123

 

محمد تركي الربيعو

يسعى السوسيولوجي الإيراني اصف بيات في هذا الكتاب، الى البحث في الحياة اليومية للمدن داخل الشرق الأوسط، عبر التركيز على الطرائق المتنوعة التي يحاول بها الناس العاديون،

أولئك الذين يعيشون على الهامش( فقراء الحضر، المرأة، والشباب المتعولم وجماعات أخرى من جماهير الحضر) في أن يؤثروا على مسارات التغير في مجتمعاتهم ، وذلك من خلال رفضهم الخروج من الحلبة السياسية والاجتماعية التي تسيطر عليها الدول التسلطية والسلطة الأخلاقية والاقتصاديات الليبرالية الجديدة، من خلال البحث عن فضاءات جديدة يستطيعون من خلالها أن يجعلوا صوت رفضهم يسمع .

وبرأي المؤلف، فان الطرائق التي بات يغير بها هؤلاء الأفراد العاديون مجتمعاتهم، ما عادت تدخل في نطاق الاحتجاجات الجماهيرية أو الثورات، هذا على الرغم من أن هذه الاحتجاجات وتلك الثورات تمثل جانبا من جوانب الحراك الشعبي. حيث نجدهم على العكس من ذلك باتوا يلجؤون الى ما يطلق عليه ب “اللاحركات الاجتماعية “، التي أخذت تشير الى المساعي الجمعية لملايين الفاعلين الذين لا تربط بينهم روابط جمعية، والتي تظهر في الميادين العامة والشوارع الخلفية والمحاكم والمجتمعات المحلية.

فن الحضور اليومي داخل الشارع:

تقوم الفكرة الأساسية لهذا الكتاب، على أن الفضاء العام الحضري قد استمر بوصفه المسرح الرئيسي للجدل او الحوار السياسي. فعندما يحرم الناس من القوة الانتخابية لتغيير الأشياء، فمن المحتمل أن تتجه مناطق نفوذهم النظامية (كما يفعل الطلبة أو العمال عندما يضربون عن الدراسة أو العمل) لإحداث ضغط جمعي لكي يجبروا السلطات على احداث تغيير. ولكن بالنسبة الى فئات حضرية أخرى مثل (المتعطلين عن العمل، وربات البيوت، والعاملين في القطاع غير الرسمي) والذين يفتقدون الى القوة النظامية للانقطاع عن العمل (كالدخول في اضراب مثلا)، بالنسبة الى هؤلاء يصبح الشارع هو المجال الذي يتم فيه التعبير عن عدم الرضا.

ولذلك فان هذا النوع من سياسة الشارع – بحسب الكاتب-أخذ يكشف عن منظومة من الصراعات، بين فرد أو حشد من الناس وبين السلطات. وهي صراعات باتت تتشكل ويتم التعبير عنها في الفضاء الفيزيقي والاجتماعي للشوارع. كما أن سياسة الشارع هذه أخذت تحتل أهمية أكثر من ذلك، وخاصة في مدن الليبرالية الجديدة، أي تلك المدن التي تشكلت وفق منطق السوق. فعندما يتجول المرء في شوارع القاهرة، وطهران، وداكار، وجاكرتا في منتصف يوم عمل، يندهش من وجود أعداد كبيرة من البشر تمارس أنشطة في الشارع، وتعمل أو تتجول أو تقف أو تجلس أو تقود السيارات، أو تستقل الأتوبيسات والترام، وكل هؤلاء يمثلون السكان الهامشيين في الأساس.

لذلك برأي بيات، فان هذا ا النمط من المدينة يمكن أن نطلق عليها ” مدينة الداخل والخارج”، حيث يصبح عدد كبير من السكان خاضعا لسطوة الفقر والحرمان، الأمر الذي يجبره على أن يحيا حياته في الأماكن العامة وأن يكيف نفسه على ذلك. ولذلك نجد هنا أن الفضاءات التي تقع خارج المنازل (الحواري الداخلية والحدائق العامة، والميادين والشوارع الرئيسية) تعمل بمثابة المعونات التي لا يمكن الاستغناء عنه للحياة الاقتصادية، ولإعادة الإنتاج الاجتماعي والتضامن لقطاعات عريضة من سكان الحضر، ومن هنا فإنها اخذت تشكل أرضا خصبة للتعبير عن المشاعر والعواطف المشتركة والآراء العامة للأفراد العاديين في تعبيراتهم وممارساتهم اليومية ، والتي يتم التعبير عنها من الأماكن العامة – في سيارات الأجرة ، والحافلات ، والمحلات ، والشوارع الجانبية والمظاهرات الجماهيرية في الشارع.

اللاحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط:

 بعد ذلك يتطرق بيات، لسمات هذا الحراك طويل الأمد لملايين الأفراد المهمشين والذي يمكن وصفه على حد تعبيره ب “الانتهاك اليومي لكل ما هو معتاد”. ففي الوقت الذي تعرف فيه الحركات الاجتماعية، خاصة تلك التي لم تظهر في المجتمعات الأوربية المتقدمة تكنولوجيا والمنفتحة سياسيا، بأنها ” شكل من أشكال التحدي المنظم الواعي والمستقل للسلطات القائمة” القائم على أطر معينة وتتبع قيادات محددة، وتبني وسائل خاصة أو طرائق وأساليب للتعبير عن المطالب. فان الذي يميز اللاحركات أو الأفعال الجمعية للفاعلين الذين لا تربط بينهم رابطة جمعية، كونها تميل على الأغلب الى أن تتوجه بالفعل وليس بالإيديولوجية، وهي تكون هادئة بشكل كبير، وتبتعد عن الانتشار الضوضائي ما دامت المطالب التي تظهر هنا تكون مطالب فردية وليست مطالب معبرة عن جماعات مترابطة.

ثانيا، نجد أن القادة في الحركات الاجتماعية عادة ما يحركون تجمعات لكي يضغطوا على السلطات لتحقيق مطالبهم، بينما نجد أن الفاعلين في اللاحركات يمارسون على نحو مباشر ما يطلبونه أو يدعونه بصرف النظر عن صور العقاب التي تقوم بها الحكومة. ومن ثم فان ما تقوم به اللاحركات الاجتماعية ليس سياسة للاعتراض، ولكنها سياسة ممارسة للتغيير عبر أفعال مباشرة ومتنوعة.

ثالثا، فعلى العكس من الحركات الاجتماعية، حيث يكون الفاعلون منغمسون في أفعال خارقة للحراك والاعتراض تتجاوز روتين الحياة اليومية (مثل حضور الاجتماعات وتقديم العرائض وتحزيب الناس، والتظاهر)، فان اللاحركات تتكون من ممارسات تختلط بالممارسات العادية للحياة اليومية. ومن هنا نجد الفقراء مثلا يبنون مساكن ويحصلون على مياه جارية وخطوط تليفون، ويفرشون بضائعهم في شوارع المدينة الجانبية.

أما النقطة الرابعة والأكثر أهمية، فهي ان هذه الممارسات لا تنجز من خلال جماعات صغيرة من الناس يعملون على الهامش، ولكنها ممارسات شائعة للحياة اليومية ينجزها ملايين من البشر وان كانوا متفرقين هنا وهناك. وبعبارة أخرى فان قوة اللاحركات لا تكمن في وحدة الفاعلين، التي يمكن أن تهدد بالانقطاع أو عدم اليقين أو الضغط من جانب الأطراف المعادية. فقوة اللاحركات تعتمد قوة الأعداد الكبيرة أي أنها تعتمد على ما ينتج عنها من تأثير على معايير وقواعد السلوك السائد في المجتمع لأفراد يعملون الشيء نفسه بشكل دائم ومستمر.

وبرأي المؤلف، ان قصة اللاحركات هي قصة الفعل الاجتماعي في أوقات الشدة. كما أن أهمية هذا المفهوم تكمن في قدرته على تجاوز الثنائيات الجامدة بين الإيجابي /السلبي، الفردي/الجمعي، والسياسي/ المدني وجميعها ثنائيات محدودة الأفق، كما أنه يفتح إمكانيات جديدة لبحث الممارسات الاجتماعية غير المشاهدة، والتي يمكن أن تحدث تغييرا اجتماعيا كبيرا يكشف عن منطق الممارسة بين التجمعات المتفرقة والمتباعدة تحت ظرف الحكم التسلطي الذي يمنع فيه التجمعات الحرة والتواصل النشط.

 

خرافة الفقراء الاسلاميين:

 

وفي أحد فصول الكتاب يقدم بيات قراءة سوسيولوجية عميقة لبعض السرديات , التي ترى أن هناك علاقة ايكولوجية وثقافية حضرية بين الوسط المعيشي لفقراء الحضر والنزعة الإسلامية الجهادية. فغالبا ما يعتقد أن الفقر الحضري وتركز الفقراء في المجتمعات الفقيرة المكتظة باللامعيارية والاغتراب , يؤدي الى توليد وسط معيشي مشحون بالعنف, والميل الى عدم طاعة القانون والتطرف.

كما أن ما يلفت النظر , أننا نجد أن معظم رجال السياسية و القسم الأوسع من الأكاديميين أخذوا ينظرون الى العشوائيات من خلال مفهوم ” المناطق الحضرية المتخلفة” و الذي تم صياغته في الولايات المتحدة الأميركية. وهو النموذج الذي ظهر من خلال دراسة لمناطق سكن الأميركيين الأفريقيين داخل المدينة، والذي يفترض أن البطالة والبناء الأسري المفكك قد أدت الى الجريمة والعنف.

وبرأي المؤلف، فان معظم الأعمال العلمية الجادة حول مناطق الفقراء بالقاهرة مثلا، قد أثبتت أن مستوى الجريمة في العشوائيات ليس مرتفعا عن نظيره في المناطق، كما أكدت بالإجماع على سيادة ” رأس المال الثقافي للتسامح”، واحساس عميق بروح الجماعة، وعلاقة أسرية قوية، ورقابة اجتماعية شديدة على الأطفال والشباب.

و على الرغم من صحة الكلام حول أن الكثير من سكان التجمعات العشوائية يتبعون ” حياة غير رسمية”، بمعنى أنهم يعملون خارج حدود الدولة والنظم البيروقراطية الحديثة. فعلى سبيل المثال غالبا ما يميلون الى أن تكون لهم درجة من الاستقلال في عملهم وحيواتهم الثقافية، والى تبني علاقاتهم على التبادلية، والتفاوض، والثقة، وليس على الأفكار الحديثة للمصلحة الذاتية الفردية، والقواعد الثابتة، والتعاقدات. فان ذلك يعود في الأساس الى أن الحداثة هي مشروع مكلف، أي أنها تتطلب القدرة على التكيف مع أنماط السلوك (الالتزام بوقت محدد ومنظم، ومكان، وعقود…الخ) وهي أشياء لا يقدر عليها الفقراء. كما أن الأيديولوجية تتطلب قدرات معينة (الوقت، المخاطرة، المال) وهو ما لا يملكه المحرومون، الأمر الذي يدفعهم الى الانخراط فيما يطلق عليه المؤلف “السياسة من المستوى الأدنى” أو أشكال النضال المحلية من أجل تحقيق أغراض سريعة. ولذلك نجد أن فقراء الحضر يميلون الى اتباع تدينهم الشعبي والى حياتهم غير الرسمية المستقلة جنبا الى جنب مع الممارسات السياسية التي تقوم على العلاقات الشخصية الحميمة في الحياة اليومية.

 كاتب سوري

 

الكتاب: الحياة سياسة، كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط

الكاتب: أصف بيات

المترجم: أحمد زايد

الناشر: المركز القومي للترجمة، 2014

عدد الصفحات: 600

المصدر : موقع الجزيرة نت 19 فبراير/2015

http://www.aljazeera.net/knowledgegat…

الـمحـرر -

كاتب وباحث من سوريا . يكتب في العديد من الصحف و المواقع الالكترونية العربية ، مثل صحيفة القدس العربي و موقع الجزيرة نت.
يرتكز في عمله على الاهتمام بالحفريات الأنثربولوجية حيال منطقة الشرق الأوسط.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.

التعليقات مغلقة