محمد سعيدي

المثقف و السلطة و الحراك الاجتماعي في الوطن العربي.  

                                    

 أ.د.سعيدي محمد*

 

المثقف و السلطة 

إن مساءلة   علاقة المثقف العربي و السلطة  في خضم التطورات و الإحداث التي يعرفها   الوطن العربي  تتجلي بصورة واضحة في  قراءة شاملة للمسار الثقافي.و الاجتماعي و السياسي و الاديولوجي لهذا ا لمثقف نفسه. و ذلك عبر عدد من التساؤلات حول هويته،و عقيدته، و وظيفته،و مسؤوليته ،و أرائه،و تكوينه و مواقفه و علاقاته المختلفة مع السلطة و مع  الثقافة ومع المثقفين أقرانه و  مع الشعب في نفس الوقت.

سنناقش إشكالية  علاقة المثقف و السلطة داخل المجتمع بمختلف تجلياتها و صورها ضمن حركية التغيرات و التحولات الاجتماعية، و الاقتصادية و السياسية التي يعيشها العالم العربي في هذا الربع الأول من هذا القرن أي القرن الواحد و العشرين  .إن هذه الإشكالية تبقى مهمة خاصة في هذه المرحلة التاريخية و الاجتماعية و السياسية الصعبة، مرحلة السؤال و الأسئلة عن الذات و الدين و الهوية والتاريخ والسلطة و الديمقراطية و حرية التعبير  و الوجود في خضم الأزمات المختلفة و أثارها العميقة على المشروع الاجتماعي و السياسي والاقتصادي العربي والعالمي.

إن قراءة واقع الثقافة  السياسية العربية  تكشف عن صدمة قوية و خطيرة في نفس الوقت، و لعل أهمها: هل توجد ثقافة سياسية؟ هل يوجد مثقفون سياسيون؟ هل هي أزمة ثقافة أم أزمة مثقفين؟ ما طبيعة علاقة المثقف بالمجتمع ؟ هل يمكن  الحديث عن مشروع اجتماعي  و  سياسي و ثقافي عربي جديد؟ ما هي أسسه و مرجعيته العقائدية و الفكرية  الاديولوجية ؟ ما هي أهدافه الدينية و الدنيوية  المادية و المعنوية؟

إن  الأسئلة لا تنتهي من أجل محاورة هذا الإشكال الذي ظل مطروحا منذ القديم و لا يزال طرحه مستمرا و إشكالا في الزمن السياسي و الثقافي و العقائدي العربي الحاضر.

إن هذه التساؤلات تطرح منذ البداية إشكالا مفهوماتيا  معقدا، وأول ما نبتدئ به من اجل التكفل المعرفي بهذه التساؤلات هو محاورة بعض التعريفات و الآراء من أجل تحديد المفاهيم المكونة لعنوان هذه الدراسة: المثقف –و- السلطة-.

إن تحديد مصطلح المثقف مرتبط أصلا بمصطلح الثقافة التي تعددت تعريفاتها و اختلفت. و قد أحصاها بعض النقاد و علماء الانتروبولوجيا  و الاتنولوجيا و علماء الاجتماع الثقافي إلى ما يزيد عن مائة و ستين تعريفا. إلى   درجة أن خصها الباحث الاجتماعي     دنيش كوش بكتاب مهم و أساسي في الدراسات الاجتماعية و الموسوم:(مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية)1 .ونشير إلى أن كل تعريف من تعريفاتها العديدة والمتنوعة  خاضع لرؤية سياسية إيديولوجية و اتجاه معرفي خاص, و أن قراءة سريعة لبعض منها، سمح لنا بانتقاء تعريف بسيط للمثقف بصفته فاعل فعل الثقافة، فهو منتجها و ممارسها. فتقول أن المثقف هو إنسان على مستوى من العلم و المعرفة، يأمل في مستقبل أفضل لأمته و أبناء جنسه من الإنسانية جمعاء، و بالتالي يحمل دون هوادة هموم مجتمعه, كما أنه يمتاز برؤية ثاقبة للأحداث و التطورات، و بموقف ملتزم و صارم وواع اتجاه القضايا السياسية،و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية. و قادر على التنبؤات التي يتحرك في ظلها و في ظل مجتمعه حسب ما تمليه عليه عقيدته و وعيه و ضميره و مسؤوليته الاجتماعية و الثقافية و السياسية. و من هذا المنطق يبقى” المثقف أولا قسمة اجتماعية للعمل ناتجة عن تمايز وظيفي جعله ممكنا تطور النظام الاجتماعي الكلي. انه متراكمة معرفة تميز شريحة في المجتمع.وظيفة إضفاء للشرعية على السلطة السياسية و في أن ممارسته وظيفة ثقافة لمحمل المجتمع…المثقف يضفي الشرعية على نظام اجتماعي و يساهم في منحه الاستقرار,لكنه يستطيع أن يكون هداما و نازعا للاستقرار و أن يضع وظائفه في خدمة نظام جديد و يعبر على المستوى الإيديولوجي عن التشققات التي تصيب النظام الاجتماعي”2 . فالمثقف  قد يسخر علمه وثقافته  خدمة لنظام جديد أو قوى سياسية معاكسة و معارضة. و  قد يؤهله موقعه الفكري والثقافي لان يعبر على المستوى الإيديولوجي و الاجتماعي الكائن و الممكن و المرتبط  بالتشققات التي قد تصيب النظام الاجتماعي .

و قد يمتاز المثقف بميزتين أساسيتين:

– الوعي الممكن و الذي يمكنه من رؤية المجتمع  وما يدور في أحضانه من زاوية  شاملة و  تحليل القضايا و المظاهر المادية و المعنوية و السلوكية على مستوى نظري .

-الدور الاجتماعي الذي يمكن أن يلعبه بالإضافة إلى القدرات و الكفاءات الخاصة التي يضفيها عليه فكره و اختصاصه.

أما علاقته بالسلطة، فقد تكشف عنها الطبيعة الدلالية التي تحملها-” الواو”- العاطفة، فإنها تكشف عن ثلاث مستويات من العلاقة:

  • المثقف و السلطة: إن طبيعة هذه العلاقة هي علاقة ترتيبية، تكشف بنيتها الدلالية عن الرغبة الأساسية لاتجاه بناءي وظيفي خاص من أجل بناء مجتمع سليم  و متزن، مفادها التفكير في المثقف و الثقافة و تكوينهما و  تأسيسهما و تدعيمها أولا، ثم السلطة و النظام الحاكم ثانيا،أي لا بد من التفكير في المشروع الثقافي قبل التفكير في المشروع السياسي السلطوي، فإن الثقافة الأصلية و الأصيلة و السليمة تعطي نظاما سياسيا سليما.
  • المثقف و السلطة: إن طبيعة هذه العلاقة هي علاقة اتصالية تقاربيه، أي أن المثقف مع السلطة. وبالتالي لا يتحرك إلا داخل فضاءها الثقافي و السياسي و الاجتماعي، فهو مع السلطة و في السلطة و من السلطة و إلى السلطة، يتلون بألوانها و يتحدث بخطابها.”فهو مثقف يتشاكل مع الطبقة المسيطرة ظالمة أو مظلومة,فيعمل طيلة حياته لتبرير أفعالها, وهو غالبا ما يتكيف و يتلون حسب الظروف المحيطة ,فهو مثقف ,إما أن يكون خائفا في داخله رغم طاووسيته الظاهرية,و إما أن يكون انتهازيا ينقلب على الطبقة,إذا ما تعرضت للانهيار”3
  • المثقف و السلطة: إن طبيعة هذه العلاقة ، هي علاقة انفصالية، تضادية، تناقضية، أي أن المثقف يعيش بعيدا عن السلطة، وفي أحيان كثيرة يعيش في صراع دائم و مستمر مع السلطة.فهو يعيش دوما وأبدا متمردا عليها لأسباب مختلفة من حيث الرؤية ومن المنهجية و من حيث طبيعة تسيير شؤون الشعب و شؤون الوطن و من حيث المواقف الإيديولوجية إزاء القضايا الوطنية أو الدولية. و مهما يكن من أمر فان الحديث عن المثقف (و) السلطة لا بد أن يتحمل العطف معنى المعية و الضدية و ما بينهما.إن الصورة التي يرسمها المثقف عن نفسه على انه طرف نقيض للسلطة لا تثبت إلا في حدود و حالات قصوى:أغلبية أهل المعرفة-كما اشرنا-لا يمكن أن يكونوا إلا داخل سلط يولدون في مؤسساتها و يتعيشون منها و يموتون فيها.هم فكريا و إيديولوجيا”في “ثقافة السلطة يمارسون سلطة ثقافية,مرونة الحركة داخل هذا الوضع تتسع و تضيق حسب الشكل المؤسسي و باختلاف الأنظمة السياسية,بعضها يؤدي إلى حالة ازدواج قد يقال عنها أنها خروج في السلطة أكثر مما هي خروج عن السلطة”4

أما مصطلح السلطة، لغويا، كما تنصص عليه اغلب قواميس اللغة العربية القديمة منها أو الحديثة, فهي من سلط و تسلط، ومنها السلطان أي الحجة  و البرهان و الدليل ، و التسليط هو التغليب و السيطرة، وإطلاق العنف و القهر،     و تسلط السلطان على سلطنته أي ملكها و تملكها و أصبح  سيدها القوي و سلطانا عليها. فالسلطة من السلاطة و التسليط، أي الحكم و التسيير. و السلطة أنواع، منها السلطة الدينية، السلطة الاقتصادية، السلطة السياسية و السلطة العسكرية و غيرها، و المقصود من السلطة هو القيادة السياسية أو الجماعة التي تحكم البلاد و تشرف على تسييرها, فهي مهمة   و ضرورية  من أجل التنظيم الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي و الإداري, و تنظيم العلاقات و هيكلة الهيئات المختلفة , و تنظيم الناس و العمل على تحقيق أهدافهم عن طريق الحوار و التشاور و التعاون  و التفاهم و الاحترام و القضاء على الصراعات بكل أشكالها بين الأفراد  و الجماعات. فالسلطة تعتبر قوة لخدمة فكرة معينة، قوية مخصصة لقيادة الجماعة من أجل تحقيق الصالح المشترك، وإقناع الأفراد أبناء المجتمع الواحد التابعين و المؤيدين لها على الالتزام بالمواقف التي تحددها  الدولة  من أجل حفظ التوازن الاجتماعي والاقتصادي و الأمني و السياسي . و بالتالي تحقيق الاستقرار داخل الجسد الاجتماعي. من هذا المنطق تبقي مصداقية السلطة و فعاليتها تتمثل في تحقيق الخير للناس عامة و الاهتمام بمصالحهم دون تمييز عنصري أو طبقي أو اجتماعي أو إيديولوجي أو عقائدي بين الأفراد الذين تحكمهم ، فهي التي تسهر على تنظيم أفعالهم و تصرفاتهم دون قمع أو قهر, و بالتالي تعمل على تربيتهم تربية صالحة تقوم على احترام النظام و احترام النفس و احترام الأخر مهما كان انتماءه الاجتماعي: غني أو فقير.. أو المعرفي :عالم أو جاهل..أو الإيديولوجي من هذا التيار أو من ذاك.. أو التعبيري اى تكلم هذه اللغة أو تلك… و بالتالي فهي  تسهر جاهدة دون ملل أو كلل, و دون هوادة من أجل كل ما فيه الخير و السعادة  وكرامة المواطن و ضمان  العدالة   و المساواة و الحقوق القانونية و السياسية  لكل الأفراد والذين هم بدورهم مطالبون باحترام القوانين و الاجتهاد في العمل و التجاوب مع البرامج التنموية المختلفة التي تقترحها هذه السلطة خدمة البلاد  و العباد.

و مما لا شك فيه، أن أي مجتمع كيفما كانت اتجاهاته السياسية و مكوناته البشرية و الطبيعية، لا يمكن أن يعيش دون سلطة تقوده و تسهر على تنظيمه الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي و الثقافي و الأمني و القانوني. و في غياب السلطة تسود الفوضى و التفكك و الانحلال الخلقي و السياسي،و تنتشر الفوضى بين الأفراد و الجماعات و الهيئات، و يتوتر النظام و الجو الاجتماعي و يغيب الاستقرار و الأمن.

فإذا كانت السلطة في مفهومها الواسع و الشامل هي التي تسهر على حماية الفرد   و المجتمع، وهي التي تضمن العيش الشريف و النزيه لأفرادها و تسهر على توجيههم توجيها حسنا، مع ضمان لكل ذي حق حقه، وضمان و احترام الحريات و بالتالي تثقيفهم ثقافة أخلاقية بناءة و سليمة. فإذا كانت هذه هي السلطة  في أبعادها و في أهدافها، ترى ما هي حالة سلطة في الوطن العربي ’ و ما هي حالة و طبيعة علاقاتها بالمجتمع  و بالمثقف  بصورة عامة و شاملة؟

لقد حصرنا هذه الدراسة خاصة حول علاقة السلطة بالمثقفين أو علاقة المثقفين بالسلطة ,لأنهم في اعتقادنا هم أقرب الناس إلى السلطة من نعمتها أو من نقمتها. كما أنهم أولى الناس بالمسؤولية  الأخلاقية والسياسية و الفكرية و ذلك لمستواهم    و لقدرتهم على فهم الواقع و مقاربات الأحداث.إن تركيزنا خاصة على شريحة المثقف له ما يبرره على المستوى الثقافي أولا ثم على المستوى الاجتماعي و السياسي و التاريخي, حيث انه من النادران نعثر , في داخل التبادلات الاجتماعية ,على شخص أو فاعل أكثر اتهاما من المثقف.حيث يراكم كل النعوت و التصنيفات و مورست عليه كل أنواع الحصار و الممنوعات,و توفرت لديه كل الإمكانات و الوسائل و خضع لكل أصناف الإغراءات,لدرجة جعل من موقعه الاجتماعي موقعا يتميز بالمفارقة.فالمثقف في كل الأزمان و المجتمعات له وجود خصوصي داخل التقسيم الاجتماعي.فإما يكون منخرطا في إرادة للقوة و يقبل لها فيها, هو, إلغاء إرادته للقوة فغدو عضوا ينطق برموز هذه الإرادة.و إما أن يدخل في علائق صراعية ضد الهيمنة من اجل نشدان الحرية و العدل و التغيير..انه الكائن المعطوف عنه في حضرة السلطان ,و المغضوب عليه حين يخضع السلطة موضع سؤال.””5

إن قراءة ثنائية النص” المثقف والسلطة” في انسجامها و تناقضها تبدو لنا مهمة    و ضرورية في هذه المرحلة الحاسمة من حياة  الوطن العربي الذي يعيش حراكا عاما و شاملا لم يسبق و أن عرفه بهذه الصورة وهذه الكثافة منذ أن تحرر من قبضة الاستعمار الغربي في نهاية النصف الثاني من القرن العشرين.يمر  الوطن العربي بمخاض عسير و شاق و متعب و جريح, مرحلة اختلطت و امتزجت و تشوهت فيها المفاهيم و تلبدت فيها سماء بغيوم داكنة من الكذب و الخيانة و النفاق و الانتهازية و الفوضى و الظلم و الفساد و الاستبداد و العنف في كل أشكاله و صوره .  وهي مرحلة زمنية الشاذة في   التاريخ  الاجتماعي و السياسي و العقائدي العربي , حيث  أختلط فيها الصالح بالطالح, و الحلال بالحرام, و المقبول بالمرفوض,  و  المحظور بالمسموح به, والعقل بالخرافة, والعلم بالجهل, والهامشي بالمركزي, و العرضي بالأساسي, والجيد بالرديء, والنظيف بالوسخ , والنظام بالفوضى, وطغيان الأنانية  بكل أشكالها وألوانها لا لشيء إلا من اجل   تحقيق الرغبة الشخصية و الاستسلام المطلق للأنانية الحيوانية المفرطة المتوحشة و المتوهجة, والتي لا تتريث أبدا و لا تبالي من اجل تضحية بالجماعة و بالوطن من اجل نفسها و غطرستها.

لا يمكن التنكر  حقيقة و جود أخلاق و ثقافة سياسية في الوطن العربي و التي اكسبها عبر مراحل تاريخه الطويل و العريق و الحضاري المجيد و البطولي ، فهي موجودة في و عي و في لاوعي الفردي و الجماعي العربي. و قد لا يتحرك الفرد العربي بل المجتمع العربي بصفة عامة  إلا في رحابها و في رحاب ما تمليه عليه و ما اكتسبه منها بطريقة شعورية أولا شعورية  من قيم مادية و معنوية و سلوكية. غير أن الإشكال الذي ظل مطروحا يتمثل في السؤال الجوهري حول وجود أو عدم وجود مثقفين في مستوى هذه الثقافة  أو ما يمكن  تسميهم نخبة هذا الشعب.آو الانتلجانسيا.لقد وضعنا كلمة مثقف أو النخبة المثقفة مرادفة لكلمة الانتلجانسيا وهذا شائعا و بكثرة في العرف الفكري العربي حين حديثه عن موضوع الثقافة و المثقفين حيث يستعمل كثيرا مصطلح الانتلجانسيا,غير أن الواقع التاريخي و الثقافي و السياسي والاديولوجي و الاجتماعي الغربي الأوروبي والذي احتضن ميلاد الكلمتين,فلقد فصل بينهما, فعلى الرغم من نقاط التشابه و التقارب المعرفي والوظيفي و الاديولوجي التي تجمعهما, فتظلان مختلفين عن بعضهما البعض, من حيث الأصول والفضاء الثقافي و الاديولوجي الذي شهد ولادة كل واحد منهما.فإذا كانت كلمة “مثقفون”من وحي الثقافة الفرنسية ,فان كلمة “انتلجانسيا” هي من إبداع الثقافة الروسية.”و الكلمتان تستخدمان اليوم بطريقة  شبه متداخلة في إشارة إلى رجال الفكر الذين يكرسون أنفسهم بطريقة شبه محددة و شبه واضحة الأعمال التي تتعلق بحاضرتهم.فأحيانا نطلق عليهم اسم المثقفين, و أحيانا أخرى الانتلجانسيا.و الاسم الأول يعيدنا إلى التركيبة الفرنسية التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر, و بخاصة إلى ما يرتبط بقضية دريفوس, و هي المناسبة التي شهدت ظهور هذه الكلمة.أما الكلمة الثانية فتحيلنا من خلال اللغة الروسية( و عبر توسيط الكلمة الفرنسية  INTELLIGENT أو الألمانية INTELLEGENZبل عبر الكلمة اللاتينية على الأرجحINTELLIGENTIA إلى تاريخ الإمبراطورية القيصرية الثقافي و السياسي, و بخاصة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر”6

إن  المشهد الثقافي العربي مشهد جريح ’وان جروحه آتية من داخله أي من عناصره البنيوية الفاعلة و المتفاعلة سلبا أو إيجابا مع المسؤولية الوطنية و مع الوعي الثقافي و التاريخي و مع الدور الممكن القيام به.فهو مشهد انقسم على نفسه ضمن تيارين متناقضين…تيار يمثله مثقفون  تنكروا لإانتماءاتهم الفكرية الأصلية و الأصيلة  و لثقافة وطنهم و شعبهم و بالتالي استسلموا للماديات المفرطة و خضعوا لسلطة المراكز ، كما أن البعض من هذه الفئة  تحولوا إلى بوليس أكثر بطشا و أكثر عنفا من السلطة في حق زملائهم و في حق الوطن و المواطنين. و بالتالي انتقلوا إلى الدائرة السلطوية القاهرة . هذا من جهة ،و من جهة أخرى, لم يتوقف نشاطهم عند حدود الانسلاخ و تغيير الانتماء بل أكثر من هذا, لقد تحولوا إلى جهاز عسكري و بوليسي مارس أشد التعذيب و النقد و التهميش و القتل و السجن على الفئة الثانية من المثقفين الذين لم يستسلموا لأهواء السلطة. بل ظلوا محافظين على نقاوة عقيدتهم و ثقافتهم و على مبادئهم و أرائهم و اتجاههم التي لا تتماشى بالضرورة و نظام السلطة.وبصفة عامة ,فلقد تحولت هذه النخبة من المثقفين إلى ديكتاتوريين مستبدين .فلقد انقلبوا على أنفسهم و على مبادئهم وعملوا ضد المبادئ و الشعارات و القيم التي كانوا ينادون بها.و هكذا يرفع المثقفون شعار الديمقراطية أو التعددية على صعيد  المنطوق و الخطاب و لكنهم على صعيد الممارسة ابعد ما يكون عما يصرحون به.بل هم أعداء ما يطرحون,لأنهم يتعاملون مع المختلف و الأخر بلغة الإقصاء,فيما المساءلة تحتاج إلى إتقان لغة الاعتراف و المداولة.بهذا يثبت المثقفون بأنهم ضد الاختلاف و ممارسة حرية الرأي , و بعكس ما يدعون”7

إن الفئة الثانية من المثقفين ” الملتزمين”و الذين هم في أحيان كثيرة  موضوع اهانة و إشاعات مختلفة، فلقد اتهموهم اتهامات مختلفة و متناقضة لان” الاحتكار الأقصى للسلطة يهمش المجتمع المدني بلا جدوى.كل محاولة قد تصدر عن هذا الأخير و تحدد لنفسها هدفا هو التحكم بالواقع و كشفه أو ممارسة خطاب نقدي و مستقل ذاتيا ,يجري الخلط بينها و بين الفتنة و اعتبارها تهديدا قاتلا للتوازنات الأساسية المقامة”8

في ظل  هذه الأزمة التي يتخبط فيها الوطن العربي، فإن المثقف العربي لم يتحمل مسؤوليته، ولم يقم بدوره المسؤول و الواعي، فلقد استسلم و سقط في شباك سلطة طامعا طامحا ،و متحولا بطريقة شعورية أو لاشعوريا إلى رجل محارب لحرية التعبير و للحوار و لعلم و لثقافة و لفكر ، و بالتالي أصبح مصدر تدمير لتفكير الحر والديموقراطي . و من هذا المنطق فإنه يصعب الحديث عن الثقافة و المثقف في مجتمع  أصبح مثقفه ممسوخا و مزيفا بحيث لم يتريث في بيع ضميره ووعيه لأبخس ثمن،  حيث تحوّلت لديه المواقف الثقافية إلى ثقافة المواقف من أجل تبرير انتماء سلطوي مزيف. و قد يترجم هذا الموقف للنخبة المثقفة السلطوية مفارقة عجيبة و غريبة اتسمت بالتناقض و الانتهازية و النفاق.”فهم أول من تفاعل مع الأحداث على هذا الوجه أو ذاك,ليس فقط لان الأحداث شكلت مادة دسمة للكتابة و التعليق و التحليل,بل لأنهم يتصرفون دوما بوصفهم الأوصياء و الوكلاء الحصريين على القيم العامة المتعلقة بالحقيقة و العدالة و الثورة و الهوية والأمة…و لكن الكثيرين من المثقفين لا مصداقية لهم في ما يدعون أو يعلنون من المواقف…و هم إلى ذلك فقد فقدوا المصداقية و المشروعية و الفاعلية منذ زمن طويل,سواء من حيث نماذجهم في فهم العالم أو من حيث برامجهم لتغيير الواقع “9. و قد يعكس  هذا المثقف بصدق صورة هذا الواقع المتشردم، ينفعل به و معه و لا يقوده، وذلك يعود لعدة أسباب يمكن أن نجملها فيما يلي:

  • شخصية المثقف من حيث البناء النفسي و من حيث الانتماء الاجتماعي.
  • مستواه المعرفي و طبيعة تكوينه السياسي و الثقافي.
  • وضعيته الاجتماعية و الاقتصادية المزرية.
  • السلطة و النظام السياسي القائم.
  • الوسائل الثقافية المادية و المعنوية الضعيفة.
  • النظام الثقافي و التربوي المتتبع.

إن المثقف كعضو اجتماعي ينتمي إلى جماعة معينة خاضعة لنظام سياسي معين يسهر على اجتماعيتها و ثقافيتها، فلا تتحقق حركتيه و وجوديته إلا إذا كان النظام منسجما     و قائما على أسس موضوعية منطقية مقبولة و معقولة، غير أن النظام السياسي يكشف يوما بعد يوم عن فوضويته و عن تخلفه في جميع الميادين.  و هذا ما يؤثر سلبا على مسيرة المثقف  و على سلامة فكره و مشروعه و بالتالي يشل حركته و ينعدم دوره ألطلائعي الريادي في خدمة المجتمع. و من ثمة فان صيحاته الداعية إلى النهضة و إلى الإصلاح الاجتماعي و السياسي” لم تكن مرفوقة  بأي تجديد في الفكر و الثقافة ,و بعبارة أخرى لقد كانت هذه الإصلاحات تفتقد إلى المناخ الفكري الضروري لغرس جذورها في المجتمع و ضمان نموها و تطورها”10

إن مثل هذه الأنظمة تسطو على المثقف و على ثقافته و على فكره و ذلك بتبني      وسيلتين أساسيتين: الرغبة و الرهبة.

الرغبة: تتمثل في توفير السلطة كل المغانم والغنائم و المكاسب المادية والمعنوية للمثقف، شريطة أن يكون في خطها و يتجه اتجاهها و لا يرى إلا رؤيتها و برؤيتها، و بالتالي تصبح علاقتها ( مثقف-سلطة) علاقة الهداية المتبادلة كما يسميها الشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف اللعبي 11.

أي محاولة السلطة دمج المثقف في رحابها و محاولة المثقف كسب الحكام و نيل رضاهم.

الرهبة: تتمثل في سلوك السلطة اتجاه المثقف مستعملة السوط و الاعتقال، والتعذيب،و تقييد حرية التعبير و الفكر, و قمعها قمعا شديدا بصور و مناهج متعددة و مختلفة.و من هذا المنطلق نعتقد أننا لا نستطيع أن نرى المثقف العربي بالصورة التي ننشدها إذا لم يكن هناك مناخ ديموقراطي حقيقي يتيح الحرية الفكرية لعمل المثقف,و يعطيه كامل الصلاحية لاختيار ما يريده .فهذه الديموقراطية التي تنقص معظم الوطن العربي هي الشرط الوحيد الذي سيجعل المثقف الحقيقي يتميز عن المثقف المغشوش”12

و إزاء هذه العلاقة المتناقضة صنف الأستاذ و الشاعر الثوري المتمرد عبد اللطيف اللعبي المثقفين ضمن ثلاثة أصناف وهي:

1_المثقف الذي على قطيعة مع السلطة لأسباب أدبياته إذا صح التعبير,لكن يبقى رغم كل شيء مفتتنا بهذه السلطة و يظل بصورة واعية أو غير واعية,يعتبرها قطب الإسناد,المكان المميز لكل إستراتيجية تغير.

2_المثقف المرتبط بالتكوينات السياسية المعارضة التي تعتبر نفسها مكملة لحركة التحرر الوطني.

3_المثقف الذي على قطيعة مع كل السلطات المتشكلة       و الذي يحاول …أن يقوم بعمله كمثقف بشرف”’13

إن السلطة لا يمكنها بأية حال من الأحوال أن تعيش دون استغلال المثقف. فهي تحن إليه و عليه و تقربه إليها و بالتالي تلجأ إليه لقضاء حاجاتها الإشهارية و الدعائية،  غير أن هذا الحنان و هذا الرضي لا يتعديان مستوى تحقيق الرغبة السلطوية و بالتالي ينتهيان بنهاية  تحقيق السلطة هدفها و تتحول الرغبة إلى رهبة, و يقصى المثقف من جديد كآلة استعملت لغرض معين ثم لم تعد صالحة ,و بالتالي تلقى و ترمى في المزبلة الثقافية و التاريخية و الاجتماعية  بعد ما نفذ و انعدم استعمالها.  لان نموذج المثقف الذي هي في حاجة إليه من اجل إعادة إنتاج الإيديولوجية السائدة و القيم الرمزية لإضفاء الشرعية ,لا ينبغي أن يتمتع بأكثر مما ينبغي من الخيال أو روح المبادرة.و هذا ناجم عن واقع أن الطبقات الحاكمة نظرا لطبيعتها.لا تمتلك حقا مشروع مجتمع يجعل من واجبها أن تبلور إستراتيجية توظيف للثقافة و تزويد لها ببني جديدة لا يسعها في أفضل الأحوال إلا أن تنظم المؤقت في الميدان السياسي كما في الميادين الأخرى.و أن تبقي على التوازنات الأساسية بواسطة القمع بشكل أساسي”14. و من هذا المنطلق  يدخل المثقف من جديد في فضاء المنسيات و المهمشات. فالسلطة لم تر في المثقف و ثقافته إلا أداة تقنية أو  وسيلة مادية أو معنوية أو حتى سلوكية تستغله كصورة إشهارية تعبر بها عما تريد التعبير عنه و ذلك من أجل تدعيم بقاءها و استمرار وجوديتها في ظل  الأزمات.و قد يتفطن المثقف  بطريقة واعية أو لاواعية  بوضعيته المتناقضة و أن إبداء الرأي و نقد السلطة من أكبر المحظورات تنتهي بصاحبها إلى التعذيب أو السجن و في أحيان كثيرة إلى القتل و الاغتيال المجاني أو الهروب و الهجرة نحو الدول الأوروبية أين يأمل المثقف دائما في العيش الشريف و في الممارسات الثقافية و الفكرية  و السياسية الحرة و الديمقراطية.و من هذا المنطلق, فان السلطة العربية تواجه كل الفئات المناهضة لها و المطالبة بالتغيير و الإصلاح ” بتهمة الإرهاب و العمالة و الخروج على ولي الأمر, و العمل وفق أجندة خارجية شريرة .و من خلال هذه الآليات و التكتيتات التي برعت النظم العربية في استخدامها تمكنت من قطع الطريق أمام أي دعوات إلى الإصلاح  و إلصاق التهم بكل من يدعو إليها”15

إن هذه الدول الأوروبية الاستعمارية هي التي خلقت هذه الأنظمة السلطوية الديكتاتورية، دعمتها ولا زالت تدعمها بالأسلحة من أجل نشر القهر و القمع و التخلف ضد شعوبها و بالتالي إخضاعها للتبعية لها في جميع الميادين… إن هذه الأنظمة الديكتاتورية المتخلفة تكوّن إطارات و مثقفين ثم تصدرهم نحو الدول الأوروبية التي ترحب بهم و تستفيد من خدماتهم كأطر جاهزة و منتجة و ذلك ببخس الثمن. فهذه الأنظمة الديكتاتورية تصدر أبناءها المثقفين إلى الخارج ,نفيا أو هروبا. إن المثقف في  الوطن العربي شأنه شأن الموارد الطبيعية العربية، يهدرها المجتمع و لا يستثمر منها إلا الجزء التافه و القليل، أما المستفيد الأول و الكبير فهي الدول الأوروبية الاستعمارية.

و لكن, مهما تكن ديكتاتورية هذه الأنظمة، فلا يمكن استنكار و جود مثقفين ملتزمين الذين هم مطالبون بعدم البقاء و الوقوف عند حدود التصوير لهذا الواقع المرير   و البكاء عليه و بالتالي منفعلين معه، بل  هم مطالبون بأن يكونوا كما يقول المفكر الايطالي كرامشي مثقفين عضويين خلافا للمثقفين التقليديين. فلا بد و أن يكونوا مثقفين محركين و موجهين له و ذلك حسب ما يمليه عليهم وعيهم الفكري و السياسي و الأخلاقي الوطني والإنساني، و فاعلين و مؤثرين فيه ، وهذا لا يتأتى إلا بالمجابهة العقلية و الواعية و الحكيمة  و مواجهة الصعاب بشجاعة و جرأة بالرغم المعاناة و العذاب و التضحية و التي قد تؤدي أحيانا إلى الموت. و من هذا المنطلق فانه من واجب المثقفين أن يوحدوا صفوفهم حول أشياء بسيطة و خطيرة في نفس الآن, و هي تعرية الواقع الذي تطمح أجهزة الدولة و الثقافات السائدة إلى طمسه.و من ثم تغدو قوة المثقفين و أرضيتهم المشتركة متمثلة في النضال من اجل الاستقلالية المعرفية من كل السلط مهما كان نوعها,و لو داخل أحزابهم و انتماءاتهم التنظيمية و النقابية التي تريد أن تحتويهم16

إن الديمقراطية التي يتنعم بنعمتها الكثيرون لم تكن و ليدة الصدفة و لا هدية من  السلطة للشعب، بل هي ثمرة جهاد و انتفاضة و ثورة و تضحية معتبرة , ذهب على إثرها كثيرون من رجال و نساء و شيوخ و شباب و أطفال هذا الوطن. إن ما وقع و يقع الآن في الوطن العربي  يخالف المبدأ التأسيسي للديموقراطية حيث أن رجل الفكر و الثقافة ظل غائبا عن ساحة الصراعات و الأحداث. بل انسلخ من دوره الريادي و من مسؤوليته العلمية و التاريخية اتجاه نفسه و اتجاه مجتمعه و اتجاه عقيدة أبناء جلدته، فلقد ظل متفرجا و ملاحظا من وراء النوافذ و من أعلى شرفات الفيلات على ما يجري في الشارع، و حتى ملاحظاته ظلت سطحية هامشية بعيدة عن الميدان و بعيدة عن الغوص في أعمق الأحداث, لقد ظلت بعيدة و ضعيفة و غير مقنعة , وفي أحيان كثيرة اكتنفتها الضبابية و سوء التقدير و مضللة من حيث القراءة والتحليل, و بالتالي لا تؤهلها مكانتها و موقعها  و رؤيتها إلى أن ترق إلى مستوى الشهادة التاريخية. لقد تستر المثقف وراء عدة حواجز من أجل تبرير عدم مشاركته في الأحداث، بل ذهب أبعد من ذاك و قرأ الأحداث قراءة سلطوية فتارة ينعتها بالشغب قام به أطفال17، و تارة بالفوضى و بالانحراف مدعما من الخارج18…ولكنه لم يجرأ على القول بأن ما حدث و سيحدث هو نتيجة سوء التسيير و سوء التنظيم و قهر و قسوة السلطة السياسية و الاجتماعية التي قهرت الشعب و سلطت عليه كل أنواع الظلم الاجتماعي و التخلف الثقافي و الفقر الاقتصادي و التغريب الفكري و العقائدي و الجوع و البطالة وأزمة السكن وكل ما قد يضمن للمواطن العربي شيئا من الكرامة و العزة و أن يعيش حياة الإنسان كانسان ليس إلا.و قد كشف هذا الواقع أكثر من مرة و بصورة واضحة لا تحتمل الشك ولا غبار عليها أن المواطن العربي لم تتحقق بعد كل شروط وجوده, و منها وفي مقدمتها شروط حقوق المواطنة داخل الدولة القطرية نفسها.نحن نتحدث كثيرا عن الإنسان العربي و لكن قليلا ما نستعمل عبارة المواطن العربي ,ذلك مفهوم المواطن لم يدخل بعد قاموس لغتنا ,و لم يحتل بعد المكانة اللائقة به في تفكيرنا.إن فكرة المواطن المرتبطة بفكرة المواطنة و بالحقوق المدنية ..الخ.كل ذلك غائب حتى عن حقل تفكيرنا”19

ومهما يكن من أمر, فان الشعب العربي مريض جدا, و كذا مثقفه   هو الأخر يعاني من نفس المرض حسب طبيبهما الخاص صاحب المعرفة الشاملة و الشاهد على  مسيرتهما التاريخية و على حالتهما  الاجتماعية و السياسية التعسة والتي أصابتهما منذ زمن طويل.. طبيب اسمه التاريخ…و قد أمر  على جناح السرعة بإدخالهما إلى غرفة إنعاش واحدة, حيث يرقدان على سريرين متقابلين    .يسمعان إلى أنين بعضهما البعض. و من حين إلى أخر يتبادلان النظر…ينظران إلى بعضهما البعض, تارة نظرة غضب و سخط و عنف و حقد و كراهية, و كان كل واحد يريد أن يقول للأخر أنت سبب مرضي هذا, و أنت سبب وجودي على هذه الحالة. أو انك ساهمت و شاركت في مرضي,  أو انك شاهد و تعرف جيدا هوية الذين أوصلوني إلى هذه الحالة, و انك لم تتحمل مسؤوليتك التاريخية, و تفضح كل الذين كانوا سببا على هذه الحالة… ويتبادلان التهم فالمثقف يتهم الشعب بالجهل والأمية و التخلف والشعب يتهم المثقف بالنكران و التملق و فقدان الوطنية و المحسوبية…ثم يصيبان بصمت رهيب, ويكرران النظر إلى بعضهما البعض.وقد تغير المشهد, و كأنهما يحسان بان مرضهما واحد و أن اختلف التشخيص الطبي . وان  هذا المرض قد يكون بدون شك سببه  واحدا أيضا. فينظران  إلى بعضهما البعض نظرة تأسف و حسرة و أسى و الم و حزن . وكان بداية التقارب بين المريضين بدأت تتحقق, فيواصلان النظر إلى بعضهما البعض نظرة تفاعل و تفاؤل و تفاهم و تعاطف و تعارف واعتراف و معرفة  على أن علتهما واحدة, و أن مرضهما واحد , و قد يظهر ذلك جليا على  اللوحة السريرية لكل واحد منهما  .لقد كتب الطبيب على لوحة المريض الأول المدعو الشعب:الظلم_الجوع_الفقر_البطالة_الأمراض_الانحراف_الجهل _الأمية_العنف _الإرهاب_العراء_الاتكالية _ العجز_ التسلط_الاهانة _ الاحتقار_الاعتداء _ السرقة… أي الأسباب  وأنواع الأمراض التي يعاني منها .كما كتب على اللوحة السريرية  للمريض الثاني المثقف:الخيانة _ التملق _النفاق _ الذل _ الطمع_اللامبالاة_الأنانية_ النرجسية_ الماديات_ المناصب_ المحسوبية -المحاباة …

ويوقع الطبيب –التاريخ- تشريحه للمريضين مستخلصا أنهما أصيبا بداء واحد و جرثومة واحدة تسمى الاستبداد و ديكتاتورية الأنظمة, وان علاجها و القضاء عليها لا بد من دواء يسمى: الثورة.

ثورة عامة وشاملة :ثورة في اللغة و في المفاهيم وفي الرؤية و في المناهج و في المواقف وفي التربية و في الثقافة و في التعليم و في الأخلاق بكل وعي و مسؤولية ,ثورة  وطنية و شعبية عامة وشاملة يشارك فيها الشعب ومثقفوه دون تمييز طبقي أو فكري أو عقائدي أو اجتماعي أو اديولوجي أو اقتصادي ,ثورة وطنية واحدة وموحدة. يقوم بها الشعب و المثقفون, و يستفيد من نتائجها الشعب و المثقفون الذين شاركوا فيها فعلا و ظلوا بجانب الشعب مقاومة و نضالا و ميدانا..فان قدر واحتلوا المناصب بعد نجاح الثورة فيبقى الأمر طبيعيا و مستحقا, لان الثورة ثورتهم و أبدا لم يسرقوها  ولم يغتصبوها كما يفعل عادة المثقفون الانتهازيون الذين يأتون في أخر لحظة و يحتلون المناصب و الصدارة والمزايا..ثورة عامة و شاملة و صادقة  و شجاعة حيث انه إذا كنا نتوخى في هذه المرحلة الشجاعة في التصدي و النظرة و الموقف ,فان شجاعة مثل هذه لا تصدر إلا عن رجال شجعان,رجال يتمتعون بحد عال من النزاهة و الجرأة و الاستقلال و الوعي و المسؤولية.و لذلك يزداد دور المثقف أهمية و تأثيرا بمقدار تمتعه بهذه الصفات . فكاتب السلطة ,أية سلطة,غير مؤهل للقيام بهذا الدور,لان مهمته,لسبب أو لأخر,أن يبرر مواقف السلطة التي ينتمي إليها أو تستخدمه,فهو ليس نزيها أو مستقلا بالقدر الكافي,و ليس قادرا على تحمل المسؤولية,لان موقفه “الثقافي”مستمد من السلطة ذاتها” 20.لقد قامت الثورات العربية في مناطق عديدة من الوطن العربي, و أسفرت على انتصارات تاريخية حين استطاعت تنحية و إطاحة بديكتاتوريات عربية لم تكن تفكر أبدا انه في يوم من الأيام تسقطها شعوبها بهذه الطريقة. غير أن الذي “ترتب على ذلك هي ظاهرة اغتنام الفرصة من النخب القديمة .فبدأت في البروز في محاولة منها أن تقود هذه الظاهرة.فظهرت التصنيفات القديمة من ليبراليين إلى ماركسيين إلى علمانيين,إسلاميين أو اسلامويين.كل يحاول أن يطوع هذه الظاهرة في مساره,و لكن الظاهرة عصية أن تطوع ,لان أحلام هؤلاء الشباب من وجهة نظري المتواضعة غير مؤد لجة”21.و مع هذه الانتصارات العربية و التي كان بطلها الأول والأساسي و بامتياز الشعب العربي بكل شرائحه و التي تتقدمها بكل جرأة و شجاعة شريحة الشباب مدعمة  بتكنولوجية الإعلام و الاتصال و ثقافة الفيصبوك و التويتر والانترنيت و التواصل الاجتماعي و التي لم و لن تستطيع الأنظمة العربية و لا جهازها الأمني و البوليسي مراقبتها أو قمعها و كبتها ومنعها من الانتشار والشيوع. لقد اكسب الشباب العربي ثورتهم هذه هوية ثقافية و سياسية تكنولوجية جد متطورة, فهي ثورة “ابنة العصر بتقنياته و معلوماته,بقدر ما هي صنيعة فاعلين جدد هم الشباب و المدونون من عمال المعرفة الذين يشتغلون بقراءة المعلومات و بث الصورة على الشبكة. و لذا فهي ليست ثورات البطولات الدموية و البروقراطيات الثقافية.بل ثورات الكتب الرقمية الناعمة العابرة التي تنتمي إلى عصر الحداثة الفائقة و السيالة”22.

لقد عاش المثقفون العرب في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الوطن العربي بعيدا عن شعوبهم.عاشوا في سبات عميق مستسلمين لتعاليهم و لنرجسيتهم, هذا من جهة, و من جهة أخرى لم يقتنعوا أبدا أن الأنظمة التي صنعتهم و التي كم أكلوا من مائدتها حان وقت سقوطها و إلى الأبد و ذلك لا لشيء إلا لان الشعب قال كلمته:

وإذا الشعب يوما أراد الحياة    فلا بد و أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي           ولا بد للقيد أن ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة     تبخر في جوها و اندثر

و من لا يحب صعود الجبال   يعش ابد الدهر بين الحفر”23

فلقد خاضت الشعوب العربية ثورتها بكل عفوية و تلقائية مطلقة وسلمية  حرة مستقلة بعيدة عن الأطروحات و التنظيرات السياسية و الاديولوجية و الفلسفية و التي عادة ما تفتن بها النخبة المثقفة في أبدعاتها و في صناعتها و في تسويقها بالرغم من أنها لا تؤمن هي أصلا بها…إن ما نعيشه الآن في الوطن العربي وما نشاهده هو ثورة من نوع أخر,فهي ليست نخبوية.بل إن النخب أتت متأخرة,بعد اندلاعها,بقدر ما لم تكن تتوقعها أو تنتظرها.هو حركة شعبية فجرها أو انخرط فيها عاطلون و يائسون و ناشطون في مختلف هيئات المجتمع المدني و الأهلي في مواجهة ثالوث الاستبداد و الفساد و البطالة.بعد ذلك أتى المثقفون و الدعاة و المنظرون و الطامحون إلى استغلال الحدث ا والى ركوب الموجة.”24

يعود المثقف من جديد و كأنه يعيش مرحلة عودة الوعي أو حتى عودة الروح التي فقدها. يعود ليتزعم منابر الخطب. يخطب خطابا و خطابا هنا و هناك، و يكتب كتابا و كتابا، و كل ذلك محمل إلى درجة التخمة بالتزييف  و الانتهازية و النفاق و الكذب و الشعبوية السياسية . و بالتالي يريد أن يقول كل شيء عن الماسبق, و الذي لم يجرؤ الحديث عنه سابقا, و عن المستقبل مدعيا الإصلاح و النقد      و التوجيه. لقد احتاج المثقفون العرب “إلى اندلاع الثورات التي جوبهت بكل وحشية لمطالباتها بالعدالة و الحرية,لكي يستفيقوا من غفلتهم و يخرجوا من سجونهم الفكرية و يدركوا, ولكن بعد فوات الأوان,أن الأنظمة و الأحزاب التي ساروا في ركابها أو صدقوا دعاويها,لا قضية عندها سوى تأبيد السيطرة و ممارسة القبض و الهيمنة. و ها هي الثورات العربية تفضح المستور,إذ هي تكشف زيف الأنظمة و أحابيلها, و تنزع عنها شرعيتها,بقدر ما تنزع منها الأوراق التي صادرتها ورقة ورقة تحت شعارات العروبة و القومية و المقاومة “25

ولكن ما عسى المثقفون أن يقولوا بعد ما قال الشعب كلمته, و بعد ما صرخ بكل ما يملك من قوة و علانية, و بعد ما احتضن الشارع هذه الصرخة و هذه الثورة. لقد أصبح المثقف الانتهازي متطفلا على مسيرة الشعب الذي لم يعد يثق في الخطب و الشعارات التخديرية التي عانى من زيفها و من ويلاتها و فراغها و كذبها منذ الاستقلال  من قبضة الاستعمار الغربي الغاشم . يعود هذا المثقف بعد غياب طويل وبعد سبات عميق و بعد لامبالاة  مطلقة لما جرى لشعبه. يعود و تعود معه الأحزاب و التنظيمات و الهيئات لتتصدر النجاح و الانتصارات التي حققها الشعب حين أطاح بالأنظمة الديكتاتورية و برؤوسها.يعود المثقفون و تعود معهم  أحزابهم المصطنعة و التي هي في الأصل مجموعات خاوية و أسماء بدون مسميات. قد صنعتها ذات يوم تلك الأنظمة لتصدر مفهومها المزيف و الكاذب للديمقراطية و لحرية التعبير, فهي أحزاب اغلبها  ولدت في أحضان السلطة وبأموال  هذه السلطة و بإيعاز من السلطة  و التي برعت ” في تقنيات الالتفاف على التجربة الديموقراطية, و إفراغها من محتواها.فحتى النمط الشكلي منها لم يسلم من زرع الألغام السياسية. و في حين ولدت تجربة التعددية السياسية معارضة ضعيفة,بقيت بنى الدولة التسلطية في منأى عن التغيير,كذلك عندما شرعت بعض النظم العربية في انفتاحها على مطالب الإصلاح السياسي ,و حرصا منها على تجديد حكمها, لم تكن سوى تحسينات قشورية أو بعض من الترقيع السياسي الذي لا يغير من جوهر السلطة التسلطية, والتي تضع حدا لاحتكار النخبة الحاكمة للسياسة و الثروة على حساب المجتمع”. 26 ,يعود المثقفون السياسيون الانتهازيون بشعارات و هتافات قوية ليحتفلوا أكثر من الشعب بالنصر و الانتصار سارقين و مغتصبين الثورة الشعبية, حيث ينصبون أنفسهم البديل الشرعي عن تلك الأنظمة المستبدة التي أطاح بها الشعب العربي.فيقدمون أنفسهم كبديل وطني و حاملين مشاريع التنمية و الخلاص و الإنقاذ و النهضة و الأصالة و المستقبل و الوحدة و الاتحاد و الوفاق والصلح والإصلاح و المصالحة, وغير هذا من الشعارات.غير أن الواقع العربي الجديد كشف اللعبة و كشف المؤامرة و كشف حقيقة الاستبداد الجديد والذي زاد في هموم الإنسان العربي وعمق جروحه.لقد انكشفت خيوط  هذه الجماعات المثقفة الجديدة الذين لم تتوقف حروبهم الداخلية من اجل المناصب و الثروات والاعتداءات والانتقامات وانتهاك الحرمات والفوضى …لقد وجد الإنسان العربي نفسه محاصرا مرة أخرى. فهو لم يسترح أبدا و لم يهدأ له بال, حيث انه في الوقت الذي كان يعتقد انه سوف يحتفل بانجازه العظيم حين أطاح بتلك الديكتاتوريات التي خلفها له الاستعمار و دعم وجودها منذ أن تحصلت الشعوب العربية على استقلالها , فهو اعتقد انه سوف يعيش حياة حرة كريمة وشريفة في وطنه و مع أهله. لقد وجد نفسه في وضعية أكثر ضراوة وأكثر عنفا و أكثر بطشا و أكثر ألما .فلقد سرقوا منه ثورته واغتصبوها.. و كم من مرة و بطريقة شعورية أو لاشعورية قارن الوافدين الجدد إلى الحكم  بالذين سابقوهم و  الذين قهروه مدة طويلة من الزمن. فلقد أطاح بديكتاتوريات قديمة ليجد نفسه تحت وطاءه ديكتاتوريات  جديدة… و أمام هذه الوضعية الجديدة انقسم الشارع العربي على نفسه إلى فئات ثلاثة:

فئة قد أصيبت بإحباط كبير و تعتقد أن ثورتها قد اغتصبت و لم يسمح لها بالاحتفال بنشوة النصر و الإطاحة بالديكتاتوريات . فهي لم تستفد من هذه الثورة و التي دفعت من اجلها الكثير من التضحيات البشرية و المادية و المعنوية.لقد استيقظت هذه الفئة و قد فقدت أبناءها و ممتلكاتها . كما أن جروحها لا زالت تنزف دما.فهي تتألم و في المقابل ترى جماعة جديدة جاءت من خلف ستار الأحداث و الثورة و استولت على المناصب والخيرات, ولم تفكر أبدا في الشعب صاحب الثورة الحقيقي ,هذا من جهة, و من جهة أخرى, ترى هذه الجماعة من المواطنين أن هذه الفئة التي استولت على الحكم لم تقدم أي حاجة ملموسة لهذا الشعب الذي ضحى بالنفس و النفيس من اجل الإطاحة بتلك الديكتاتوريات التي قهرته مدة من الزمن.لقد وجدت هذه الشريحة من الشعب العربي نفسها أمام عدد من المشاكل و الجروح و الآلام :ظهور ديكتاتوريات جديدة, و بأفكار وأطروحات لم يكن يفكر فيها الشارع العربي و التي اكتشف فيها مادة خصبة تزيد في فروق وفي اختلافات الشعب العربي… و كثرة الصراعات الداخلية  من اجل المناصب  و المصالح الشخصية ,تأخر في المشاريع التنموية  التي من شانها التخفيف من معاناة و من غبن المواطن العربي…  انعدام و غياب أي مبادرة استعجاليه من اجل الاستجابة لمطالب الشعب و التي من اجلها قام بهذه الثورات ,الاستمرارية في المعاناة و في المشاكل الاجتماعية, عدد الشهداء  المرتفع الذين سوف يضافون إلى قائمة شهداء الثورات التحريرية التي قادتها الشعوب العربية ضد الاستعمار الغاشم ,بنية اقتصادية محطمة نتيجة انتفاضات الشارع العربي جراء التحطيم والإتلاف و الحرق و الإضرابات و الاضطرابات المتواصلة , مؤسسات بنكية و مالية فارغة بعدما استحوذ الديكتاتوريون المطاح بهم على كل أموال  الشعب حيث سرقوها وملئوا بها حساباتهم في الخارج…لقد واصلت هذه الشريحة ثورتها ضد الحكومات الجديدة و التي تبقى في اعتقادهم وجها من الأوجه المخفية لديكتاتورية القديمة والتي خدعت الشعب العربي و اغتصبت ثورته..لقد أصيبت هذه الشريحة من الوطن العربي الكبير بإحباط و هي التي قامت بالثورة بكل وعي وطني حرة مستقلة في قراراتها. فهي لم تكن مدفوعة من أي جهة كانت سواء الداخلية منها أو الخارجية. و لم تكن محملة بأي خطاب اديولوجي أو نية اديولوجية. و لم تكن ترغب في الإطاحة بنظام من اجل الإطاحة به فقط. بل هي ثورة عربية شعبية عامة و شاملة و عارمة اندلعت “بعد إن بلغت الأمور حدها الأقصى من البؤس و التردي و الانهيار,فسادا و استبدادا أو فقرا و مهانة,في ما يخص حريات الناس و حقوقهم و مصادر عيشهم,و لم يعد ممكنا السكوت على ما تمارسه الأنظمة من الاستئثار والاحتكار للسلطة و الرأي أو المصادرة و الاهانة للحرية و الكرامة ,الأمر الذي دفع الناس إلى كسر حاجز الخوف, و جعل الجموع تخرج إلى الساحات لكي تحتج و تنتقض و تطالب بالتغيير الشامل غير عابئة بالتضحيات,إذ هي لن تخسر شيئا ما دامت لا تملك شيئا,”27.

في حين تقف شريحة عربية أخرى موقفا مغايرا تماما.فهي ما فتئت تناصر هذه الجماعة الحاكمة الجديدة و تهتف باسمها مساندة لها وترى فيها الخلاص والنجدة والنهضة والصلاح والإصلاح و المستقبل. وأنها البديل التاريخي و بامتياز لتلك الأنظمة الطاغية والتي أطيح بها.تناصر هذه الفئة السلطة الجديدة و تقف ضد كل من تخول له نفسه بالإساءة لها…و بدون أن تشعر الفئتان من الشعب العربي سواء المناهضة للسلطة الجديدة أو المساندة لها فسوف تدخلان في حرب جديدة ويتحول الشارع العربي و الذي كان بالأمس قوة واحدة و موحدة ضد الأنظمة الديكتاتورية ,يتحول إلى ميدان جديد لتحطيم الثورات العربية من الداخل ,أي تقاتل المواطنين العرب فيما بينهم, و هذا ما تريده الأنظمة الجديدة حتى تستطيع ربح بعض الوقت وإضعاف القوة العربية التي صنعها الشارع العربي بكل عفوية و بصدق و إخلاص…

كما يكشف الشارع العربي عن مساحة مخفية و التي كانت انتفاضتها مؤجلة إلى حين.لقد ظهرت فئة ثالثة وخرجت بدورها لتحتل جزء من هذا الشارع. و هي فئة تنادي بأمجاد النظام القديم المطاح به. و التي ترى الخلاص الحقيقي فيه و إن الإطاحة به كانت غير شرعية وانه تاريخيا قدم خدمات جليلة للوطن و للشعب أيام كان في الحكم.و قد بينت التجربة التي خاضتها الحكومات الجديدة أن هذه الأخيرة غير قادرة على تسيير شؤون الأمة هذا من جهة, و من جهة أخرى, إن الاتجاهات الاديولوجية و الدينية التي نادت بها الجماعات الجديدة التي استولت على الحكم هي اتجاهات مزيفة و قد امتطتها هذه النخب من اجل استهواء الجماهير العربية ليس إلا. وقد اشتدت سيطرة هذه الفئة من الشعب على الشارع العربي و دعمتها العناصر المتبقية من العهد القديم, و سواء تلك التي ظلت مختبئة في الدروب المخفية في الوطن العربي أو من تلك التي فرت و هربت إلى الخارج مباشرة بعد ما تم الإطاحة بالأنظمة البائدة و برموزها..ومهما يكن من أمر هذه الاختلافات, فان الشارع العربي عرف كيف يصنع ثورته بكل حكمة و سلم على الرغم من همجية الأنظمة العربية الآفلة التي تفننت في أساليب القتل والاعتقال و التعذيب للمتظاهرين.لقد استعملت الأسلحة الحربية الثقيلة لمواجهة غضب الشارع و الذي زادته هذه الوضعية قوة و نضالا وحماسا و ثورة. كما أن بعض هذه الأنظمة العربية لم تتوانى في إخراجها للجيوش من ثكناتها قصد قمع هذه الثورات. و قد وصلت بها الغطرسة القمعية إلى حد استعمال  الأسلحة الكيماوية المحرمة عقيدة و الممنوعة قانونا  والمكروهة عرفا . غير أن الواقع أعطى هذه الأنظمة دروسا في الأخلاق و الثقافة السياسية و في التآخي بين أبناء الوطن الواحد, حيث أن الجيوش العربية الأصيلة و الأصلية رفضت كم من مرة الاعتداء على إخوانهم الثوريين, بل ابعد من هذا, لقد فروا من جيوش النظام ليلتحقوا بالثورة و ليقفوا بجانب الثوار من اجل الإطاحة بهذه الديكتاتوريات… ولقد أدرك الجميع أن هذه الثورات العربية  و التي قامت بها الشعوب العربية في العديد من الأوطان العربية من تونس إلى مصر والى ليبيا  و إلى اليمن والى سوريا…قد اندلعت في أوقات متقاربة  متأثرة ببعضها البعض ,فاتحة الشهية الثرية لبعضها البعض و مساندة لبعضها البعض” بعد أن بلغت الأمور حدها الأقصى من البؤس و التردي والاستبداد و الحرمان و الظلم و الغبن و الفقر و الجوع و الاعتقال…فهي ثورات كان الشارع العربي يريدها سالمة و سلمية. فكان يريدها ربيعا عربيا, و ياسمينا تونسيا, و نيلا مصريا, و أرزا لبنانيا ,و ربيعا دمشقيا ,و ثورة ناعمة  …إن المشهد العربي الجديد مشهد غريب من حيث التكوين و الفاعلية والمقصدية ,فعلى الرغم من المواجهات العنيفة و الدموية التي تفننت فيها الأنظمة العربية من عذاب و تعذيب,و من قتل وتقتيل ,و من إرهاب و ترهيب ,لقد ظل الشارع العربي وبكل شجاعة و بكل حزم يواصل صموده و ثورته هادئة, و ناعمة, و بصدر مفتوح يبحث عن الموت بل يتحداها… و قد حقق الهدف و حقق النصر…وعاش لحظات من نشوة فرحة النصر… و  ظل يحلم بيوم جديد, و بغد أجمل وأحسن…غير أن الحلم حتى و إن كان شرعيا, وحتى وان كان من حق هذا الشعب العربي أن يحلم…فان للحلم حدود,وان نحن سمحنا لأنفسنا و تعدينا هذه الحدود, فسوف يتحول هذا الحلم الجميل إلى كابوس… و بالتالي لا يمكن الاعتقاد أبدا أن تنحية المستبد و الإطاحة به يعني حقيقة تنحية الاستبداد والانتهاء منه و إلى الأبد.قد يسقط المستبد ,و تبقى بعض من وجوهه و من بقاياه و التي قد تتكاثر وتنمو من جديد وقد تكون أكثر بطشا و أكثر استبدادا. و من هذا المنطلق فان الثورات العربية الناعمة مطالبة باليقظة و الحذر و الابتعاد عن العمل الثوري الحماسي و السير بالثورة و فق أسس معرفية و منهجية محكمة و ذلك حتى تضمن لها الاستمرارية و الفعالية و المصداقية وقوة البناء و التشييد و التنمية وتعويض ما فقدته الشعوب العربية تحت حكم الدكتاتوريات.

إن أزمة الوطن العربي و إن كان ظاهرها اقتصاديا ماديا، فإن أصولها الحقيقية فكرية و ثقافية و اجتماعية… و بالتالي فإن التحرر منها و الخروج من دائرتها و الشفاء من أذاها لا يقوم أبدا على استيراد المواد  الغذائية أو الأفكار الجاهزة الغربية أو الشرقية التقليدية البالية, و تبنيها تبنيا مطلقا، بل لا بد من انقلاب جدري في المفاهيم الفكرية و الثقافية و التعليمية و التربوية التي فرضت على الشعب العربي منذ الاستقلال  ، انقلاب في صميم الفكر و الثقافة… و هنا يبرز في اعتقادنا حضور و مسؤولية المثقف و خروجه أو بالأحرى تحرره من التوقع حول الذات  المنفصلة عن أصالتها و المنغلقة على نفسها وعن حاضرها  وعن مستقبلها،  فهي ذات واقفة عند حدود الأشياء و الظواهر السطحية  دون أن تقتحم الفضاءات و التغلغل في خباياها و قراءتها من الداخل مفككة عناصرها البنيوية المكوّنة لها. و  اكتشاف أسباب الظاهرة       و مسبباتها و نتائجها و أبعادها و تقييم أثارها تقييما سليما و صحيحا، و من هذا المنطلق يكسب المثقف القدرة المعتبرة على توجيه الفكر و الثقافة توجيها حسنا، و تنظيفها من براثين التفكير الحماسي الديماغوجي الشعبوي الواحد الموحد. و وضع حد للتخطيطات التنموية القائمة على الخطابات السياسية الفارغة و الشعارات الحماسية  الإيديولوجية.   و بالتالي العمل على توعية النفس الثقافية و الفكرية و تحريرها من تقديس الخطابات دون قراءتها قراءة نقدية موضوعية حسب ما تقتضيه متطلبات الواقع و آفاقه الاقتصادية      و السياسية و الاجتماعية .

و لكن في ظل الأزمة الخانقة التي يمر بها المجتمع العربي ” تضغط  و بقوة بعض التساؤلات و لعل أهمها: هل في استطاعة رجل الثقافة و الفكر القيام بنقد ذاتي واع و مسؤول ؟ وهل يمتلك القدرة المعرفية ليصرخ ضد التخلف و القمع و القهر   و الغرابة ؟

إن المثقف الواعي و الملتزم يتحرك و يساهم و يناضل من أجل كل عمل يسعى إلى ازدهار المجتمع و تطويره و بث في أفراده الوعي و اليقظة، و بالتالي يشارك مشاركة فعالة في كل ثورة أو حركة أو انتفاضة ضد الشر الاجتماعي و الظلم السلطوي و التخلف الفكري و الثقافي.غير انه يبقى مثقفا حبيس أطروحات تقليدية جامدة و لم يستطع التحرر من بعض المواصفات والتي حددها الأستاذ عبد الله العروي كما يلي:

1_ البؤس:من الواضح أن المثقف العربي غير راض على الأوضاع التي يعيش فيها,كل ما يكتب…يتسم بالنقد أو الثورة على أنماط الحياة العربية. ماذا يرفض؟

أساسا,ضعف و استلاب المجتمع العربي ,يثور المثقف على مظاهر التفكك و التناثر… و يثور على مظاهر التبعية و الاغتراب…مظاهر تستوجب السخط كالفقر,الجهل ,الفوضى الإدارية, الرشوة ,انخفاض الإنتاج ,عفوية التوزيع.

2_الجهل بالمحيط الطبيعي و التاريخي,محيط المثقف ,هو محيط ثقافته لا ما يحيط به ماديا و أدبيا في الوقت الحاضر.أما الجهل بالماضي,فانه بلا شك تجاهل لأسباب التناثر الواقع حاليا في المجتمع العربي و خوفا من تعميقه”28

إن هذه الحركة الثقافية و مشاركة المثقف لا بد و أن تكون جذرية تابعة و نابعة من وحي اختصاصه مدعمة بفكر أخلاقي نزيه قائم على أسس علمية و معقولة متحررا من الخطابات الديماغوجية و من الاعتبارات الشوفينية العرقية الضيقة، حركة نابعة من عمق الواقع بكل مل يحمل من تناقضات سياسية: ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، حركة ثقافية واعية قائمة على المعرفة الشاملة لهذه التناقضات، غير أن المثقف العربي يعيش وضعية مزرية يعيش فقيراً و مقموعا,و  مقهورا يواجه نفسه و ذاته، يواجه شعبه و يواجه حاكمه و حكومته..،

إن المسار السياسي و المعرفي  للمثقف العربي يكشف فيه نموذج المثقف المتخلف، متخلف عن المستوى الثقافي  الظاهر الذي يبدو أنه يمتاز به، متخلف عن السلطة         و حقيقتها التي يظن أنه اكتسبها و يدافع عن شعاراتها، و متخلف عن الشعب الذي أنتجه ذات يوم ثم تنكر له و لهمومه و آلامه، فهو لم يعد قادرا على أن يحمل اسمه  ولا جدير بأن يحمل هذا الاسم:أي المثقف.

و قد يبدو أن سلوك المثقف العربي في موقعه و في موقفه غير ثابت، فتارة يركن إلى سكون و صمت رهيبين, و كأنه غائب  عن الساحة الثقافية و السياسية، و تارة أخري يتحرر مندفعا نحو المجتمع اندفاعا قويا حماسيا فوضويا لا ينتج أي شيء  ذا بال، و تارة أخرى يلبس لباسا هادئا محترما يتملق السلطة خاذلا مخذولا .

و أمام غياب الوعي الثقافي السليم، والمسؤولية الثقافية اليقظة و الالتزام الثقافي القوي، يبقى المثقف فاقدا لذاته و لروحه و بالتالي يبقى متعرضا بين لحظة و أخرى لعاصفة تدميرية جذرية، تعصف به و بكيانه  الجسدي و الفكري…

إن المواقف السلوكية  التي  ميزت المثقف العربي عبر مساره التاريخي و المعرفي و الثقافي والسياسي و الاجتماعي و النفسي تتخلص في المحاور التالية:

  • المثقف ¬ الصمت – اللامبالاة – الغياب
  • المثقف ¬ الاندفاع – الشعبوية – الجماهيرية-الحماسة – الفوضى
  • المثقف ¬ التملق-الانتهازية- النفاق – السلطوية السياسوية

و لعل ما يميز المثقف هو تحركه و انتقاله من محور إلى محور أخر, و من دائرة إلى دائرة أخرى بدون قاعدة معرفية وايديولوجية مؤسسة. يتحرك حسب ما تمليه عليه رغبته الشخصية و أنانيته و تحقيق مطامحه و مصالحه الشخصية المادية أو لا و قبل كل شيء.

فهو يصطنع مواقف سلوكية خادعة و خائنة في ألان نفسه. ينعزل عن المجتمع و عن الناس متسترا وراء مبادئ فلسفية أو إيديولوجية أو حتى نفسية و ثقافية، ليعود مرتميا في أحضان الشعب مدعيا خدمته  و التضحية من أجله كما يفعل عادة في الانتخابات، يدعي الشعبية شكلا و مضمونا، فكرا و عقيدة لا لشيء إلا من أجل اكتساب و فوز بصوت هذا الشعب في الانتخابات، حيث سرعان ما ينفصل عنه , فبعد العزلة و الانعزال، و بعد الغياب الفكري أو حتى الجسدي عن المجتمع وعن الشعب. و بعد الشعبية  يسعى إلى البحث عن شرعية العودة , ينضم إلى دائرة السلطة و التي وصل إليها بفضل صوت  وقوة الشعب، يتقرب من السلطات قصد تحقيق الهدف و الوصول إلى الكرسي أو المنصب المنشود.و قد يتحول هذا الشعب في منظوره إلى شعب أمي و جاهل  و غير متحضر و همجي و غير قادر على مواكبة العصر والحضارة. وهنا ينسى أو يتناسى     أن هذا الشعب  هو مصدر قوته و مصدر إلهامه,و هو الذي أوصله إلى هذه الرتبة و إلى هذه المكانة  أي بفضل  صوت هذا الشعب. و الذي إن هو قال له نعم  وزكاه و فاز في الانتخابات إن صحت تسميتها بالانتخابات, فهو شعب عريق و أصيل وثوري , أما  وان قدر وقال هذا الشعب لهذا المثقف لا, فسوف يتحول في منظوره و في خطاباته إلى شعب أمي جاهل متخلف همجي غير متحضر ولا يستحق التمثيل الخ…..فلقد حول هذا المثقف الانتهازي الشعب إلى صوت والى رقم فقط , يتذكره و يبحث عنه في أرشيفه أيام الانتخابات ليس إلا. فبالإضافة إلى هذه المواقف التخاذلية والمزيفة  التي امتاز بها المثقف العربي في علاقته مع شعبه, فانه أيضا امتاز بظاهرة الغياب . فلقد غاب مرتين عن شعبه و عن وطنه.فلقد كان حاضرا غائبا أو غائبا حاضرا حين التزم الصمت و السكوت منغلقا على نفسه بعيدا عن الأحداث التي صنعها الشعب و عانى من ويلاتها.  حيث أصيب هذا المثقف إزاءها  بموت الضمير , فلم يتألم أو يحزن  عن شعبه  و هو ينكل به صعودا و هبوطا, ذهابا و إيابا, بالليل والنهار, في بيته و في المعمل و في الشارع…لقد غاب هذا المثقف عن هذه الأحداث و كان الأمر لا يهمه . فلم يشارك و لم يدافع ولم يصرخ ضد الظلم و ضد الشر كما يفعل عادة المثقفون الملتزمون بقضايا شعوبهم .لقد كان همه الأول والأساسي حماية نفسه و ربما أولاده و عائلته إن كانت له عائلة في داخل الوطن, و إن لم يكن أيضا قد فر بها إلى الخارج…أما الغياب الثاني والذي ميز المسيرة الثقافية و السياسية لعدد من هؤلاء المثقفين العرب هو الفرار إلى خارج الوطن و ذلك بأسباب مختلفة , حيث أن كل مثقف صنع لنفسه مبررات قصد تبرير هروبه و قطع الصلة عن شعبه في الوقت الذي كان فيه هذا الشعب و هذا الوطن في حاجة ماسة إليه و إلى خدماته.فلما اشتدت الأزمة اختار عدد من المثقفين الفرار إلى الخارج ليضمنوا لأنفسهم ولعائلتهم الأمن والاستقرار والحياة.أما التفكير في مصير الشعب و في مصير الوطن فهذا سؤال سقط من مخيالهم ولم يعد له حضور في أجندتهم المعرفية.لقد اختاروا    فضاءات بعيدة عن الأحداث و ظلوا يتابعون أخبار الشعب العربي و أخبار الوطن عبر الفضاءات و القنوات الإعلامية الأجنبية …

إن هذه المراهنات التي طبعت مسيرة كثير من المثقفين العرب ليست و ليدة الصدفة      و ليست عديمة الدلالة، و إنما هي أصلا مرتبطة ارتباطا عضويا بتكوينهم المعرفي      و الايديولوجي، و الذي أمدهم إياه النظام السياسي الذي رضعوا من ثدييه و أكلوا على مائدته و تنفسوا طيلة حياتهم من هوائه، نظام أثبت التاريخ أنه افتقد أدنى شروط أخلاقية السلطة و التسيير، نظام ثقافي و سياسي قائم على الأنانية و العصبية و الطائفية و العروشية  و المحاباة والقرابة  و الديكتاتورية  و العنف و الاستبداد …نظام ظل متمسكا بالسلطة إلى درجة الجنون.لقد عمل كل ما في وسعه من اجل البقاء و الخلود,فلم يكفيه استعماله للعنف و البطش والتنكيل بكل و ضد من تخول له نفسه التفكير في إزالته أو  منافسته أو الإطاحة به.فلقد جعل السلطة ملكية خاصة يتوارثونها أبا عن جد.إن الأمر لا يختلف بين الأنظمة العربية الملكية أو الجمهورية حيث أن مسالة السلطة والسلطان هي مسالة عائلية وراثية, و كم من دستور تغير و أعيدت صياغته على مقاصة ابن الرئيس ليحل محل أبيه بعد وفاته…

في ظل الأزمة المتعددة الأطراف، أصبح المثقف العربي الملتزم بقضايا الحقيقية للوطن العربي مطالبا بالقيام بدوره الريادي في تحريك المجتمع و توجيهه توجيها صحيحا و سليما، لأن المثقف الحقيقي هو مثقف واع  و مسؤول و بالتالي يتحرك كالقلب النابض الذي يوهب الحياة ، يعمل جاهدا من أجل التنوير الفكر و بعت نهضة اجتماعية وثقافية و سياسية و اقتصادية و تربوية  تبشر بمستقبل عربي زاهر. و بالتالي العمل على محاربة النموذج الثقافي السائد و ما يمتاز به من قطيعة مع العقل و مع الديموقراطية و عدم معرفة الذات و نكران لعناصرها الثقافية و التاريخية و الحضارية و الإنسانية  و الإيديولوجية.،

لقد أرسى النظام  الثقافي السلطوي التقليدي منظومة فكرية تقوم أساسا على القبول و الخنوع و التحنيط، منظومة  ذهب ضحيتها  الشعب  والمجتمع و مثقفيه في بنيته الشاملة ثقافة و سياسة و اقتصادا و عقيدة .

لقد ارتكز النظام السياسي و الثقافي التقليدي  عبر مراحل تاريخه الطويل على شعارات و أوهام مزيفة و كاذبة، استمدها و استمد شرعية وجوده من ذلك الماضي البطولي الذي صنعه الشهداء و المجاهدون الذي قهروا الاستعمار و حققوا النصر لشعوبهم مشرقا و مغربا . لقد ظلت الأنظمة العربية تستثمر هذا الإرث البطولي جاعلة منه رأس مال رمزي تراهن به شعوبها.

لقد سخر هذا النظام الثقافي و السياسي عددا من الوسائل  خدمة لذاتيته ولوجوده من مدارس و مراكز و وسائل الإعلام و أنظمة و برامج ثقافية و تربوية، حيث وجهها توجيها ايديولوجيا خاصا به، لقد أرسى  لنفسه أسسا قوية تحميه  و تحمي اديولوجيته و مصالحه ,هذا من جهة و من جهة أخرى, فان هذه الأسس المسخرة  تمنع و تحارب و تنفي و تدمر الثقافة الجديدة، ثقافة النقد, ثقافة السؤال، الثقافة الحرة، ثقافة الاختلاف، ثقافة الديموقراطية. .

فأمام هذا الانبساط محدد لثقافة السلطة في الوطن العربي ، و أمام الخضوع  و الانبطاح المطلق للمثقف العربي لهذه  السلطة و لهذه الثقافة. يضغط علينا السؤال التالي:

هل هي أزمة ثقافة أم أزمة مثقفين أم أزمة سلطة أم أزمة شعب؟

لقد ظل المثقف العربي غائبا في توجيه المجتمع و ظلت ثقافته غائبة إن لم تكن جامدة و محنطة.  كما انه في كثير من المناسبات  لا يتعدى حضوره حضورا ظرفيا و منساباتيا واحتفاليا و كرنافاليا و طقوسيا وشكليا,  ليكرر و يعيد و يستثمر ثقافة السلطة التي تميزت منذ الاستقلال بتراكمات لعناصر الأزمة و النكسة و التخلف. تراكمات أفقدت المواطن العربي كرامته و شرفه و بالتالي أصبح مهددا بين لحظة و أخرى بالسقوط و فقدان الوعي… أنتجت هذه التراكمات مجتمعات عربية عاجزة، تسودها الفوضى و عدم استغلال طاقاتها الغنية و المتنوعة ( طاقات بشرية شبابية- طاقات فلاحية –طاقات معدنية-موقع استراتيجي…)

وفي ظل هذا الحراك الاجتماعي العام والعارم و ما يشيعه من دلالات لوضعيات متدهورة اجتماعيا و سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا و تعليميا و امنيا و قضائيا و فنيا و عسكريا، فإن المثقف العربي مطالب بالقيام بواجبه و بمسؤوليته لحماية نفسه وحماية مجتمعه و حماية شعبه و ذلك بالتفكير في تأسيس ثقافة جديدة نشطة تتعدى حدود الوصف و البكاء و الرثاء و التصوير السطحي لما يجري على الساحة الاجتماعية و السياسية و الثقافية و العسكرية و الأمنية.تتعدى كل هذا من أجل حركة فعلية للفكر و للمجتمع و للشعب, و بعث نهضة جذرية شاملة تتعدى ما هو كائن إلى ما يجب أن يكون, و بالتالي، فإن المثقف العربي مطالب  بأن يتحرر من النزعة النخبوية المزيفة و العمل على الانصهار في الحراك  الاجتماعي العربي، أين يمارس ثقافته إنتاجا و استهلاكا، ثقافة يذوب في رحابها و يتلاقح معها جديدا متجددا من أجل التكوين و التوالد الفكري الاجتماعي الخصب و المثمر و الحر و النزيه و الشريف.

أصبح المثقف العربي في خضم التطورات و الصراعات الحادة التي يعيشها المجتمع العربي شرقا و غربا شمالا و جنوبا، مطالبا بمشروع ثقافي عربي جديد و أصيل ، بعيدا عن الأطروحات الفلسفية و النظرية، مشروع يقوم على رفض الواقع بكل نكساته و هزائمه، مشروع ثوري معرفي نقدي يزلزل النظام الثقافي السياسي السائد، مشروع يستمد معطياته من تاريخ هذا الشعب و من انتماءه الاجتماعي و الثقافي الحضاري و الإنساني و من ألامه و أماله المستقبلية.

لا يكتسب المشروع الثقافي الجديد قوته و سلامته إلا إذا توفرت في شخصية المثقف المعرفة و الرغبة و القدرة على  الفعل الثقافي العربي الجديد, من جهة و من جهة أخرى الشجاعة و الجرأة من أجل التغلغل في خبايا المجتمع و النظام الثقافي السياسي السائد و كشف عناصره و تعريته من الداخل و فضح ضعفه و استسلامه و عجزه التاريخي.

لقد تميز النظام السياسي و الثقافي السائد بنزعة دفاعية، أي الدفاع عن النفس و الدفاع عن الكيان المادي والمعنوي و السلوكي و العمل على  الجمود والثبات و الخلود  و قد لا يضمن  كل هذا إلا إذا هو استطاع  أن يصنع  لنفسه قوة تحميه  و تحمي مصالحه  من الثورات الشعب و انتفاضاته  الآتية لا محالة…

 

في ظل  الحراك الاجتماعي العربي، يبقى المشروع الثقافي العربي الجديد مطلبا  أساسيا  وبفعالية صادقة من أجل استيعاب الثقافة الوطنية العربية بأسلوب معاصر و لغة معاصرة ة تماشيا  و الزمن العربي الجديد  بكل أماله و آلامه .

و خلاصة القول: في ظل الظروف الاجتماعية المعقدة و في ظل الأزمة التي يمر بها الوطن العربي و المواطن العربي بصفة عامة، يبقى المثقف العربي الجديد أمام اختبار مصيري، إما الاستسلام للنظام السائد أو للخطابات السلطوية و السياسوية  الضيقة كما فعلت النخبة المثقفة التقليدية البورجوازية  للجيل السابق التي  استسلمت في معظمها للنظام الفكري و الثقافي الواحد الموحد  وما أنتجوه من ثقافة التخلف والاتكالية و العجز و الخرافة و القمع و القهر… و إما  عدم الاستسلام لهذا النظام, و بالتالي السعي من أجل احتلال  الصدارة و الريادة و طلائعية في تحريك المجتمع و إصلاحه و تحريره و الأخذ بيده و تثو يره والنهوض به و تدعيمه و مساندته  من اجل   الثورة ضد  الانتهازية، والتبريرية،و الوصولية،و ثقافة المحاباة و الظلم و الاستبداد و القمع و الفقر والجوع و التهميش و الطغيان و الاعتقال… و تعويضها بسلوك و خطاب و نظام و ثقافة  العمل و الجد و احترام الرأي الأخر المخالف والمختلف، ثقافة التقدم و الازدهار  ثقافة الكرامة و الشرف، ثقافة العقل و المستقبل, ثقافة  المواطنة. ثقافة العلم و الأطروحات المعرفية المؤسسة , ثقافة ديموقراطية حرة تقوم على احترام الآراء و الأفكار و حرية التعبير و الممارسات السياسية  و احترام حقوق الإنسان و حقوق المواطن العربي.

 

الإحالات:

1_دنيش كوش:مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية_ترجمة د.منير السعيداني.مركز دراسات الوحدة العربية_بيروت_ط1_2007

2_رضا بوكراع:هوية المثقف و التكوين الاجتماعي المغربي_بضع فرضيات للعمل.في كتاب:الانتلجانسيا في المغرب العربي_مجموعة من الباحثين تحت إشراف د.عبد القادر جغلول_دار الحداثة للطباعة و النشر و التوزيع_بيروت_ط1_1984_ص.ص.179-180

3_عزالدين المناصرة:الهويات و التعددية اللغوية_قراءات في ضوء النقد الثقافي المقارن_دار مجدلاوي للنشر و التوزيع_ الأردن_ط1_ص.33

4_الطاهر لبيب:تساؤلات حول المثقف العربي و السلطة_مجلة الوحدة الصادرة عن المجلس القومي للثقافة العربية_ السنة الأولى_ العدد10_تموز_يوليو1985_ص.7

5_محمد نورالدين افاية:المثقف و السلطة-جدل الإقصاء و الاعتراف_مجلة الوحدة_ص.74

6_جيرار ليكلرك:سوسيولوجيا المثقفين_ترجمة د.جورج كتورة_دار الكتاب الجديد المتحدة_ط1_2008_ص.51

7_علي حرب:ثورات القوة الناعمة في العالم العربي من المنظومة إلى الشبكة_الدار العربية للعلوم الناشرون_ط2_2012_ص.137

8_عبد اللطيف اللعبي:المثقفون المغاربة والسلطة_في الانتلجانسيا في المغرب العربي_ص.132

9_علي حرب:المرجع السابق_ص.48

10_محمد عابد الجابري:تطور الانتلجانسيا المغربية-الأصالة والتحديث في المغرب_في الانتلجانسيا في المغرب العربي_ص.15

11_عبد اللطيف اللعبي:المرجع السابق_ص.153

12_محمد زنيبر:تعقيب على محاضرة الإستاد طاهر لبيب_مجلة الوحدة _ص.21

13_عبداللطيف اللعبي:المرجع السابق_ص.160

14_م.ن.ص.159

15_عبد الحي علي قاسم:السمات المشتركة للنظم العربية و تعاطيها مع المتغير الثوري_مجلة المستقبل العربي_ الصادرة عن مركز الدراسات الوحدة العربية_العدد399_مايو 2012-السنة 35_ص.128

16_المهدي المسعودي:تعقيب على محاضرة الأستاذ حافظ الجمالي_مجلة الوحدة_ص.42

17_تنسب هذه المقولة إلى وزير سابق في الحكومة الجزائرية في تعقيبه على بداية الأحداث الماسوية التي عرفتها الجزائر و التي دامت أكثر من عشر سنوات مخلفة الآلاف من الضحايا و الملايير من الخسائر والتي اصطلح على تسميتها في الخطاب الثقافي السياسي الجزائري بالعشرية السوداء.

18_هذه المقولة حاضرة دوما وأبدا في الخطابات السلطوية العربية بصفة عامة,حيث أنها كلما ثار الشارع العربي ضد فساد سياستها التسييرية وضد قمعها و ديكتاتوريتها إلا وواجهت هذه الثورات أولا بالعنف و ثانيا بالتأويل أن هذه الحركات الشعبية الثورية هي من تدابير قوى خارجية و مدعمة من الخارج و تريد زرع الفتن و البلبلة داخل الوطن و بين المواطنين وغير هذا من الخطابات العربية المزيفة و التي تبحث دائما على مبررات خرافية…

19_محمد عابد الجابري:المثقف العربي و إشكالية النهضة-رؤية مستقبلية_مجلة الوحدة-ص.51

20_محمد نورالدين افاية:المرجع السابق-ص.74( النص أصلا هو للروائي العربي الشهير عبد الرحمان منيف,و قد استعره هذا الباحث  ليفتتح به مقاله السابق الذكر.)

21_محمد جبريل:ورقة عمل خاصة بالملف الليبي_ليبيا إلى أين-مجلة المستقبل العربي ص.102

22_علي حرب:المرجع السابق_ص.72

23_ قصيدة شهيرة للشاعر التونسي الكبير _أبو القاسم الشابي_و التي رددها كثيرا الشعب التونسي أيام ثورته و انتفاضته ضد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

24_علي حرب:المرجع السابق-ص.69

25_م.ن.ص.227

26_عبد الحي علي قاسم:المرجع السابق _مجلة المستقبل العربي-ص.12

27_علي حرب:المرجع السابق_ص.79

28_عبد الله العروي:ثقافتنا في ضوء التاريخ_المركز الثقافي العربي_الدار البيضاء المغرب_ص.ص.175_176

 

 

 

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس
الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا
ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>