الطلبة الإسلاميون بالمغرب ومسارات الحراك الاجتماعي :

دراسة سوسيولوجية للفعل الاجتماعي لفصيل طلبة الوحدة والتواصل

بقلم عمر بولوز*

 

خلاصة   :

تندرج مساهمتنا ضمن مجال اشتغال سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية. و تهدف أساسا إلى معرفة الخصائص الاجتماعية لفئة الفاعلين الإسلامين، ثم علاقة الشباب الإسلامي “الوسطي المعتدل” بمختلف الحساسيات الفصائلية بالوسط الجامعي. إلى جانب سلوكاته وممارساته النقابية-سياسية والثقافية -دينية. و بعد ذلك تتبع حركية هذا الفصيل بالجامعة من خلال طرق اشتغاله وتدبيره للإختلاف الإيديولوجي والسياسي، وقياس قابلية استمرارية فاعليه في المستقبل.  وقد تبين من خلال تحليلنا لحالة الفصيل الطلابي لجماعة التوحيد والاصلاح، أن الحركة الاسلامية المغربية تطورت عبر ثلاث مراحل، بدأت حركة دينية سياسية هدفها إسقاط نظام السلطة، وفرض “التغيير الجذري” بقوة العنف الجهادي، ثم الصراع المبني على النفي مع اليسار الماركسي اللينيني، الذي على إثره ستسيل دماء والشاهد عندنا مقتل الزعيم اليساري عمر بنجلون على يد أعضاء من الشبيبة الاسلامية، وهنا الإنعطاف الكبير، ذلك أن شيخ الجماعة سيغادر تراب الوطن،

وبعد ذلك بفترة وجيزة تقريبا سترحل مع رحيل الزعيم مجموعة من أفكاره التي كان يؤطر بها الشباب الإسلامي انذاك، ومن بينها “التغيير الجذري” العنيف، وبعض المراجعات الاخرى. تحولت بعد هذا الحركة الإسلامية إلى حركة دينية بمضمون اجتماعي، وفرض عليها السياق والظروف الاجتماعية والسياسية للمنطقة، أن تصير حركة اجتماعية ذات أفق ديني، ليتكون شكلها الأخير في صورة حركة اجتماعية بخلفية دينية عوض الأفق الديني، ذلك أن الاجتماعي غلب على الديني، في إجابة تقدمها هذه الحركة على سؤال الحداثة.

 

اهتمت العديد من الدراسات بموضوع الحركة الإسلامية، شملت جوانب متعددة منها وزوايا نظر مختلفة، ابتداء بالحفر في تاريخ هذه الحركة، وظروف نشاتها وتطورها كما هو الحال مع تحليل ومقارنة شهادات الجيل المؤسس للحراك الاسلامي المغربي، التي يقدمها بلال التليدي مرتكزا على وثائق وبيانات تاريخية[1]. إلا أن ذاكرة الحركة الإسلامية اليوم اضحت كبيرة جدا، وقد راكمت من التجارب الجديدة، ومن اهمها المشاركة في احداث الربيع العربي على المستوى الدولي و حركة عشرين فبراير بالمغرب على المستوى الوطني، مما يستلزم إعادة كتابة تاريخها من جديد. ثم بعيدا عن التاريخ وقريبا من السياسية، ينظر ضريف إلى تيار ‘الجماعات الإسلامية عبر ثلاث مستويات، البنية، المحيط، ثم تفكيك الخطاب. حيث أشار إلى أنه “في تحديد الاشكالية المركزية المتعلقة بالجانب السياسي في الخطاب.. لا مجال للحديث في إطار خطاب الإسلام السياسي عن الإشكالية الاقتصادية و الإشكالية الاجتماعية”[2].

وفي بحث للطوزي حول الملكية و الإسلاميين بالمغرب، يعتبر بأن المؤسسة الملكية هي الفاعل المهيمن على الحقل السياسي، وهي بذلك تكون ‘المزود’ الرئيسي للنظام السياسي بالاشكال والمراسيم التي تحدد البنيات الكمية للنظام”[3] بحيث لا يمكن للملك الاعتراف بقنوات منافسة تدعي الدفاع عن الدين. وذلك راجع لشرعيته في الحكم، والتي تتاسس على سند شرعي ديني. كما لا يسمح للفاعلين ولوج الحقل السياسي إلا بعد ان يصرحوا بقبولهم الامتثال للعبة السياسية.[4] و يشير إلى ثلاث مراحل تطورت عبرها الفاعلية الإسلامية (ملئ المجال الشعبي ثم اكتساب الزعامة الحقيقية، والرغبة في التغيير السياسي). ويؤكد بذلك ضرورة تجاوز النظرة الكلاسيكية للباحثين، والتي كانت ترى الحركات الإسلامية مجرد رد فعل عنيف ضد مسلسل الحداثة الجارف، تقوده رجعية باسم الدفاع عن المقدسات والثوابت. وفي جوابه يقول بأن الأمر راجع إلى فشل الأنظمة والحكومات في القيام بالمأموريات المنوطة بها فيما يخص تدبير الشأن العام عامة. والشأن الديني خاصة.  و إلى جانب هذا نجد محسن الأحمدي الذي تجاوز الطروحات السياسية نحو مستوى اعمق يهم المضمون الاجتماعي. بحيث اعتبر ان “الاسلاموية تتضمن حقيقة اجتماعية” ذات معنى معقد، كما يضيف بان الاسلاموية شكل من النشاط الإنتاجي للمدينة الدينية الفاضلة والسلوك الجماعي، سواء كان حقيقيا او وهميا، فانه يمس شتى المجالات الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، الاخلاقية والطبية.. الخ. [5] كما توقف عند الفرضية السوسيولوجية التي تقول بان التوجه الاسلامي تيار إيديولوجي للإنتقالية والتحولية للمجتمعات. وانتهى إلى ان الحركات الاجتماعية تتشكل عندما يعرف المجتمع توترات ومخاطر ناجمة عن الصراعات العنيفة بين مكونات المجتمع المختلفة[6].

 

يطلق الباحث محمد ضريف لقب جماعات الإسلام السياسي على “تلك الجماعات التي لا تقييم تمييزا في تصوراتها وممارساتها بين الدين والسياسة، فهي بهذا تقوم بتسييس الدين، وتديين السياسة”.[7] فيما يرى جون فرنسوا كليمان بان “الإسلاموية هي حركة احتجاجية تعتقد بانها يمكن ان تستخدم الدين والشريعة، كمبدا تصحيحي للنظام الاجتماعي والسياسي”. اما بالنسبة لنا فإن الحديث عن حركة إسلامية هو حديث بالضرورة عن ثلاث حركات في ثلاث مستويات، فثمة حركة محافظة (نموذج السلفيين) تنطلق من فكرة السلطة واحدة في السماء والحكم واحد على الارض كما يعبر عن ذلك عبد الله العروي في كتابه إستبانة، فهي بذلك لا تريد الخروج عن الحاكم كيما كان الحال.[8]اما الحركة الإصلاحية (التوحيد والاصلاح) فتؤمن بفكرة الإصلاح في ظل الإستقرار، أي التعاون على الخير مع الغير المختلف من حيث اللون السياسي والإيديولوجي، وتفعيل الإصلاح التدريجي ما أمكن ذلك.. من الأسفل إلى الأعلى أي من الفرد والمجتمع إلى الدولة، وأما الحركة الرديكالية (العدل والاحسان) فتتجه الى ضرورة التغيير الجذري، وهي بذلك تنطلق من فكرة إصلاح الدولة أولا ثم الفرد والمجتمع بخلاف الحركة الإصلاحية، وهدفها الأسمى هو تاسيس دولة الخلافة على منهاج النبوة .وقد ذهب المساوي مبارك إلى تعريف فصيل طلبة العدل والاحسان بانه ذلك الإمتداد العضوي لجماعة العدل والإحسان بالجامعة، وهو مكون من مكونات قطاع الشباب التابع للدائرة السياسية، يتكون من جميع طلبة الجماعة الحاصلين على شهادة البكالوريا والذي يتابعون دراستهم بمختلف كليات ومعاهد ومدارس التعليم العالي داخل المغرب وخارجه”[9]. وبالنسبة لنا فالفصيل الاسلامي ممثلا في فصيلي العدل والاحسان والتجديد الطلابي فهو مكون طلابي ظهر في بداية التسعينيات من القرن الماضي. ليس كفعل وانما كردة فعل، من اجل مقاومة المد الماركسي اللينيني، والذي كان المهيمن انذاك على الحركة الطلابية بشكل عام ، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب بشكل خاص.

أما تشارلز تلي فيقربنا من مفهوم الحركات الاجتماعية باعتبارها فنا يدعو لتعزيز الطموحات الجماعية، ذلك ان الحراك الاجتماعي بحسبه هو عملية تراكمية تنتج بسبب الاضطرابات والعنف، ويتولد الفعل الاجتماعي عبر التنسيق مع مختلف الفئات الاجتماعية المتحمسة[10]. و يضيف تلي فيقول : “ان الحركات الاجتماعية كما يوحي الإسم هي تنظيمات شاملة مؤلفة من جماعات متنوعة المصالح، تضم حال تشكلها طبقات مهمة في المجتمع مثل العمال والجماعات النسائية والطلاب الى جانب العنصر الفكري. والشيء الذي سيجمع هذه القطاعات المختلفة من المجتمع ذات المصالح المتنوعة هو شعور عام بالضيم قوامه الادراك المشترك لغياب الديموقراطية في وضعية سياسية بعينها”.[11] فيما يذهب الان تورين إلى القول بان “الحركة الاجتماعية هي بمثابة فعل جماعي يهدف إلى مراقبة وتحويل نسق الفعل التاريخي”. وقد شاع تعريف إجرائي للمفهوم يقول “الحركات الاجتماعية عبارة عن جهود منظمة تبذلها مجموعة من المواطنين ممثلين عن قاعدة شعبية تفتقذ الى التمثيل الرسمي ، تهدف تغيير الاوضاع ، او السياسات ، او الهياكل القائمة ، لتكون اكثر اقترابا من القيم التي تؤمن بها الحركة “.[12] و ينبغي هنا ان نميز بين الحركة الاجتماعية وبين مختلف اشكال الصراع الاجتماعي ومن بينهم الحركة الاحتجاجية.

 

تعود نشأة الحركة الإسلامية بالمغرب إلى أواخر ستينيات القرن الماضي. ثم تطورت بنياتها عبر تنظيمات، جمعيات و شبيبات و قد تميزت في خطابها تماشيا مع ما يفرضه المحيط الاجتماعي والسياسي المهيمن، والذي كان يعكس نماذج ثقافية مختلفة يرفضها الفاعلون الإسلاميون الجدد في ساحة الصراع الاجتماعي-سياسي. اليوم وبعد أكثر من أربعين سنة منذ ظهورها لم تعد فتية ومبتدئة، وإنما أضحت لها مشاركات ثقافية ومواقف سياسية ساهمت بشكل أو باخر في تغيير وضع نظام المجتمعات وطنيا ودوليا. وهذا سيجعل الحركة محط اهتمام مجموعة من الباحثين، ومن بينهم نتوقف عند النقاش الجدلي الذي دار بين الان تورين واصف بيات في الجلسة الختامية للمنتدى العالمي الثالث للجمعية الدولية لعلماء الاجتماع. والذي عبر فيه بيات عن موقفه الإيجابي بخصوص مشاركة الاسلاميين في العملية الديموقراطية، حيث أكد على أن الدين والديموقراطية يمكن أن يتعايشا عبر مداخل تبني القيم الدينية. وهذا ما يعترض عليه بشدة تورين الذي نفى أن يكون أي دور للأديان في الديموقراطية، واعتبر الطريق إلى الديموقراطية في حاجة إلى تحقيق الاستقلالية ثم العلمنة(اللائكية) والفيمينيزم[13]. فقد عبر  في كتابه نقد الحداثة بانه “في العالم الإسلامي يقف المثقفون النقديون بلا صوت تقريبا إزاء صعود الحركات الإسلامية، التي عندما تصل إلى السلطة تدمر كل حياة ثقافية”[14] و لكن تورين نفسه، وفي كتاب عنونه ببراديغما جديدة لفهم عالم اليوم يقول : ]الحركات الاجتماعية الجديدة اليوم، هي طبعا حركات ثقافية اكثر منها اجتماعية.[15][ في حين يؤكد آصف بيات بأن للحركات الإسلامية أهدافا أوسع من مجرد التركيز على مطالب المحرومين، على الرغم من وجود كثير من الانشطة التي تمارس في المجتمعات الفقيرة لتحقيق اهداف اوسع. وقد أشار بيات إلى أن المؤسسة الدينية كشفت عن تدعيمها للفقراء من خلال الحديث عن المستضعفين، اولا من اجل مواجهة المواقف التي اتخذها اليسار وحركة مجاهدي خلقت لتاييد الفقراء، وثانيا من اجل الحصول على تاييد الفقراء ليشكلو قاعدة اجتماعية في النضال ضد اليسار والليبيراليين وبقايا النظام القديم. ويضيف معبرا : ]انتهى شهر العسل بين الفقراء وبين المؤسسة الدينية عندما تم استقطاب الفقراء. فقد تم دمج قطاع منهم في بناء الدولة بوصفهم اعضاء في المؤسسات الثورية، مثل الحرس الثوري وحرس البناء، وما شابه ذلك، وبقي اخرون خارج المؤسسة، ودخلوا في مواجهة مع النظام عبر نضالاتهم لتحقيق التنمية[.[16] إذن فالإشكال الجوهري الذي يطرح نفسه، هل نحن أمام حركة دينية بمضمون اجتماعي أم حركة اجتماعية جديدة ذات أفق ديني؟ ولكن قبل هذا السؤال المركزي ينبغي ان نجيب عن مجموعة من التساؤلات من بينها : كيف استطاعت الفصائل الطلابية بمختلف تشكيلاتها وتلاوينها أن تجعل من الجامعة المغربية دولة صغيرة لها من خلال إبداع مفاهيم وخلق رموز ولغة خاصة؟ كيف ينخرط الطالب في الفصيل الإسلامي ولماذا هذا الاختيار؟ و كيف هي علاقة الفاعل  الإسلامي مع مختلف الجماعات الطلابية؟ ما هي منطلقات العمل الإسلامي وكيف يصرف فكره في السلوك النقابي والتدافع الثقافي؟و كيف يساهم الفاعل الإسلامي في القضايا السياسية والهوياتية المثارة في النسق الاجتماعي؟ أي مستقبل للفاعل الإسلامي بعد التخرج من الجامعة؟ و هل يمكن أن نطمئن إلى نموذج نظري محدد في مقاربة الفعل الاجتماعي للطلبة الإسلاميون بالمغرب؟

 

يمكن أن نقول بأن الفصائل الطلابية بمختلف تشكيلاتها وتلاوينها استطاعت أن تجعل من الجامعة المغربية دولة صغيرة لها موازية للدولة، يحكمها منطق خاص، نقاش خاص، وتصفية حسابات بطريقة خاصة.. جماعات وتنظيمات متنوعة في تدافع وصراع يشبه تدافع وصراع الاحزاب السياسية، بل أكثر من ذلك، فقد تجاوز الفاعلون في الساحة الطلابية ما هو ثقافي، اجتماعي، سياسي الى اختصاص القضاء، وافتعلو جوا للمحكمة الجماهرية، وسطرو قوانين جديدة، اضحت مفروضة على زائر الجامعة من أي جهة كانت ان يحترمها ويخضع لها.

ينخرط الفاعلين الإسلاميين في الفصيل الطلابي عبر ثلاث أبواب أساسية، فإما عن طريق التأثر بكتب رواد الفكر للحركات الاسلامية القديمة، ثم العائلة والاصدقاء، وإما عن طريق الانشطة الاشعاعية لذات الفصيل. وتبقى ظروف اخرى استثنائية لمنتمين جدد كان الدافع وراء انتمائهم هو حب الاستطلاع، واخرون وجدو انفسهم في التنظيم دون سابق انذار او بحث وتنقيب او استكشاف. و يعبر الفصيل في برنامجه التفصيلي الذي يهم تنزيل اهدافه المؤطرة لتوجهه المستقبلي في العمل النقابي، في المستوى المتعلق بالعلاقات الفصائلية بالقول  ]:بناءا على مبادئنا في الحوار والوحدة والنضال، وفي ظل واقع التعددية الفكرية والسياسية والنقابية بالجامعة، واعتبارا للاختلال البين في تدبير علاقات فصائلية ايجابية، حيث بلغت مستويات حادة من التدهور والصراع والعنف في فترات ومحطات تاريخية متعددة، وتعمقت معها الازمة الجماهيرية للعمل النقابي وتفاقم نخبويته، وانعكست سلبا على مصداقيتة الجسم الطلابي في المجتمع، كما تدنت شروط الحوار والعمل المشترك، ونعتبر أن استنهاض العمل النقابي الطلابي يتطلب الارتقاء بالعلاقات الفصائلية وذلك بطرح مبادرة للحوار الفصائلي تؤسس لشروط الفعل النقابي الجماعي والمسؤول، وتعزز شروط التفاهم والتعايش وفي المقابل ترفض مختلف اشكال العنف والاقصاء، واعتماد اليات جماهرية لمحاصرة هذه الاشكال المنافية لمبادئ واخلاقيات الحرم الجامعي[17][. يشير هنا المفكر الإسلامي ابو زيد المقرئ الإدريسي في معرض حديثه عن التعصب بما هو غلو في مقدار الانتماء، إذ يقول :]الطغيان في التعصب الديني(…) وتعدد اسبابه بين المتدينين، فمنهم من يدعي الحرص على نقاء الحقيقة الدينية، فيفرض مكفرا كل من اختلف معه في مفهوم من مفاهيمها، لا بل في تفصيل من تفاصيلها، وهذا هو الوجه الاكبر في اختلاف المتشددين من اهل الاديان، بحيث ان كل دين قد بدا واحدا ثم مع الزمن يتحول الى فرق ومذاهب متعددة، كل منها لا يرى الحقيقة الا عنده، كما هو الشان في فرق اليهود والنصارى والمسلمين [18][. كما يهدف إلى المساهمة في تأطير الطلاب وتربيتهم على المبادئ الاسلامية الوطنية الحقة ومثل المواطنة الصالحة وقيم طلب العلم والمعرفة، ثم المشاركة في جهود التاهيل الطلابي من اجل الجامعة والوطن والامة،والسعي لتطوير وترشيد الجامعة المغربية ومنظومة التعليم العالي ورفع دورها في عملية التنمية والنهوض الوطني، الى جانب دعم القضايا الانسانية العادلة وخاصة قضايا الامة الاسلامية.[19] ويعتمد ذات الفصيل في تحقيق اهدافه على كل الوسائل المشروعة قانونيا وخصوصا منها: اقامة الندوات والمحاضرات والمناظرات واللقاءات العلمية الوطنية والدولية، وتنظيم المخيمات والاوراش والتداريب، بالاضافة الى ربط علاقات التعاون والتبادل والتشارك مع الجمعيات والمؤسسات والمنظمات والهيئات الوطنية والاجنبية في اطار الاهداف المشتركة، الى جانب اصدار المنشورات وطبع البحوث وعقد الحلقات الدراسية والتثقيفية.[20]

يؤصل شرعيا لممارسته النقابية، حين يعبر في ورقته التصورية:  “ان الشريعة الاسلامية جاءت بالاساس لخدمة الانسان عن طريق الامر بالمعرف والنهي عن المنكر، يقول تعالى (كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعرفو وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). والعمل النقابي وسيلة وواجهة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو كذلك عمل اجتماعي لتحقيق العدالة ورفع الظلم الذي يمارس في حق الجماهير الطلابية بشتى اشكاله، ومختلف تمظهراته، مصداقا لقوله تعالى في الحديث القدسي : (يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا). وقال تعالى لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط). وقال ايضا : (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار). ويقول الرسول (ص) : (الساكت على الحق شيطان اخرص) “.[21] و يتميز هذا الفصيل بسلوكات نقابية-سياسية وممارسات ثقافية-دينية، وتبرز مساهماته في طرق اشتغال على المستويين المركزي والمحلي. وتجيب على هذا عضوة باللجنة التنفيذية مهمتها التنظيمية (نائب مسؤول قسم التاهليل)  “على المستوى الوطني نقوم بانشطة اشعاعية كالمنتدى الوطني للحوار والابداع الطلابي، منتدى المهندسين.. منتدى الاطباء..الخ، ثم انشطة داخلية علمية تاهيلية كالجامعة الربيعية والمنتدى الفكري والجامعة الصيفية والملتقيات العلميةوالتنظيمية. و انشطة اجتماعية انسانية كحملات التبرع بالدم والقافلات الطبية. ويصرح نائب رئيس التنظيم بالقول : “يميز الاشتغال على المستوى المركزي.. ندوات ..محاضرات..مهرجانات الفن والابداع  اصدار كتب.. اصدار تقارير عن الجامعة.. مذكرات للمسؤولين.. وقفات احتجاجية.. المشاركة في برامج اعلامية..”. واما الاشتغال محليا  فقد عبر رئيس التنظيم ان الفرق بين العمل على المستويين المركزي والمحلي يكون اساسا في نوع العمل (اصدار مذكرات مثلا)، وفي حجم العمل(المنتدى الوطني نموذجا). وتعبر عضوة باللجنة التنفيذية (سنة ثانية ماستر في علم الارض –بيولوجيا) لذات الفصيل بان الاشتغال على المستوى المحلي يكون فيه التواصل مباشر على مستويين، على مستوى الفروع والمؤسسات وبالتالي الطلبة، وكذلك على مستوى الفروع والمركز”. ومن بين النشاطات المحلية، عملية استقبال الطالب الجديد.. الاسبوع الثقافي.. المعرك النقابية.. ملتقيات تخصصية.. وغيرها.

 

ينبغي أن نفهم “الوحدة والتواصل” أو “التجديد الطلابي”كفاعل طلابي مدني، مساهم بدوره في القضايا المثارة في النسق الاجتماعي، سياسية كانت او هوياتية، فكيف يبلور مواقفه؟ تجيب مسؤولة بقسم التأهيل لذات التنظيم : “نحن جمعية مدنية طلابية.. بالتالي المواضيع التي نحاول طرحها ومناقشتها هي المسائل المتعلقة بفئة الطلبة.. والتي تصب في اهتماماتهم وتدور حول مجالات تساؤلهم واشتغالهم.. ويكون التعبير عنها بطرق مختلفة : سواء باختيار شعارات تناقش اشكالها في بعض الانشطة وبعقد لقاءات لمناقشتها ودورات للاحاطة بجوانبها المتعددة (الفكرية والعلمية والفلسفية والدينية..الخ)..”. ويعبر رئيس التنظيم بالقول: “نعمل على تنظيم ندوات.. (مثال ندوة ظهر المهراز بفاس المعنونة ب”اليسار والإسلاميون والديموقراطية”).. كما نصدر مذكرات (مثال مذكرة تخص ترسيم الامازيغية)”، وقد اجمع جل المبحوثين على فكرة مفادها “ان النصوص الدينية القطعية الثبوت والدلالة.. لا نقاش فيها ولا اجتهاد”.. كذلك الشان في قضية الارث، الا انهم اختلفو في الموقف من الاعدام، فثمة من مع هذه العقوبة، واخرون عبرو عن رفضهم، ولكل أسبابه وظروفه.. فحتى عندما يقول النص الديني بصريح العبارة :]العين بالعين والنفس بالنفس والجروح قصاص..[ فثمة اختلاف بين في قرائته، بين من يقول بالقصاص وانه لا اجتهاد مع النص، فالقاتل يقتل.. في حين استحضر البعض شروط وظروف الاعدام، فاجازوه في وضع، واستنكروه في اخرى.. ذلك ان طبيعة القضية هي التي تفرض طريقة معالجتها، فسؤال الإرث ورد في نص ديني قطعي الثبوت والدلالة، ولا يحمل اكثر من معنى. أما قضية المنحة والتشغيل فالنضال من اجلهما يعبر عنه انطلاقا من الوقفات الاحتجاجية، في حين تتم مقاربة المواضيع السياسية مثل الديموقراطية وغيرها، على مائدة حوارية، يحضر فيها الراي والراي الاخر، فهي تدخل ضمن مجال واسع للاجتهاد.

 

يقول عبد المالك ورد بانه :]لقياس مدى قدرة الحركات الاجتماعية على تجاوز المعوقات التي تقف حائلا أمامها دون تحقيق جملة من أهدافها لا تتوقف السوسيولوجيا فقط عند حدود المكتسبات المادية الملموسة التي تم تحقيقها لأن هناك مجموعة من العناصر الأخرى غير المادية التي تحمل تأثيرا قويا على الدينامية الاجتماعية والسياسية. لذا فإن أي عملية لإصدار أحكام من هذا القبيل تبقى خاضعة لمجازفات كبرى. غير أنه مع ذلك وجب تحديد مجموعة من العناصر المرتبطة بالأهداف المباشرة والتي من خلالها يمكن أن نحكم على فعالية أو عدم فعالية الحركة[22][. فاي قدرة للفاعل الاسلامي في تجاوز المعوقات التي تقف حائلا اما تحقيق اهدافه واستمراره ثم امتداده؟

إن التجربة الفصائلية مهما طالت فلابد لها من نهاية، ذلك أن شواهد التخرج من الجامعة تكون في سنوات معدودة، بين سنتين وثلاث سنوات، الى خمس وسبع سنوات، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، اي مستقبل للفاعل الاسلامي بعد التخرج من الجامعة؟ فهل يقطع الفاعل الاسلامي مع المشروع الاصلاحي الذي تربى في بيته؟ أم يساهم من موقع ما؟ واذا حدث واختار المساهمة، فما هي المجالات الممكنة لاشتغالاته وأين تبرز مؤهلاته العلمية والثقافية والدينية في مجتمع ما بعد الجامعة؟ يجيب قيادي بموقع الرباط : “بعد التخرج من الجامعة.. مساهمتي دعم للمشروع الاصلاحي الوطني الديموقراطي، ودعم اصلاح المجتمع وتاهيله..” ، ويعبر عضو ينشط بموقع سطات بقوله :” افضال ‘المشروع’[23] ..لا تتركنا لنتخلى عليه والا سنكون جاحدين.. وهذا الذي يجعلنا نساهم في ‘الحزب’[24] و’الحركة’[25] وباقي الهيئات…”. اما المسؤولة في قسم التاهيل المركزي للفصيل فتصرح قائلة : “مساهمتنا بعد الجامعة ستبرز في كل اعمالنا، ذلك النسق الذي نالف العمل فيه بحب واقتناع.. نحاول ان نجعله مصاحب لنا طيلة فترات حياتنا، مع احترام السياق المحيط بنا..”. اما ناشطة بموقع القنيطرة فتصرح قائلة : “لن التحق باي حزب سياسي.. يصعب علي الاختيار.. لا ادري.. ربما حزب بمرجعية اسلامية.. ولكن لست اسلامية في الحقيقية..”. ثم المجال الدعوي فأغلب أعضاء الفصيل يستفيدون من الانشطة التربوية والتكوينية لحركة التوحيد والاصلاح، جلسات تربوية (دعوية) ثم دورات تكوينية (علمية) و خرجات ترفيهية، كما عبر عن هذا جل المبحوثين. حيث يعبر عضو بموقع الرشيدية : “لدي اهتمام شخصي بالطفولة.. وساشتغل في العمل التلمذي الطفولي بحركة التوحيد والاصلاح”، وقد صرحت قيادية بموقع فاس : “حركة التوحيد والاصلاح تلائم ما تم استيعابه من منهج فكري وسطي معتدل ..تعمل على الاسهام في الرفع من منسوب الوعي والتدين عند الفرد والمجتمع”، فيما اختارت منخرطة (تخصص علم الاجتماع) بموقع بني ملال طريقها نحو الدعوة الفردية اذ تقول :”بعد التخرج..ساستهدف تجمعات بشرية كبيرة من اجل الدعوة الى الله”. واما المجال المدني والحقوقي فتبين أن أغلب أعضاء الفصيل ينشط بجمعيات وهيئات موازية، ولكن اي منطق يحكم استمرارية اشتغالهم واين تبرز مساهماتهم؟ يجيب ناشط (تخصص جغرافيا) من موقع القنيطرة : ” بعد التخرج.. مكاني هو جمعية الرسالة مؤطرا.. ومساهما في المشروع الاصلاحي العام الاسلامي الوسطي والمعتدل..” ، من جهة أخرى يصرح عضو بموقع طنجة : “مهمتي.. الاشتغال على بلورة تصور خاص في الاصلاح وفي الحياة العمومية”.

 

يقول العطري بأن الحركة الاجتماعية تفترض درجة معينة من التنظيم لبلوغ هدف التغيير والتجاوز، وهذا ما يلح عليه غي روشي   (Rocher,1968)مبرزا انها تنظيم مهيكل ومحدد. له هدف علني يمكن في جمع بعض الافراد للدفاع عن قضايا محددة.[26] إذا ما تأملنا قليلا هذا الطرح فسنذهب إلى القول بسذاجة ان حركة الإسلاميين بمثابة حركة اجتماعية، ذلك انها تحقق درجة معتبرة من التنظيم يفيد في التغيير الإجتماعي والسياسي الذي تطمح إليه. و هدفها علني تمكن خلاله اعضاؤها من الدفاع او “التدافع” على حد تعبيرهم عن جملة من القضايا المحددة وفق شروط الزمان والمكان والحدث. وهنا يمكن ان نعود إلى تعريف تشارلز تلي للحركة الاجتماعية ذلك انه اعتبرها سلسلة متواصلة من التفاعلات بين اصحاب السلطة واشخاص يمثلون مجموعة من الناس تفتقر للتمثيل الرسمي. [27] ويضيف تلي : تعبر التمثيلات الذاتية الجماعية عن نفسها غالبا في شكل تعبيرات مصطلح عليها او معاني خاصة يمكن للجمهور المحلي التعرف عليها، كان تاخذ الصفات الاربع المذكورة، على سبيل المثال، المعاني التالية : –الجدارةالوحدةالعدد والالتزام.[28] ونحن امام هذا النموذج، يمكن ان نقول بان صفة الجدارة متحققة بشكل نسبي، فالإسلاميون يتصرفون بوقار، ويحضر في اشكالهم الاحتجاجية بعض رجال الدين.. إضافة إلى صفة الوحدة التي تميزهم من خلال الاناشيد التي يتلونها في اصطفاف متراص، ويتضح هذا اكثر من خلال اللافتات الموحدة.. و أما عدد الحاضرين فمن خلال المؤشرات الميدانية يظهر نمو كبير، بحيث نشهد الجمهور في تزايد مستمر، وهذا راجع إلى التاطير والاستقطاب الممتد في الزمان والمكان لاعضاء التنظيم المنتشر في مدن ومداشر المجتمع المغربي، ثم يتجلى التزامهم في التضحية التي يقدمونها، انطلاقا من فكرة المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، وهذا ما نجد جذوره في النصوص الدينية الإسلامية.

 

من جهة أخرى، يعبر تورين “لا توجد حركة اجتماعية يتحدد صاحبها بالإستعباد أو التهويش أو الحبس. فالسجناء مثلهم مثل العاطلين عن العمل لا يشكلون حركة اجتماعية”[29]. وبذلك حدد ثلاث مبادئ تميز الحركات الاجتماعية وهي: (-مبدأ الهويةمبدأ التعارض و مبدأ الكلية). إننا أمام نموذج اخر يختلف في تحديد الحركة الاجتماعية، فهل تتحقق مبادئ الحركة الاجتماعية الثلاث في نموذج الطلبة الإسلاميون؟ وهنا نتسائل ما الذي يحرك الاسلاميين؟ اي نموذج ثقافي تعارض؟ وهل تمتلك مشروعا مضادا تقترحه لبناء مجتمع جديد؟  ونقول في معرض إجابتنا، تنطلق هذه الحركة من هوية إسلامية ومبادئ إصلاحية، هي العامل الاساسي المحرك لها، وتصارع النموذج الماركسي في مقولة الدين افيون الشعوب ولا إله والحياة مادة، إلى جانب مقاومتها للمد العلماني في السلطة، إلا انها تحترم الديموقراطية كاداة للحكم، وتقبل بالتشارك، في ظل حفظ الثوابت (الإسلام، الملكية  والإصلاح). وتساهم بمواقفها في القضايا السياسية والهوياتية المثارة في النسق الاجتماعي، انطلاقا من فكرة التدافع والتعاون على الخير مع الغير،فتصحح اخطاء وتراجع اوراق، وتلتزم بنصوص دينية قطعية الثبوت والدلالة، اعتقادا منها بانه لا اجتهاد مع النص. تشتغل في حدود مجال مقاصد الدين الإسلامي، في حفظ الدين،العرض، العقل، النفس، المال والنسب. وتبرز مساهمتها بشكل اساسي في الدعوي والسياسي ثم النقابي والحقوقي المدني. ويلحظ اهتمامها مؤخرا في الاقتصاد، حيث أبدت انتصارها لفكرة الإقتصاد الإسلامي (البنوك التشاركية) ، اي القروض الحسنة في مقابل القروض الربوية. ويبدوا من خلال هذه المؤشرات الواقعية إضافة إلى بعض المنطلقات المرجعية أن ثمة ما يحرك هؤلاء، بمعنى أن مبدأ الهوية متحقق إلى حد كبير، طلبة بهوية إسلامية يحركهم منطق الدفاع عن فكرة الله، في سبيل إحياء شريعة الرسول. ثم مبدأ التعارض، يتضح جليا من خلال معارضتهم لنموذج الماركسية اللينيية إيديولوجيا، والعلمانية سياسيا، والنسبية فلسفيا. ولكن ثمة مشكل في تحقيق مبدا الكلية، ذلك أن الغبش باد في تفسيرات الدين للواقع، ورجال الدين في تجديد مستمر لورقاتهم.. وبذلك تكون الفرق الإسلامية غير مهيئة تماما لتكون حركة اجتماعية.

 

و من نافذة الصراع من أجل التحرر يطل علينا بورديو قائلا “التاريخ الاجتماعي يسجل أنه لا توجد سياسية اجتماعية بدون حركة اجتماعية فاعلة في اقتصاد السوق الاجتماعي”[30]. و يعتبر أن جوهر الحركات الاجتماعية الجديدة يتكثف في سؤال الهيمنة وصراعات التحرر منها، فالهيمنة منغرسة في اللاوعي الجمعي بحسبه، وينبغي في كل حين تحويل هذا اللاوعي إلى وعي يعيد كتابة التاريخ، إذ يجب ان يكون كل علم اجتماع تاريخيا، ويجب ان يكون كل تاريخ اجتماعيا ..”.[31] من خلال هذا نلحظ رسالة بورديو الشهيرة “من اجل حركة اجتماعية اوربية” والتي دعا فيها الحركات الاجتماعية إلى المساهمة في السياسة الاجتماعية، ذلك ان وظيفتها خارج هذا تلفظها الى خارج التاريخ، وهي رسالة صريحة إلى الحركات الدينية والاثنية خاصة، حتى يتسنى لها النقد والبناء من جديد، بحيث تتمكن من التحول الى حركات اجتماعية جديدة. وذلك عبر مشاركتها الفعالة في اقتصاد السوق، ومحاولتها للاجابة على سؤال الهيمنة بغية التحرر في معناه الشمولي. وهذا تحدي امام حركة الطلبة الإسلاميين فإما ان تكون او لا تكون، وقد تبين من خلال معطيات ميدانية تتبعنا فيها نقاشات داخلية للإسلامين تبشر بولادة جديدة.

 

أما اصف بيات فقد نحت مفهومه الجديد اللاحركة اجتماعية يقصد بمفهوم اللاحركات الاجتماعية الأنشطة الجماعية التي يقوم بها الفاعلون. ذلك انه يقول “الحقيقة التي مفادها أن الناس قادرون على مساعدة انفسهم والتوسع في شبكاتهم الاجتماعية تكشف بالتاكيد عن النشاطية السياسية وصور النضال اليومي”.[32] ويمكن تحديد أربع سمات رئيسية لها، فهي عبارة عن ممارسات يشترك في القيام بها أعداد كبيرة من البشر العاديين دون اتفاق فيما بينهم، فينتج عن تشابه ممارساتهم تغيير اجتماعيا ما، ثم نادرا ما يتحكم في أنشطتهم أيديولوجية معينة، و عادة لا تكون هناك قيادات أو منظمات معروفة[33]. وقد ذكر آصف بيات ثلاث ديناميكيات خاصة باللاحركات الاجتماعية :الزحف البطي[34]ثم  Passive Networks ، [35]و فن الحضور. فماذا عن النموذج الذي نحن بصدد الاشتغال عليه؟ هل يمكن أن نقول بأن الاسلاموية لاحركة اجتماعية بهذا المعنى؟ لابد هنا ان نفحص من جديد، فمن خلال تعريفه إلى اللاحركات الاجتماعية يتضح ان الحركة الإسلامية المغربية خارج هذا الإطار، ذلك أنها حركة منظمة ولها ايديولوجيتها وقادة معروفين. ولكن هل تتميز بزحف هادئ؟ هل تحقق تواصلا عبر شبكات معينة؟ وماذا عن فن الحضور، هل تتمثله؟ يعبر بيات “أن فكرة الزحف الهادئ تصف عملية التقدم.. أو الزحف المثابر للأفراد العاديين نحو ما هو مملوك من قبل الاخرين وما هو قوي، أي النطاق العام ، وذلك من أجل البقاء ومن أجل تحسين حياتهم.[36] وهذا الشرط لم يتحقق. أما ديناميكية الشبكات والتي يتواصل عبرها الأعضاء بصورة فورية بناءا على إدراك ضمني بوجود قواسم مشتركة تجمهم، فهي متوفرة بشكل نسبي. أما فن الحضور عند هذه الحركات فيتجلى في الشجاعة والإبداع الذي تتحلى به في تأكيد إرادتها الجمعية. وهذا شرط متحقق بشكل ملحوظ، إلا أنه يستحيل القول باللاحركية الاجتماعية لهذه الحركة.

 

على سبيل الختم، إننا أمام مسار تحول عميق للحركة الإسلامية المغربية بداية مع الحراك الديني -سياسي العنيف، ثم مرحلة الانتقال إلى حراك ديني بمضون اجتماعي، بعد ذلك سيفرض السياق والظروف الاجتماعية والسياسية للمنطقة وجوب الفعل الاجتماعي ذو الأفق الديني، ليتكون شكلها الأخير في صورة حركة اجتماعية بخلفية دينية عوض الأفق الديني، ذلك أن الاجتماعي غلب على الديني، في إجابة تقدمها هذه الحركة على سؤال الحداثة. و بذلك لا يمكن أن نطمئن لنموذج نظري محدد للمقاربة، وهذا يدعونا إلى المزيد من البحث والتقصي. ولم لا تقديم نموذج نظري جديد يمكن أن يقربنا من تحليل أعمق وتفسير أدق.

 

الهوامش:

[1] – بلال التليدي، ذاكرة الحركة الاسلامية،الجزء الاول، الطبعة الثانية (منقحة)،مطبعة طوب بريس، الرباط (المغرب)، ص 9

[2] – محمد ضريف، الإسلام السياسي في الوطن العربي ،منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي ،مطبعة المعارف الجديدة ،الطبعة الاولى ،اكتوبر 1992 –ص 247.

[3]– محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب،مطبعة النجاح الجديدة، طبعة مارس 2001–ص9

[4] – نفسه، ص 10.

[5] -MohsineElahmadi, Les mouvements Islamistes Au Maroc, publication de Itt salat salon-1ére édition 2006, imprimiez de Najah el Jadida, Casablanca, Maroc -Pp 20.

[6] -op, cit, pp 60.

[7] – محمد ضريف، الاسلام السياسي في الوطن العربي، ص5.

[8]– عبد الله العروي، إستبانة، الطبعة الأولى سنة 2016 ، مطبعة المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء، ص20.

[9]– عبد العالي صغيري، اثنوغرافية العنف من داخل الوسط الجامعي : دلالات العنف المعيارية في تمثلات الجماعات الطلابية -حالة جامعتي مكناس وفاس، ص76.

[10] -Charles Tilly, Les origines du répertoire d’action collective contemporaine en France et en Grande-Bretagne [article], source lien : http://www.persee.fr/doc/xxs_0294-1759_1984_num_4_1_1719.

[11]– تشارلز تلي، الحركات الاجتماعية، ترجمة ربيع وهبة، القاهرة، الطبعة الاولى2005، المجلس الاعلى للثقافة، ص 33.

– رشيد جرموني، دروس مجزوءة سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، الفصل الخامس، موسم 2016-2017، (مع اذن بالنشر).[12]

[13] – رشيد جرموني، تقرير عن المنتدى العالمي الثالث للجمعية الدولية لعلماء الاجتماع تحت شعار “أي مستقبل نريد، السوسيولوجيا العالمية والدفاع عن مستقبل أفضل”. فيينا- النمسا، المجلة العربية لعلم الاجتماع إضافات، العددان 36-37. خريف 2016. شتاء 2017. ص 366.

– الان تورين، نقد الحداثة، ترجمة انور مغيث، طبعة 1997 ،المجلس الاعلى للثقافة، ص 236. [14]

-الان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان، مراجعة سميرة ريشا، الطبعة الاولى بيروت ابريل ،2011 ص 129[15]

[16]– آصف بيات، الحياة سياسية : كيف يغير بسطاء الناس الشرق الاوسط، ترجمة : احمد زايد، المركز القومي للترجمة، سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين، سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين، العدد 2420، الطبعة الاولى2014 ، ص172.

– التجديد الطلابي..،الفكرة والمشروع، مرجع سابق، ص111[17]

[18] – ابو زيد المقرئ الادريسي، الغلو في الدين (المظاهر والاسباب)، منشورات الزمن-(سلسلة شرفات 29)، طبعة ثانية ص(48و49).

-منظمة التجديد الطلابي، القانون الاساسي، الفصل الثالث (الاهداف) (بتصرف).[19]

-نفسه، الفصيل الرابع (الوسائل) بتصرف طفيف. [20]

-فصيل الوحدة والتواصل، معالم التصور النقابي. مقدمات نظرية. ص1[21]

– عبد المالك ورد، في مشروعية الحركات الاجتماعية الجديدة، حالة المغرب، موقع ارنتروبوس، (نشر يوم28فبراير2010).[22]

-يقصد بالمشروع (المشروع الاصلاحي العام الذي سبق واشرنا اليه)[23]

– يقصد بالحزب (حزب العدالة والتنمية)[24]

-يقصد بالحركة (حركة التوحيد والاصلاح)[25]

– عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، مجلة اضافات، العدد،13 شتاء2011، ص19.[26]

[27]– رشيد جرموني، دروس مجزوءة سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، مرجع سابق

تشارلز تلي، الحركات الاجتماعية، مرجع سابق، ص 39. -[28]

-الان تورين، نقد الحداثة، مرجع سابق، ص 231[29]

[30] -– Bourdieu Pierre, Pour un mouvement social européen, in, Manière de voir, Le Monde diplomatique, Bimestriel, N° 103, Février- Mars 2009, p. 67. (Cet article a été publié en juin 1999 dans le Monde diplomatique). Lien : https://www.monde-diplomatique.fr/1999/06/BOURDIEU/3080

[31]– رشيد جرموني، دروس مجزوءة سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، مرجع سابق.

[32]– آصف بيات، الحياة سياسية : كيف يغير بسطاء الناس الشرق الاوسط، ترجمة : احمد زايد، المركز القومي للترجمة، سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين، سلسلة العلوم الاجتماعية للباحثين، العدد 2420، الطبعة الاولى2014 ، ص119.

[33] – رضوى عمار -الزاحفون (نموذج اللاحركات الاجتماعية في تحليل سياسات الشارع) -ملحق اتجاهات نظرية -مجلة الاهرام.

[34]– رضوى عمار، الزاحفون..، مرجع سابق.

[35]-رضوى عمار، الزاحفون.. مرجع سابق، بتصرف.

[36]آصف بيات، الحياة سياسة…، مرجع سابق، ص 121.

 

  • طالب باحث في علم الاجتماع. كلية الاداب والعلوم الإنسانية -جامعة مولاي إسماعيل

الـمحـرر -

الدكتور مبروك بوطقوقة أستاذ الأنثروبولوجيا بالجامعة الجزائرية، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>