د. غريب منية

المركز الجامعي – الطارف/ الجزائر

المخاطر,مفهوم ينطوي على سحر مرعب لا حد له,إنه مفهوم كبر مع البشر لأته رافق وسار جنبا إلى جنب مع تطور حاجاتهم ورغباتهم, وإن الرغبات الإنسانية متعددة وغير محدودة ويمكننا أن نتصور عددا لانهائيا من الرغبات التي يمكن أن يستشعر الإنسان الميل لإشباعها وهذه بيولوجية وثقافية وتكنولوجية واقتصادية واجتماعية وسياسية… ولكن بالنظر إلى أن الموارد محدودة وصارت البشرية اليوم بحجم سكانها ومستوى الاستهلاك الذي بلغته في ظل حمى التنافس لاستغلال هذه الموارد خطرا حقيقيا على مستقبل البشرية كافة, فإن هيئات دولية عديدة تنبه إلى المخاطر التي سوف تنجر جراء هذا السلوك اللامسؤول  إزاء الطبيعة ومواردها, فتنادي بترشيد الاستهلاك القومي والعالمي.

ولأشد ما ارتبط مفهوم المخاطر في العقدين الأخيرين من القرن الماضي وازداد رنينا في أيامنا هذه في إطار التنمية المستدامة وهو يشير بالخصوص إلى ظهور الوعي وبشكل مؤلم ابتداء من الستينيات والسبعينيات بالمشاكل التالية: خطورة الصعوبات الشاملة المتعلقة بالبيئة ،والحدود البيئية لنمط التنمية الصناعية وتعميق التفاوت بين الأغنياء والفقراء, وواجب المحافظة على الطبيعة لفائدة الأجيال القادمة.ومن ثم وبسبب الانشغال الكبير بمصير الإنسانية الذي تتهدده ثورة علمية تكنيكية تبعث على الدوار, انبثق الطلب الاجتماعي لصالح المحافظة على البيئة ومعه تم تحديد مفهوم التنمية المستدامة. كما امتد مفهوم المخاطر إلى النشاط الاقتصادي للمؤسسات, حيث  ظلت تواجه المؤسسات المتعددة الجنسيات التي تنشط في بلدان العالم الثالث  نتيجة الحروب الأهلية والنزاعات فضلا عن زيادة وتيرة الانقلابات والاستبدال المفرط للسياسات الاقتصادية إلى تعرض هذه الشركات لخطر التأميم وحديثا يشير هذا المفهوم إلى خطر العوامل الاقتصادية المرتبطة بالسوق وتقلباته الشديدة خصوصا على الصعيد العالمي. وه هو يقفز إلى صلب الحياة الاجتماعية بعد أن باتت لا تخلو هي أيضا من الآفات المرعبة التي تتهدد الحياة الإنسانية مثل الجريمة المنظمة والمخدرات بمختلف أنواعها وانتشار الفقر الذي تصحبه مختلف الآفات الاجتماعية مثل التهميش والبؤس والجوع فيفتح الباب واسعا أمام الهبوط إلى الهاوية مثل استغلال الأطفال والنساء في الأعمال الشاقة والمتاجرة بالأطفال وتجنيدهم في الحروب والنزاعات المحلية أو الإقليمية وسرقة أو بيع الأعضاء فضلا عن جنوح وانحراف الأحداث, وغيرها من المعضلات التي تعرض الحياة الاجتماعية للجماعات والأفراد إلى مخاطر حقيقية , حتى باتت مجتمعاتنا توصف أيضا بمجتمع المخاطر, هنا بادر الزملاء الأكارم بجامعة جيجل بتنظيم ملتقى وطنيا تحت عنوان: مجتمع المخاطر.

ومساهمة منا في أيام هذا الملتقى وبالنظر إلى ما يعتري مجتمعات بلدان العالم الثالث من زيادة الوعي بأهمية دمقرطة الحياة الاجتماعية بشكل واسع والتي تدعو إلى مشاركة السكان في مختلف مراحل الاختيارات السياسية وعلى جميع المستويات الإقليمية. و إن هذه تتماشى وأهداف ومبادئ وفلسفة التنمية السوسيو- سياسية في أن يتحمل كل فاعل وكل جماعة اجتماعية في الوطن المشترك مسؤولياته في عملية تطوير الإنتاج وتوسيع الخيرات.

ويتوقف ميدانيا نجاح هذا المسعى وبشكل كبير على احترام حقوق الإنسان كما هو منصوص عليه في التصريح الدولي لمنظمة الأمم المتحدة لسنة 1998، الحق في العيش الكريم وحرية التعبير والمشاركة في تسيير الدولة و الحق في تغذية سليمة وكافية و الحق في التربية، و احترام الشخصية الإنسانية …الخ. بيد أن كل هذه  العناصر وغيرها لم تجد بعد طريقها إلى الاعتراف بها على الأقل في البلدان النامية  ناهيك عن تطبيقها, وهو الأمر الذي أدى ويؤدي إلى انحسار التطور والرقي الاجتماعين لهذه الشعوب, فسقطت في براثن التخلف والفوضى الاجتماعية المتنامية , حيث أدى هذا الحال منذ الاستقلال إلى إضعاف الدولة وصارت هذه صفة لصيقة بها وخاصة من خصائص دول العالم الثالث, مما عرض ويعرض الكثير من البلدان إلى حروب ونزاعات أهلية زادت معها شعوبها هشاشة ووهنا.

من هنا بالذات ارتأينا أن نتحدث عن الدولة الضعيفة بصفتها أكبر تهديدا وأكثر المخاطر التي تواجه شعوب ومجتمعات العالم الثالث كافة في سلامتها وأمنها وعيشها.

إن الدولة في جميع بلدان العالم الثالث تم استرجاعها عبر كفاح مرير خاضه الوطنيون الأحرار قدموا فيه تضحيات جسام, من هنا اتخذت الدولة طابعا خاصا, فهي قبل كل شيء تعبيرا صادقا على الإرادة الشعبية وضمان لاستقلال البلاد وحرية المواطنين, إذ لم يكن استرجاع الدولة فيه مزية لجهة أو منطقة أو طبقة أو فئة اجتماعية ما , إنما هو جهد وطني خالص لجميع أبناء الوطن البررة بمعنى أن الدولة هي مشروع وطني قبل كل شيء.لكن من المؤسف أن الأنظمة وزعاماتها فشلت فشلا ذريعا في تحقيق الأهداف التي وعدت بها شعوبها وفي تحقيق الآمال التي علقت عليها, فتعرضت شرعيتها للتآكل وحكمها إلى المزيد من التسلط, وغدت الدولة عبئا ثقيلا على شعوب العالم الثالث. هذه الشعوب التي ماانفكت تتشبث بالدولة وأن الحفاظ عليها يعد أقدس المقدسات فتتحمل في ذلك الهوان وتكابد الأهوال حفاظا على هذا المكسب النفيس وهو – الدولة, وقد خاضت بسبب ذلك حروبا أهلية طاحنة زادت من ضعفهم العام وضعف الدولة.

إن هذه المداخلة لها كمهمة تحليل أسباب وتجليات ضعف الدولة ثم تبيان النتائج الحتمية التي قد تترتب وآثارها على السلم والأمن الاجتماعيين.

لقد واجهت مجتمعات بلدان العالم الثالث سؤالا مركزيا: أهي أمة أم دولة أم مجتمعا لا غير. وكانت غاية هذه النقاش بغرض تشتيت تركيز جهودها على التنمية والنيل من وحدتها, لن نتعرض لهذا الجانب , فالمقام لا يسمح, ونكتفي بالإشارة إلى أن الدولة تعني الجماعة الخاضعة لنفس القوانين ولنفس السلطة التي تمارسها الحكومة أما الأمة فهي الجماعة الصادرة من نفس التطورات التاريخية والتي تربط بين أعضائها روابط طبيعية ومعنوية يعتزون بها أما الوطن فإن له دلالة أوسع من مجرد الرقعة الجغرافية .إذ هو يدل على الأمة عندما تنضاف إلى العلاقات الطبيعية والمعنوية بين أعضائها , علاقات عاطفية تعبر عن مدى التعلق بكيانها. من هنا فإن جميع بلدان العالم الثالث هي أمما وجماعات ودولا في ذات الوقت.

مظاهر ضعف الدولة:

أ- الدولة والتنمية: الغائب الكبير.

أولى مظاهر هذا الضعف هو أنه في غالبية بلدان العالم الثالث فإن مفهوم الدولة ما يزال ملتبسا لأسباب بنيوية, منها أن السلطات التي حكمت منذ الاستقلال  قد حولت الدولة الفتية إلى أجهزة في خدمة مصالحها, فعطلت دورها, ودور مؤسساتها, ومنعتها من أن تتطور كدولة حديثة, ديمقراطية بالمعنى البرجوازي للكلمة وبالمعنى التقدمي للتطور, بشكل عام.كما يعود إلى أنه قد تكون , بفعل هذه الممارسة لدور الدولة , من قبل السلطات المتعاقبة, نوع من الدمج, في وعي الناس, بين الدولة الناشئة ومؤسساتها الهشة, التي بنتها سلطات الاستقلال, في ظل التخلف والتبعية, وبين هذه السلطات بكل ما تتصف به من عجز وتخلف, رغم التفاوت فيما بينها في الرغبة في التغيير وفي القدرة على تحقيقه عند توفر الرغبة. وبكل ما تتصف به جميعها من استبداد, متعدد الأشكال والصيغ, وما تتصف به جميعها من رغبة ذاتية في التوحيد القسري للمجتمع, تحت قيادتها, ولمصلحة استمرارها في موقعها.

أما على صعيد التنمية فقد انتهت عقود التنمية الشاملة في غالبية بلدان العالم الثالث خلال النصف الأخير من القرن الماضي إلى وضع كارثي أدى إلى بعثرة كل المجهود الاجتماعي في سوء التنمية التي تدعو للذهول مع الأسف حيث أضحت أمال وأماني شعوب كثيرة في غد أفضل أشلاء في مهب الريح: ثورة  فلاحية مشوهة وتصنيع مكلف لكنه عقيم وبؤس وفقر وبحث عن عمل بعيد المنال جدا وخدمات صحية هزيلة  وتعليم ليس له صلة بالتنمية وانتشار أحياء الصفيح ومشكلة المساواة وسوء توزيع الدخل والثروة الوطنية… في الكثير من هذه البلدان. لقد تغير السادة أما شكل الإقصاء والتهميش والفساد السياسي ونقص التنظيم الاجتماعي والموقف السلبي وعدم الاكتراث الشامل الذي اتنتهجه فئات واسعة من السكان وانتهاك الحريات الأساسية للإنسان فلم تتغير.

هناك صعوبات موضوعية لاشك, لكن السوء الأكبر آت من البنى الشديدة التفاوت والسياسات الاجتماعية المتبدلة دوما والمدمرة, مما أدى و مع تعاقب السنين إلى إضعاف الدولة حتى غدت ” الدولة الضعيفة ” إحدى أهم خصائص المجتمعات النامية وشكلت في العقد الأخير من القرن الماضي وبداية القرن الحالي أهم المخاطر التي يواجهها المجتمع في الصميم وتهدد ديمومته وكيانه, بحيث غدا واضحا أنه لم يعد تصور أي تحول في البلدان النامية مع الأسف إلا بثورة دموية تخاطر فيه فئات واسعة من المجتمع براحتها وأمنها وثرواتها وأسباب معيشتها وحياتها أيضا.

إن ضعف الدولة هو أحد مظاهر المشكلة الكلية للتخلف, و إن البلدان النامية جميعا دول ” ضعيفة ” بدرجات متفاوتة و إن أمثلة كثيرة تظل ماثلة أمام أعيننا: كمبوديا وأنقولا والباكستان ورواندا ونيجيريا واليمن والجزائر ومصر…وغيرها.

ويهمنا هنا الإشارة إلى أن النطاق الذي تفسحه الدولة أمام النشاط الخلقي الذي يقوم به الفرد إنما هو تابع في واقع الأمر إلى مدى علاقة الفرد بالدولة ونوعها.وهذه العلاقة إنما يحددها النظام السياسي أو نظام الحكم الذي تعتمده الدواة والذي تتحدد معه مصلحة الدولة ومصلحة الفرد ومدى أولوية كل منهما. ومن دون التطرق إلى جميع أنواع النظم السياسية  التي لا تحصى عددا نظرا للفروق التاريخية التي تلونت بها. ويسمح لنا هذا الانعطاف القصير للولوج للحديث عن الدولة الحامية L’état protecteur . فما طبيعة هذا الحكم أو الدولة؟

في الحقيقة وعلى هذا الصعيد لا زال السؤال الكبير القديم الجديد دائما حرجا و خطيرا , والمتعلق ب , ما هو دور الدولة في التنمية ؟ وهو سؤال يثير مشاكل متعددة الأبعاد وذلك بالنظر إلى ضيق أو اتساع وما هي مجالات هذا التدخل؟ وقد انقسمت الآراء انقساما شديدا بخصوص هذا الموضوع واختلفت من فترة زمنية إلى أخرى فما كان مرغوبا فيه في الخمسينات وفي الستينات صار من المحرمات و من أكثر المخاطر ومعوقات التنمية في التسعينات من القرن الماضي. وقد اختلف الوضع بين الدول المتقدمة والدول النامية هذا فضل عن أنه يتلون هذا التدخل تحت مسميات عديدة , النظام الحكومي, ورأسمالية الدولة وغيرها. ففي الدول النامية كان طبيعيا في بداية عقد الستينات أن الدور المطلوب من الدولة يتمثل في ممارسة تأثير كبير باتجاه بنية الاستثمار الصناعي وهو ما يتطلب وجود قطاع واسع من المؤسسات الصناعية المؤممة, فضلا عن أن الدولة مطالبة أيضا بلعب دور هام وكبير  جدا في مجالات أخرى مثل التربية والتعليم والصحة العمومية والحماية الاجتماعية وإنشاء البنية التحتية بمختلف ضروبها,لكن المؤسف حقا في الأمر هو أن تحولت  الدولة في جميع بلدان العالم الثالث إلى مهيبة , كلية الوجود , اختبوطي , نجدها في الاقتصاد  وفي السياسة وفي الثقافة والأيديولوجيا. تريد أن تبني كل شيء – إن الدولة هي في كل مكان وتهتم بكل شيء … وباعتبار هي هكذا فإنها وضعت نظاما بحيث أنها كلما تدخلت أو أنشأت أو راقبت  تكون النتيجة أن أي علاقة اجتماعية هي قبل كل شيء علاقة سياسية , أي علاقة اجتماعية حكومية, بمعنى أنها فرضت على كل المجتمع , العلاقة السياسية مما جعل كل علاقة اجتماعية يجب أن تأخذ طابعا سياسيا. وهو ما عرف بالنظام الحكومي وهو النظام الذي يتحدد من خلال الخصائص الأساسية الثلاثة الآتية :

–      من جهة تنظيم شامل للاقتصاد وللمجتمع والعلاقات الاجتماعية من طرف الدولة.

–      ومن جهة ثانية وهي تفعل ذلك تؤسس لمجتمع جديد ووضع جديد.

– وبالنتيجة فإن الدولة تنشئ النظام الحكومي الذي يؤسس منطق اقتصادي واجتماعي جديد والذي هو محصلة منطقين ظلا مختلفين خصوصا في النظام الرأسمالي : منطق السلطة ومنطق الإنتاج, و من الطبيعي ففي النظام الحكومي فإن منطق السلطة يبسط هيمنته على جميع الظواهر نشأة وتطورا وتسييرا, فهو يخلق عالمه الخاص, يستبدل من خلاله القيم الاجتماعية السائدة في العمل والسياسة والاقتصاد والثقافة والفن والأدب كيفما شاء ومتى شاء.

بتعبير آخر فإن رأسمالية الدولة في بلدان العالم الثالث كانت قد سلبت الشعب مشاركته في القرار السياسي , كما سلبته أيضا مشاركته في بناء المجتمع والحياة الاجتماعية . وهو الأمر الذي أدى مع مرور السنين الماضية إلى وهن ثم ضعف الدولة.

إن البلدان النامية جميعا بلدان ضعيفة بدرجات متفاوتة, وهذه صفة مميزة للتخلف من بين صفات أخرى, فإذا لم يكن نظام اجتماعي أقوى يفرض نفسه, فإن التنمية ستلاقي صعوبات كبيرة وستصاب على كل حال بمعوقات.

يراد بلفظ الدولة الضعيفة أن نصف مختلف صور نقص التنظيم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي الذي يتجلى في نواقص التشريع ولا سيما فيما يتعلق بمراعاة القانون وتطبيقه الجبري وفيما يتصف به موظفو الدولة من عدم الحماس في التقيد بالتوجيهات التي تصدر إليهم ومن كثرة تواطئهم مع الشخصيات المرموقة أو الفئات التي عليهم أن يراقبوا نشاطها. وتعد الرشوة التي تدخل أيضا في مفهوم ضعف الدولة وهذه الأشكال المختلفة من السلوك مرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا, والآثار الشاملة لعلاقاتها وارتباطاتها آخذة  شكل حلقة مفرغة.

إن ضعف الرقابة و اعتباطيتها داخل المجتمع الوطني يمكن أن يستغلها ويستغلها فعلا من أجل منافع شخصية , أولئك الذين يملكون شيئا من السلطة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية, في حين تملك الطبقة العليا وحدها القدرة على أن تستغل استغلالا واسعا الفرص التي يوفرها لها ضعف الدولة. يستطيع من هم في أدنى درجات السلم الاجتماعي أن يجدوا في الضعف أيضا فرصة للإفادة من منافع زهيدة….

إن مشكلة ضعف الدولة معقدة بشكل خاص غير أننا نجد دوما أن أساس هذا التعقيد هو أن السلطة بكاملها في أيدي الطبقة العليا التي تستطيع أن تجيز لنفسها اتخاذ التدابير ولكنها ليست لها في غياب الضغط الفعال من جانب مصالح أخرى إمكانية ولا حتى إرادة حازمة لتنفيذ هذه التدابير, إن لهذه الآلية السياسية نتائج وخيمة على التنمية.

ففي البلدان النامية نجد القائمين على أجهزة الرقابة لهم مصلحة في تعدد وتغلغل و تكاثر أنواع الرقابة, فهم بذلك يعرفون كيفا كان مستوى هذه الرقابة , أنهم يملكون سلطة تقديرية وأن امتلاكها مغر دوما. وهذه السلطة الواسعة في التقرير ناشئة على أن الرقابات على خطط التنمية مبهمة وأن توجيهات تطبيقها تبقى غامضة. ولأن هذا كله متروك لتقدير السلطات الإدارية,وتزدهر في هذا النطاق روابط الطبقة والعائلة والوضع الاجتماعي الاقتصادي بصورة عامة – يجب أن تكون لك علاقات- ومن ثم يصبح التواطؤ بين الإدارة ودنيا الأعمال طبيعيا, والرشوة هي نتيجة هذا التواطؤ في غالب الأحيان, فلكل من الراشي والمرتشي مصلحة كمصلحة الآخر في بقاء النظام.

يتوهم الكثيرون أن الدولة القوية هي التي تعمل من فوق مجتمعها أو في مواجهته لتدجينه وقمعه. ويغذي هذا الوهم أصحاب الأمر والنهي في بعض البلدان و بخاصة العاملون في أجهزة القمع في حاشية أصحاب السلطة. وكل ذلك من أجل أن يوهموا صاحب الأمر بأن لقوة تنبع من شخصه لا من العلاقة بينه وبين مجتمعه, وبينه وبين مؤسسات الدولة….

إن الدولة القوية هي التي تستمد شرعيتها من مجتمعها أي التي لا تحتاج إلى الأمر والنهي , ناهيك بالقمع, كي يصبح قرارها رأيا عاما, والتي يكون قرارها رأيا عاما لأنها عرفت كيف تبني العلاقة مع مجتمعها على أساس أنه يتشكل من مواطنين لا من رعايا ينتظرون الأوامر والتوجيهات لكي يعملوا ولكي يبدوا الرأي. وحين يكون الناس مواطنين فإنهم لهم إرادة وعزم , أما حين يكنون مجرد رعايا فإنهم يفتقرون إلى الإرادة ويكون عملهم دون عزم لإرضاء الغير. وفي هذه الحالة الأخيرة يفقد المجتمع القدرة على الإنتاج. ولا يستطيع المرء تخيل مجتمع قوي في هذه الأيام دون مستوى عال من الإنتاج.

فالدولة القوية هي دولة المجتمع المنتج. وهذه ليست مسألة تقنية بل سياسية بالدرجة الأولى. ومن أسهل الأمور استيراد التكنولوجيا أما السياسة فلا يمكن استيرادها ولا تصديرها , بل هي تصنع محليا وحسب.

ومن يصنعها هو المجتمع في إطار الدولة, والدولة في إطار المجتمع , أي يصنعها المجتمع والدولة في آن معا , يصنعانها في العلاقة المتبادلة بينهما. والحديث هنا ليس عن يوتوبيا من أي  نوع بل هو عن التجارب المستفادة من تطور حصل في بلدان شرقي آسيا.

وربما كانت الدولة القوية هي الدولة التنموية , الدولة التي تحمل مشروعا للنمو الاقتصادي.

ب- غياب المجتمع المدني:

يقال أن وجود شبكة كثيفة من الجمعيات المدنية يعزز استقرار الكيان السياسي الديمقراطي وفعاليته من خلال ما يحدثه هذا الوجود داخل جماعة من تأثير في مشاعر المواطنين. ومن خلال قدرة الجمعيات على نشر الديمقراطية من الأسفل مع الضغط في نفس الوقت من أجل التغيير. إن هذه الشبكة ليست سوى المجتمع المدني.

المجتمع المدني ظهر حين ظهرت الحاجة إلى علاقة جديدة بين الشعب والسلطة بعد انهيار المجتمع القديم- الإقطاعي(عقد الطاعة) وطهور المجتمع الجديد – البرجوازي ( عقد المشاركة), هذه العلاقة الجديد و أطلق عليها العقد الاجتماعي. وهذا العقد وضع بحيث يدخل المجتمع إلى الحالة المدنية ويضمن للإنسان كفرد( مواطن), حقه بالملكية الخاصة لأنه أساسا كان يجري على أرضية اقتصادية, مع الأخذ بعين الاعتبار حق الحرية المدنية والعدالة الاجتماعية بي أفراد الشعب , وقد أوكلت مهمة الإشراف على هذا العقد الاجتماعي إلى الدولة ضمن إطار القانون. لكن العلاقة بين المجتمعي المدني والدولة ليست دائما مستقرة وهذه العلاقة غير المتوازنة لم تكن غائبة على بال المفكرين , وقد وقف بعضهم مع السلطة المطلقة للدولة, مهما كان نوعها ضد الفوضى,في حين رفض البعض الآخر السلطة المطلقة وربط عمل الدولة همل الدولة بالقانون عبر سيادة الشعب, فمهمة الدولة هي حماية الشعب ولبست السيطرة عليه, ودعوا إلى الثورة في حالة اختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع لصالح الدولة.فما حال وضع المجتمع المدني في البلدان النامية؟

لقد كرس نمط الإنتاج الكولونيالي نمط الإنتاج الآسيوي بمعنى أن ظروف ممارسة السلطة زمن هذين النمطين لم تتغير كثيرا بنيل الاستقلال ولسيطرة الدولة على المجتمع في بلدان العالم الثالث تاريخا طويلا حيث اتصفت دائما هذه العلاقة بوجود سلطة مركزية قوية حيث تم استبعاد المؤسسات التي يمارس المجتمع من خلالها حياته السياسية. ويتفق المفكرون على غياب المؤسسات السياسية عن مجتمعات العالم الثالث سواء قبل أو بعد نمطي الإنتاج ونتج عن ذلك غياب الإنسان كفرد(مواطن). وفي مرحلة الاستقلال . لم تؤد   هذه إلى إلغاء هيمنة الدولة على المجتمع بل زادها قوة.

وخاصة بعد استلام البرجوازية الصغيرة للسلطة, وهي طبقة غير مهيمنة مما أدى إلى اعتمادها المطلق على الدولة لحكم المجتمع. وهكذا حتى بعد مرور عقود على استقلال الدول النامية ظل المجتمع غائبا في جوف الدولة, ووقع فريسة بين فكي الدولة: الجيش والجهاز البيروقراطي.

لقد حكمت الدولة المجتمع المدني عبر أجهزتها الخاصة ( جيش قوي وبيروقراطية طاغية) ولقد استطاع الوصول إلى السلطة السياسية عبر تحالفه مع البرجوازية الصغيرة ولكن رغم الإصلاحات التي قامت بها هذه البرجوازية بالاعتماد على الجيش (التأميم والإصلاحات الزراعية)فإنها بسبب كونها طبقة غير مهيمنة  ابتلعت المجتمع المدني بالدولة عبر مؤسساتها الخاصة(الجيش والبيروقراطية) وتم تغييب الإنسان كمواطن, لغياب المؤسسات المدنية التي يتحقق من خلالها وجوده كمواطن من الناحية العملية.

إن المجتمع المدني يوفر الحرية للشعب ليقوم بدوره , وللقوى الاجتماعية لتمارس حياتها السياسية بحرية, وبذلك تصبح الظروف الاجتماعية مناسبة لقيام حوار جدي حول قضايا المجتمع, وإمكانية تجاوز العوائق التي تقف في طريق نهضته. لقد سعت الدولة في الكثير من بلدان العالم الثالث بعد الاستقلال مباشرة بمواجهة التخلف والتمزق الداخلي والسعي نحو حل مشكلة التراكم الأولى للنمو,لكن لأسباب داخلية وخارجية بعثرت جميع تلك الجهود مما أدى إلى شل مؤسسات المجتمع عبر ابتلاعها من قبل الدولة وغدا المجتمع بدون مجتمع مدني يوفر له الاستقرار داخليا وبدون دولة قوية قادرة على صد الهجمات الخارجية.إنها تتحكم بالمجتمع ولا تسمح له بالتحرك إلا ضمن حدودها بحيث لا يشكل خطرا على سيطرتها.إن هذا الواقع أدى إلى هشاشة الدولة والمجتمع على السواء, ذلك أن ردة الفعل الجماعي للمواطنين سوف يكون مختلفا اختلافا أكيدا عن طابعه في ظل نظام قوي وعادل ومتسم بالمساواة, إذ سوف يجد المواطنون أن جهودهم المبذولة من أجل التنظيم لتحقيق أغراض مدنية تتعرض للإحباط بسبب سياسة الدولة- أي بسبب القمع المباشر أحيانا أو بمجرد التجاهل في أحيان أخرى, مما يؤدي إلى نشوء أشكال أكثر عدوانية للتجمع المدني وسيندفع المواطنون العاديون أكثر فأكثر إما للتحرك المتطرف الإيجابي ضد الدولة أو نحو اللامبالاة التي تستهدف حماية النفس, فيتحولون لممارسة الأعمال الهدامة, الأمر الذي يضعف الدولة ويعرضها دائما للخطر. وحين الحديث عن المجتمع المدني فهو يثير موضوعا أكثر حيوية وهو مرتبط به ويقيسه و يقيسه, إنه موضوع الديمقراطية والمشاركة الشعبية في شؤون حياتهم.

ج- الديمقراطية, هذا الشر؟

لقد بينت عقود التنمية الماضية أن المشاركة الشعبية شرط لا غنى عنه لتحقيق التنمية المعتمدة على الذات , مثلها في ذلك مثل بقية الشروط (السيطرة على الموارد والثروات الطبيعية – توافر النمط الإنتاجي المؤهل للتنمية واضطلاع الدولة الوطنية بوظيفتها الاقتصادية …الخ).إن المشاركة الشعبية هي صنو مفهوم التنمية, ذلك أنه يظل البشر هم الهدف الأساس من التنمية التي يجب أن تضمن لهم التحسين المستمر لمستوى معيشتهم وتمنحهم الفرص المواتية للإنتاج والاستمتاع والابتكار ولا يجب الاضطلاع بالتنمية نيابة عن الشعب, بل يجب أن تكون التنمية نتيجة عضوية لنظام قي المجتمع وتصوراته واهتماماته وأحلامه.لكن في الواقع,فلقد اصطدمت التنمية ومن ورائها المشاركة الشعبية والديمقراطية بعوامل موضوعية لازالت حائلا أمام الإقلاع من التخلف وآثاره المدمرة وهي : افتقار الدول النامية إلى المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية للمشاركة الشعبية, من حيث تخلف النظام الاقتصادي وانخفاض معدلات نموه ومحدودية الطبقة المتوسطة. وغياب الشروط الثقافية والسياسية, فالثقافة السائدة ثقافة تقليدية تعتمد على النقل بدلا من العقل والخرافة بدلا من العلم والنزعة أحادية الجانب بإضفاء الطابع المطلق على الأفكار والمواقف ثم ميل الحكم في مجتمعات ما بعد الاستقلال إلى عسكرة الدولة والحياة المدنية وانحيازها إلى أسلوب الحزب الواحد المغلف بادعاءات أيديولوجية أو اختيار إقامة تعددية شكلية و أخيرا تخضع الشعوب إلى سلطة ماكينة الدعاية والإعلام التي تعمل على تشويه وعي الجماهير وافقادها الثقة بنفسها ولواقعها البائس بمبادراتها, والنتيجة أن انسحبت الشعوب من ساحات العمل واكتنفتها مشاعر اللامبلاة والانغماس في البحث عن حلول فردية لواقعها البائس.

فلقد ذهبت النخب الحاكمة في قولها بأن الديمقراطية تعبر عن تراث حضاري مغاير لا يراعي خصوصيات المجتمع في البلدان النامية وهو ادعاء باطل يخرج واحدا من أهم منجزات التراث الإنساني المشترك من جدول أعمال العالم الثالث ويحرم شعوب هذه البلدان من حقوقها ويؤخرها.

لقد سقطت جميع بلدان العالم الثالث في النظام الشمولي أي ذاك المجتمع الذي لا وجود فيه لمؤسسات أهلية ديمقراطية حقيقية مكونة للدولة….. إذ بدون ديمقراطية , حتى بأدنى أشكالها وبالصيغ اللائمة للتطور العام للبلد ولتراثها وتقاليدها  وثقافتها تتعثر أو تنعدم إمكانيات التطور, تطور بناء الدولة من جهة, والتطور في حل المشكلات التي تواجه كل بلد في شتى المجالات السياسية والاقتصادية, والاجتماعية والحضارية والثقافية من جهة أخرى, وهو واقع يتميز بالتدمير الذي يصيب البلد : التدمير الذي يصيب نظام الحياة العامة, والتطور, والبنى التحتية والفوقية في المجتمع والوعي.

د- المشكلات الإثنية والطائفية والدينية:

تكاد جميع دول العالم الثالث تعاني من مشكلات الانقسامات الإثنية والدينية التي لها جذورها العميقة في التاريخ. ولم تستطع دولة الاستقلال في كل العهود وعلى اختلافها, ولم تحاول بشكل ملموس, أن تجد لها حلولا, أو مشاريع حلول مستفبلية . وبعض المحاولات التي جرت في هذا الاتجاه لم تأخذ بعين الاعتبار كل العناصر الضرورية للحل.ولم تكن عميقة وشاملة ومتواصلة ومنتجة.  بل إن معظم الحكومات قد تعاملت مع الأقليات القومية والأقليات الدينية بالتعسف والعنف والقمع, وبالتنكر للحقوق, فعمقت بسلوكها هذا , المشكلة, وعقدت حلها و أعطتها طابع المشكلة المزمنة. وهذه المعضلة تجعل وحدة هذه البلدان مهددة على الدوام , فهي مصدر الحروب القائمة, الخارجية والداخلية, المعلنة والكامنة, المرشحة جميعها لأن تتطور وتتسع وتتعمق وتزداد تعقيد أو تدميرا وإن الحروب الأهلية هي الشكل الأبرز للتعبير عن هذه الأزمة, وتصدع الكيانات الوطنية, وتدخل الدول الأجنبية في النزاع, من أجل تدويله, هما النتائج المباشرة لهذه الحروب.

ه- النتيجة:

إن الحديث يطول وهو ذو شجون بخصوص مظاهر الدولة الضعيفة ولا تستطيع هذه المداخلة أن تفي بغرض الموضوع وتشبعه معالجة و تحليلا ,لكن نريد في هذا الحيز الصغير أن نخلص إلى أن مختلف المخاطر الأخرى التي قد تصيب الأفراد والجماعات , تبدو ليست ذات أهمية بالقياس إلى المخاطر التي تتفجر جراء ما تسببه الدولة الضعيفة من كوارث ومآسي على عموم المجتمع. إن هذه البلدان ينخر جسمها في أيامنا الفقر والتخلف والأمية و المرض وأكثر من ذلك الحروب الأهلية والنزاعات, إن جميع الدول النامية تخبئ براكين تهدد بالانفجار في أي زمن: بسبب اللامساواة و اللاعدالة وسوء التنمية والتخلف والاستبداد والتهميش, والمشاكل الإثنية و الطائفية والدينية. لاشك أن العوامل السالفة الذكر تؤثر تأثيرا مديدا في مجرى صياغة وبناء لأسس النظام السياسي المطلوب بنائه. إنها تؤدي إلى أن تغرق الدولة في مزيد من القطيعة بينها وبين المجتمع, فيزداد استبدادها, ويتسع ويتعمق الموقف العدمي من الدولة, لدى فئات واسعة من الناس. ويصبح المجتمع كله أسير أزمة عامة, أزمة بنيوية.

إن وضع الدولة الضعيفة هذا لهو ماثل أمامنا اليوم في غالبية الدول الإفريقية والآسوية وفي أمريكا الجنوبية, إنه يخلف التفكك الاجتماعي و يضرب المجتمع في الصميم في علاقات أفراده فيما بينهم, فيعرقل الإبداع ودورة الإنتاج مما يربك حركة التطور وبعطل دور العقل و يدمر البنى ويحرق كل منجزات الدولة النامية حتى الاستقلال  يصبح مهددا بالتدخل الأجنبي تحت عناوين مختلفة ومتعددة, فتعم الفوضى, فتنهب خيرات البلد من طرف اللصوص والعصابات من داخل البلد وخارجه. وتصير الدولة هشة أكثر فأكثر , ضعيفة البنيان , تهزها الأحداث كلها كبيرها وصغيرها, حتى الأعماق, فيصبح قاب قوسين أو أدنى  من التصدع و تتهدد وحدة أراضيه, ووحدة شعبه,فيضيع المصير والمستقبل.

فائمة المراجع:

1-جورج قرم: التنمية البشرية المستدلمة,الأمم المتحدة بيروت,لبنان, 1997.

2-جورج قرم: التنمية, دار الطليعة للطباعة والنشر, بيروت, 1982.

3- Donald W.Curran.Tiers –Monde.Eyrolles.Paris.1990.P :96

4- د/ أسامة عبد الرحمن : البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية ,مركز دراسات الوحدة العربية,بيروت,1983,

5- رونالد روبنسون: تنمية العالم الثالث.ت/ عبد الحميد الحسن.منشورات وزارة الثقافة,دمشق..1973.

5- Ray Kiely.Globaisation and the third world.Routledge,Londo.1998.P:31

6 – Ray Kiely.Idem..

8- مجلة دراسات عربية.العدد 4.العام23.فبراير 1987. د/جلال عبد الله معوض” الفساد السياسي في الدول النامية”.

9- د/جورج قرم:التبعية الاقتصادية.دار الطليعة للطباعة والنشر,بيروت.1982,ص.19.

10- مجلة دراسات عربية.العدد,6.العام 19.ابريل 1983. مصطفى حسن علي”نقد مفاهيم المنظمات الدولية للتنمية و النسق الاقتصادي الدولي الجديد”.

11- مجلة دراسات عربية.العدد,6.العام 19. 1983. نفس المرجع السابق.ص.26

12- البيئة – التنمية. بطاقة 1. أ.” العولمة اللامتكافئة”.

13-Konrad Ginther et al:Sustainable development and good governance.Kluwer Academic Publisher.Netherlands.1995

14- البيئة – التنمية. بطاقة 2.أ.”مفهوم التنمية المستديمة”.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . يمكنك أن تترك ردا، أو تضيف علامة مرجعية من موقعك
أترك تعليقا

XHTML:تستطيع استخدام الوسوم التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>