتصال بهم بغاية التحقق من ممارسة الرسم لدى الأبناء ونقوم باستجماع ما يمكن استجماعه. وإذا كان الطموح البحثي أعظم، فإننا سننجز جردا بأسماء الأساتذة الجامعيين على مستوى كل جامعات الجزائر مع شرط كونهم أباء لأبناء معاقين ونقترب منهم بنفس الغاية البحثية.
إذن، بهذه الإستراتيجية، نحن نبني موضوعا بحثيا متاحا هو “أشكال التعبير عن العالم الخارجي من خلال رسوم الأبناء المعاقين للأساتذة الجامعيين”. موضوع نادر، لأنه قريب جدا، وسهل المنال ويعتقد الكثير من الدارسين بأن لا جدوى علمية تُرجى من الاهتمام به.
واضح إذن، بأن سوسيولوجيا الاسترجاع تهتم بالمواضيع والقضايا “المهملة” بحثيا واجتماعيا، وقد تكون من التفاصيل الدقيقة في حياة الأفراد كما قد تغطي عظائم الأمور.
وفي ما يلي نقترح قائمة أولية بالقضايا والمواضيع التي نرى جدوى العمل فيها بحثيا من منطلق سوسيولوجيا الاسترجاع:
– ما يُقال في الفضاءات المغلقة، سواء كانت خاصة بالنساء أو بالرجال،
أو فضاءات مشتركة. وكأمثلة على ذلك: فضاء الحلاقة للرجال، فضاء الحلاقة للنساء، قاعات الأساتذة في الجامعة.
– ما يُقال في الفضاءات المفتوحة، وأمثلتها: صيغ المعاكسات في الحدائق العامة، أساليب الإشهار عند الباعة الجائلين، أغاني المشجعين في ملاعب كرة القدم.
– ما يكتبه الشباب على جدران المدينة، وما يكتبه الطلاب على أوراق الامتحان من تعاليق ليس لها علاقة بفحوى الأسئلة.

– غايات سوسيولوجيا الاسترجاع:
كتبنا في ما سبق بأن سوسيولوجيا الاسترجاع تطمح إلى تدعيم الذاكرة الجماعية لمجتمع من المجتمعات. الذاكرة الجماعية كما هو معروف حاضرة ببعدها المادي الذي يمكن التقرب منه من خلال الأرشيف، الشرائط السمعية البصرية، الكتب، الجرائد…الخ، تلك هي الذاكرة الجماعية المدونة. لكن، تبقى جوانب عريضة من الذاكرة لم يتم تدوينها بالرغم من أهميتها الحيوية للأفراد والجماعات، وهذا الأمر تهتم به سوسيولوجيا الاسترجاع.
هي تخرج هذه الجوانب من حالة النسيان، الضياع والتجاهل، وتحولها إلى حالة مدونة يطلع عليها الفضولي كما يطلع عليها الباحث والمختص. وبهذا المعنى، المهتم في سوسيولوجيا الاسترجاع لا يختلف في شيء عن المؤرخ الذي يحاول استجماع شهادات المجاهدين الذين شاركوا في ثورة التحرير في الجزائر (1954-1962) قبل أن تضيع هذه الشهادات بموت هؤلاء.
سوسيولوجيا الاسترجاع تمارس التأريخ بمعنى من المعاني، والمؤرخ بدوره يمارس سوسيولوجيا الاسترجاع بمعنى من المعاني.
كتبنا أيضا في محور الغايات بأن سوسيولوجيا الاسترجاع تدعم الرصيد المعرفي الذي يملكه المجتمع حول ذاته. فما معنى ذلك؟
نجيب على هذا التساؤل باستحضار موضوع الكتاب: مواقف جامعية ساخرة. المجتمع يملك ثقافة سابحة في الفضاء وهي ثقافة اجتماعية تتعاطى مع النكتة، السياسية منها والاجتماعية، وتتعاطى أيضا على سبيل المثال مع حصة الفهامة، الحصة الفكاهية المشهورة التي تعرض في التلفزة الجزائرية، وتتعاطى أيضا وعلى سبيل المثال مع المسرحيات الهزلية الجزائرية والأجنبية. باختصار، المجتمع الجزائري يملك رصيدا معرفيا حول ظاهرة الضحك، السخرية والفكاهة، بمكونات محلية وبمكونات عالمية.
من جهة أخرى المجتمع يملك رصيدا أكاديميا حول الظاهرة. هذا الرصيد تجسده الكثير من الفروع المعرفية ومنها علم الاجتماع، علم النفس والآداب. نحن نعرف الكثير على الظاهرة من خلال المقالات الأكاديمية والبحوث العلمية والكتب المنشورة، سواء درست الحاضر أو الماضي. سواء تعلق الأمر بمجتمعات عربية إسلامية أو مجتمعات غربية. سواء كانت اللغة الموظفة في عرض الظاهرة هي اللغة العربية أو عرضت بلغات أخرى.
ومع ذلك، و بالرغم من الرصيد الاجتماعي والرصيد الأكاديمي، يبقى المجتمع جاهلا بالكثير من أبعاد ظاهرة الضحك والسخرية سواء نظرنا إليها بمنظار ما هو آني، حاضر أو عدنا أدراجنا إلى الماضي لنتعامل مع الظاهرة. المساحات التي يجهلها المجتمع في موضوع الضحك والسخرية، هي من صلب اهتمام سوسيولوجيا الاسترجاع. فهي تؤدي وظيفة تعويضية يستفيد منها المجتمع، وبهذا المعنى أصبح بالإمكان فهم أسباب الاهتمام بموضوع “السخرية في الجامعة”. وبنفس المنطق يمكن أن نهتم بالسخرية عند فئات مهنية أخرى، إذا كان المعيار هو الفئات المهنية (السخرية عند الفلاحين، السخرية عند عمال القطاع الصناعي)، وقد نهتم بالسخرية في ضوء معيار الجنس (السخرية عند الرجل الجزائري، السخرية عند المرأة الجزائرية)، وقد نهتم بمعيار المراحل العمرية (السخرية عند الشباب، السخرية عند الشيوخ).
إضافة إلى غاية تدعيم الذاكرة الجماعية في المجتمع، وغاية تعريف المجتمع بما يجهله عن نفسه، تطمح سوسيولوجيا الاسترجاع إلى جعل أبسط أمر يحدث في أضيق حيز، أمرا يكون محل اهتمام مجتمعي في المقام الأول ثم محل اهتمام عالمي. سوسيولوجيا الاسترجاع إنما تريد للمواضيع التي تدرسها أن تنتشر وتتمدد أفقيا لتغطي دوائر قريبة وبعيدة. لنفكر معا مثلا في مصير المواقف الساخرة التي أُدرجت في الكتاب والتي جمعتني مع إبني. مواقف الكثير منها حدث في غرفة من الغرف وهذا هو الحيز الضيق الذي أعنيه. تخرج هذه المواقف إلى الفضاء الواسع بعد نشر الكتاب، فيتلقفها القارئ الجزائري باختلاف مشاربه ومواقعه، متخصص، قارئ عادي، باحث…
لكن الكتاب يمكن أن يقرأه كل من ينطق باللغة العربية وله غاية من قراءته. بل أكثر من هذا ما جمعني بإبـني قد ينتشر في العالم الغربي إذا ما ترجم الكتاب إلى اللغات الأخرى، وتلك نتيجة رائعة لسوسيولوجيا الاسترجاع مع خاصية على قدر كبير من الأهمية: إذا كان من المسلّم به بأن آخـر تسريحة شعـر للاعب كرة القدم الإنـجليزي دافيد بيكام (David Beckham) تخترق كل الحدود بسرعة البرق لتصل إلى أبعد قرية من قرى الجزائر، فإن سوسيولوجا الاسترجاع بإمكانها أن تنقل ما يحدث في هذه القرية إلى كندا، أستراليا أو الولايات المتحدة الأمريكية.

سوسيولوجيا الاسترجاع وظاهرة السخرية في الجامعة:
رأيت بأنه من حق الآخرين عليّ أن أوضح أسباب تأليفي لكتاب يهتم بالمواقف الساخرة في الجامعة.
في الحقيقة، إحتكاكي بظاهرة الضحك والسخرية يعود إلى سنة 1985. في تلك السنة كنت طالبا لأحد أكبـر علمـاء الاجتماع المعاصـرين، مايكـل مولكي (Michael Mulkay)، رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة يورك البريطانية. قدم الأستاذ في ذلك الوقت مجموعة من المحاضرات يظهر فيها القضايا التي يلتقي فيها الخطاب الجاد بالخطاب الساخر، وكذا القضايا التي يحدث فيها التنافر. علمت من خلال محاضراته بأنه يضع الروتوشات الأخيرة على كتاب يحمل عنوان: علم اجتماع الضحك.
طلبت من الأستاذ الكتاب -الذي لم ينشر بعد في ذلك الوقت- فأعارني إياه لأشهر عدة. اكتشفت من خلال قراءتي لهذا الكتاب، زوايا بحثية، وعناصر تحليلية شجعتني على تقديم بحث تناول آنذاك، النكتة السياسية في الجزائر.
إزداد شغفي بموضوع الضحك والسخرية في بريطانيا أكثر عندما وقفت على مدى تعاطي البريطاني للسخرية، بالرغم من صفة “التحفظ أو المحافظة” التي ألصقت به.
كنت أتابع أسبوعيا، حصة العرائس المشهورة Spitting Images (الصور التي تبصق)، والتي كانت سببا في ظهور عدة برامج مماثلة في بلدان مختلفة، ومنها النسخة الفرنسية المشهورة بـ les Guignols de l’Info.
حصة تعرض أفكار ومواقف السياسيين البريطانيين والدوليين بأسلوب لاذع يـجعلك تتساءل بعد أن تضحك حتى الثمالة: هل الذي شاهدته وسمعته، ضحك صرف أم أنه جدية راقية ليست في متناول أيا كان؟
أحتفظ في ذاكرتي وبعد هذه السنين كلها، بمناسبة تكررت كل سنة، في جامعة يورك. مناسبة لا أتردد عن ذكر فحواها لطلاب الجامعة الجزائرية، كلما وجدت ظرفا مناسبا يتيح توظيف محتوى هذه المناسبة، بيداغوجيا وبحثيا.
دأبـت الجمعيـات الطـلابية بالتنسيـق مـع إدارة الكليـة علـى تنظيـم مسابقـة يتسـابـق فيهـا المتنافسـون لنيـل جـائزة “أحسـن مـوهبة رديئـة” (The prize of the worst talented people). كانت صدمتي كبيرة عندما رأيت عميد الكلية يصعد إلى المنصة ليقدم عرضا يقلد فيه قيصر الروم، وسط لغط ومرج لا يمكن وصفهما. وعندما أعلنت النتائج، اقتلع العميد الجائزة الأولى اقتلاعا من لجنة التحكيم لرداءة عرضه.
اعتقدت بأنني حسنا فعلت عندما اقترحت على مدير جامعة سكيكدة سنة 1990 يوما للضحك في وسط الجامعة، لا دراسة فيه ولا تدريس. للأسف، هذا الاقتراح جعلني “نكتـة الموسم”.
حينذاك، كنت أجمع المواقف الساخرة التي أعايشها أو أسمع عنها دون أن تكون الغاية من جمعها واضحة لدي. إذن، يمكن أن نحدد سنة 1988، نقطة بداية لتشكل نواة الكتاب.
6. منهجية استجماع المواقف الساخرة:
المواقف الساخرة التي وردت في الكتاب، تغطي فترة زمنية تمتد بين 1988 و2010. القارئ قد يستغرب قلة المواقف الساخرة المسترجعة قياسا بهذه الفترة الزمنية الطويلة. يجب أن نذكر بأن استجماع تلك المواقف الساخرة لم يكن يخضع لغايات بحثية. وبالتالي، لم أكن طيلة هذه الفترة تحت ضغط البحث. ومن جهة أخرى، كنت أنسى عملية الاسترجاع في فترات وأعود إليها في فترات أخرى. أما الأمر الهام الذي كنت أحرص دائما على حضوره وتوفره أثناء جمع المادة، فهو الحياد.
لم أخطط للمواقف لأن تأخذ المنحى الذي أخذته، ولم أكن عنصرا مؤثرا على المحتوى الذي تأخذه المواقف. وبذلك تجنبت قدر الإمكان التكلف والاصطناع في ما جمعت سواء في فضاء الجامعة أو في فضاء الأسرة.
جمع المواقف تم طيلة هذه الفترة عن طريق الذاكرة وذلك من خلال صياغة المواقف كتابيا مباشرة بعد حدوثها أو بعد السماع بها، أو قد تسجل بعد أيام حينما يسمح الظرف بذلك. المواقف الساخرة الواردة في الكتاب تم استرجاعها كلها بغفلة من المشاركين فيها.
يمكنني أن أصرح بأن ما استرجعته من مواقف ساخرة، لم يُخبر به ولم يطلع عليه أي شخص، بما فيهم الناس الأكثر قربا مني (الابن مثلا). وهذا أمر حرصت عليه، وأتمنى أيضا أن يحرص عليه الباحث في سوسيولوجيا الاسترجاع، لأنه يضمن عفوية وتلقائية ما يقوله ويفعله الآخرون بحضوره معهم.
في الأخير لا يفوتني أن أنوه بأنني أحجمت عن إدراج بعض المواقف الساخرة في الكتاب، على أهمية القضايا المتضمنة فيها، لأنها صادمة دينيا، أخلاقيا وثقافيا. المجتمع الجزائري يتعاطى ظاهرة الضحك والسخرية بدون تحريك ترسانة الضوابط والممنوعات والمحرمات حينما يفلت الأفراد والجماعات من الرقابة الأسرية، السياسية والأمنية… لكن نفس النكتة والموقف الساخر لا يمكن نشره كي يحصل على اعتراف رسمي، بالرغم من أننا نعلم بأن بعض الكاريكاتيرات التي تظهر على صفحات الجرائد المستقلة “صدمت” المجتمع بشكل لا يمكن أن يبلغ درجة قساوتها أي موقف من المواقف التي غيبتها في الكتاب.

7. ماهية كتاب: مواقف جامعية ساخرة:
فكرت منذ بضع سنين في تحويل مشروع أطروحة الدكتوراه الذي ذكرته سابقا، “الوظائف البنائية والتفكيكية للخطاب الساخر في المجتمع الجزائري”، إلى كتاب يدرس ظاهرة الضحك والسخرية بأبعادها التاريخية. شرعت فعلا في استجماع المادة الخام، ووفقت إلى كتابة مقالة نشرت في إحدى الجرائد ثم أعيد نشرها في كتاب أكاديمي.
لكن، ولأن المبدع لا يكتب متى شاء وكيفما شاء، ولأنه لا يتحكم في المسارات التي قد تسير فيها أعماله الإبداعية، ظهرت المواقف الجامعية الساخرة في كتاب يطرح تصورا جديدا لعلم الاجتماع يتجاوز موضوع ظاهرة الضحك والسخرية. قبل بروز هذا التصور الجديد، المواقف الساخرة التي استجمعتها من فضاء الجامعة، كانت مرشحة وبصورة منطقية لأن تكون محورا من محاور الكتاب الذي كنت أنوي تأليفه حول الظاهرة. أما في الكتاب الحالي، فقد تحولت تلك المواقف إلى مادة خام تخدم مبادئ سوسيولوجيا الاسترجاع، وهذا لا يعني إطلاقا بأنه لن يعاد توظيفها في الكتاب الآخر.
الكتاب يتألف من أربعة أقسام: قسم أول خصصناه لعرض أسس ومبادئ تصور جديد في علم الاجتماع، وهو سوسيولوجيا الاسترجاع. هذا القسم موجه للمختصين والدارسين لعلم الاجتماع وقراءته تتطلب رصيدا أكيدا في علم الاجتماع. أما القسم الثاني، فهو جرد لمجموعة من المواقف الساخرة الواقعية التي عايشها الكاتب أو التي نقلت إليه فتعامل معها صوتيا. جرد احترم ترتيبا معينا في عرض المواقف، رُعِـيَ فيه المكان والتسلسل الزمني لظهور المواقف وأخيرا طبيعة الأفراد المشاركين في المواقف، وبذلك يأخذ هذا القسم الترتيب التالي:
أولا: مواقف ساخرة مستجمعة من فضاء جامعة سطيف (2000-2010).
ثانيا: مواقف ساخرة مستجمعة من فضاء جامعة سكيكدة (1988-2000).
ثالثا: مواقف ساخرة مستجمعة من الماضي: الطفولة، المرحلة الثانوية، مرحلة الطالب الجامعي.
يتفرع المحور الأول والثاني إلى فروع هي: مواقف ساخرة مع الأساتذة، مواقف ساخرة مع الطلبة، مواقف ساخرة مع الأطفال.
لا يتضمن هذا القسم عناصر نظرية دسمة ومرهقة لهذا يمكن قراءته كفسحة للترفيه.
في القسم الثالث أدرجنا مجموعة من العناصر نراها على قدر كبير من الأهمية لمن يهتم بدراسة ظاهرة الضحك في المجتمع الجزائـري. هذا القسم بعناصره قد يـؤلف إطارا نظـريا-عمليا للباحث بما يغطيه من محاور تقع
في فضاءات إبداعية مختلفة مثل: المسرح، السينما، الصحافة الساخرة، المونولوج، الكاريكاتير، النكتة السياسية…
أما القسم الأخير فيهتم بعرض مجموعة من النماذج البحثية التي انجزت من طرف مؤلف الكتاب في سياق سوسيولوجيا الإسترجاع.
8. كيف نقرأ الكتاب؟
أعتقد أن الكتاب بأقسامه الثلاثة يهمّ الأستاذ والباحث وطالب علم الاجتماع، ولكنه يهم أيضا الكثير من القراء على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم.
الكتاب موجه في المقام الأول للدارسين لعلم الاجتماع وهم مطالبون بتجاوز لحظة الضحك التي توفرها المواقف الساخرة، إلى لحظة التفكير في تلك المواقف كمادة خام مساعدة لمن يريد أن يدرس ظاهرة الضحك والسخرية في الجامعة الجزائرية. من هذا المنطلق، الدارس لعلم الاجتماع مطالب حينما يقرأ الكتاب، أن يتعامل معه ككتاب جاد يهتم بأمر جاد حتى وإن كان الموضوع ضحكا وسخرية.
الأستاذ الجامعي والطالب الجامعي سـيُعيدان اكتشاف نفسيهما من خلال هذا الكتاب. فضاء الجامعة ليس –ولا يمكنه أن يكون- دائما ذلك الفضاء الجاد والمفرط في الجدية. الجامعة يشغلها أفراد تدب فيهم حياة المجتمع وما قدرة الأستاذ على التواصل مع الطالب عن طريق الموقف الساخر في وضعيات بيداغوجية جادة، إلا دليلا على هذه الحقيقة.
الكتاب موجه إلى أساتذة وطلبة فروع معرفية أخرى قريبة من علم الاجتماع، وهم مطالبون أيضا بتوظيف المواقف الساخرة الواردة في الكتاب في بحوثهم العلمية لإعادة بناء موضوع الضحك والسخرية في الجامعة بما يخدم الفروع المعرفية التي ينتمون إليها.
وفي الأخير، الكتاب موجه للقارئ العادي الذي يُـقبل على الكتاب بغاية الترفيه. هذا الصنف من القراء مطالبون بنشر ثقافة الضحك والسخرية في الجامعة عن طريق السرد وبذلك يساهمون في محاصرة بعض الصور الاجتماعية التي يُشْحَنُ بها المخيال الاجتماعي وأغلبها سلبية.

 *  أ. د عبد الرزاق أمقران، أستاذ علم الاجتماع الثقافي، جامعة سطيف 2، الجزائر. سبق وأن نشرنا له على صفحات الموقع تقديم لكتابه: استراتيجيات التجديد الثقافي في المجتمعات العربية في ظل العولمة، الطبعة الأولى،دار الأيام للنشر والتوزيع، الأردن، 2015.

الـمحـرر -

يمين رحايل من الجزائر عيادي نفساني ممارس، باحث في طور الدكتوراه في الأنثروبولوجيا مهتم بالمجتمعات المغاربية المعاصرة والبحث في الهوية الافتراضية والفضاءات الرقمية ومجتمع المعلومات، مؤسس المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، عضو مؤسس لمركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والانسانية ومشرفه العام.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>