خطوات المنهج الإثنوغرافي | موقع أرنتروبوس

اثنوغرافيا

التسجيل الإثنوغرافي

ما هي الاثنوغرافيا؟…. وما خطواتها؟….. وهل الإثنوغرافيا علم أم ليست كذلك؟…. وماذا نقصد بالمنهج الإثنوغرافي؟…. وبماذا تختلف الإثنوغرافيا عن مصطلح الإثنولوجيا؟….. ما هو موقعها من البحث الانثروبولوجي؟……

تعني الإثنوعرافيا الدراسة “الوصفية” لأسلوب الحياة ومجموعة التقاليد، والعادات والقيم والأدوات والفنون، والمأثورات الشعبية لدى جماعة معينة، أو مجتمع معين، خلال فترة زمنية محددة….. إذن يتحدد مفهوم الإثنوغرافيا –اكاديمياً- بأنه: الوصف الدقيق والمترابط لثقافات الجماعات الإنسانية….

هذا حول تعريف الإثنوغرافيا…. ولكن ماذا يعني مفهوم الاثنولوجيا؟…..

الاثنولوجيا تعني: الدراسة التحليلية والمقارنة للمادة الاثنوغرافية….. إلاّ أن تعريف الاثنولوجيا بـ”الدراسة التحليلية” قد لا يكون محل اتفاق من الناحية النظرية، ان أفضل تعريف لمصطلح الاثنولوجيا هو انه: ذلك العلم الذي يُعنى بتجميع المادة الاثنوغرافية بصورتها المقارنة….. وقد يجمع اكثر الباحثين –نظريا- على هذا التحديد للمفهوم… ولكن البعض منهم يوسّع من دائرة اهتمام الاثنولوجيا فيوصفها بأنها تتضمن عملية التحليل للمادة الاثنوغرافية….. ومهما يكن من أمر فإن المادة الاثنوغرافية تشكّل قاعدة أساسية لعمل الباحث الانثروبولوجي…..

فالاثنوغرافيا تعد مقدمة للعمل الاثنولوجي…. وهي بذلك تمثل جانباً من الدراسة الاثنولوجية وليس علماً مستقلاً….. إذن الاثنوغرافيا تعمل على تسجيل المادة الثقافية من الميدان، أي تقوم بوصف أوجه النشاط الثقافي البشري، ولا تسعى الاثنوغرافيا إلى “التقويم” وإنما إلى تقديم صورة واقعية وتقريرية للأمور الحياتية لمجتمع ما أبان فترة زمنية معينة…..

أما الاثنولوجيا: فهي الدراسة المقارنة للثقافات المعاصرة والثقافات التي تتوفر عنها وثائق تاريخية (تجميع وترتيب وتنظيم البيانات الاثنوغرافية)…. هذه الدراسة المقارنة قد تكون في الزمان أو المكان، أي انّ عملية المقارنة قد تكون تتبعية “تاريخية” أو تزامنية “معاصرة” بتعبير البنيويين….فعندما نحصل على مجموعة أو عدد كبير من الملفات الخاصة بحياة الشعوب والمجتمعات نقوم بتنظيم هذه الملفات وتجميعها وإظهار التمايزات او التفارقات بينها…… ثم تبدأ بعد ذلك عملية التحليل والتنظير عن طريق دراسة هذه الملفات وبياناتها وهنا فقط تشرع الانثروبولوجيا وتبدأ حيث تنتهي الاثنولوجيا…..

من المعلوم التذكير بأن اي دراسة اجتماعية تتضمن المراحل الثلاث هذه…. فكل باحث يسير وفق خطوات مدروسة تبدأ بالاثنوغرافيا “تجميع المادة من الميدان”…. ومن ثم الاثنولوجيا “ترتيب البيانات وتنظيمها ومقارناتها”…. وبعد ذلك الانثروبولوجيا “تحليل وتنظير”……

خطوات المنهج الاثنوغرافي:

يقصد بالمنهج الاثنوغرافي الدراسة الميدانية العلمية للظواهر الاجتماعية وذلك عن طريق اتصال الباحث الانثروبولوجي بموضوع البحث اتصالاً مباشراً يعيش فيه بين الجماعات المراد دراستها ويتعلم لغة الأهالي لكي يوثق صلته بهم.

ان المنهج الاثنوغرافي القديم لم يكن هو المنهج العلمي الأمثل حيث ان المقارنة فيه لم تجرِ بطريقة علمية متميزة…. فالمقارنة في مراحلها الأولى بدأت بالرحلات ومحاولة مقارنة المجتمعات مع بعضها البعض والتي أنشأت ما يسمى بـ”التتبع التاريخي” للظواهر الاجتماعية او ما يسمى بالنظرية التطورية وذلك عن طريق الاكتفاء بالقراءات الواسعة وجمع المعلومات المدونة بواسطة الرحالة والمبشرين والتجار ولم يقم اي باحث انثروبولوجي بالنزول الى الميدان بنفسه لجمع المعلومات وتدوين الملاحظات…..

وتعد دراسة “راد-كليف براون” لجزر الاندمان اول دراسة ميدانية مهمة تلتها دراسة العالم البريطاني الشهير ورائد الدراسات الميدانية “مالينوفسكي” لجزر التربورياند والتي استغرقت اربعة سنوات ولا ننسى ايضا الدراسة المنسية للأميركي “لويس مورغان” لمحيط مجتمع نيويورك نهاية القرن التاسع عشر……

ويمكن تحديد أهم خطوات المنهج الاثنوغرافي بما يلي:

1-Observation: وتعني “الملاحظة”، وهي من أهم طرق البحث الانثروبولوجي، والملاحظة تعني ملاحظة الباحث للمجتمع المدروس في التعرّف على صفات وخصائص ما يدرسه من خلال وصفه له.

واعمق منها منهجياً “الملاحظة-المشاركة” observation-participation إلا انها عملية غير ممكنة كما يرى البعض، هنا الاعتراض يكون بسبب ان الباحث يكون غريباً عن المجتمع الذي يدرسه… ما نقصده هو ان الباحث الاثنوغرافي غالباً ما يتأثر بمنطلقاته النظرية ومواقفه الايديولوجية وتكوينه الذهني والنفسي والتي لا بدّ ان تؤثر في نتائج دراسته خصوصا عند استخدام منهج “الملاحظة-المشاركة”.

كذلك ان منهج “الملاحظة-المشاركة” يثير أيضاً تساؤلات حول موضوعية المادة التي يحصل عليها الباحث في دراسته الحقلية… وقد ارتبط هذا التساؤل بواقعة خاصة بالتناقض في نتائج الدراسة لقرية مكسيكية واحدة بواسطة اثنين من الاثنوغرافيين……

ففي عام 1920 درس الاميركي “روبرت رادفيلد” قرية “نيوزلاند” المكسيكية، وبعد 14 عاماً أي في سنة 1934 ذهب الأميركي “أوسكار لويس” الى القرية نفسها لدراستها….. ان “لويس” قد قرأ بطبيعة الحال نتائج دراسة “رادفيلد” وقد احتار في أمرها لأنها جاءت متناقضة تماما لملاحظاته الشخصية، لقد أعطى “رادفيلد” صورة وردية عن الحياة في تلك القرية المكسيكية حيث وصف أفراد المجتمع هناك بانهم سعداء وهادئون، في حين “اوسكار لويس” وجد الصورة مختلفة تماما، فالناس كانوا غير متعاونين والعلاقات الاجتماعية كانت ضعيفة……

قد يذهب البعض الى ان سبب الاختلاف ربما يعود الى تحولات جذرية في مجتمع القرية إلا ان التحليل الدقيق لهذا الموقف قد أوضح انّ الاختلاف في النتائج كان انعكاساً لاختلاف في المنطلق الفكري والنظري لكل منهما…..

واعترض “بيير بورديو” على منهج “الملاحظة-المشاركة”، وكان يرى انه منهج مليء بالعيوب من الطرفين الباحث والمبحوث، كما انه اعترض على الكثير من النظريات الأنثروبولوجية المجردة مثل كلمة “البناء الاجتماعي” وقال انها كلمة لا تدل على اي وجود، ويتساءل: أين هو البناء الاجتماعي؟!….

فالبناء شيء مجرد فنحن لا نراه، ولذلك علينا ان نركز على الممارسة وعلى العلاقات الاجتماعية المتفاعلة، اي ان ننتقل من مستوى “التنظير” الى مستوى تحويل النظريات الى “صور”….
وبناء على هذا اقترح “بورديو” كلمة Objectivation وهي مفردة وان كان من الصعب ترجمتها إلا انها يمكن ان تعني حسب فهمنا لها “التجسيد”…. ان كلمة Objectivity والتي تعني الموضوعية، ويقصد بذلك الادعاءات التي يطلقها الباحثون الاثنوغرافيون حول دراساتهم والتي يصفونها بأنها دراسات موضوعية، فإن “بورديو” كان يمقتها ويقول: ان هذا هو إدعاء وانه “باطل”، لأن “الملاحظة-المشاركة” تقف ضد الموضوعية، والموضوعية غير متجسدة فيها، وعليه فليس هناك موضوعية في Objectivity.

ويُعنى مفهوم “الموضوعاتية بالمشاركة” الذي طرحه “بورديو” بالكشف عن الآثار الذاتية المتحيّزة للباحثين الغربيين في تحليلاتهم الاثنوغرافية…..هذا يؤمل للباحث التعمق في تجاربه الاجتماعية السابقة لتحصيله العلمي وانعكاساته اللاشعورية الذاتية على تفسيراته لما يدرس من جماعات وظواهر…. ان ذلك لا يعني تخلي الانثروبولوجيين تماما عما في نفوسهم وتجنب استخدامه في البحوث بل العكس، فالباحثون يمكن ان يستفيدوا من تجاربهم الشخصية السابقة وذلك بإخضاعها للضبط المنهجي الاثنوغرافي والسوسيولوجي مما يجعلها مادة عملية لا يستغني عنها.

وحين نتعمق ملياً في مصطلح “الملاحظة-المشاركة” نجد انه يشير الى سلوك الباحث الاثنوغرافي نفسه حينما يغوص في العالم الاجتماعي الغريب عنه لكي يلاحظ نشاطاً او طقساً يكون مساهماً فيه. وتبرز هنا معضلة شائكة ترتبط بضرورة وجود ازدواجية مسبقة لوعي الباحث بحيث يراقب سلوك الآخرين مثلما يراقب سلوكه، وهو أمر غالبا ما يتعذر على الاثنوغرافيين.

من هنا يكون معنى “الموضوعاتية-المشاركة” تحليل لشخصية الباحث الاثنوغرافي نفسه، ولا يقصد بها تدقيق عمل الباحث الاثنوغرافي من قبل باحثين آخرين يراجعون عمله بزيارة للجماعة او الجماعات التي قام بدراستها من خلال الاتصال بالمخبرين الذين اعتمد عليهم والتأكد من الروايات التي أوردها ومن زوده بها في الميدان. فالموضوعاتية تحاول ان تظهر بجلاء مضمون العلاقة الذاتية الخاصة بالمبحوث…..(ستكون لنا دراسة حول: منهج الموضوعاتية عند بورديو)

2-Processes: وتُدعى “العملية” وتكون العملية عادةً تلقائية غير مخططة، فهي صيرورة، والصيرورة شيء يحصل في كل مرة. ان اهم صفة في العملية هي انها تتكرر نمطياً، فلا تشذ عن النمط. ومن امثلة ذلك: “الزواج” فهو يتكرر حدوثه كـ”طقس” في مجتمع معين لثلاث مرات او اكثر خصوصاً إذا كان هذا المجتمع يتمتع بدرجة عالية من الوحدة والتجانس. أما في المجتمع المتعدد “المركب” فتكون ثمة مشكلة تطال عامل الـ”processes” ذلك ان لكل طبقة أو فئة طقوسها ونشاطها الخاص بها….

3-Description: وهو ما يُسمى بالوصف والذي يعد من اهم خطوات البحث الاثنوغرافي الذي يمارسه الباحث الاجتماعي، هنا يقوم الباحث بوصف ما يرى فقط وصفاً أميناً دقيقاً لما يحدث، وان لا يزيد شيئاً من عندياته او ما يمكن ان ينسجم مع أهوائه….

ان عملية “الوصف” هذه تتميز بانها عملية شاقة ترهق الباحث الاثنوغرافي فهو مطالب في حالته هذه ان يكون دقيقا جدا فيما يدونه من معلومات او معطيات، كما يفترض عليه ان لا يصف كل ما يشاهده هكذا عنوة، وإنما يرتبط الأمر فقط في استحصال البيانات التي يمكن ان ترفد الباحث وتعينه في موضوعات دراسته، فليس كل وصف يمكن اعتباره وصفا اثنوغرافيا، فمهمة الباحث هنا تختلف كثيرا عن مهمة غيره من المتخصصين الآخرين الذي يرمون الى وصف كل ما يقع تحت ناظريهم من أخبار او معلومات والتي لا تعدو ان تكون بيانات نظرية غير مفيدة بالمرة….. لذلك فأن الباحث الانثروبولوجي يتمتع بخصوصية “اختصاصية” تفرده عن غيره من الدخلاء في عملية تجميع المعلومات من الوقائع الميدانية……

4-Analysis :عندما نعمد الى جمع المعلومات وتتوفر لدينا نربط العمليات processes مع بعضها البعض، بحيث نجد عن طريق عملية الربط هذه ان هناك علاقات وصلات بينها، ونصل أيضاً عبر ذلك الى تحليل محتوى العلاقات وكيف يمكن ان تسير، وما هي درجة الانسجام والتناقض بينها؟…. وكذلك الآثار التي تترتب على ذلك…….

هنا يعمد الباحث الاثنوغرافي الى تحليل كل فئة من هذه الفئات إلى نخب أصغر، أي ترتيب هذه الفئات وتنظيمها وتفكيكها، وفي هذه المرحلة من الممارسة الاثنوغرافية تبدأ اللمسات الاثنولوجية واضحة بحيث يعمل الباحث على استظهار قنوات البناء والتفكيك للظاهرة الاجتماعية من خلال ما ألتزم به من معطيات خارجية…..

بعد تحليل هذه الفئات كما قلنا يقوم الباحث في الكشف عن الآثار المسبّبة للظاهرة المدروسة، ويتففن هنا في طرح مجموعة من المسببات والتي قد تنسجم حتما مع موضوع دراسته، ويخضعها جميعا للفحص والاختبار الدقيق، ثم تأتي أثر ذلك عملية ” التركيب” لهذه الفئات والعمليات من اجل الوصول الى نتيجة مرضية، ومما ينبغي ذكره هنا ان مرحلة او خطوة “analysis” تعد مرحلة وسطى بين “الوصف” و”التنظير” الذي لا يظهر بشكل ملموس في الاثنوغرافيا……

الـمحـرر -

الدكتور مبروك بوطقوقة أستاذ الأنثروبولوجيا بالجامعة الجزائرية، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

التصنيف: متهجية  الوسوم: ,
تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.

التعليقات مغلقة