المولدي لحمر  / كاتب من تونس

نقطة الانطلاق في هذا البحث ملاحظة ميدانية تتعلق باكتساب الصناعة الحرفية المنزلية للفخار بسجنان  ( منطقة ريفية  جبلية بأقصى الشمال التونسي )«قيمة تراثية» وطنية ذات أبعاد عالمية. فمنذ حوالي ثلاثين سنة بدأت التجربة الحرفية المنزلية لفلاحات سجنان تتحول بشكل رسمي، وبوتيرة تسارع  نسقها في السنوات الأخيرة، من موضوع فضول و/أو  إعجاب خاص بالنخب الحضرية التونسية وبالسياح الأجانب، إلى عنصر أساسي من عناصر الذاكرة والهوية الثقافية التونسية الرسمية، ومن ثم إلى مكون من مكونات التراث الفني الوطني.

إن الأسئلة التي تبادرت إلى ذهننا بشكل يكاد يكون تلقائيا هي: كيف حدث ذلك وما هي أبعاد ودلالات هذه الظاهرة؟

يتمثل العمل الذي سنقوم  به  في محاولة شرح هذه المسائل وذلك من خلال : أولا توصيف التجربة على المستوى الامبيريقي، مركزين على الكيفية التي وقعت بها صناعة المحلي وصياغته من منظور خارجي. ثانيا قراءة الظاهرة في سياقها المحلي والوطني والعالمي الحاضر. ثم أخيرا الانطلاق من ذلك للخروج ببعض الاستنتاجات تهم ظاهرة التراث كموضوع للتفكير السوسيولوجي.

صناعة الفخار بسجنان

من العالمي إلى المحلي

بحسب علماء الآثار المتخصصين في صناعة الفخار وكذلك بعض الإثنولوجيين والمؤرخين يبدو أن الصناعة المنزلية للفخار بسجنان تنتمي إلى تاريخ فني أوسع بكثير من السياق المحلي الذي تجري فيه الآن. ويمتد هذا التاريخ على فترة زمنية واسعة بدأت منذ العصر البرنزي، كما تشمل مساحة جغرافية مترامية الأطراف ضمت حوض البحر الأبيض المتوسط وجزر الباليار وربما مناطق أخرى خلف المحيط. وقد أكدت بعض البحوث أن صناعة الفخار، التي تعتمد الطين مادة أساسية لها وتنتشر في المناطق الريفية المتوسطية، قد تلاقحت فنيا في ما بينها وإن اختلفت منتوجاتها بحسب نوع الطين والثقافة السائدة. 1

إن هذه المعطيات تؤكد على أن دينامية الحضارات التي تنافست وتعاقبت على الفضاء المتوسطي قد ساعدت- من خلال نظمها الإمبراطورية التوسعية- على تنشيط حركة تنقل المجموعات البشرية في الفضاء وتلاقح معارفها وخبراتها وفنونها ورموزها الثقافية.

لكن ما يثير في هذه الظاهرة كما تتجلى لنا في العصر الحديث و حتى في أيامنا هذه هو أن الصناعات الحرفية المنزلية عند الفلاحين، وبالتحديد صناعة الفخار، قد انحسرت جغرافيا إلى مناطق شبه معزولة، منغرسة في المحلي وفاقدة لجل علاقاتها الفنية والتقنية بالعالم الخارجي. وقد حدث ذلك بفعل ثلاث آليات اقتصادية سياسية ثقافية مترابطة.

الآلية الأولى: هي توسع السوق الصناعية الرأسمالية التي غزت بضائعها المدن والقرى وفرضت على المستهلكين مرجعية ثقافية جديدة تهاوت بموجبها قيمة الصناعات الحرفية المنزلية.2

الآلية الثانية: وهذه تخص بلدان جنوب المتوسط، هي نشأة الدولة الحديثة التي رسخت دعائمها عبر ضبط المجال الاقتصادي والاجتماعي والحد من تنقل المجموعات البشرية في الفضاء والتحكم فيها وحصر دينامية التفاعل بينها في دائرة حدود سياسية-إدارية ضيقة.

الآلية الثالثة: هي بناء هذه الكيانات السياسية الناشئة من طرف نخب ذات برامج تنموية تحديثية مناهضة لثقافة الفلاحين، وهو توجه التقت فيه في واقع الأمر مع أغلب النخب السياسية في العالم باستثناء الصين في الفترة التي سبقت نهضتها الصناعية الحالية.

إن تفاعل جملة هذه العناصر قد أدى بالصناعة الحرفية المنزلية في الأرياف، وبالتحديد لدى المجموعات المتخصصة في صناعة الفخار، إلى التقوقع داخل الأطر المحلية، مما تسبب في تآكل القيمة الاجتماعية والثقافية والاستعمالية  لهذه الصناعة.

بيد أن ما نلاحظه في الوقت الحالي، بالنسبة للحالة التونسية، هو أنه خلال العقدين الأخيرين بدأ هذا النشاط الحرفي المنتشر هنا وهناك في الأرياف يخرج من محليته الثقافية والفنية ليكتسب شيئا فشيئا قيمة «وطنية» جديدة تسعى النخب السياسية إلى إكسابها بعدا تراثيا عالميا يتوافق تماما مع دينامية العولمة.

التجربة السجنانية

تشكل حالة سجنان مثالا جيدا يوضح المسائل التي كنا بصدد شرحها، ويكشف لنا بالتحديد عن آليات دينامية التراث.

لكن قبل الخوض في هذا الإشكال نحتاج إلى التعريف بالمثال السجناني3. تقع سجنان في وسط أقصى الشمال التونسي، وتضم أقصى نقطة توجد في شمال القارة الإفريقية تطل على البحر الأبيض المتوسط، وهي كاب سرات. و تبعد سجنان على مدينة تونس حوالي 120 كلم. أما من ناحية التضاريس والمناخ فإن هذه المنطقة تتشكل من جبال ومرتفعات(5 إلى 6 مائة متر فوق سطح البحر) تنتمي إلى سلسة جبال مقعد. كما أنها منطقة ممطرة وتنتشر فيها غابة شهدت خلال القرن الأخير تراجعا كبيرا بسبب توسع مناطق السكن و الزراعة وتزايد أعمال التحطيب. من الناحية الاقتصادية-السياسية تقع سجنان خارج سهول الشمال الغنية، وهي بذلك لم تكن يوما على طريق الحملات العسكرية والجبائية الرئيسية للدولة التونسية التقليدية. أما ديمغرافيا فإن جزءا مهما من سكانها من أصول خارجية جاؤوها لاجئين من الحروب أو باحثين عن العمل في الغابة. وهكذا فإن سكان سجنان اليوم مختلطو الأصول  ( من الوسط والشمال الغربي وحتى من جنوب البلاد)، بل إن بعضهم من أصل جزائري.

يعيش الفلاحون السجنانيون أساسا من تربية الماشية التي تعطيهم اللحوم  والصوف والحليب، وكذلك من زراعة بعض النباتات التجارية الصرفة مثل التبغ. أما في العشريتين الأخيرتين فإن الصناعة الحرفية المنزلية للفخار، وهي نشاط نسائي في الأغلب، بدأت تجلب لهم دخلا مهما تختلف قيمته حسب الفصول والقرب أوالبعد عن الطريق الرئيسية التي تشق المنطقة ويسلكها المسافرون باتجاه القطب السياحي الجديد في الشمال الغربي: طبرقة.

من النواحي التقنية والفنية والاستعمالية ارتبطت صناعة الفخار بسجنان بمجموعة من العناصر أهمها:

وجود مقاطع طين في متناول اليد حافظت على طابعها العام والمشترك منذ القديم.

التركيبة الهشة لأنواع الطين المتوفر في المنطقة وتعدد ألوانه حسب الخصائص الجيولوجية لكل منجم.

وجود هذه المناجم داخل غابة وفرت للسكان الطاقة اللازمة لممارسة صناعة الفخار.

وجود مجتمع رعوي مستقر اعتمد في العيش على اقتصاد الكفاف وهو ما جعله يعطي لمعظم منتوجاته، ومنها الحرفية، قيمة استعمالية مباشرة.

إن تظافر هذه العناصر هو الذي جعل من سجنان بؤرة قديمة من بؤر صناعة الفخار في الأرياف التونسية، وساعد على نقل الخبرة والتجربة في هذا الميدان من جيل إلى جيل ما أكسب هذا النشاط  خاصية مميزة.

وأولى هذه الخصائص هي: أن صناعة الفخار بسجنان  صناعة منزلية نسائية بالأساس، وهذا أمر مختلف عن ما  عرفه الساحل التونسي وبعض المناطق في الجنوب ( هناك مجموعات فلاحية تونسية أخرى عرفت تجربة مشابهة للسجنانيين، البرامة بالشمال الأوسط للبلاد…). فبسبب توفر الطين في كل مكان تقريبا ( ما عدا الطين ذو اللون البني  الذي يوجد قرب منجم الحديد القديم بتمرة)، وعدم تحول مناجمه إلى ملكية خاصة، وكذا الأمر بالنسبة للحطب رغم امتلاك الدولة للغابة ومراقبة استعمالها، فإن فرصة ممارسة صناعة الفخار كانت متاحة أمام الجميع، وبالتحديد النساء اللاتي تشرفن على إدارة الحياة البيتية وما تتطلبه من أدوات طبخ وأكل وشرب وخزن.

الخاصية الثانية: أن هذه التجربة الحرفية القديمة  المكثفة  ساعدت على نقل تقنيات ورموز ثقافية موغلة في القدم إلى الأجيال المعاصرة، وهو ما أعطاها خصوصية محلية يمكن التعرف عليها بسهولة من الناحية الفنية.

الخاصية الثالثة: أن صناعة الفخار بسجنان ارتبطت أشد الارتباط بمبادىء وقيم ومفاهيم اقتصاد الكفاف كما يمارسه الفلاحون، وهو ما جعل هذه الحرفة تبقى في حدود  أفق الاستهلاك الخاص.

الخاصية الرابعة: ارتباط هذا  النشاط بثقافة فلاحية تعمقت قيمتها الدونية من منظور حضري بشكل ربما لا سابق له، وقد جرى ذلك في سياق ظهور الإيديولوجيات التنموية التي استهدفت ثقافة المجتمعات الفلاحية.

إن تفاعل هذه الخصائص في السياقين الاقتصادي والسياسي للعصر الحديث، ونعني بذلك تحديدا توسع الإنتاج الصناعي الرأسمالي ونشأة الدولة الحديثة صاحبة المشاريع التنموية، هو الذي صنع المحلية السجنانية. ونعني بهذه الأخيرة الارتباط التاريخي الوثيق الذي نشأ بين العمل الفني والتقني الموروث، وخصائص المواد الأولية المستعملة، والوظيفة الاستعمالية المباشرة للمنتوجات، وارتباط كل ذلك بالبيئة الفلاحية السائدة منظورا إليها من الخارج، ومن الحضريين تحديدا.

وفي واقع الأمر لم تكتسب المصنوعات الفخارية السجنانية قيمة فنية عالية إلا بفعل نشاط النخب الثقافية التي صاغت لها محليتها انطلاقا من الفضاء الحضري. وقد بدأت هذه السيرورة بالتبلور على يدي المستعمرين والسياح لتنخرط فيها في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات نخبة العائلات التونسية الحضرية الساعية إلى دعم رأس مالها الثقافي والرمزي وإثبات عراقتها الحضرية مقابل «بدائية الحياة الريفية».

فخار سجنان : من المحلي إلى الوطني

لكن تبدل الخيارات الاقتصادية للدولة التونسية خلال العقود الثلاثة الأخيرة غير من هذه المعادلة. فخلال هذه الفترة تخلت الدولة التونسية عن سياستها التنموية الراديكالية التي اتبعتها في الستينيات، وسعت إلى محاولة ربط الاقتصاد الفلاحي القائم على مبدأ الكفاف بالسوق دون العمل على تدميره اجتماعيا، أي مع محاولة المحافظة على وحدة الإنتاج الفلاحية التي هي العائلة.

وفي هذا السياق الجديد اكتسبت الحالة السجنانية أهمية كبيرة بالنسبة إلى مشروع التنمية الريفية والغابية الذي انطلق في بداية السبعينيات وتواصل على نفس الوتيرة في الثمانينيات. ففي هذا الإطار وضع الأساس لمشروعين تنمويين بهذه المنطقة مرتبطين أشد الارتباط بخصائصها الاقتصادية والحرفية.

المشروع الأول استهدف تربية الماشية التي يدور عليها اقتصاد الكفاف السائد في المنطقة.وقد ظهرت نتائج هذا المشروع في نهاية الثمانينيات حينما أصبح فلاحو سجنان من أهم مزودي الصناعات الوطنية الغذائية بالحليب بعد ما كانوا يستنكفون من بيعه.

أما المشروع الثاني، وقد نفذه الديوان الوطني للصناعات التقليدية، فقد اتجه رأسا إلى الصناعة المنزلية للفخار. وقد تشكل المشروع من ثلاثة عناصر أساسية هي :

أولا الاعتراف بالقيمة الثقافية والفنية للصناعات الحرفية المحلية وبالأخص الفخار.

ثانيا العمل على تحويل صناعة الفخار إلى نشاط تجاري.

ثالثا ربط هذا النشاط بمرجعيات ثقافية غير محلية تدفع بالمنتجين إلى تغيير الأهداف الاستعمالية للمنتوج، مستعينين في ذلك بخبراء الديوان الوطني للصناعات التقليدية.

لقد ترتب على هذا التوجه التنموي عدة نتائج شكلت سياقا جديدا تجري فيه الآن عملية التحول المعقدة التي تعرفها الصناعات الحرفية المنزلية بسجنان.

النتيجة الأولى أن فلاحي هذه المنطقة انخرطوا بشكل مكثف في التبادل التجاري مع السوق. و هكذا لم يعد التبادل مقتصرا على الزائد عن الحاجة في مقابل ما لا ينتج محليا، بل أصبح كل الحليب والصوف واللحم موضوعا للتبادل النقدي، بينما احتلت زراعة التبغ مساحات كانت مخصصة في الماضي للحبوب والبقول رغم قلة الأراضي الصالحة. و بالتساوق مع ذلك، ولكن بوتيرة غير متكافئة حسب المجموعات والمناطق، أخذت صناعة الفخار نفس المسلك. فانتصبت على طول الطريق الرئيسية المارة من المنطقة (بنزرت-طبرقة) طاولات لبيع أواني الفخار، وبدأ التجار المحليون والآتون من المدن السياحية الكبرى يجوبون المنازل للتزود بهذه السلعة الجديدة.

النتيجة الثانية أن الصناعات الحرفية المنزلية الأخرى، أي غير الطينية، بدأت تعيش حالة انهيار كبيرة بفعل غزو السوق الكاسح لمختلف مناحي الإنتاج و الاستهلاك الفلاحي في المنطقة. ويمكن أن نلاحظ هنا أن هذا التطور يتناقض تماما مع المبدأ التنموي الذي قام عليه مشروع  تنمية صناعة الفخار وهو الاعتراف بثقافة الفلاحين الحرفية.

النتيجة الثالثة أن صناعة الفخار في هذه المنطقة لم تعد تنطلق من حاجة استهلاكية  محلية منسجمة مع نمط العيش الذي كان سائدا، بل من حاجة خارجية ذات مرجعيات استهلاكية مختلفة. وبموجب ذلك دخل إلى سجنان – عبر الديوان الوطني للصناعات التقليدية – الوسيط الفني (فنانون وخبراء متخصصون في الفنون الجميلة والصناعات الحرفية) الذي يوجه الحرفيات الفلاحات نحو الاستجابة إلى أذواق الآخر الحضري أو القادم للسياحة من بلدان أخرى مختلفة ثقافيا. ومن ثم بدأت الحرفيات السجنانيات تحول أدوات الطبخ والأكل والشرب الفخارية إلى أدوات للتزويق المنزلي وفق أذواق النخب الحضرية والأسس التي يعتمدونها في التنظيم الفني والثقافي للفضاء المنزلي.

وهكذا فإن ما  يجري اليوم على مستوى تنمية صناعة الفخار بسجنان هو ترسيخ لمحلية هذه الأخيرة، وفي ذات الوقت نقل لقيمتها الثقافية والرمزية من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني. فعلى المستوى الأول تعمل الفئات الحضرية العليا للمجتمع على شد فخار سجنان إلى محليته الاجتماعية والتقنية، حيث تمثل الحرفية صانعة الفخار رمز الفلاحة البسيطة « الفنانة بالفطرة»، بينما تشكل تقنياتها الحرفية، التي تلتقي خلالها مهارة المرأة بالطين والماء والنبات والنار، تجربة تفاعل فريدة بين الإنسان الريفي  والطبيعة. أما على المستوى الثاني فإن الدوائر الرسمية تعمل – عبر إدراج هذا النشاط في مقولة الصناعات التقليدية التونسية – على تفكيك عناصر المحلية الثقافية والفنية لهذه الحرفة وتحويلها إلى تراث وطني وعالمي ينتسب إليه كل تونسي وكل إنسان، وفي ذات الوقت يساهم إحياء هذا التراث في ترسيخ مشروعية الدولة الناشئة «المنمية» للأرياف.

خلاصة

ماذا يمكن أن نستنتج من حالة سجنان التي كشفت لنا  عن دينامية التراث بين العالمي والمحلي والوطني؟

هناك ثلاثة استنتاجات رئيسية ذات علاقة بالسؤال المطروح يمكن استخلاصها   من هذا التحليل:

الاستنتاج الأول أن التراث لا يشكل «مخزونا» ثقافيا ماضيا نعود إليه حسب الحاجة ، بل صناعة متجددة شديدة الارتباط  بالتحول المستمر الذي تعرفه حياة المجموعات البشرية و دينامية الصراع الذي يجري داخلها. فخلال أربعة عقود فقط عرفت الصناعة الحرفية للفخار بسجنان التهميش والاحتقار والانكفاء في المحلية، ما جعلها في حكم الثقافة الفاقدة لكل الرموز والدلالات الحديثة، و الآيلة بموجب ذلك إلى الزوال من الذاكرة الجماعية. ثم الاهتمام الرسمي والنخبوي الساعي إلى إدماجها في «المخزون التراثي الوطني»، ما جعل قيمتها الثقافية والرمزية تخرج من المحلية وتتحرر إلى حد ما من الدونية. وتشكل هذه التجربة شاهدا امبيريقيا قويا  على فرضية الاستخدامات الاجتماعية للتراث.

الاستنتاج الثاني – ويتعلق بمفارقة غاية في الأهمية تعرف  حاليا انتشارا في كل أصقاع الدنيا – أن السياق العالمي الجديد الذي تجري فيه الآن دينامية التراث المحلي  يضع هذا التراث موضع سؤال، وفي ذات الوقت يوفر له الشروط السياسية الوطنية اللازمة – ادعاءات الدول الوطنية بالمحافظة على التراث- لبلورته وإعادة بنائه كأساس للتفاعل الوطني أو القومي في مواجهة قوى العولمة الثقافية الكاسحة.

الاستنتاج الثالث- ونحن هنا  أيضا أمام مفارقة جديرة بالملاحظة- أن التراث بوصفه إنتاجا لا ماديا أصبح الآن – بحكم عولمة النموذج الرأسمالي- سلعة تباع،  ما يسمح لقوى غير منخرطة في أطر وطنية ضيقة وغير مقيدة بقيم ثقافية محددة بتوجيه دينامية التراث في اتجاهات جديدة قد يستعصي فهمها وفق مفاهيم وفرضيات النظرية الاجتماعية الحالية.

الهوامش

1 – Véronique Fayolle, La poterie modelée du Maghreb oriental, Paris, CNRS, 1992 Fallaya, V., La poterie modelée d’Afrique du Nord, in, Aechéologia, N°275, 1992 Ginestous, P., Arts traditionnels de la région de Bizerte, Tunis, Ministère de l’Economie Nationale, Office des Arts Tunisiens, 1962.Gobert, F., Les poteries modelées du paysan tunisien, in, Revue Tunisienne, 1940.

2 – Barouni-Ben Sedrine, F.,De la mémoire de l’avenir, Tunis , CPU,2003Valensi, L., Islam et capitalisme, production et commerce des chéchias en Tunisie et en France au XVIIIe et XIXe siècles, in Revue d’Histoire Moderne et Contemporaine, N°16, 1969.

3 -للاطلاع على تفاصيل هذه التجربة أنظر: المولدي الأحمر،انتقائية التفكك والنمو في الأرياف التونسية، التحولات الحديثة في الصناعات اليدوية المنزلية بسجنان، تونس، دار سحر للنشر، 2003 .

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس
الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا
ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

التصنيف: مقالات  الوسوم: , , ,
تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.

التعليقات مغلقة