تقديم وتعريب وتعليق: محمّد الحاج سالم

 

لعلّه من الصّعوبة بمكان محاولة اختزال ما تضمّنته طروحات الأنّاس(1) الفرنسيّ بيار كلاستــــــر (Pierre Clastres) [1934-1977] من أفكار قويّة وتحاليل جريئة في مجال الإناسة السّياسيّة (l’anthropologie politique)، فهي متعدّدة الجوانب بعيدة عن المثاليّة (بمعنى التّفكير بما يجب أن تكون طبيعة العقد الاجتماعيّ مثلا) وعن الطّوبى (تخيّل ما يجب أن يكون عليه المجتمع) وغنيّة بالتّفاصيل التي لا يمكن بأيّ حال المرور عليها مرور الكرام، ذاك أنّها كانت نتيجة معايشة يوميّة لقبائل” الغاياكي”البدائيّة في غابات الأمازون الاستوائيّة، وهي قبائل كانت مندرجة تحت فئة “الهمج” أو “البدائيّين “في الدّراسات الإناسيّة إلى حدّ قريب. وقد ساهم كلاستر في التّعريف بهذه القبائل وثقافتها وديانتها وأعرافها مبيّنا قصور النّظرة التي تجعلهم خارج التّاريخ ممّا يبرّر محاولات تحضيرهم (باستخدام الأداة الاستعماريّة طبعا!) في ما نشره من كتب ومقالات لم يترجم منها إلى العربيّة، على حدّ علمنا، سوى كتاب واحد ومقالة يتيمة (2).

وقد تراءى لنا أنّ مجمل تلك الطّروحات قد يكون عبّر عنها صاحبها في هذا الحوار الذي أجري معه سنة 1975 أي قبل سنتين من وفاته، وهو ما نأمل بتقديمه معرّبا أن يسهم في إلقاء بعض الأضواء على فكر هذا الأنّاس الفذّ الذي أمكنه تحطيم الرّؤية التقليديّة السّائدة إلى حدود سبعينات القرن الماضي حول “طفولة” المجتمعات الفاقدة لمؤسّسة الدّولة أو الجاهلة بتقنية الكتابة ووصمها بـ”البدائيّة”من قبل أصحاب “الفكر التاريخيّ”المنبثق عن المركزيّة الأوروبيّة (l’eurocentrisme). وقد كان كلاستر بعمله هذا مفتتحا لما سيسمّى لاحقا “تيّار المجتمع المضادّ للدّولة” في مجال الإناسة السّياسيّة، وهو تيّار يعتمد فكرة محوريّة لمواجهة المركزيّة الأوروبيّة في مجالي التاريخ والإناسة أساسها أنّ المجتمعات البدائيّة ليست مجتمعات دون دولة نتيجة عجز هيكليّ عن إفراز دولة، بل لأنّها في الحقيقة “مجتمعات ضدّ الدّولة”، أي أنّ غياب الدّولة ليس نتيجة عجز أو تأخّر تاريخيّ بقدر ما هو نتيجة قرار واعٍ اتّخذه المجتمع من أجل منعها من الظّهور(3).

وبقطع النّظر عمّا عرفه هذا التيّار من تطوّرات بعد وفاة بيار كلاستر، فإنّه يمكن القول، بكثير من الاختزال والتّبسيط، إنّ الأطروحة الأساسيّة لعمله في مجال الإناسة السّياسيّة ترتكز على القول بأنّ كينونة الدّولة لا يمكن أن توجد إلاّ من خلال وجود تقسيم في المجتمع بين مهيمِنين وخاضعين، وأنّ انعدام تلك الكينونة المخصوصة إنّما هو تعبير عن انعدام حصول أيّ نصاب سلطويّ مستقلّ عن المجتمع. وفي هذا السّبيل، عملت المجتمعات “البدائيّة”على استنباط إواليّات(4) تمكّنها من إجهاض كلّ محاولة تهدف إلى قيام الدّولة، وذلك بالعمل على إفراغ أيّ سلطة سياسيّة حادثة فيها من محتواها، وعدم السّماح مطلقا بانفصال السّياسيّ عن الاجتماعيّ في صلبها(5). إلاّ أنّ تلك المجتمعات قد قامت – بهدف تحقيق وحدتها الدّاخليّة ومنع إمكانيّة الارتهان لأيّ كان داخلها – باستخراج مبرّر وجودها وجعله خارجها: الآلهة والآباء المؤسّسين والأجداد الأوائل(6)، فهم المشرّعون والمَدِين لهم بكلّ ما يوجد في المجتمع، ولا اعتراف لبشر حيّ بأنّه قد يغدو مشرّعا بدلا منهم(7). فمن خلال الدَّيْن (La dette) [ 8] للخارج وللآخر اللاّمرئيّ، تسعى الجماعة “البدائيّة” إلى مجابهة الانقسام الذي يتهدّدها، وإيجاد حلّ «سياسيّ» لمسألة انفصال نصاب سلطويّ مميّز داخلها يحتمل أن يستغلّه من يدّعي «الكلام» باسم المتعالي لبناء سلطته السّياسيّة الخاصّة المنفصلة عن الجماعة (تجربة النّبوّة كما عايشها المجتمع الهنديّ الأمريكيّ ووصفها كلاستر، وهي مماثلة في بعض وجوهها لذات التّجربة في المجال العربيّ)، وبالتّالي فرض تلك السّلطة عليها.

ومنعا لارتهان الإنسان للإنسان، وبالتّالي طلب “المساواة” ولو من خلال “الارتهان للغيب”، عملت المجتمعات “البدائيّة” على إيجاد شكل دينيّ يمكّنها من مجابهة الانفصال الذي يتهدّدها، وهو الانفصال الذي يتضمّن إمكانيّة تمظهره في صورة سلطة سياسيّة قد تتّخذ شكل دولة “تمثّل حيّزا لتجمّع المهيمنين مستقلاّ ومنفصلا عن سائر الفضاء الاجتماعيّ”(9)، وذلك بالعمل على تحييد هذه الإمكانيّة عبر ابتداع إواليّات تمكّن من إفراغ أيّ سلطة محتملة مستقلّة عن الكيان الاجتماعيّ من محتواها.

إلاّ أنّ الارتهان للغائب من خلال الدِّين، إنّما هو في الحقيقة استخراج للانقسام الدّاخليّ وقذف به إلى خارج المجتمع بهدف منع حدوثه، وهو ما يمثّل مفارقة من حيث هو قبول في نهاية المطاف بوجود انقسام، حتّى ولو كان مقذوفا به خارج المجتمع. وهذه المفارقة هي الّتي تجعل قيام الدّولة احتمالا قائما، بل وشرط وجودها أيضا: فما دامت إمكانيّة قيام بعض البشر بالتكلّم باسم الآخر المتعالي (النّبوّة) وبالتّالي إمكانيّة احتكار التحدّث باسم الشّرعيّة عن تنظيم الشّأن الجماعيّ موجودة، فإنّ إمكانيّة تحقّق الدّولة تغدو مطروحة من حيث المبدأ، فمبدأ الارتهان للآخر المتعالي الغائب لن يتأخرّ في أن يجد ترجمته على أرض الواقع ارتهانا للآخر البشريّ الحاضر (النّبيّ)، وذلك منذ اللّحظة التي يدّعي فيها النّبيّ احتكار التكلّم نيابة عن الآلهة.

وبما أنّ كينونة الدّولة لا توجد إلاّ من خلال وجود انقسام في المجتمع بين مهيمنين وآخرين خاضعين، وانعدام تلك الكينونة يعني انعدام نشوء نصاب سلطويّ مستقلّ عن المجتمع؛ فقد عملت المجتمعات الموسومة ب”البدائيّة” على استنباط إواليّات مكّنتها من إجهاض كلّ محاولة تهدف إلى قيام دولة في صلبها، وذلك بالعمل على إفراغ أيّ سلطة حادثة فيها من محتواها. إلاّ أنّ تلك المجتمعات قد قامت – بهدف تحقيق وحدتها الدّاخليّة ومنع إمكانيّة الارتهان لأيّ كان داخلها – باستخراج مبرّر وجودها وجعله خارجها : الآلهة والأسلاف، فهم المشرّعون والمدين لهم بكلّ ما يوجد في المجتمع، ولا اعتراف لبشر حيّ بأنّه قد يغدو مشرّعا عوضا عنهم. فمن خلال الدَّيْن للخارج وللآخر اللاّمرئيّ، تسعى الجماعة “البدائيّة” إلى مجابهة الانقسام الذي يتهدّدها، وإيجاد حلّ «سياسيّ» لمسألة انفصال نصاب سلطويّ مميّز داخلها قد يستغلّ الكلام باسم المتعالي في سبيل بناء سلطته السّياسيّة الخاصّة وفرضها على الجماعة.

ومن هنا، فإنّ رفض المجتمعات “البدائيّة” الخضوع لبشر حيّ إنّما هو رفض لمبدأ الدّولة الذي يبشّر به الأنبياء، واختيار ثقافيّ من قبل مجتمعات ما قبل الدّولة لدين الآباء الغائبين على حساب الدّولة المتجسّدة في بشر حيّ. فدين الآباء ينطوي على جرثومة الدّولة بالأصل منذ أن ناط المجتمع مسألة تنظيمه بالآخر وإن يك غائبا، وصاحب الدّولة لا يقوم إلاّ باستغلال هذا الشّرخ بتقديم وجه جديد لمبدأ قديم كان قد استخرج عن المجتمع أسباب وجوده ومعنى هذا الوجود عندما اعتقد أنّه يدين بهما للغائب، فالحضرة الإلهيّة تغدو مع صاحب الدّولة حاضرة فيه بوصفه ناطقا باسمها، وبهذا لن يعود الإنقسام بين المجتمع ومبدئه الخارجيّ، بل يغدو في صلبه.

وعلى خلاف الماركسيّة، يرى كلاستر أنّ “الاغتراب البشريّ الأصليّ هو اغتراب سياسيّ وليس اقتصاديّ، فالأوّل هو الذي يحدّد الثّاني. فمجتمع الهنود الحمر كان يعيش اقتصادا كفافيّا، أي أنّه كان ينتج ما يحتاجه لاستهلاكه الحيويّ الطبيعيّ عبر الوسائل التقنيّة التي تتيح له السّيطرة على المجال الطبيعيّ المحيط بشكل متناسب مع احتياجاته؛ إنّه غير ملزم بإنتاج الفوائض، ولم ينتجها؟ طالما أنّ السّلطة الجائرة المنفصلة المؤهّلة لمراكمتها وإقامة علاقات الاستغلال البشريّ على أساسها غير موجودة أصلا، ذلك أنّ السّلطة والزّعامة عند الهنود لها ما لغيرها بالتّساوي، بل وأكثر فإنّ عليها واجب العطاء الدّائم ممّا تحوزه من خيرات وإلاّ فالإقصاء” (10).

وهكذا، فإنّ بيار كلاستر يرى أنّ مفتاح مسألة الدّولة ينبغي أن يبحث عنه في الجذور العميقة للواقعة الدّينيّة، “ذلك أنّ فهم السّبب الذي أراد به البشر بأجمعهم أن يكونوا مدينين لإرادات اللاّمرئيّ، والسّبب الذي جعل المجتمعات تصرّ على أن تعقل بأنّ علّة وجودها تتعلّق بشيء مغاير لها، معناه فهم السّبب الذي جعل قيام الدّولة أمرا ممكنا في لحظة من لحظات الصّيرورة الإنسانيّة الاجتماعيّة”(11). وبعبارة أخرى، فإنّ فهم سبب الخضوع السّياسيّ غير ممكن إلاّ بفهم مسألة الخضوع الدّينيّ، ففي الحالتين نحن أمام اقتناع جازم وعميق بأنّ البشر مدينون بنظام عالمهم إلى تدخّل قوى غيبيّة لامرئيّة وبرّانية من خارج المجتمع، تحتكر لنفسها عمليّة إضفاء المعنى على الوجود والأشياء وكينونة المجتمع، وذلك رغم اختلاف آليّة الارتهان للقوى المفارقة عن آليّة الخضوع للدّولة من حيث قدرة هذه على الإخضاع القسريّ باستخدام القوّة بأشكالها الماديّة وغير الماديّة أو التّهديد باستخدامها(12). فالانفصال الذي تنبثق بموجبه الدّولة، يحدث بين بشر أحياء حاضرين ومتساوين (مبدئيّا في الأصل) تعمل الدّولة على تعميق الفوارق بينهم، وهو ما يجعل بناء التّمايز بين البشر الشّرط الضّروري لانبثاق الدّولة، بل وشرط ديمومتها. أمّا الانفصال بين البشر وعالم الآلهة والأسلاف فيتميّز بأنّ هؤلاء هم “أسياد المعنى” وأسياد البشر الحاضرين، ومن هنا تساوي الجميع أمام عبوديّتهم لللاّمرئيّ. إلاّ أنّ هذا الانفصال والانقسام الأصليّ يغدو جرثومة انبثاق الدّولة نفسها حين يصبح التّمايز بين البشر بعضهم البعض لا يُعقل إلاّ تبعا لانقسامهم بين آمر ومطيع. ومن هنا يصحّ القول إنّ وجود الدّولة تاريخيّا لم يصبح ممكنا إلاّ لأنّه كان احتمالا قائما في أصل ذاك الأمر الخفيّ الذي أوجب على المجتمع أن يقرأ نفسه في مرآة أمر مغاير ومفارق له، دون أن يعني هذا أنّه كان ينبغي على هذه الخارجيّة أن تتمظهر بالضّرورة في يوم من الأيّام في شكل دولة(13).

ونكتفي بهذا التقديم المبتسر لفكر كلاستر، لتنرك للقارئ اكتشاف متعة التحاور مع مفكّر كبير، لكن وبالخصوص متعة استلهام ما تعلّمه هذا الأنّاس من “الهمج” ليعلّمه لنا، وهي جملة دروس تطال مسائل إنسانيّة جوهريّة تتعلّق بالحريّة والسّلطة والعنف والدّين واللّغة، فأن نتعلّم من “همج” يعني عدّة أشياء لعلّ آخرها وليس أوّلها الإدانة العميقة للمذابح الوحشيّة التي تعرّض لها جميع “الهمج” على هذه الأرض ابتداء من قبائل الهنود الحمر وسكّان أستراليا الأصلييّن وصولا إلى عرب العراق وفلسطين على يد “المتحضّرين” بناة الرّأسماليّة المبشّرة بـ “فردوس التقدّم” على أنقاض “جحيم التخلّف”!

وهذا الحوار صدر بالفرنسية في مجلة “الأسطورة المضادة”،L’ANTI-MYTHES ، العـدد التّاسع، باريس، 1975.

نـصّ الحـوار مـع بـيـار كـلاسـتـر(14)

الإنـاسـة الـسّـيـاسـيّـة

>ما هي “الإناسة السّياسيّة” بالنّسبة إليك؟ وكيف تموقع نفسك داخل مسيرتك النّياسيّة(15) الحالية (بالنّسبة للبنيويّة طبعا)؟

>سأتناول مسألة البنيويّة أوّلا. أنا لست بنيويّا، وهذا لا يعود إلى أنّ لي مآخذ على البنيويّة، بل لأنّني أهتمّ – بوصفي نياسيّا- بحقول تتجاوز مجال التّحليل البنيويّ في رأيي. البنيويّة قد تؤتي أكلها عند من يهتمّ بالقرابة والأسطورة، وهو ما بيّنه »ليفي شتراوس« سواء في تحليله البنى الأساسية للقرابة أو تحليله الأساطير. أمّا أنا، فأهتمّ في الجملة بالإناسة السّياسيّة، أي بمسألة الزّعامة والسّلطة. وفي هذا الخصوص، لديّ انطباع بقصور البنيويّة وأنّ مجال عملي يقتضي نمطا مختلفا من التّحليل. بعد أن بيّنت هذا، يمكن القول إنّني لو تناولت موضوعة أسطوريّة، فإنّه من المحتمل جدّا أن أغدو حينها بنيويّا، إذ لا أرى كيف يمكن تحليل موضوعة أسطوريّة من خارج البنيويّة إلاّ إذا استعضنا عن ذلك بحماقات من قبيل التّحليل النّفسيّ للأسطورة أو مركسة الأسطورة والقول بأنّ »الأسطورة هي أفيون البرّيين«، وهذا أمر غير جدّي.

>إنّك لا تحيل على المجتمع البدائيّ فحسب، فتساؤلك حول السّلطة هو تساؤل حول مجتمعنا [الغربيّ]. علام تؤسّس مسعاك؟ ما الذي يبرّر هذا الانتقال من دراسة المجتمعات البدائيّة إلى الحديث عن مجتمعاتنا؟

هذا الانتقال تقتضيه طبيعة الموضوع بالضّرورة، فأنا نياسيّ أي أنّني مهتمّ بالمجتمعات البدائيّة وبالأخصّ في أمريكا الجنوبيّة أين قمت بجميع أعمالي الميدانيّة. ومن هنا، فإنّني أنطلق من تمييز نابع من داخل حقليْ النّياسة والإناسة: ما هي المجتمعات البدائيّة؟ إنّها المجتمعات بلا دولة، وهو ما يقتضي بالضّرورة الحديث عن المجتمعات الأخرى، أي المجتمعات التي تتوفّر على دولة. أين تكمن المشكلة إذن؟ وما هو مناط اهتمامي بها؟ ولم أحاول التّفكير فيها؟ إنّ تساؤلي يتلخّص في البحث ما إذا كانت المجتمعات الخالية من الدّولة كذلك. وهنا يبدو أنّني تنبّهت إلى أنّ المجتمعات بلا دولة إنّما هي كذلك لأنّها ترفض الدّولة، أي هي مجتمعات ضدّ الدّولة. فغياب الدّولة عند المجتمعات البدائيّة لا يعود إلى نقص فيها، أو لأنّها تمثّل طفولة البشريّة أو بسبب عدم اكتمالها، أو لأنّها ليست مجتمعات كبيرة الحجم أو غير راشدة؛ بل لأنّها تحديدا ترفض الدّولة في مفهومها الواسع، أي الدّولة المعرّفة في أدنى صورها بأنّها علاقة سلطة. ومن هنا، فإنّ الحديث عن مجتمعات بلا دولة أو مجتمعات ضدّ الدّولة، هو حديث عن المجتمعات ذات الدّولة. وبالضّرورة، فإنّ الانتقال من الأولى إلى الثّانية إمّا هو معدوم كليّة، أو هو ممكن بصفة مسبقة. والسّؤال الذي يتولّد عن الانتقال هو: من أين تتولّد الدّولة وما هو أصلها؟ إلاّ أنّنا هنا في الحقيقة أمام سؤالين منفصلين:

— ما الذي تفعل المجتمعات البدائيّة كي لا يكون لها دولة؟
— من أين تنبثق الدّولة؟

إذن، ما هي “النّياسة السياسيّة”؟ يمكن القول إنّها “كلّ ما يمكن أن يغذّي به تحليل مسألة السّلطة في المجتمعات البدائيّة بلا دولة، تفكيرا سياسيّا حول مجتمعاتنا”، وهذا أمر مؤكّد، إلاّ أنّه ليس ضروريّا. إلاّ أنّني أستطيع حتما التوقّف عند أسئلة إن لم تكن أكاديميّة فهي على الأقلّ داخل حقل الإناسة الاجتماعيّة: كيف يشتغل المجتمع البدائيّ لمنع انبثاق الدّولة؟ ومن أين تنبثق الدّولة؟ يمكنني أن أكتفي بهذا، وأظلّ مع ذلك نياسيّا، وهذا بالفعل ما أقوم به في الجملة. إلاّ أنّه ما من شكّ بعد هذا في أنّ أيّ تفكير أو أيّ بحث حول أصل انقسام المجتمع أو أصل اللاّمساواة، بمعنى أنّ المجتمعات البدائيّة هي بالتّحديد مجتمعات تمنع التّفاوت، يمكن أن ينتجا تفكيرا حول ما يحدث في مجتمعاتنا. وهنا تعترضنا بسرعة مسألة الماركسيّة.

>هل يمكنك التّدقيق؟ ما هي صلاتك بالأنّاسين الماركسيين؟

>صلاتي بمن هم ماركسيّون من بين زملائي مطبوعة بالاختلاف على مستوى ما نقوم به وما نكتبه، لكنّه ليس بالضّرورة اختلافا على المستوى الشّخصيّ. إنّ أغلب الماركسيّين أرثدوكسيّون، وأنا أقول أغلبهم لأنّه يوجد بينهم من ليس كذلك لحسن الحظّ، إلاّ أنّ الأرثدوكسيّين منهم يميلون إلى التمسّك بالنصّ أكثر من العقل. ووفق هذا الاتّجاه، ما هي نظريّة الدّولة؟ إنّها تصوّر أداتيّ للدّولة، فهي مجرّد أداة لهيمنة طبقة اجتماعيّة على طبقات أخرى؛ فالدّولة من النّاحية المنطقيّة ومن النّاحية الزّمنيّة أمر لاحق، أي أنّها تنشأ بعد أن يكون المجتمع قد انقسم إلى طبقات وأضحى فيه أغنياء وفقراء ومستغِلّون ومستغَلّون، فالدّولة هي أداة الأغنياء المثلى لاستغلال وخداع الفقراء.

إلاّ أنّه يبدو لي انطلاقا من البحوث المتعلّقة بالمجتمع البدائيّ بلا دولة وما رافق ذلك من تفكير بشأن هذه المسألة، أنّ الأمر على العكس من ذلك. فالانقسام إلى جماعات اجتماعيّة متعارضة أو الانقسام إلى أغنياء وفقراء، إلى مستغِلّين ومستغَلّين، لم يكن الانقسام الأوّل؛ والانقسام الأوّل المؤسّس في نهاية المطاف لجميع الانقسامات الأخرى إنّما هو الانقسام بين آمر ومطيع، أي الدّولة أساسا، أي الانقسام بين من يملك السّلطة ومن يخضع لها. فإذا ما حصل هذا ونشأت علاقة بين آمر وخاضعين أي بين شخص أو مجموعة أشخاص يأمرون غيرهم فيطيعون، غدا كلّ شيء آنذاك ممكنا، لأنّ الآمر يغدو صاحب السّلطة ولديه القدرة على جعل الآخرين ينفّذون أوامره. ولأنّه أصبح هو السّلطة تحديدا، فإنّ بإمكانه أن يقول للآخرين: اشتغلوا لحسابي، وساعتها يمكنه أن يتحوّل بسهولة إلى مستغِلّ لهم.

إلاّ أنّ السّؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أنّنا حين نفكّر بجديّة حول الطّريقة التي تشتغل بها هذه الآلات الاجتماعيّة وأقصد بها المجتمعات البدائيّة، فإنّنا لا نرى كيف يمكن لها أن تنقسم، أعني كيف يمكنها أن تنقسم إلى أغنياء وفقراء. إنّنا لا نستطيع فهم ذلك، لأنّ كلّ شيء فيها يشتغل لمنع حدوث ذلك الانقسام بالذّات. وبالمقابل، فإنّ الرّؤية يمكن في رأيي أن تغدو أكثر وضوحا ويغدو فهمنا أكثر جلاء إذا ما أخذنا بعين الاعتبار منذ البداية مسألة أسبقيّة علاقة السّلطة.

لذا، يبدو لي أنّه لا مندوحة من قلب النّظريّة الماركسيّة حول أصل الدّولة رأسا على عقب حتّى تتّضح هذه المسائل، وهذا أمر جسيم ودقيق في نفس الوقت. فعوض أن تكون الدّولة أداة هيمنة طبقة على أخرى، وهو أمر لاحق لحصول انقسام سابق في المجتمع، أرى على العكس من ذلك أنّ الدّولة هي التي تولّد الطبقات، وهو ما يمكن الاستدلال عليه انطلاقا من النّماذج التي تمثّلها بعض المجتمعات غير الغربيّة ذات الدّولة، وأنا أفكّر بالخصوص في دولة “الإنكا” (Inca) (16) في منطقة “الآند” (17) les andes، لكن يمكن أن نأخذ أمثلة أخرى من صميم الغرب بل وحتّى معاصرة تماما كالاتّحاد السّوفياتي. بالطّبع أنا هنا بصدد بسط الموضوع فحسب، لأنّني لست مختصّا بالمسائل السّوفياتيّة أو شؤون الكرملين… لكن لو ألقينا نظرة شاملة ومن مسافة معقولة على ثورة 17 أكتوبر، فما الذي فعلته تلك الثورة؟ لقد ألغت بكلّ بساطة العلاقات الطبقيّة من خلال إلغاء طبقة واحدة: المستغِلّون، البورجوازيّون، كبار الملاّك، الأرستقراطيّة وجهاز الدّولة المتناغم مع كلّ ما يمثّل الملوكيّة؛ ولم يبق سوى مجتمع يمكن وصفه بأنّه لم يعد منقسما نتيجة إلغاء أحد طرفي الانقسام، وبذلك أضحى المجتمع غير منقسم بينما تجثم فوقه آلة دولويّة (بمساعدة الحزب الشّيوعيّ) تمسك بالسّلطة لما فيه خير الشّعب العامل، أي مصلحة الشّغالين والفلاّحين. حسنا، ما هو الاتّحاد السّوفياتي الحاليّ؟ إذا ما كنّا مناضلين في صفوف الحزب الشّيوعيّ، فإنّ الاتّحاد السّوفياتيّ سيكون هو الاشتراكيّة ودولة العمّال إلخ… أمّا إذا ابتعدنا عن اللاّهوت والعقيدة ودقّقنا النّظر، فإنّ الاتّحاد السّوفياتيّ سيتراءى لنا مجتمعا طبقيّا، ولا أرى ما يوجب التردّد في استخدام هذا التّعبير إذ هو بالفعل مجتمع طبقات، بل هو مجتمع طبقيّ متولّد كليّا عن جهاز الدّولة. أظنّ أنّنا نرى هنا بوضوح أصل تكوّن الطّبقات أي أصل الانقسام بين أغنياء وفقراء، بين مستغِلّين ومستغَلّين، أصل الانقسام الاقتصاديّ للمجتمع انطلاقا من وجود جهاز دولة.

لقد خلقت الدّولة السّوفياتيّة المتمحورة حول الحزب الشّيوعيّ مجتمعا طبقيّا، وأنشأت بورجوازيّة روسيّة جديدة لا نشكّ في أنّها لا تقلّ ضراوة بأيّ شكل عن أعتى البورجوازيّات الأوروبيّة في القرن التّاسع عشر مثلا. هذا ما يبدو لي مؤكّدا، وحين أقول مثل هذا الكلام الذي يبدو سورياليّا، أي حين أقول أنّ الدّولة هي التي تخلق الطّبقات، فإنّني أريد بيان هذا الأمر من خلال أمثلة من عوالم تختلف تماما عن العالم الذي نعيش فيه، أي عالم “الإنكا” وعالم الاتّحاد السّوفياتيّ. وإذا ما قام مختصّون في الحضارة المصريّة القديمة مثلا أو مختصّون في مناطق وثقافات أخرى في ما يسمّيه ماركس الاستبداد الآسيويّ أو مختصّون بالحضارة المائيّة بسلوك نفس الاتّجاه الذي سلكته، فإنّي أفترض أنّهم سيبرهنون وبطريقة سهلة عن كيفيّة نشوء الانقسام الاقتصاديّ عن الانقسام السّياسيّ، أي كيف يغدو من يخضع منذ لحظة خضوعه ذاتها فقيرا ومستغَلاّ، وكيف يضحي الآمر غنيّا مستغِلاّ. وهذا أمر طبيعيّ جدّا، لأنّ الإمساك بالسّلطة إنّما يكون بغرض ممارستها، ولا وجود لسلطة إلاّ إذا مورست من خلال إرغام الآخرين على العمل لحساب من يمسك بها. إنّ العمل المغترِب لا يخلق الدّولة، بل أظنّ على العكس من ذلك تماما أنّ العمل المغترب هو الذي ينشأ عن السّلطة وعن عمليّة ممارستها. ما هو العمل المغترِب؟ هو “أن أعمل لحساب الآخرين عوض أن أعمل لنفسي”، أو هو بالأحرى”أن أعمل قليلا لنفسي وكثيرا لغيري”. هذا هو أصل العمل المغترِب!

لقد كان أوّل شكل من العمل المغترِب والأكثر كونيّة هو واجب دفع الإتاوة. ذلك أنّه إذا قلتُ: “أنا صاحب السّلطة، وعليكم الخضوع”، فإنّني أضحي مطالَبا حينها بإثبات زعمي، أي إجبارك على دفع إتاوة، بمعنى استخلاص قسط من نشاطك لمصلحتي الخاصّة. ومن هنا، فأنا لست صاحب السّلطة فحسب، بل مستغِلّ للآخرين أيضا، ولا وجود لجهاز دولة بدون هذه المؤسّسة المسمّاة إتاوة. إنّ أوّل ما يفعله رجل السّلطة هو فرض الإتاوات، أن يدفع من يمارس عليهم السّلطة إتاوة.

ولك أن تقول لي: “ولم يخضعون؟ لماذا يدفعون الإتاوة؟ “. هنا، نحن نلامس مسألة أصل الدّولة. وفي الحقيقة، أنا لا أدرك هذه المسألة تماما، لكن يوجد في علاقة السّلطة شيء يتجاوز مسألة العنف وحدها. إنّ القول بهذا الأمر سهل للغاية لأنّه يحلّ المسألة فورا! لماذا توجد الدّولة؟ لأنّه في لحظة معيّنة، وفي مكان مّا، قال شخص أو مجموعة من الأشخاص: “نحن أصحاب السّلطة وستطيعوننا”. لكن في هذه الحالة قد يحدث أمران، إمّا أن يقول السّامعون: “نعم، هذا صحيح، أنتم أصحاب السّلطة وسنطيعكم” أو “لا، لستم أصحاب السّلطة بدليل أنّنا لن نطيعكم” وسيرمونهم بالجنون أو يقومون بقتلهم. إنّ المسألة منحصرة في الطّاعة أو العصيان، ولا بدّ بالضّرورة من وجود هذا الاعتراف بالسّلطة لأنّ الدّولة ظهرت في أماكن متعدّدة وفي مجتمعات مختلفة. وفي الواقع، فإن السّؤال حول أصل علاقة السّلطة بأصل الدّولة، هو حسب رأيي ذو وجهين، فهو في آن سؤال فوقيّ وسؤال تحتيّ.

— السؤال الفوقيّ هو: ما الذي يجعل في زمن مّا ومكان مّا شخصا يقول: “أنا القائد وستطيعونني”؟ إنّه سؤال قمّة الهرم.

— والسّؤال التّحتيّ، سؤال قاعدة الهرم، هو: لماذا يقبل النّاس الانصياع لشخص أو مجموعة أشخاص، والحال أنّ الآمر لا يملك ما يكفي من القوّة أو القدرة على العنف لإخضاع الجميع؟ يوجد إذن شيء آخر غير القوّة المحضة، وقبول الانصياع يحيل على هذا الشّيء الآخر الذي لا أعرف بالضّبط ماهيّته، فأنا باحث فحسب… أي أنّ دوري هو البحث. لكن كلّ ما يمكن قوله في الوقت الرّاهن إنّه إذا ما كان السّؤال وجيها، فإنّ جوابه ليس بديهيّا. كما أنّه لا يمكننا التّغاضي عن تحليل السّؤال التّحتيّ أي “لماذا يقبل النّاس الانصياع” إذا ما أردنا التّفكير جديّا بمسألة أصل علاقة السّلطة وأصل الدّولة.

>إنّهما نفس السّؤالين اللذين طرحهما روسّو في بداية كتابه”العقد الاجتماعيّ” حين قال: “لا يمكن لأيّ إنسان أن يكون من القوّة بحيث يظلّ دائما هو الأقوى”، ومع ذلك نجد الدّولة! علام تتأسّس السّلطة السّياسيّة إذن؟ لقد تملّكني انطباع وأنا أقرأ “المجتمع ضدّ الدّولةبتماثل طرحك مع طرح روسّو من خلال نقطة ثابتة مشتركة معبّرة جدّا: الرّجوع إلى مجتمعات صغيرة (أفكّر بمرجعيّات روسّو حول جنيف وكورسيكا والأودية الصّغيرة في سويسرا)، إنّه بحث يقود إلى مسألة أصل السّلطة السّياسيّة.

ليس بحثا، بل هو ما تقوله المجتمعات البدائيّة… قد نبتعد هنا قليلا عن موضوع اهتمامنا، لكنّنا ما زلنا في الواقع في نفس الحقل: ما هي الشّروط اللاّزمة كي يكون مجتمع مّا بلا دولة؟ إنّ أحد تلك الشّروط هو أن يكون المجتمع صغير الحجم. وفي هذا الخصوص، أوافق على ما قلته بشأن روسّو، فما يجمع بين المجتمعات البدائيّة حقّا هو كونها مجتمعات صغيرة، أقصد ديمغرافيّا وإقليميّا، وهذا شرط أساسيّ كي لا تنشأ سلطة منفصلة صلبها. من وجهة النّظر هذه، يمكننا أن نقابل بين المجتمعات البدائيّة بلا دولة ومجتمعات الدّولة: فالمجتمعات البدائيّة هي من جهة ما هو صغير ومحدود ومختصَر، وهي مجتمعات الانقسام المتواصل، مجتمعات تقع في جهة المتعدّد؛ بينما تقع مجتمعات الدّولة في الجهة المعاكسة تماما، أي جهة النّموّ والاندماج، جهة التوحّد، جهة الواحد. وإذا ما كانت المجتمعات البدائيّة في جهة التّعدّد، والمجتمعات غير البدائيّة ذات الدّولة مجتمعات الواحد، فإنّ الدّولة هي انتصار الواحد.

لقد ذكرت روسّو، لكنّنا نستطيع استحضار شخص آخر سبق له طرح السّؤال الأساسيّ الذي طرحته أنا منذ قليل، وهو ما أسميته السّؤال التّحتيّ: لماذا يخضع النّاس بينما هم أقوى وأكثر عددا ممّن يأمر؟ إنّه سؤال ملغز، لكنّه في كلّ الحالات سؤال وجيه سبق أن طرحه لابويسي( Laboetie (18 منذ زمن طويل وبكلّ وضوح في كتابه “مقال حول العبوديّة الطّوعيّة” (Discours sur la servitude volontaire). إنّه سؤال قديم، لكن هذا لا يعني أنّه تمّ تجاوزه، فأنا أعتقد جازما أنه لم يتمّ تجاوزه بعد، وأرى على العكس أنّ الوقت مناسب لاستعادته علّه يخرجنا قليلا من المستنقع “الماركسيّ” الذي يختزل كينونة المجتمع – وأنا أتكلّم إجماليّا – في ما هو اقتصاديّ، في حين أنّ تلك الكينونة قد تكون في ما هو سياسيّ.

>قلت إنّك تعرضت للمسألة الماركسيّة بصفة طبيعيّة. ألم تتعامل أيضا مع شبكة القراءة التّحليلية النّفسيّة، ولم لا تشير إليها؟

>هذا أمر آخر. أوّلا يجب أن أقرّ بجهلي التّام بأدبيّات التّحليل النّفسيّ، فغياب الإشارة إليها هو نتيجة غياب الثّقافة لدي. وثانيا، أنا لا أحتاج في بحوثي إلى القراءة التّحليليّة النّفسيّة أو شبكتها، وقد يعود ذلك إلى شعوري أنّها قد تحدّ من رؤيتي أو أنّها مضيعة للوقت، وعلى كل فأنا أعتقد بعدم الحاجة إلى ذلك إلى حدّ الآن. كما يجب عليّ أن أقول من جهة أخرى إنّ قراءاتي السّريعة لبعض النّصوص حول النّياسة والتّحليل النّفسيّ لم تشجّعني على المضيّ قدما في هذا الاتّجاه. إنّني أعرف تماما حين أتناول مسألة السّلطة، أننّي أتحدّث عن الرّغبة في السّلطة، أو عن رغبة الخضوع لدى الطّرف الآخر أي من هو في الأسفل، وأنا واع بأنّ مصطلح “الرغبة” هو من مفردات قاموس وترسانة مفاهيم التّحليل النّفسيّ، لكنّني في نهاية المطاف قد أكون أخذت ذلك من هيغل أو حتّى من ماركس، وبالفعل فإنّ مصادري هي من هذا الجانب. وبكلّ بساطة، معرفتي محدودة في هذا المجال، بل أنا تقريبا لا أعرف شيئا حول التّحليل النّفسيّ، إضافة إلى أنّني لا أحتاجه. وهذا بالطّبع لا ينفي استعدادي لبذل الجهد إذا ما أحسست يوما مّا بوصولي إلى طريق مسدودة وأن شبكة التّحليل النّفسي قد تساعدني على الخروج منها… إلاّ أنّني لا أشعر إلى حدّ الآن بالحاجة إلى هذه الأداة، بل أعتقد على العكس أنّها قد تشوّش أفكاري، وإذا ما كانت الأفكار شيئا غير ذي بال، فإنّ الأخذ بها قد يشوّش الواقع.

.

الهوامش

(1) الأنّاس هو المشتغل بعلم الإناسة Anthropologie، وقد اقتبسنا هذه الصّيغة العربيّة من الأنّاس الفقيد “حسن قبيسي” [توفّي سنة 2007]. والإناسة هي علم دراسة المعتقدات والمؤسّسات الإنسانيّة بوصفها أساس البنيات الاجتماعيّة. ومن فروعها الإناسة الاقتصاديّة وتهتمّ بتحليل الأشكال الخصوصيّة للإنتاج والتّبادلات داخل المجتمعات، والإناسة السّياسيّة وتدرس علاقات السّلطة وأشكال الضّبط الاجتماعيّ وبدايات تشكّل الدّولة خاصّة في المجتمعات ما قبل الصّناعيّة. (2) الكتب هي:

1. Chronique des Indiens Guayaki : ce que savent les Aché, chasseurs nomades du Paraguay, Plon, coll. Terre humaine, Paris, 1972 . 2. La société contre l’État. Recherches d’anthropologie politique, Minuit, Paris, 1974. 3. Recherches d’anthropologie politique, Seuil, coll. Recherches anthropologiques, Paris, 1980. أمّا المقالات، فهي: 1. Liberté,malencontre,innommable, dans : Étienne de La Boétie, Le Discours de la servitude volontaire, Payot, Paris, 1976. 1. Les marxistes et leur anthropologie, Libre n° 3, Payot, Paris, 1980 . 3. La question du pouvoir dans les sociétés primitives, Interrogations, Paris, Mars 1976. 4. Le Grand Parler, Mythes et textes sacrés des Indiens Guarani, Paris, 1974. 5. Les prophètes de la forêt, in : Echanges et communications (Mélanges offerts à Claude Lévi-Strauss à l’occasion de son 60ème anniversaire), Mouton, Paris, 1970. 6. Archéologie de la violence, Libre n°1, Payot, Paris 1977. 7. Malheur du guerrier sauvage, Libre n° 2, Payot, Paris 1977. 8. Eléments de la démographie améridienne, L’Homme, XIII (1-2), Ecole des Hautes Etudes Sociales, Paris, 1989. والكتاب المعرّب: مجتمع اللاّدولة، تعريب وتقديم: محمّد حسين دكروب، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت 1991. والمقالة هي: أثريّات العنف أو الحرب في المجتمعات البدائيّة، في: كلاستر (بيار) وغوشيه (مارسيل)، حول أصل العنف والدّولة، تعريب وتقديم: عليّ حرب، دار الحداثة، بيروت 1985.

3) انظر بالخصوص: كلاستر، مجتمع اللاّدولة، م.م.س.

4) ج. إواليّة= mécanisme : مجموعة أجزاء مكيّفة بمقتضى بنية/نموذج تسمح بسير سويّ للعمل. وتشتمل الإواليّات على البنية والوظيفة أي تركيب الأجسام العضويّة وعملها، وهي تتكيّف لبلوغ نتيجة معيّنة.

Clastres : La société contre l’Etat…, op. cit., p.136. (5

6) يرى المفكّر الفرنسيّ ريجيس دوبريه (Régis Debray) أنّ كينونة أيّ جماعة لا تتحقّق إلاّ بانغلاقها على ذاتها بهدف تحقيق استقلالها بوصفه العامل الحاسم في ذلك، وهو ما لا يتمّ إلاّ برجوع الجماعة إلى أمر متعالٍ. انظر: دوبريه (ريجيس)، كي لانستسلم، ترجمة: رينيه حايك وبسّام حجّار، المكتب الثقافي العربيّ، بيروت 1995، ص 38.

Clastres (Pierre) : La société contre l’Etat, op. cit., p.151.(7

(8 كان الفيلسوف فريدريك نيتشه (Nietzsche) أوّل من أشار إلى فكرة الدَّيْن الذي يشعر به البدائيّون تجاه الأجداد المؤسّسين للأعراف والرّاعين لهم من وراء هذا العالم. ومن هنا يأتي ردّ الدَّيْن إليهم بتقديسهم وطاعة أعرافهم والتوجّه إليهم بالشّعائر والأضحيات، وهذا «الشّعور بالدَّيْن تجاه الألوهيّة لم يَنِ يتعاظم عبر آلاف السّنين، وذلك دائما بنفس النّسبة التي نمت بها فكرة الله والشّعور بالألوهيّة على الأرض». Cf. Nietzsche (Friedrich) : Généalogie de la morale, Gallimard, Paris, 1975, p. 127. وحول إشارة نيشته إلى الأصل المشترك لكلمتي (إدانة) بمعنى الذنب أو الشّعور به و(دِين) بمعنى الوجوب أو الموجبات ويعبّر عنهما في اللّغة الألمانيّة بلفظة واحدة هي (Shuld)، يعلّق قبيسي بالقول: «ما لم يجد له نيتشه في حفريّات اللّغة الألمانيّة، وهي ذات طبقات حديثة التّكوين، إلاّ تطابقا تقريبيّا، قد يجد له آخر في لغة بعيدة الغور تطابقا واضحا. إنّه التّطابق بين الدِّين والدَّيْن، فالدِّين هو المصدر والدَّيْن هو الاسم كما يقول ابن منظور. يقال تديّن الرّجل إذا استدان (الدّيون)، ولكن يقال تديّن إذا دان بكذا ديانة، فهو إذن دَيِّنٌ ومُتَدَيِّن». كما يشير إلى الصّلة بين (الدِّين) و(الدَّيْن) في اللّغة الفرنسيّة وفيها الدّائن والديّان (Le créancier) بمعنى الإله الخالق (Le créateur) وهما من نفس الجذر (créer). انظر: قبيسي، رودنسون ونبيّ الإسلام: مقدّمة حول التّفسير المادّي التّاريخي لنشأة الإسلام، دار الطّليعة، بيروت 1981، ص 84. وبهذا، فإنّ المجتمعات الغابرة تدين في آن بوجودها وبمعنى ذاك الوجود للآباء والأسلاف، وبالتّالي فلا سلطان عليها إلاّ للآلهة والآباء الأوّلين. ويشير ابن منظور إلى تشابك (الدِّين) و(الدَّيْن) وما يرتبط بهما من معاني الألوهة والسّياسة: «الديّان: من أسماء الله عزّ وجلّ، معناه: الحَكَمُ القَاضِي… القهّار… من دان النّاس أي قهرهم على الطّاعة… ودِنْتُ الرّجل: أقرضته فهو مَدِينٌ ومَدْيُونٌ… وقيل: الدَّيْنُ: المَصْدَرُ، وَالدِّينُ: الاسْمُ… والدِّين: الحساب… والطّاعة… والعادة والشّأن… ودانه دَيْنًا أي أذلّه واستعبده. وَدِنْتُهُ أُدِينُهُ دَيْنًا: سُسْتُهُ، ودِنْتُهُ: مَلَكْتُهُ… ودَيَّنْتُهُ القوم: وليّته سياستهم… ومنه سُميّ المصر مدينة. والديّان: السّائس… والدِّين: ما يتديّن به الرّجل، والدِّين: السّلطان، والورع، والقهر». انظر: ابن منظور (أبو الفضل، جمال الدّين، محمّد بن مكرم بن عليّ) [ت 711 هـ]: لسان العرب، تحقيق: هلال مصيلحي ومصطفى هلال، ط 1، دار صادر، بيروت 1990، ج 13، صص 167 – 170(مادّة دين).

Terray : Une Nouvelle anthropologie politique?, op. cit., p.6 (9

(10 انظر تقديم محمد حسين دكروب في: كلاستر : مجتمع اللاّدولة، م.م.س ، ص 5 .

11) سركيس (إحسان)، الآداب القديمة وعلاقتها بتطوّر المجتمعات، دار الطّليعة، بيروت 1988، ص 34.

12) نقصد الإقناع، وهو ما يفترض استخدام القوّة الرّمزيّة الليّنة المخالفة للقوّة الماديّة الصّلدة المخصّصة للرّدع. وتعمل القوّة الرّمزيّة بالتّرغيب لا بالتّرهيب، وتستخدم لغة العقول والقلوب لاكتساب المناصرين وفرض المواقف، وهي -على عكس القوى الماديّة- تتميّز بقدرة هائلة على المناورة زمنيّا وجغرافيّا، فكلّما رهفت واستترت وخفتت فيها نبرة القوّة ازدادت قدرتها وتنامى مفعولها لينفذ إلى طبقات اللاّوعي الفرديّ والجمعيّ. انظر في هذا الخصوص: عليّ (نبيل)، العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة، العدد 184، الكويت 1994.

13) سركيس، الآداب القديمة وعلاقتها بتطوّر المجتمعات، م.م.س، ص 35.

14) تسهيلا على القارئ العربيّ، قام المعرّب بالتّعليق كلّما رأى ذلك ضروريّا في الهوامش.

15) النّياسة= Ethnologie، وهي علم دراسة الإثنيّات الإنسانيّة في نطاق وحدة البنية اللّسانيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة لكلّ إثنية، وما يجمع بينها من روابط حضاريّة، ومسار تطوّرها.

16) دولة الإنكا: امبراطورية أمريكيّة ما قبل كولومبيّة كانت تمتدّ على منطقة الآند، عرفت مجدها قبيل انهيارها سنة 1532 على يد الغازي الإسبانيّ فرانسيسكو بيزارو [1475-1541]، وكان الامبراطور (ابن الشّمس) فيها حاكما مطلقا بمساعدة طبقتي النّبلاء والكهنة.

17) سلسلة جبليّة عظيمة على السّاحل الغربيّ لأمريكا الجنوبيّة تمتدّ على طول 7500 كلم من فينيزويلا إلى أقصى جنوب القارّة.

18) إيتيان دي لابويسي ( Etienne de Laboétie) [1530-1563]: كاتب فرنسي تأثّر به بيار كلاستر. انظر تقديم كلاستر لكتابه في:

Étienne de La Boétie : Discours de la servitude volontaire, éd. Payot, Paris, 1976, Postface de Pierre Clastres (reprise dans : Recherches d’anthropologie politique, éd. du Seuil, coll. Recherches anthropologiques, Paris, 1980).

 

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس
الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا
ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.
4 تعليقات
  1. يقول said harath:

    حوار مفيد وفيه أفكار جديدة
    شكرا للقائمين على الموقع على هذه المواضيع القيمة

  2. يقول حمدي:

    مقال شيق وجديد وعرفنا بعلامة لم نكن نعرفه فشكرا لكم

  3. يقول عبد الرحمن كريم:

    شكرا جزيلا للمترجم والقائمين على الموقع لاختيارهم لهكذا دراسات مهمة جدا وثرية من الناحية العلمية

    • يقول م. بوطقوقة:

      شكرا لك عبدالرحمان على تفاعلك مع الموقع وسنأخذ بآرائك ما أمكن. دمت وفيا