السـؤال المفتـوح والجـواب الحتمـي نموذجيـة العلـوم الإنسـانية فـي حوار التخصصـات | موقع أرنتروبوس

Jaussالسـؤال المفتـوح والجـواب الحتمـي نموذجيـة العلـوم الإنسـانية فـي حوار التخصصـات

كتابة:  هـانس روبيـرت ياوس
ترجمـة: رضوان ضاوي

نشر هانس روبيرت ياوس (Hans Robert Jauss (1997-1921 نص «نموذجية العلوم الإنسانية في حوار التخصصات» في كتاب «مسالك الفهم» Wege des verstehens، سنة 1994، وهو آخر كتاب ينشر له قبل وفاته. في هذا النص دعا ياوس إلى تجديد العلوم الإنسانية من خلال إعادة تعريفها بواسطة وظائفها، والتي من ضمنها الوظيفة التكاملية. تتجلى هذه الوظيفة التكاملية في إثارة الحس النقدي والفكر التركيبي لدى الطلبة من خلال درس الفلسفة وعلم الاجتماع، والمطالبة بخلق جسور بين مختلف المناهج، مما يؤدي في النهاية إلى إنجاز حوار تخصصات علمي.

نموذجية العلـوم الإنسـانية فـي حـوار التخصصـات:
عندما نسائل العلوم الإنسانية عن المطلب الذي يبرر نشاطها العلمي، تصبح مجموعة من الدوافع الجيدة ملائمة للدراسة التالية. وهذه التساؤلات بشكل أدق هي: ماهي التساؤلات التي تواجهها العلوم الإنسانية؟ ماهي منافذ المعرفة التي تفتحها؟ وماهي المناهج التي كونتها وجعلتها في متناول البحث العلمي؟ باختصار: لماذا ندعي أن العلوم الإنسانية لا يمكن لها الاستغناء عن غايتها أبداً: وهي الثقافة الانعكاسية؟.

تتميز العلوم الإنسانية – كما يشهد على ذلك تاريخها المبكر والمثير للإعجاب – بكونها متفردة في عملية تكوين التخصصات العلمية، عابرة للحدود في موضوعها ذاته، ثم هي أيضا متكاملة، وأخيراً وليس آخرا، هي حوارية. من هذه الوظائف الثلاث، لا نستخرج القدرة التاريخية العلمية للتقليد القديم للعلوم الإنسانية (Humaniora) فقط، كما هي كلية الفنون السابقة أو (ما يسمى بـ Trivium)، بل نحدد أيضا هذه الوظائف الثلاث للعلوم الإنسانية في شكلها الحالي، مما يعطينا أيضاً فرصة لإعادة تعريف العلوم الإنسانية الذي جاء به الإصلاح الجامعي لهامبولت (Humboldt) كمؤسسة اهتمت بالعملية الاجتماعية للتحديث والدمقرطة، وهي اليوم تطرح مزيدا من التساؤلات، وعلى نفس المنوال جاءت أطروحة هذه الدراسة ذات المنهجية التاريخية.

لقد نشأت العلوم الإنسانية في الأصل عابرة للحدود. وتتجلى هذه الوظيفة مقدماً في تاريخ الفلسفة الغربية. كما وسعت الفلسفة دائما، ومنذ العصر الإغريقي، حدود المعرفة، ما دامت تعلي من قيمة السؤال المفتوح على حساب الجواب الحتمي. وفي هذا الإطار، فعلت العلوم الإنسانية التكوين في العلوم المتخصصة، عندما تخلت عن حقول ما هو قابل لمعرفة الصياغة، التي فتحتها العلوم الإنسانية بواسطة ما هو ملقن؛ فعلى سبيل المثال، ابتدعت الفلسفة، منذ زمن طويل، علم النفس، علوم السياسية، علم الاجتماع وعلم الأعراق البشرية، كتخصصات، قبل أن تأخذ هذه الأخيرة وضعية «تخصصات مستقلة» في القرن التاسع عشر2. وبعد ذلك وفي الوقت نفسه، كان علم التاريخ، علم اللغة وعلم الأدب، وعلم الجمال، تخصصات عابرة للحدود.

علينا أن نذكر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأننا نعتقد أن مستقبل العلوم الإنسانية، رغم قصورها، يتجلى أساساً في الحفاظ على التقاليد والتعويض عن أضرار التحديث.

نشأت العلوم الإنسانية في الأصل عابرة للحدود ومتكاملة في نفس الوقت. فقد لقنت النظام العلمي الأوروبي العتيق أساس كل الدراسات في المسالك الثلاثة (Dreiweg)، كما لقنته الربط بين المنطق، والنحو، والبلاغة، وتدريس التفكير الصحيح، والكتابة الصحيحة، والقراءة الصحيحة، والكلام الصحيح. أصبحت العلوم الإنسانية، كلية الفلسفة الجديدة، أرقى كثيراً من علم اللاهوت، والحقوق، والطب، وذلك بعدما كانت الفلسفة، مع إصلاح هامبولت الجامعي، في الرتبة الدنيا للكليات الأربع، أي ما يسمى بكلية الفنون. كما تغلبت معرفة الحقيقة من أجل ذاتها على الاهتمام العملي للتكوين.

امتازت الفلسفة في ظل «صراع الكليات»، حسب الصياغة الجريئة لكانت Kant، بإعرابها، بإلحاح كبير، عن نزعها كل شيء عن «تشريعات الحكومة» وإخضاعها لتشريعات العقل في أعقاب إصلاح هامبولت الجامعي3، وبسبب هذا التوجه، احتل المبدأ التكاملي الدرجة الأولى، في حين أصبح من البديهي اليوم أكثر فأكثر، التسليم بمواجهة عناد التخصصات ومطلب تصنيف كل معرفة مجردة في حقل اختصاص معين، في أفق شامل «للفكر الموضوعي»، حيث ينبغي على الفلسفة، واللغة، والثقافة، على التوالي، توليف العلوم الرائدة (Leitwissenschaften).

نشأت العلوم الإنسانية في الأصل حوارية، ففن التأويل، كمبدأ منهجي مشترك بينه وبين العلوم الإنسانية، وكمذهب لفن الفهم، والتفسير والممارسة، خدمت بالدرجة الأولى تعليم وحفظ معنى النصوص الكنسية. كما أنها سهلت أيضاً، أثناء التعليم بين التقليد والممارسة، وبصفتها فناً لتأويل عقائدي، الحوار بين النص والمفسر، وبين الماضي والحاضر.

قام فن التأويل الحديث، الذي لم ينشأ بمحض الصدفة أثناء الحرب الأهلية الطائفية، بإنجاز خطوة من النص إلى الخطاب، مع شلايرماخر Schleiermacher، عندما عارض المبدأ التاريخي الفيلولوجي للتفسيرات المتعددة للمطلب اللاهوتي4، وحررت نفسها، على هذا النحو، كفن تأويل حواري، وفي نفس الوقت كفن كوني، من افتراضات الإنجيل وقانون تأويله.

تتميز العلوم الإنسانية بعد هذا، بأنها حوارية، ما دامت تضم الفهم الذاتي للنصوص المفسرة. هذا الفهم الذاتي يصبح قابلاً للإدراك حين يصبح في مواجهة الأجنبي فقط ، بصفته تفاهماً مع الآخر. كما هو الشأن بالنسبة إلى فهم خطاب المشاركين في الحوار، وكذلك الشأن بالنسبة إلى فهم التقليد والثقافة5.

لم تعد الثقافة الذاتية – على الخصوص الثقافة المرتكزة على أوروبا اليوم – تعمل على حماية هويتها، بل أصبحت في الحقيقة، في حوارها مع الثقافات، موضوعاً للتفكير العلمي:
“لا تتجلى الأهمية المركزية للعلوم الإنسانية بالنسبة للحداثة في تعويضها لها، بل تكمن فيما تنجزه من ثقافة حداثية تعني علميا ثقافة تأملية”6.

يتوجب فيما يلي شرح أطروحة التعريف الجديد الذي أعطي حالياً للعلوم الإنسانية كعلوم للثقافة، وهو شرح ينطلق من تجديد نموذجيتها، وتكامليتها، وحواريتها، وعبورها للحدود:

النموذجيـة التكامليـة للعلـوم الإنسـانية:
“يزيد الركام المستمر من المعرفة، من الاتجاهات التي نتبعها، ومن القواعد التي نحن ملزمون بتطبيقها، من صعوبات كل العلوم والفنون، لكن من ناحية أخرى، وفي الوقت نفسه، نشأت قدرات جديدة، تسمح بتجاوز مثل هذه الصعوبات مرة أخرى (…). فعلى سبيل المثال، فإن الرياضيات والفيزياء هي علوم أثقل كاهلها، أكثر فأكثر، تخصص التلقين، لدرجة أن المرء يتساءل فيما بينه وبين نفسه عما إذا كان يريد أن يفقد في النهاية شجاعته. لكن المناهج تتكاثر مع مضي الزمن نفسه.إن الفكر الذي يزود معرفتنا عن الأشياء، ويضيف إليها آراء جديدة، هو نفسه الفكر الذي يكمل أيضاً كيفية الفهم الأفضل لكمها المتنامي، بواسطة إجراءات مختصرة.

يحبذ فكر البحث العلمي الحديث لسببين اثنين: توسيع دائم وباستمرار لدائرة المعرفة. وفي نفس الوقت تحقيق وسائل جديدة والتغلب مرة أخرى على الغموض الذي يهددها. (فونتنيله 1688 Fontenelle)7.

لم يكن التساؤل عما إذا كان العلم معقداً، ملحاً في عصرنا الحالي فحسب، فقد أدرك الفيلسوف والشاعر فونتنيله (Fontenelle)، أحد رواد عصر الأنوار، بفطنة، الأسباب الباعثة للمشكل، وكان قد تطرق إلى هذه الإشكالية قبل ثلاثة قرون. فقد بقيت إجابته حية في الذاكرة، لأنها تدرك بطريقة ما عملية المعرفة العلمية، والتي لم يلتفت إليها في تاريخ العلم – إلى الآن- إلا نادراً: لقد أنتج تقدم المعرفة المتحررة، دائما مرة أخرى، أثناء التراكم العظيم للمعرفة، مناهج تبسيطها، إنجازها، وإعادة تقييم المعرفة القديمة على ضوء التساؤلات الجديدة.
إن العملية التعليمية في العصر الحديث، لا تتحكم فيها، في حقيقة الأمر، فكرة نهائية وموحدة، لكن هذه العملية تتميز بالقوة الشاملة للاقتصاد الباطني للتمايز وإعادة الاندماج، والتي أقنعت أفق الانتظار «على النظر إلى العلم باعتباره شيئاً لم يوجد بعد، ولا يمكن البحث عنه أبدا». فالبراءة الكوسمومركزية تتجاهل كون الوحدة المركزية البشرية وراء الطبيعة8 في عالم ما بعد كوبرنيكوس، هي الثمن الذي يجب عليها دفعه، من أجل تحرير العلوم في عصر الحداثة.
إن عدم التمكن من الوصول إلى مقاربة كاملة، إضافة إلى عدم وجود الثقة في الوحدة العقلانية العلمية أو النموذج المنطقي للعلم الموحد (Einheitswissenschaft)، لم يسمح لها بإعادة استرجاعها، بعد التوليفات الأخيرة للفلسفة المثالية والفلسفة المادية9.

ومع ذلك فقد أدركت الفلسفة بجامعة هامبولدت الوظيفة التكاملية للعلم المركزي الأول (Schlüsselwissenschaft)، وفي نفس الوقت، حاولت أن تضمن بشكل موسوعي ومعياري وحدة كل التخصصات ومجالات التاريخ ووحدة كل المجالات الطبيعية. فليس من واجب الفلسفة ” نقل وتلقين كل الأبحاث العلمية التي تم إنجازها هناك، بشكل تمهيدي فقط10، حيث يدخل في ذلك أيضاً تحديد وضبط المستوى النظري للقدرة العلمية.

تجسد الفلسفة «الجامعة الحقيقة»، فيما ينبغي لعلوم القانون، والطب، وعلم اللاهوت، أن تصبح “المدارس الخاصة” للممارسة العملية الضرورية11، وهذا ما يبرر أولوية الفلسفة على الكليات الثلاث، لأن «المصطلح العام لفنها يسبق ممارسة هذا الفن»، فالمفهوم القانوني «الذي يتوجب الوصول إليه مسبقاً، عبر التفلسف»12، مثلاً، كما بين ذلك شلايرماخر في مذكرته، هو أن تمنح درجة الدكتوراه في تخصص الفلسفة أو بارتباط مع الفلسفة فقط13. وقد تنازلت الفلسفة عن هذه المكانة الريادية، خطوة خطوة، حتى وصلت إلى شكلها الحالي، كواحدة من بين العلوم المتخصصة. ويبدو أن الوظيفة التكاملية للعلوم المركزية قد طالبت بمفاتيحها الخاصة منذ القرن التاسع عشر، ابتدأت بالتاريخ، وتلاها علم النفس، ثم علم الاجتماع، وأخيراً طالبت بعلم اللغة. ولم يتقرر بعد ما إذا كانت بعض التخصصات قد طالبت اليوم مرة أخرى بهذا الدور.
لقد ظهر تفوق النزعة التاريخية جليا حوالي سنة 1850، من خلال تكون تخصصات كثيرة، كتاريخ القانون، وتاريخ الفن، وتاريخ اللاهوت، وتاريخ الفلسفة. وانضم علم النفس إليها بعدما انفصلت كلية “العلوم الطبيعية” عن كلية الفلسفة في الستينيات، «كعلوم طبيعية روحية»، وتدخلت بهذا الشكل في الميدان كعلوم أساسية (Basiswissenschaft) بين الروح والطبيعة، قبل أن تتجه إلى العلوم السلوكية (Verhaltenswissenschaft) البحتة14.

يقود علم الاجتماع، في التقليد الفرنسي، الذي يعتبر نفسه كأحد العلوم الطبيعية للحياة الاجتماعية، منافذ فلسفية، وتاريخية، واقتصادية وقانونية، في نفس الوقت.

حاول كارل. هـ. بيكر Carl H.Becker، وزير الثقافة البروسي، ما بين 1925 و1930، في إطار الوظيفة التكاملية، خلق كراسي لتدريس علم الاجتماع بالجامعة، من أجل إثارة الفكر التركيبي لدى الطلبة15. مع النقلة النوعية في الستينيات، ومع تخلي البنيوية عن المنهجية التاريخية – اللغوية، تحولت اللسانيات المتزامنة، التي أنشأها دوسوسير، نحو العلم المركزي للتخصصات المشتركة والمختلفة.
ويتميز مذهب التلفيق وحده، المنتشر حاليا، بنقص في المطالبة بالحق في المعلوميات – العلوم الأساسية للمستقبل – وطالب التخصصات المنطوية على نفسها، حتى الآن، مثل التحليل النفسي، وسيميائيات الثقافة، ونظرية التواصل، بأن تخلق الجسور بين المناهج الشكلية الوصفية، والمناهج التحليلية التفسيرية.

عندما ننظر إلى تاريخ المناهج بالمفهوم الضيق، يظهر لنا توسع العلوم الإنسانية منذ عصر الأنوار بشكل متواصل. والذي يمكن وصفه بشكل أفضل في الواقع مع ظهور اقتصاد فونتنيله للمعرفة المتقدمة – ومع رقاص الساعة بين التمايز وإعادة الإدماج- فإن نظرية الثورة العلمية المقارنة الحديثة لتوماس.س. كون Thomas S.Kuhn(1967) – والتي أصبحت اليوم الأكثر نجاحاً- توضح عملية المعرفة العلمية، بسبب النقلة النوعية المتقطعة، والتي تعتبر من جانب واحد موجهة نحو العلوم الطبيعية، بهدف مقارنة كيفية محاولة إدخال الجديد في العلوم الإنسانية بشكل دائم أيضاً، وكيفية استعادة القديم. ونعني بالنقلة النوعية هنا المنهجية السائدة حتى الآن، مع نتائجها المقدمة، والتي ليس من السهل التحقق بشكل جذري منها، كما أنها ترحل المعرفة العتيقة إلى المتحف.

يستطيع الإبدال الجديد استخدام الإبدال المستعمل قديماً، بمختلف نتائجه، وبطريقة مختلفة، كما يستطيع تنظيم وصنع المعرفة التحليلية المنتجة من جديد، مع سلطة التوليفات المبسطة، وجعلها خاضعة للاهتمام الحالي بواسطة الأسئلة التي لم يتم طرحها حتى الآن. ويلائم هذا الأمر مقدما ثلاثة فروع معرفية رفعت القيمة الجديدة لعصر الأنوار كموضوع للبحث العلمي، وخلقت التخصصات الحديثة لفلسفة التاريخ، والأنثربولوجيا التاريخية وعلم الجمال16.

اعتبر التاريخ الذي يمثل تراكماً للمعرفة عن الماضي، ومرجعاً للأمثلة، منذ العصور القديمة، تاريخاً عاجزاً علمياً. فمنذ أن أدمج ?ولتير كثيراً من التاريخ الفعلي، وتاريخ الحكام، وتاريخ الدول، وتاريخ الحروب، في فلسفة التاريخ، توسع مفهوم التاريخ، وعلل ذلك بقوله: أن التاريخ ليس هو العمل السياسي فقط، بل هو أيضاً فتح الأعين على تحول العادات وعلى مكتسبات الفنون، إلى جانب العمل السياسي، وأن ذلك هو ما يجعلنا نقيس عظمة أو بؤس تاريخ البشرية، ونعطي لتراكم الأعمال معنى؛ تراكم لا يشغل الذاكرة فقط، ولكنه تراكم أيضاً يشمل التفكير والذوق17، ثم نتجاوز في الوقت نفسه موجة تاريخ الطبيعة القديم إلى التاريخ الحديث للطبيعة.

خرجت الأنثربولوجيا التاريخية من بين ظهراني الأنثربولوجيا المقارنة، وهي تبحث، من خلال التقارير عن العادات الهمجية للعالم الجديد وعن عادات النقل من العصور المبكرة اليونانية والإسرائيلية، عن إعادة بناء ما قبل تاريخ الإنسانية – تاريخ الطبيعة الإنسانية الذي تخلى عن الشريعة الإنسانية للتكامل اليوناني بالتساوي، كما تخلى عن طابع فضائل شعب إسرائيل المختار.

إن تجميع التواريخ في تاريخ واحد يتبعه تجميع الفنون في فن واحد؛ فن توضيحي مستقل، تزعم ريادته باومكارتن Baumgarten، الذي فسر الجمالية كعلم للمعرفة المعنوية، وواصله فنكلمان Winckelmann في كتابه (تاريخ فن العصور القديمة) الذي عرض نموذجاً للتاريخ الذي يستدعي روح الفن ومفهوم «الجميل» في توسيعه لمفهوم التاريخ.

وقد شرح هذا الإبدال، بشكل تام، الوظيفة التكاملية للعلوم الإنسانية في أوج عصر الأنوار. وإذا أراد المرء مشاهدة ساعة ميلاد العلوم الإنسانية الحديثة، مسبقاً، عند إنشاء التخصصات الثلاثة، فإنه سيجد التاريخ والطبيعة الإنسانية موحدة في نموذج واحد: العالم التاريخي في انفصاله عن عالم الطبيعة (كما عن عالم الروح)، أثناء الإبدال الكبير القادم، وأثناء إبدال المثالية الألمانية، التي ترجع إليها عادة نظرية العلوم الإنسانية الحديثة.

شكلت التخصصات الثلاثة الحديثة: التاريخ، الأنثربولوجيا، وعلم الجمال، من قبل، في كتاب فيكو Vicos المبكر «العلم الجديد» «Scienza Nuova» رابطة مؤسساتية. وعلى الرغم من أنها بقيت غير معروفة تقريباً، في القرن الثامن عشر، لكنها توقعت الأساس الحداثي للعلوم الإنسانية. لأننا هنا نأخذ بعين الاعتبار أولاً العملية التاريخية في مجملها كعمل للروح الإنسانية، من أجل تعليل نظرية «أن الإنسان قد أنتج في عالم الثقافة في الوقت نفسه طبيعته الخاصة»18.

لم يتم تأسيس القانون الصحيح للعلوم الإنسانية مرة أخرى، بشكل شامل و صارم، كما لم يتم تأسيس هدفها الذي يشمل تاريخ وطبيعة الإنسان. وللتذكير، فإنه يظهر، عرضاً، عندما يكون هناك ما يبرر الأمل، بأن تجزئة وعزلة البحث في العلوم الإنسانية تكون أكثر فائدة بواسطة أنسنة المعرفة. ويجب علينا الانطلاق من الإبدال التاريخي الفيلولوجي، لطرح التساؤلات عن المناهج التي طورتها العلوم الإنسانية كتخصصات علمية، منذ إنشائها. كم أن المنفذ التاريخي لشواهد الماضي الذي تفتحه اللغة والكتابة، تشترك فيه كل علوم النص، حيث يمكن تجاوز الفاصل الزمني نحو مرحلة لغوية أكثر تقدماً، بواسطة التحليل النحوي. وتبقى المنهجية التاريخية الفيلولوجية أداة فهم غير قابلة للاستبدال، حتى لو كانت لاحقا إبدالات أخرى وصفية (كالشكلانية والبنيوية أو نقد اللغة) قد فضلت منفذاً نسقياً.

لقد تأسست العلوم الإنسانية كتخصص في ظل النزعة التاريخانية – على عكس التفكير المعياري للتعليم الإنساني كما العقلانية التصنيفية للموسوعة الفرنسية وللنظام التأملي للمثالية الألمانية. ونزعت الثورة العلمية للنزعة التاريخانية الطابع الديني عن النصوص الكنسية كافة وأخضعتها لفن التأويل (للهرمينوطيقا) الكوني، فكانت بالتالي نتيجة النظر إلى جميع العصور التاريخية بشكل متكافئ («حالا بصورة مباشرة مع الله»، كما جاء في قولة رانكه Ranke الشهيرة.).

أصبحت الثقافة التاريخية للإغريق والرومان موضوعاً للدراسات الكلاسيكية التي نعتت نفسها كذلك، بعدما كانت سلطة العصور الكلاسيكية القديمة ومؤلفاتها، هي النموذج الخالد للتكوين الإنساني. ولا نكاد نعثر في العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية على حالة ممكنة لإعادة تجديد النموذج المنتهي تاريخياً. لقد كان النموذج المعياري للكلاسيكية هكذا في مبحث التقاليد ومبحث العبارات المسكوكة، والتي آوت إليها الفيلولوجية أثناء فترة حكم هتلر ودكتاتوريته على شعبه.

وقد أعاد إحياءه إرنست روبيرت كورتيوس Ernest Robert Curtius في كتابه (الأدب الأوروبي في العصر الوسيط اللاتيني) (1948)، بهدف إظهار سرمدية جوهر الثقافة الكلاسيكية، ومن أجل دفع ثمن التراجع عن النموذج الأصلي، بشكل وهمي. ولم تفسر كذلك نظرية اللغة العقلانية لعصر الأنوار، أو مشروعها لنحو عام، علم اللغة كتخصص علمي، بل فسرت السؤال التاريخي عن مصدر العائلات اللغوية وعن الاختلافات في البناء اللغوي والتطور التاريخي للغات العامية.

وقد وافق الاهتمام بالسؤال الجديد، الانبهار بالمجهول، وبما هو أصلي، والذي حاولت به الرومانسية التخلص من الزيادة بالمعرفة المنظمة. فهو يجمد التفسير النسقي لعلم اللغة، الذي اضطر لانتظار نظرية اللغة المتزامنة لدى سوسير De Saussures (1907)19. وتسم علاقة التوتر البارزة هنا بين المدخل التاريخي والنسقي نموذجية العلوم الإنسانية ككل، وكذلك الحال بالنسبة للفيلولوجية أيضاً.

تتبع الفيلولوجيات الجديدة نموذج الدراسات الكلاسيكية، إلى درجة أنها تركز اهتمامها على الأدب القديم فقط، واستبعاد الأدب المعاصر من القواعد العلمية. وقد حاولت الفيلولوجيا القديمة أثناء ذلك وضع المنهجية الفيلولوجية التاريخية تماماً في إطار علم الثقافة – ملتقطة مرة ثانية التقليد الموسوعي لعصر الأنوار – الذي أراد أوكوست بوك August Boeckh منذ زمن تأسيسها في سيميائيات ما قبل الأدب «avant la lettre» أو في «فن توضيح جميع أنواع العلامات»20.

رأى مؤسسو الفيلولوجية القديمة في الأساس النظري العلمي في التصنيف الوظيفي لفن التأويل (للهرمينوطيقا) أداةً للتوجه نحو النحو والنقد، ونحو النظام الذي يلقن فيه التفسير المنعكس هرمينوطيقيا بين تحليل اللغة ونقد النص. ويستحق هذا المنهج النسقي لموسوعات الفيلولوجية القديمة، أن يصبح ممتداً إلى التأملات الراهنة لإصلاح الدراسات الفيلولوجية. وهل يرقى هو أيضاً إلى درجة طرح التساؤل عن كيفية ضم الفيلولوجيات الجديدة «لتواريخ صدمتها القومية»21، حتى فقدت بشكل تام، أثناء تقديمها للآداب الوطنية الواسعة، ضم التأمل الهيرمينوطيقي، نظرية ونقد فعلها الهرمينوطيقي.

لقد أضاع الفهم التاريخي في القرن التاسع عشر قوته التكاملية، بقدر ما تداعت الفكرة الكونية لفلسفة التاريخ في تنوع تاريخانيات الهويات، كما المدرسة التاريخية، التي جعلت من مثالية الإتقان للنزعة الوضعية ضحية، على عكس تلك التي تأسست في تضارب مع فلسفة تاريخ سيئة السمعة. ولم يكن نموذج الوضعية، على النحو الساذج للعلوم الطبيعية التجريبية، منهجية مستقلة للعلوم الإنسانية، بل شكل تراجعاً للنزعة التاريخانية عن السببية الناجعة للعلم العام (Normalwissenschaft).

حددت النزعة الوضعية الحكم السلبي على السذاجة المنهجية للعلوم الإنسانية، إلى اليوم، بإيمانها بالحقائق وبنظرية العماء – المزدهرة بسبب بحث المصادر والتأثيرات القابلة للتحقق منها فعلياً – والتي تجاهلت طابع الفن، كما الوظيفة الاجتماعية للمؤلفات وتأثيرها، وقطعت الخيط الرابط بين الثقافة الماضية والثقافة الراهنة (العاجزة علمياً).
لقد مهد التراجع عن النزعة الوضعية، الذي عمل على إنجازه في الفلسفة كل من هوسرل، بيركسون وكروس، لنفسه، وبشكل غير ملحوظ تقريباً، في علم اللغة مع تأسيس دوسوسير لعلم لغة متزامن، والذي جاء مع أولوية نموذجية النحو التاريخي (المستغل لمدة طويلة). وأصبحت في نفس الوقت نموذجيات المنفذ الجمالي بنيوياً، ذات التوليف الأسلوبي، تسائل تاريخ الفن والأدب المتداول.

ويدخل في هذا الإطار علم الأسلوب (الأسلوبية) الذي أنشأه كارل فوسلر Karl Vossler، وليو سبيتسرLeo Spitzer، ونظرية الفن الصافي، التي أسسها كونراد فيدلر Konrad Fiedler، ونظرية الفن كممارسة، التي طورتها المدرسة الشكلانية الروسية.
وقد سجلت المنهجية الشكلية الجمالية، أخيراً وإلى الآن، علوم الفن ذات التوجه التاريخي، تحدياً للطلائعيين الجماليين، ولم تسترجع علم الجمال وحده من عزلته كميدان للفلسفة في ممارسة التفسير، بل دفعت بهذا النحو إلى إحالة التاريخ الوطني التقليدي (وأيضا المهدد بالانقراض إيديولوجيا)، على علوم الفن المؤسسة نسقياً.

وعمليات الإنجاز البطيئة ليست بغريبة عن العلوم الإنسانية، أو عن تاريخ الثقافة، كذلك، الذي برمجه كارل لامبريشت Karl Lamprecht، في الوقت نفسه، مع سحب أسبقية التاريخ السياسي وتاريخ الوقائع الذي بدأت به «أزمة النزعة التاريخانية»، التي ما لبثت أن حصلت – الآن فقط – على الاعتراف الأكاديمي، عندما استند التاريخ الاجتماعي وتاريخ العقليات المنتظمان، على هذا «الرائد». وينطبق هذا الأمر أيضاً على نظرية اللغة المتزامنة لدى سوسير De Saussures، والتي قد تم حظر تعليمها منذ العشرينيات، ولم يحن وقتها إلا بعد 1945 فقط.

لقد كان ما يسمى بالمنعطف اللساني «Linguistik turn»، يمتد إلى ما وراء حدود التخصصات اللسانية، وبخاصة، التخصصات الأنتروبولوجية. ولم يتم تحطيم أولية علم اللغة التاريخي بالمنعطف اللساني فقط، بل تم أيضاً تبني إبدال العلوم الإنسانية. إن نموذج دوسوسير De Saussures كان جوهر الإبدال البنيوي، الذي ساد في حقل البحث العلمي؛ من الأنتروبولوجيا، ومروراً بالتاريخ حتى علوم النص، في الستينيات.

يتميز المسار البنيوي بأولوية المتزامن على المتعاقب، والنسق على الحدث، وشبكة العلاقات على الموضوع، ونظام اللغة (Langue) على الكلام (الخطاب المنعزل) (Parole). وقد صنف مبدأ المنهجية البنيوية: «لا يوجد علم من المنفرد» (de singularibus non est scientia)، عمليات الوصف بشكل صارم، وأثراه تجريبياً – في البحث عن مطابقة، التميز وعمليات التفكير.

يتضح لنا أن تحرير المعرفة من فائض العلم التاريخي، بعدما وجد منفذاً في علم التاريخ واندمج فيه مباشرة وبتكافل جديد للبناء والحدث، لتاريخ المجتمع وتاريخ المصطلح22، هي المعرفة التي توقعها من قبل كل من ياكبسون Jakobson وتنيانوفنوفTynjanov سنة 1928، «بأن كل نظام يظهر بالضرورة كتطور، ومن جهة أخرى، التطور يحمل بشكل إجباري خصائص النظام (النسق)»23.

أعقب التحول السيميائي لسنة 1969 التحول اللساني، وجعل دوسوسير De Saussures الإبدال السيميائي كعلم عام لأنظمة العلامات، وقد تجاوز هذا الإبدال السيميائي مستوى المظهر اللغوي، وربط بين النص كعالم متلازم لغوياً وبين عالم كنص قابل للقراءة، وتدفق تحول العلوم الإنسانية التاريخية في العلوم الثقافية النسقية24. وهكذا نجحت العملية السيميائية أكثر من العلوم الإنسانية: من ذلك أن تسريع وتيرة «نظام العلامات غير الكلامية». يسهل إدراك مشاكل علم أصول الحيوانات النفسي و البيولوجي والفحص الطبي بشكل منهجي. هذا النظام يشكل يقظة رياضية ومعرفية في بناء الجملة للغة العلامات، ويؤسس العلاقة بين الشفرة والمعلومات في تقنية الخبر. كما أثبت المنفذ السيميائي جدارته كذلك على حقل هام، وهو حقل وسائل الإعلام الجديدة، وأحدث حتى الساعة خلخلة في التخصصات الفيلولوجية. وقد قارنت هذه مصطلح الخبر المستوعب فيزيائيا (العلاقة الأحادية الجانب بين المرسل والمتلقي، الإشارة والتوجيه) بمصطلح التواصل المتداخل الذوات، وأظهرت بهذا عتبة «عالم العلامة» (العلاقات المتبادلة للإنتاج والتلقي، وتوزيع وتحليل العلامة)25، والتي أبرزت منذ ذلك الحين الفرق الجوهري Grundunterscheidung لعلم التواصل الذي شكل نفسه بنفسه.

يتوجب على الإبدال السيميائي الذي يتبنى اليوم فن التأويل أكثر فأكثر، والذي كا ن يرفضه أصلاً، أن يكون قادراً على فهم النقد العنيف، مرة أخرى، «للعلوم الإنسانية الإيجابية والمحافظة» وإخضاعه لقواعده. وقد طور هذه العلوم الإنسانية النقد الإيديولوجي المادي للتحليل النفسي المتوسع باستمرار، وكذا ما يسمى، منذ عهد قريب، «بالتفكيكية». وقد عارضت هذه التيارات كلها التي نالت مؤقتاً سمعة العلوم المنقذة Heilsbringerwissenschaften، المقدمة التقليدية لفهم المعنى التاريخي والبيوغرافي والجمالي؛ من حيث تمايز هوية التلازم بين المعنى والعلامة، ومعنى النص ومرجعية النص. إنها تطرح أسئلة حول شفافية المؤسسة وتواصل المعنى نفسه: من نقد الإيديولوجية عبر تقليص جميع التظاهرات الفكرية، على أساس الثقافة المادية لفائدة السلطة المنافقة التي تبحث عن إماطة اللثام عن التحليل النفسي خلال العمليات الأولية للاوعي ضد العرض الذاتي للحياة الواعية. وكذا التفكيكية عبر نقد رادكالي لصدارة العقل ذي التوجه الذاتي (مركز الذات Logozentrum)، التي تحاول الكشف بلا كلل عن سراب العلامات وعملياتها. وما دامت هذه التيارات تعرف السيميائيات على أنها نظرية عامة للتواصل عبر العلامات، وانعكاسية تأويليا، فيمكن لها أن تستبعد تماماً الهيكل المزدوج للمعنى الواضح والكامن، حيث – كما أشعر بذلك من قبل شلايرماخر26 – انبعث كل الفهم من إمكانية سوء الفهم، دون أن يستسلم تنوير الفرق بين الهوية والعلامة، ومعها مؤسسة المعنى كبعد للتواصل الإنساني، بواسطة دمار الهوية المفترضة للعلامة والمعنى.

إذا كان الأمر يتعلق اليوم بإعادة تفعيل الوظيفة التكاملية للعلوم الإنسانية من أجل حوار التخصصات، كما يبحث هذا الاستعراض الذهني للتحول التاريخي لنموذجيتها، فإنه يمكن أن نراهن بدقة تامة على التخصصات الكلاسيكية: على الفلسفة، ما دامت تدعم مشاكل التلقين بين مجالات العلم، والفكر والفن، ضد المطالبة الموحدة للعالم، لكن ضد التقسيم الحصري، أيضاً، للعمل بين الفلسفة والعلم، ومن أجل تسهيل فهم للممارسة اليومية التواصلية27. ويمكن أن نراهن أيضاً على اللسانيات، ما دامت تخلت عن الكون اللغوي المكتفي ذاتياً وأدمجت فروعها للبحث، بعدما أصبحت مستقلة28 كما يمكن لنا أن نراهن على علم التاريخ، ما دام يوظف تقليده القائم على المركزية الأوروبية في الدفاع عن إدراك خصوصية الثقافات الأجنبية، والجمع بين المواد المتآخية (المتقاربة) المشتركة والأسئلة الإنثربولوجية المشتركة29 أثناء إعادة بناء حقيقة الحياة التاريخية. ويمكن لنا أن نراهن أيضاً على علم الأدب، ما دام يستند، مرة أخرى، على إرث هامبولت المنسي، وبالتالي الفيلولوجيا، كذلك، التي لا تحقق وظيفتها الجديدة فقط، إلا عندما لا تفهم كعمل يدوي وحيد لتفسير النصوص المكتفية ذاتياً، بل تفهم «كوسيلة فنية عامة للفهم كله»30، وكملقنة لتكوين جمالي في نفس الوقت31.

الهوامـــــــــش:

الهوامـش الأصليـة: (Endnotes)

1 Schleiermacher (1808),wie Anm.9, S.125.
2L.Geldsetzer , “Die Geisteswissenschaften. Begriff und Entwicklung “, in :H.Rombach(Hg.): Wissenschaftstheorie1, Freiburg 1974, S.144.

3 G.Brand: “ Rolle und Funktion der Philosophie”, in :H.Lübbe(Hrsg.)Wozu Philosophie ?, Berlin/New York, 1978, S.31.

4 O.Marquard : “Frage nach der Frage,auf die Hermeneutik eine Antwort ist “,in :PH IX, S.581-589.
5 G.Buck :Hermeneutik und Bildung, München, 198.
6E.Tugendhat : “Die Geisteswissenschaften als Aufklärungswissenschaften “,in : Philos. Aufsätze. Frft.1992, S.455.
7 Digression sur les Anciens et les Modernes,in :W.Krauss/Fontenelle und die Aufklärung, München 1969, S.155.
8 W.von Humboldt : “Über die innere und äuβere Organisation der höheren wissenschaftlichen Anstalten in Berlin, in  Gesammelte Schriften X , Berlin, 1903, S256.
9 J.Habermas : “Die Idee der Universität-Lernprozesse “, in, Eine Art Schadensabwicklung-Kleine politische Schriften,Frankfurt, 1987, S.88
10 F.Schleiermacher (1808), in :W. Weischedel(Hg.) :Idee und Wirklichkeit zur Geschichte der Fr.W.Universität zu Berlin,Berlin, 1960, S.125.
11 Schleiermacher (1808),wie Anm.9, S.125.

12 Fichte(1807),wie Anm.9,S.50/60.
13 Schleiermacher (1808),wie Anm.9, S.125.
14 H.Schnädelbach :Philosophie in Deutschland 1831-1933, Frankfurt 1983,S.96f.
15 W.Lepenies :Die drei Kulturen,M?nschen/Wien 1985, S.301.
16 O. Marquard :Abschied vom Prinzipiellen,Stuttgart1981,S.39ff.
17 Verf.  Literaturgeschichte als Provokation, Frankfurt, 1970, S.212.
18 F. Fellmann, Das Vico-Axiom :Der Mensch macht die Geschichte ; Freiburg/München 1976, S.15
19 W. J. Ong , ”Crisis and Understanding in the Humanities”, in, Journal of the American Academy of Arts and Sciences 98(1969), S.630.
20 K. Stierle, “Altertumswissenschaftliche Hermeneutik und die Entstehung der Neuphilologie ».
21 H. U.Gumbrecht, in, Haubrichts /Sander (Hrsg.) :Wissenschaftsgeschichte der Philologien, Göttingen 1984, S.72.
22 R. Koselleck : Einleitung zu Geschichtliche Grundbegriffe, Stuttgart, 1972.
23 Verf. (wie Anm.16), S. 170.
24 K. Stierle, (wie Anm.19), S. 218.
25 U. Eco :La structure absente, Milano, 1968.
26 Hermeneutik, hg. H. Kimmerle, Heidelberg, 1959.
27 J. Habermas : “Die Philosophie als Plazhalter und Interpret “, in D. Hegek(Hrsg.) : Kant oder Hegel ? Über Formen der Begründung in der Philosophie, Stuttgart, 1983.
28 H. Heinrich :”Für eine Grammatik mit Augen und Ohren,Händen und Füben… “, in :Rheinisch-Westfälische Akad.d.Wsch., Vorträge Geisteswissenschaften, Opladen, 1976.
29 Chr. Meier : “Jenseits von Europa.Geisteswissenschaft heute muss den Dialog mit den anderen Kulturen wagen “, in :Die Zeit, 24 März, 1989, S. 54
30 Fichte (1807), wie Anm.9, S. 58.
31K. Stierle (wie Anm.19).
Wie Anm.9,S.108

 

الهوامــش العامـة:
Humaniora: إشارة إلى دراسة العصر الإغريقي والروماني، لغاته وآدابه، باعتباره منبعاً للتكوين وأساساً لتخصصات التعليم. وتعني الدراسات الإنسانية أو العلوم الإنسانية، أي مجموعة من التخصصات العلمية التي تدرس الإنسان وما يتعلق بنشاطاته (الإنسيات). وتشير الكلمة اليوم إلى المدارس الثانوية المختصة في تدريس اللغات القديمة.

Trivium: تشير الكلمة اللاتينية تريفيوم إلى مكونات المسار التعليمي بجامعات العصر الوسيط، وهي النحو(مع الأدب)، البلاغة (مع المنطق) والجدل (مع الحقوق والأخلاقيات)، وهي التخصصات الثلاثة من بين الفنون السبعة الحرة. والتريفيوم يطلق اليوم على مجلة ألمانية فرنسية الكترونية تهتم بمواضيع العلوم الإنسانية وعلوم الاجتماع.

الموقع الالكتروني للمجلة:
http://trivium.revues.org

في سنة 1810 أطلق الفيلسوف الألماني ألكسندر فون هامبولت فكرة جامعة جديدة مبنية على استقلال البحث العلمي ودمجه مع الدراسة العادية بالجامعات والمدارس العليا المختلفة.. وهو ما اعتبر ثورة علمية آنذاك. وعرفت جامعة هامبولد ببرلين شهرة عالمية بسبب تطبيق أفكار هامبولد القاضية بتحرير الدراسة والبحث العلمي من قيود الرقابة السياسية ودمج البحث العلمي بالدرس.

العلـوم الرائدة، العلم الرائد، يفهم من هذا المصطلح العلم القائم بذاته والمقبول من الدوائر القيادية والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، كعلم حقيقي. والعلوم الرائدة لها أهمية قصوى في شكل تنظيم المعرفة وبناء الجامعات. واعتبر علم اللاهوت علماً رائداً في العصر الوسيط، وفي القرن التاسع عشر فقد وضعيته لصالح الفلسفة التي احتضنت العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. وفي القرن العشرين شكلت علوم مختلفة علوماً رائدة مثل البنيوية، وعلم الاجتماع، والفيزياء، والاقتصاد، والبيولوجيا.

Einheitswissenschaft: العلم الموحد، ظهر المصطلح مع نظرية العلم الوضعية، التي توحد كل عناصر العلوم في لغة مشتركة تجريبية، وتعتمد التحليل المنطقي للمعرفة العلمية أو المعرفة العلمية الموحدة، حيث ظهرت مدرسة فيينا، التي احتضنت روادها من النمسا وألمانيا، وأبرزهم رودولف كارنب وأوتو نويرات. وقد ظهرت سلسلة من الكتب منذ 1933 عن الوضعية الجديدة، وتعنى بالتحليل المنطقي للمعرفة وتشجع النظرة الموحدة للعلم. وقد كتب نويرات كتاباً أسماه «العلم الموحد وعلم النفس» سنة 1933. وكتبعية للمشروع ظهرت بالمجال الأنجلوساكسوني موسوعة العلم الموحد. وقد ظل العلم الموحد أحد النقاشات الدائرة عن وجود علم إنساني واحد تشكل العلوم المختلفة الأخرى مجرد جوانب له. فقد نظر رواد مدرسة فيينا إلى وجود علم إنساني موحد رغم وجود العلوم الإنسانية المختلفة، لكنها موحدة في موضوعها الإنسان، فالعلم الإنساني بفروعه المختلفة يمثل جزءاً من النسق الذي تجتمع فيه العلوم المختلفة، أي جزءاً من النسق الذي يسمى «العلم الموحد».

Schlüsselwissenschaft: علم المفاتيح أو العلم المركزي، هو العلم الذي يعتبر وسيلة لمعرفة معنى الحياة، مثل علم السوسيولوجيا والعلوم الإنسانية. وهو أيضا العلم الذي يشكل أهمية كبرى لكل عالم في تخصصه. أيضا، العلم المركزي، Zentralwissenschaft

Basiswissenschaft: العلم الأساسي، هو كل علم يشكل قواعد أساسية وعلمية ويوفر الشروط العلمية أو الفلسفية لتخصص أو فرع علمي أو دراسي معين، أيضا هو (Grundlagen-Fundamentalwissenschaft) :Normalwissenschaft العلم العادي، يقصد به العلم اليومي الروتيني الذي يعمل فيه العلماء في مختبراتهم ضمن براديغم واحد. وقد قدمه توماس كون كواحدة من بين مرحلتي تطور العلم الممكنة، بعدما تخلى العلم عن مرحلة ما قبل البراديغم، ونميزها عن المرحلة الثورية أو مرحلة خارج النظام. تتميز بقبول براديغم بواسطة جمعية علمية،على أساسها يتم انجاز البحث العلمي.
Grundunterscheidung:اختيار الجوهر أو اختيار الذات، في الفلسفة يعني توفر الإنسان على الحرية المعنوية في أن يتخذ موقفا من كل ما يتعلق بتوجه حياته، بوجوده كشخص وبسلوكاته. وأرجح أن يكون معناه هنا الفرق الأساسي أو الفرق الجوهري.

Heilsbringerwissenschaft:
تعني كلمة Heilsbringer المنقذ أو المخلص، والكلمة هذه قليلة التداول، ولم أجدها في القواميس المتوفرة بين يدي، كما أني لم أعثر لها على مقابل لا إلى العربية ولا إلى أي لغة أخرى، ويبدو أن الكلمة لها أصل ديني، بمعنى الشخص أو الشيء المخلص والمنقذ، مثل المسيح. وعلى هذا الأساس ترجمت الكلمة بالعلوم المنقذة، وقد تكون أيضا «العلوم المخلّصة»، حيث أرجح أن المؤلف يقصد هنا العلوم التي تزعم لنفسها تخليص البشرية من الخطيئة.

الكتاب الأصلي:
Hans Robert Jauss ,Wege des Verstehens, Fink, München, 1994.
هانس روبيرت ياوس، «مسالك الفهم»، 1994، دار النشر فينك، ميونيخ، ألمانيا

**المصدر: مجلة مبدأ للدراسات والبحوث الأدبية، العدد الأول، ربيع 2012، تصدر عن أمل للنشر والتوزيع، صفاقس، تونس.

الـمحـرر -

يمين رحايل من الجزائر عيادي نفساني ممارس، باحث في طور الدكتوراه في الأنثروبولوجيا مهتم بالمجتمعات المغاربية المعاصرة والبحث في الهوية الافتراضية والفضاءات الرقمية ومجتمع المعلومات، مؤسس المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، عضو مؤسس لمركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والانسانية ومشرفه العام.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.

التعليقات مغلقة