خطوة في منزلق مجتمع المخاطرة أم آلية نحو تغير أفضل؟

أ. بوطرفة نوال

جامعة عنابة / الجزائر

الملخص:

جاء مفهوم مجتمع المخاطرة ليدحض المزاعم القائلة أن الرأسمالية هي أوج الحداثة ونهايتها،لينذر بتحول جديد يتجلى من خلال تماهي الانتاج الاجتماعي للثروة مع الانتاج الاجتماعي للمخاطر (البيئية، والاجتماعية والاقتصادية…إلخ).

ميزة هذه المخاطر أنها شاملة ولا تعترف بالحدود الجغرافية أو الثقافية ولا يوجد أحد في مأمن منها.

وتعتبر الحركة الجمعوية إحدى تجليات هذا التحول الجديد، حيث تطرح نفسها كأشكال جديدة للتجمع، بديلة عن تلك المنهارة،ورد فعل على ترسخ الفردية وانحسار الدولة،لكنها ليست حلا مثاليا ، لأن الكثير من التساؤلات الكثيرة تدور حول دورها الحقيقي، وجدوى قيامها و الجهات التي تعمل لصالحها.

فهل هي تمظهر لمجتمع المخاطرة؟ أم أنها انطلاقة لتغير أفضل؟

الحركة الجمعوية في الجزائر: خطوة في منزلق مجتمع المخاطرة أم آلية نحو تغير أفضل؟

مقدمــة

في غمرة احتفال الرأسمالية بانتصارها النهائي على الاشتراكية، وفيما يعتبر ردا على كتاب “تشومسكي ” نهاية التاريخ” الذي أعلن فيه أن الرأسمالية هي قمة الحداثة ونهايتها ، يظهر كتاب السوسيولوجي الألماني “ULRICH BECK  ” “أولريش بيك” ” مجتمع المخاطرة في طريق حداثة جديدة” ليبدد نشوة الانتصار تلك ، وينذر بتحول جديد لمجتمع ما بعد الحداثة، تحول عميق يمس كل البنى المجتمعية، بسبب تلازم الإنتاج الاجتماعي للثروات مع الإنتاج الاجتماعي للمخاطر، فالناس وهم يصارعون ضد الفقر قاموا بإنتاج الثروة لكن في أثناء قيامهم بذلك قاموا  أيضا  بإنتاج المخاطر( ايكولوجية، ظهور الفردية وتفكك الروابط العائلية…إلخ).

إن ميزة هذا الخطر أنه ليس خارجيا بحيث تسهل رؤيته والتعامل معه، وإنما هو داخلي ، إنه عنصر مكون للمجتمع فارضا بذلك  إعادة تعريف للدينامكية الاجتماعية، ومخضعا العلاقات، النظام السياسي، بنية العائلة ، سوق العمل …إلخ، لتغيرات عميقة ( ترسخ الفردية تفكك الروابط العائلية، ضياع الحدود بين السياسي واللاسياسي، تداعي الدولة، اختفاء سوق العمل التقليدي…إلخ)، وبالرغم مما يبدو أن هذه المخاطر تخص مجتمعات ما بعد الحداثة، وأن الدول المتخلفة هي في مأمن من هذا المصير ،إلا أن روح التفاؤل هذه سرعان ما تختفي لأن “بيك” يرى أن هذا الخطر ذو طابع شمولي ولا يوجد أحد في منأى منه،حتى تلك المجتمعات التي لم تظهر بعد ( السحب السامة والإشعاعات النووية…إلخ)، بل أكثر من ذلك أن المجتمعات المتخلفة هي الأكثر عرضة لهذه الأخطار لأنها الحلقة الأضعف ولا حل أمامها لمواجهة مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية( بطالة، فقر …إلخ) إلا الانخراط في هذا النظام العالمي الجديد وتبني سياساته بما تحمله من أثار جانبية خطيرة.

1 ـ الحركة الجمعوية ومجتمع المخاطرة:

يعتبر ” بيك” أن ظهور الجمعيات كأشكال جديدة للتجمعات الإنسانية يتزامن مع تداعي التنظيمات المجتمعية ، على إثر تفكك الروابط العائلية وتفسخ الانتماءات الطبقية .

ويعرض ذلك كمايلي:

ـ ترسيخ الفردية وتفكك الروابط العائلية ، الأفراد لا يتحررون فقط من الثقافة المفروضة عليهم من الدين ، التقاليد ، والأخلاق المتفق عليها والاعتقاد المطلق في مصداقية العلم ، ولكن يتحررون أيضا من الاكراهات البنيوية مثل الطبقة ، المكانة ،الأمة، النوع الإنساني، العائلة…إلخ. ويصبح للأفراد بالتالي الحرية في أن يفكروا فيما يريدونه والحياة التي يريدونها ويطمحون إليها ، بعيدا عن كل تلك الاكراهات فما كان موروثا ومتخذا على أنه معطى طبيعي يصبح قرارا فرديا واعيا،وبذلك يدرك الفرد ذاته كشخص لا كرجل أو امرأة   ـ خصوصا بعد التحرر من بنية العائلة وما يرتبط بها من أدوار تتعلق بالهوية الجنسيةـ ويصبح تحقيق احتياجاته هي أولى الأولويات ولو على حساب عائلته.

كما أن حصول المرأة على درجات تعليم عالية تخول لها الحق قي المطالبة بتمثيل أكبر في المجتمع وهو ما يعني اكتساحها مجالات كانت حكرا على الرجل مما يفتح المجال للصراع بين الجنسين.

ـ تفسخ الانتماءات الطبقية وذلك باختفاء سوق العمل بشكلها التقليدي كمجال مدرك وتظهر سوقا جديدة مفترضة، قوامها مهن جديدة تمارس عن بعد ، وبتوقيت جديد وحر التحديد ، وتنظيم عمل جديد ، لا بيروقراطية لا جماعات عمل ، كل ذلك بسبب الأتممة والمعلوماتية التي اكتسحت مجال الأعمال، وبذلك ترتفع نسبة البطالة وتصبح مشكلة تواجه الأفراد بغض النظر عن مستوى تحصيلهم العلمي أو درجة الكفاءة ويواجهها الأفراد على أنها فشل شخصي وليس قدر طبقة معينة.

ـ اختفاء الحدود بين السياسي واللاسياسي وذلك مع تنامي نسق العولمة ـ التي يقر بيك أن سعي الرأسمالية المزمن للربح هو الذي أطلق العنان لها ـ  وأيديولوجيتها التحييدية لدور الدولة إضافة إلى تزايد أخطار العلم والتقنية عن حلها ،ونتيجة لذلك تظهر حركات اجتماعية جديدة تغزو المجالات التي كانت من اختصاص الدولة ومسؤوليتها، هذه الأخيرة التي ينحسر مدى رقابتها وهيمنتها لصالح تلك القوى الجديدة الصاعدة و قوى المجتمع المدني التي شهدت ارتفاعا ملحوظا في السنوات الأخيرة ، إذ انتقلت ” من 6 ألاف منظمة عام 1990 إلى 26 ألف منظمة عام 1999″  ،واستقطبت الكثير من الاهتمام والمعالجة. واصبح يعتمد عليها في تمويل وتنفيذ المشاريع التنموية الاقتصادية والسياسية الاجتماعية، من خلال  لعبها دورا رئيسيا في مجال المساعدات الإنمائية، حيث ورد عن” منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أنه في عام 2003 بلغ حجم المساعدات الدولية التي تدفقت عبر منظمات المجتمع المدني 12 بليون دولار أمريكي على الأقل”

وتحت هذه الصيغة تسربت هذه الأشكال التنظيمية إلى المجتمعات الأخرى، ومن بينها الجزائر.

2 ـ الحركة الجمعوية في الجزائر:

شهدت الجزائر منذ التسعينات ميلاد عدد كبير من الجمعيات التي ” توجهت مجلات تدخلها واهتمامها نحو قطاعات جديدة مثل حقوق الإنسان، حقوق المرأة، الدفاع عن المحيط والبيئة، اللغة الأمازيغية، جمعيات مهنية”.كما أثبتت دراسة لعمر دراس حول الجمعيات ” أن أكثر من 75% من الجمعيات الناشطة ظهرت في الفترة الممتدة بين 1990 و2004″، وذلك على خلفية قواعد وإجراءات قانونية جديدة تسهل تشكيل جمعيات ، على خلاف التضييفات القانونية في السابق التي كانت تفرض سلسلة من الإجراءات البيروقراطية قبل حصول أي جمعية على اعتماد رسمي.*

إن هذا الانفجار الجمعوي وعين التسامح التي أبدتها الدولة وإن كان لهما ما يبررهما على الصعيد الداخلي من مطالبة القوى الاجتماعية بنصيبها في إدارة الحياة الاجتماعية إلى جانب الدولة ، إلا أنه في الواقع نتيجة لرياح تغيير قادمة من الغرب حاملة العولمة ودعاوٍ لانسحاب الدولة والتخلي عن بعض صلاحياتها للقوى الأخرى،وضغوط هي في صورة وعود بالإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية.

وقد لاقت هذه التنظيمات الاجتماعية الجديدة استحسانا من أطراف واستهجان من أطراف أخرى،هذه الأخيرة التي رأت في الحركة الجمعوية خطرا محدقا على مقومات الهوية الوطنية، وامتد هذا الامتعاض ليشمل حتى الخطاب الرسمي، من أن الجمعيات تمثل خطرا ووسيلة اختراق  تستخدمه بعض الأوساط الخارجية من أجل ضرب وحدة أبناء الشعب الواحد.

و تسوق الأطراف المتوجسة من الحركة الجمعوية، جملة من الأسباب لتبرير موقفها الرافض:

ـ إن أغلب الجمعيات تتلقى تمويلا خارجيا، مما يجعلها ومشاريعها وأهدافها رهينة بأوامر ومطالب واتجاهات الجهات الممولة، تلك المشاريع البعيدة عن اهتمامات المجتمع الجزائري    ( كمساعدة ضحايا مرض الايدز في حين أنهم يشكلون أقلية إذا ما قورنوا بمصابي مرض السكري أو السل…إلخ)، إضافة إلى أن بعض النشاطات تدخل في إطار التبشير المسيحي أو حماية الأقليات، أو استمالة أطراف داخلية معارضة واستغلالها للتدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما دفع وزارة الداخلية والجماعات المحلية من تحذير الجمعيات ومنعها من الاتصال بالسفارة الأمريكية ، بعد سلسلة التدخلات المتكررة منها عبر قنوات مختلفة ، لصالح جمعيات توجهت إليها بشكاوي  للضغط على السلطات لمنحها تراخيص أو مساعدات أوغيرها.

كما تؤدي بعض التمويلات الكبيرة وفي غياب الشفافية وحسن التسيير والثقافة المدنية إلى انتشار الفساد والصراعات بين الأعضاء .

ـ  إن المواطنة التي تعتبر أحد مقومات الفعل الجمعوي، بما تعنيه  من التعامل مع الفرد ككائن حقوقي بعض النظر عن انتماءاته وولاءاته القرابية والدينية والعرقية، أي التعامل معه من خلال العلاقة القائمة بين الفرد الطبيعي والدولة، وهو ما يعني تماشي هذا المفهوم مع الفكر الليبرالي والعولمة التي تربط المواطنة بحرية السوق واعتبار المواطن هو من تعاقد بحرية على بيع قوة عمله.

كما يتيح هذا المفهوم بما يوحي به من انفتاح وتقبل للآخر،المجال لاعتقادات دينية وأفكار أخرى ومنحها حرية التعبير عن نفسها، وهو ما يتعارض مع  أهم مواد الدستور من أن “الإسلام دين الدولة”، ويتصادم أيضا مع الخطاب الإسلامي الذي يركز على الإسلام كأساس للمواطنة ، وهو ما يطرح التساؤل حول وضع غير المسلمين”الذين تظل مواطنتهم غير مكتملة ولا ترتفع إلا بدخولهم الإسلام …إذ يحرمون من واجبات تدخل في إطار المواطنة العامة التي يتمتع بها كل مسلم كتولي مواقع رئيسية في الدولة ذات مساس مباشر بهويتها الإسلامية”،  إن هذا التمييز ينطوي على تهديد انسجام النسيج المجتمعي وتحويله إلى فسيفسائيات وطوائف متناحرة بل أكثر من ذلك يعطي الحق لأصحاب تلك الاعتقادات للاحتماء والاستنجاد بجهات خارجية وطلب حمايتها في إطار احترام الأقليات وحرية الاعتقاد.

ـ إن هذه الجمعيات ما هي إلا وسيلة المنظمات والمؤسسات المالية العالمية الكبرى لتسهيل تغلغلها في المجتمع والحصول على مشاريع استثمارات،كما أنها طريقة لامتصاص الغضب وتضميد الجراح العميقة التي خلفتها سياسات التكييف الهيكلي والخوصصة ، وذلك من خلال برامح مكافحة الفقر يبرز ذلك من خلال علاقة التعاون بين المنظمات الغير حكومية والبنك العالمي ” وحسب التقديرات الحالية تشارك هذه المنظمات في 72% من المشروعات التي يقيمها البنك الدولي”.

ـ إن هذه المنظمات ومشاريعها تعمل على تخفيف أعباء الدولة واحتلال مجالات والقيام بوظائف كانت سابقا من صلاحياتها  مما” ينزع الغطاء السياسي عنها ويساهم في خصخصة الخدمات العمومية، فهي لم تعد تتعامل مع مواطنين يتمتعون بحقوق وإنما مع متسولين يتسولون صدقات”.

لكن هل هذا خوف مبرر؟ هل تمثل الحركة الجمعوية الجزائرية فعلا قوى مؤثرة وفعالة في المجتمع ، بحيث تسيره حسب توجهاتها؟ هل يتوفر هذا المجتمع على شروط اقتصادية وسوسيوتاريخية تمأسس هذه الأشكال التنظيمية في المجتمع؟

فالكثير من الدراسات حول الحركة الجمعوية الجزائرية تشير إلى أن  هذه الأخيرة تتخبط في مشاكل عديدة ، تجعلها غريبة عن صفة الحركة الجمعوية المدنية ،إذ أثبتت الجمعيات الجزائرية فشلها في لعب دورها كقناة حقيقية للتعبئة الدائمة وكقوة اقتراح فعالة ومؤثرة، وعجزها في مد جسور التواصل فيما بينها وتشكيل نسيج جمعوي قوي ومؤثر.

ويذهب ” عمر دراس” الباحث في المركز البحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية إلى حد القول أنه “لا تجوز تسمية هذه الحركة بالظاهرة الجمعوية لأن ذلك يوحي بوجود جمعيات قوية وناشطة، في حين أن الواقع يثبت عكس ذلك

إذ تعاني أغلب الجمعيات من :

ـ عدم استمرارية نشاطها الذي يتميز بالطابع الموسمي، حيث تعيش أغلبها في حالة سبات ولا تظهر إلا في المواعيد الانتخابية أو في المناسبات الدينية والاجتماعية( شهر رمضان، الأعياد، الدخول المدرسي…إلخ) ، كما أنه بين فترة وأخرى تختفي جمعيات وتندثر، لعدم تمكنها من الحفاظ على وتيرة عمل متواصلة وعلاقة دائمة مع جمهورها.

ـ   عجزها عن إعادة إنتاج ذاتها ماديا واجتماعيا، حيث تعتاش على دعم الدولة أو المنظمات غير الحكومية الدولية، يتجسد ذلك من خلال مشاكل تتعلق بالمقرات أو مشاكل مالية وتمويلية وهو ما يجعلها رهينة الجهات الممولة تتحكم في مشاريعها ونشاطاتها وتوجهاتها.

ـ سيطرة الجمعيات الخيرية والخدماتية الترفيهية ،حيث يتكون النسيج الجمعوي من ” 43% جمعية اجتماعية،27,8% ثقافية،13,7% رياضية، في حين تشكل الجمعيات المطلبية مثل حقوق الإنسان وحقوق المرأة ومحاربة الرشوة وحماية المستهلك أقلية”

ـ عدم كفاءة القادة والمسيرين الجمعويين الذين يظهرون في كثير من الأحيان عجزا في التسيير وغياب الشفافية.

كل هذه المشكلات وأخرى جعلت هذه الحركة عير ذات صدى في المجتمع، الذي يشكل الانخراط في الجمعيات فيه “نسبة تتراوح بين 3% إلى 4%، مقابل 11% في المغرب و44% في فرنسا”.

يعود هذا ذلك الفشل واللافعالية إلى أن هذا الشكل التنظيمي للمجتمع ما هو إلا تجربة مقتطعة من مسار تاريخي مختلف، لمجتمعات مختلفة، ومحاولة إسقاطها آليا على الواقع الجزائري لهو إجراء يحمل بذور فشله من البداية، لأن هذا النقل لهذه التجربة الأوروبية بامتياز، يتجاهل خصوصية السوسيوتاريخية للمجتمع الجزائري، بمعنى أن ظهور الجمعيات وتحضير الأرضية القانونية لتسهيل قيام هذا النشاط ، وإن كان تحت ضغوط خارجية إلا أنه أفضى إلى فشل تجسد في النقاط المذكورة آنفا.

لأن هذا القطاع الجمعوي ينتمي إلى فضاء المجتمع المدني الذي يعتبر حسب هيغل حالة توسط بين العائلة الدولة ، برز بعد تفكك البنى العائلية  بفعل السوق ،التي قامت بتفجير البنى العضوية القائمة على أساس عرقي أو ديني، وحل محلها الرأسمال كأساس للعلاقات الاجتماعية، وذلك من خلال تقسيم الاجتماعي للعمل الذي تتشكل وتترتب على أساسه العلاقات الاجتماعية ، وبذلك استقل الفرد عن العائلة حيث مصلحته متداخلة ولا يمكن فصلها عن مصلحتها (العائلة)، فنجاحه من نجاحها وفشله من فشلها، وانتقل إلى الفرد البرجوازي الحر والمتحرر والأناني الذي لا يطمح إلا لتحقيق مصالحه وتحقيق فرديته ولكي يتم ذلك ” تصبغ الغاية الخاصة ذاتها بصفة أو بغاية العموم، وبتعلقها بالآخرين تكفي حاجة ذاتها في الوقت الذي تكفي فيه حاجات الآخرين،تحقق الخاص يشترط وجود العام والعام يتحول إلى وسيط بين ما هو خاص”، ومن هنا تبدأ الخطوة الأولى لتأسيس مجتمع مدني ، مجتمع الأفراد الأحرار المتساويين المتطوعين بهدف  إشباع الحاجات والتنظيم الذاتي.

لكن فكرة الفرد في المجتمع الجزائري  تبدو ضبابية وغير مكتملة الصورة،لأنه (المجتمع)  يقوم على العلاقات القرابية والعشائرية أساسها الانتماء العرقي والديني،وحتى إن أظهر الفرد استقلالا على المستوى والسكن والعمل والاستهلاك إلا أنه لا يزال رهين ضمير جمعي وعلاقات قرابية تتحكم في أغلب قراراته المصيرية، فلا وجود له ككيان اجتماعي وحقوقي   و لا يمكن الاعتراف به إلا ضمن الجماعة.يمكن إرجاع غياب الفرد إلى:

” ـ التطور التاريخي للتشكيلة الاجتماعية الجزائرية الذي لم يتجاوز الفضاء القبلي أو العشائري ، ولم يستجمع أبدا شروط الدخول للفضاء المجتمعي المرتبط بالدولةـ الأمة.

ـ خصوصية الاستعمار الفرنسي الذي اعتمد في تطوره على القوى الاجتماعية الأكثر محافظة، النبلاء، الملاكين الكبار، المزارعين والفلاحين بدون أراضي.

ـ خصوصية تطور الرأسمالية في فرنسا ذاتها التي تعتبر متأخرة مقارنة بمثيلتها البريطانية، فقد فضلت النموذج المالي في انتشارها وفي إعادة إنتاج ذاتها وأهملت بالتالي المستعمرات”

وتجد النقطة الأخيرة خصوصا أفضل تعبير لها في حرص الاستعمار على عدم إقامة قاعدة صناعية حقيقية في الجزائرـ  لتكون الأساس المادي الذي ينطلق منه الفرد ـ وجعل الاقتصاد الجزائري تابعا للاقتصاد الفرنسي حيث أوكلت له مهمة لعب دور الخزان المزود بالمواد الأولية لتلبية الحاجات المتزايدة للصناعة الفرنسية. وهو ماجعل تلك القاعدة الصناعية الهشة عاجزة عن استقطاب واستيعاب اليد العاملة الجزائرية المحررة في الريف، على إثر سياسة انتزاع الأراضي التي انتهجتها السلطات الاستعمارية، وتدمير القاعدة المادية للقبيلة  مما كان سيجعل هذا الوضع مشابها لأوروبا بعد تقويض النظام الإقطاعي وامتصاص الصناعات الناشئة في المدن للأقنان المحررين من العمل الزراعي، مما أدى إلى ظهور العمل المأجور والطبقة العاملة وسوق العمل…إلخ،و دعم بالتالي صعود الرأسمالية والفرد. لكن اليد العاملة الزراعية الجزائرية ولأنها لم تجد القاعدة الصناعية التي تستقطبها تقوقعت على ذاتها وعادت لممارسة الزراعة المعاشية في المناطق القاحلة، وبهدف الاكتفاء الذاتي وليس من أجل التبادل، كما اندمج بعضها في الاقتصاد الفرنسي.*

واستمرت هذه الوضعية المعيقة لظهور الرأسمالية وتطور السوق،و ظهور فضاء عام تنشط فيه الجمعيات، حتى بعد الاستقلال مع مشروع بناء الدولة الوطنية، ذات الطابع المركزي المفرط، وذلك من خلال:

ـ معارضة قيام قوى خارجة عن نطاق سيطرتها ورقابتها، أسوة بنموذج الدولةـ الأمة، وما يرتبط بها من ضرورة تصفية كل السلطات المحلية والقروية والتكوينات العضوية، لذلك كان المحلي الجزائري مرفوضا لأنه يتعارض مع المشروع الوحدوي والطابع المركزي لمشروع الدولة الحديثة، وتجسد هذا التوجس من المحلي في إقصاء وتهميش لكل ما هو اجتماعي لأن  ” ذهنياته متأخرة وأشكاله التعبيرية متجاوزة وغير ملائمة، إن ممثليه الثقافيين أو السياسيين أو الدينيين يمنع ذكرهم وغالبا ما يهانون ويهمشون من قبل العقلانيات المنتصرة للقادة الجدد” ففعل العقل هو دائما إلى جانب الدولة أما المجتمع متخلف ومعيق للتقدم والتنمية، لذلك يجب تجاوزه.

بهذا الفعل الاستبعادي للاجتماعي ، قدمت الدولة نفسها كمؤهل وحيد لإدارة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالأشكال التنظيمية المتواجدة كلها تدور في فلكها،هو ما أعاق بروز جمعيات مدنية مستقلة.

ـ معارضة الرأسمالية ورفض قيام طبقة برجوازية، فالمواثيق الإيديولوجية الجزائرية مثل ميثاق طرابلس الذي يعارض صراحة تشكلها (الطبقة البرجوازية)، والتي تتهم بالعمالة لصالح قوى أجنبية معادية للمصالح الوطنية ولمكتسبات ثورة نوفمبر، كما أن تلك المواثيق تمنع الملكية الخاصة إلا إذا كانت أهدافها تتوافق مع أهداف التنمية الوطنية وبالتالي تنشط تحت رقابة الدولة. وبرفضها للبرجوازية والقطاع الخاص قدمت الدولة نفسها كمساهم وحيد في عملية التنمية بدعوى تخلف القوى الاجتماعية الأخرى وعدم قدرتها على تحمل أعباء التنمية، وسادت بذلك أيديولوجيا التجميع والتوحد مقابل التنوع والتعدد،  فالتجربة الجزائرية اقترحت تجاوز السوق الحر والمنظم ذاتيا وإحلال محله سوق موجه من خلال السيطرة على الأسعار واحتكارها، وبالتالي السيطرة على صيرورة خلق القيمة وفائض القيمة.

لقد أدت هذه الوضعية إلى إعاقة تشكل طبقة برجوازية، والتي لعبت دورا بارزا  في السياق الأوروبي مثل منعرجا مهما في تبلور مفهوم المجتمع المدني، حيث كان الاستقلال الذي حققته الطبقة الثرية عن القسر السياسي للدولة، وتكفل هذه الأخيرة بجباية الضرائب ثم مطالبة البرجوازيين بحقهم في مراقبة طريقة صرف تلك الأموال هو ما أدى إلى ظهور المجتمع المدني ذو الوظيفة الرقابية.إلا أنه في الحالة الجزائرية تشكلت طبقة ثرية كسولة تفضل التمتع بالريع والربح السريع بدل صياغة نموذج إنتاجي منتج.

إن هذا الوضع كرس استمرار تحكم رأسمال اجتماعي في المجتمع الجزائري والذي يجعل الأفراد لا يكتسبون مكاناتهم الاجتماعية وتحقيق نجاحاتهم من خلال إنتاجهم المادي ومكانتهم في سوق العمل ـ إذ كلما أنتج الفرد أكثر( سواء عامل أو رب عمل)كلما حصل على مقابل مادي أكثر  يسمح له الدخول لسوق السلع  والحصول على مكانة اجتماعية تتناسب واستهلاكه ـ وإنما ما يمتلكونه من رأس مال اجتماعي متمثلا في العلاقات الاجتماعية التي تعتبر الشرط الأساسي لتحقيق النجاح والارتقاء الاجتماعي.

إن هذا الرأس مال الاجتماعي لا يتماشى مع فكرة فردية الحاجات والصراع اللذين دفعا باتجاه ظهور الفضاء العام الذي يعتبر الوسط المناسب للفعل الجمعوي ، بل يجعل النظام الاجتماعي ينزع إلى التماسك والتضامن واستبعاد كل ما هو صراعي وتجزيئي” فالصراع هنا ليس مركزا على المادة وتحولاتها وإنما حول إبعاد كل خطر يهدد هذه النظام المنسجم…الأعضاء لا يتمثلون بعضهم كمتنافسين وإنما كمشاركين في تحقيق الانسجام للعالم المحيط بهم”

وهذا يجعل الحركة الجمعوية في ظل هذه الظروف وبهذه المواصفات ليست إلا وسيلة في يد القوي الاجتماعية لدعم استمرار منطقها الاجتماعي وإعادة إنتاج النظام القرابي.فالحركة الجمعوية الجزائرية إذن ما هي إلا استعمال للحداثي في إعادة إنتاج التقليدي .

في حين أنها يمكن أن تكون مرتكزا لتغيير اجتماعي حقيقي والاعتماد عليها لتوفير شروط إعادة الإنتاج والمراهنة عليها كأداة مناسبة للتغيير، وتحطيم البني القرابية التي تكبل الفرد وتعيقه عن تحقيق طموحاته وأهدافه، فمن خلال اعتمادها على التبرعات يمكنها أن تلعب دور الوسيط بين  الأطراف الممولة ـ سواء كمؤسسات أو كأشخاص ـ في إعادة توزيع الأرباح ، وسيط لا باعتباره جماعة من الأشخاص وإنما باعتباره مؤسسات وبهذه الوساطة تقضي على نمط العلاقات الزبونية التي تربط المنتج وزبائنه وتكون قد أرست قواعد جديدة في العلاقة بينهما.

كما يمكن لهذه الجمعيات أن تلعب أدوارا تنموية مهمة ، إذ تعتبر من أهم المرتكزات التي تقوم عليها صيرورة التنمية، بالنظر إلى نجاعتها في تشريح الواقع وفهمه  وتحديد العوائق وإيجاد التصورات والحلول التي من شأنها إتاحة فرصا للتنمية وتحقيق نتائج مباشرة وسريعة وترسيخ تعامل جديد مع العقبات التنموية، من خلال إشراك المواطنين والتشاور معهم حول احتياجاتهم، في إطار المبدأ القائل أنه لا يمكن اتخاذ أي قرار دون معرفة معمقة بالحاجات المعبر عنها من طرف الأفراد المحليين، لذلك يجب أن تقوم مشاورة حقيقية واتصال دائم فيما بينهم لتحديد أولوياتهم، ووضع التصورات واقتراح سبل التنفيذ في ضوء إمكانيات المنطقة، وهذا الفعل في تحديد الحاجات وطرق إشباعها يسمح بطرح متعدد الأوجه والأفكار لكن في نفس الوقت مركزا الجهود لتحقيق الأهداف الخاصة بإشباع الحاجات الأساسية للمواطنين.

وهو ما يعيد الاعتبار للفرد بإثارة روح ومشاعر الانتماء لديه وإدارة الظهر للفردية الأنانية.

إن هذا الطرح وهذه المقاربة التشاركية وإعطاء الفرصة للمواطنين للمشاركة في القضايا التي تعنيهم وإخراجها من الشكل الرسمي ، يساعد على خلق فضاء عام والانتقال  من فضاء تتحكم فيه السلطة العامة إلى فضاء يمارس فيه المواطنون النقد والتشاور في قضاياهم وإيجاد الحلول لها.

هذه الوظيفة التعبيرية للفضاء الجمعوي تعد شكلا من أشكال التنظيم الاجتماعي لحرية المشاركة، التي ترتقي بالفرد وتنمي روح الانتماء لديه.ويفضي هذا التفاعل المجتمعي بين الأطراف المختلفة إلى علاقات جديدة تشكل محطة هامة في صيرورة قيام مجتمع المؤسسات ودولة القانون.

الهوامش

Frederic Vandenberghe,Introduction à la sociologie (cosmo) politique du risque d’Ulrich

Beck;www.cairn.info/revues-du-mauss-2001-page25.html

– 95HH9CMGO http/qo.worldbank.org

– ibid

– عمر دراس، ملتقى الحركة الجمعوية في المغرب العربي،crasc  ،وهران،2001، ص 6

–  el watan;27/04/2007

* ـ قانون 90ـ 31 الذي يعتبر مجرد اجتماع 15 عضوا شرطا كافيا لتأسيس جمعية، في حين أن مرسوم 71 المعدل والمتمم بمرسوم 7/7/72 يشترط الحصول على موافقة الوزارة الوصية،وزارة الداخلية،ممثل وزارة الداخلية المحلي.

– جريدة الخبر،03/2008.

– عروس الزبير،الأمة ، المواطنة،وقضايا الحرية في الخطاب الاسلامي المحلي والاسلامي المجاور،من وعي ا

الـمحـرر -

باحث أنثروبولوجي من الجزائر، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس الموقع العربي الأول في الأنثروبولوجيا، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.
2 تعليقان
  1. يقول محمد حمود إبراهيم:

    مقال علمي رائع وموضوعي مثل صاحبته التي عرفتها زميلة عزيزة،مثابرة وقوية تتجسد فيها الشخصية الجزائرية.لقد زاملت الباحثة نوال بوطرفة في دراسة الماجستير 2000-2003في جامعة بغداد وكانت مثال للطالبة المجدة والذكية.لقد فرحت كثيرا عندما قرأت المقال وتأكدت من سلامتها واستمرارها في العمل الاكاديمي فألف تحية لك ايتها الزميلة العزيزة بوطرفة.

    محمد

  2. يقول kouita:

    فعلا موضوع هائل وبدون مجاملة لا توجد مقارنة مع غيره كونه يتميز باسلوب واضح ومفهوم