معضلة الحرب خبرات الحرب وأخلاقياتها في سراييفو الفصل العاشر م كتاب "أنثروبولوجيا العنف والصراع" تأليف: آفانا ماجك ترجمة: د. هناء خليف غني | موقع أرنتروبوس

حرب البوسنة

معضلة الحرب

خبرات الحرب وأخلاقياتها في سراييفو

الفصل العاشر من كتاب “أنثروبولوجيا العنف والصراع

تأليف: آفانا ماجك

ترجمة: د. هناء خليف غني

الجزء الثاني:

صناعة التاريخ الرسمي: بعد انتهاء الحصار المفروض على سراييفو في ربيع العام 1996، اكتسبت بداية الحرب معنى شعائرياً عميقاً وواضحاً في وسائل الإعلام السراييفوية التي تسيطر عليها الدولة وكذلك في الروايات الغربية. رسمياً، بدأت الحرب في السادس من نيسان 1992 حينما أطلق أحد القناصين النار من على سطح فندق الهوليدي على مجموعة من المتظاهرين أمام البرلمان. وساد الاعتقاد أئنذاك أن سبب إطلاق النار هو اعتراف الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة بالبوسنة والهرسك بوصفها دولةً مستقلةً. وبفضل هذا الاعتراف، اكتسبت نتائج الاستفتاء العام حول الاستقلال الذي عُقد قبل بضعة أسابيع (وهو الاستفتاء الذي شارك فيه غالبية المسلمين والكروات في حين قاطعه الصربيون) الشرعية الدولية اللازمة. وأعلن الحزب الديمقراطي الصربي (SDS) الذي كان السبب في مقاطعة الصرب للاستفتاء، إن إعلان الاستقلال هو بمثابة تهديد للسكان الصرب، وشن على إثر ذلك صراعاً مسلحاً استهلهُ بإطلاق النار على المتظاهرين.

وتفاصيل هذه الرواية منشورة في العديد من النصوص الخاصة بالحرب في البوسنة والهرسك ( غوتمان 1993: 27؛ أماموفج وبوسنجاك 1994: 17؛ أماموفج وبيليسج 1994: 121؛ فوليامي 1994: 73 وما يليها؛ جيلتن 1995: 24؛ رامت 1996: 246 وما يليها). وبالنظر إلى اختيار هذه النصوص ضمن المناهج الدراسية المحلية (أماموفج وبوسنجاك 1994: 17؛ أماموفج وبيليسج 1994: 121)، كان من الطبيعي أن تُقبل هذه الرواية على نطاقٍ عامٍ كونها الرواية الصحيحة.

وعلى الرغم من الغموض الذي يحيط بمواقف بعض الكتاب حيال تحديد التاريخ الدقيق لبداية الحرب (غلني 1992: 167؛ أون 1996: 2؛ ريف 1995: 17 ؛ زمرمان 1996: 186)؛ حاول هؤلاء تحديد لحظة اندلاع الحرب عن طريق ربطها بحدثٍ عنيفٍ ما ينطوي على مضامين سياسية. ويتمثل الانتقاد الرئيس الذي يمكن توجيههِ إلى محاولات تحديد الأهمية السياسية لأحداث الحرب العنيفة وتواريخها في حقيقة ترك مهمة اختيار الأحداث لكاتب النص نفسهِ. ولهذا، يبدو منطقياً الاستنتاج انه كلما حازت الرواية الخاصة بالحرب على القوة السياسية، اكتسبت هذه الرواية مصداقيةً أكبر. وعليه، فإن القصة الحقيقية للحرب ستغدو، بالضرورة، قصة المتمكنين سياسياً([i]).

تحديد الأطراف المنخرطة في الحرب: وصف كارل فون كلاوسيفيتز، وهو أحد أشهر منظري الحرب، الحرب بأنها “الاستمرار في السياسة بوسائلَ أخرى” (1997 [1832]: 22)، وبأنها نوعٌ من أنواع النزاع (ينظر كذلك سكاري 1985: 81 وما يليها). ويُعدَّ تصور الحرب بوصفها نزاعاً إحدى الخصائص المميزة لأسلوب ’الجندي‘؛ كما أنهُ يفسر السبب في الأهمية القصوى التي تتمتع بها مسألة تحديد الأطراف المنخرطة في الحرب وتحديد أهدافها. وسنلاحظ أن الراوي الرئيس قد حدد اللحظة التي ’بدأ فيها في فهم الوضع‘ و ’أصبح واعياً‘ لما يجري حوله باللحظة التي شرع فيها بتحديد الأطراف المنخرطة في الحرب– وهي الجيش الصربي البوسني وجيش البوسنة والهرسك (الذي يهيمن عليهِ المسلمون). وطبقاً لهذا الراوي، أسهمت ’مراكز القوى الفاعلة‘ في ترسيخ هذا التحديد الذي رشحَ في اللغة الاصطلاحية الوطنية. إن إلقاء نظرة على أحد المناهج الدراسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة البوسنية تسلط الضوء على الطريقة التي أُتبعت في تحديد مسببات الحرب، والأطراف المنخرطة فيها وأهدافها، فضلاً عن الشعور بالذنب: “لم تختبر البوسنة والهرسك في السابق قط ما خبرتهُ على يد المعتدي الصربي – المونتغمري والجتنك(أ) في الحرب التي بدأوا بشنها عليها في ربيع 1992. شُن الهجوم بعد مرحلتيّ إعدادٍ وتنظيمٍ طويلتين وبمساعدة مباشرة من الجيش الشعبي اليوغسلافي السابق والمتطرفين من الصرب البوسنيين. وكان هدفهم الواضح إلحاق البوسنة والهرسك بصربيا بغية تحقيق هدف القوميين الصرب القديم بتأسيس ما يُسمى بصربيا العظيمة.”

بدأ الهجوم في السادس من نيسان عام 1992، حينما شن الجيش الشعبي اليوغسلافي السابق والجتنك المدججان بالسلاح هجوماً على المناطق الآمنة والسكان العزل بأكثر الأسلحة فتكاً وتدميراً. وعلى الرغم من عدم تسلح السكان، إلا أنهم قاوموا بشدة؛ وبالاعتماد على بنادق الصيد والأسلحة الأخرى يدوية الصنع، تصدى المقاتلون من البوسنة والهرسك لدبابات العدو ومدافعهِ  وطائراتهِ.

وفي الأيام الأول من العدوان، نظم السكان عمليات المقاومة عن طريق ما يُعرف بتشكيلات الدفاع الإقليمي فضلاً عن تشكيلات الدفاع الأخرى، ثم تشكلّ جيش البوسنة والهرسك الذي أصبح في مدةٍ قصيرةٍ من الوقت قوة منظمة وقفت بجانب شعبها لحمايتهِ من جرائم المعتدين الصرب والمونتغمرين والجتنك المحليين.

وكان هدف المعتدين تصفية أراضي البوسنة والهرسك من العناصر غير الصربية لاسيما البوسنيون، لإيجاد منطقةٍ صربيةٍ مُطهرةٍ عرقياً. وبالطبع تلى هذا الهجوم ارتكاب سلسلة من الجرائم التي تعجز الكلمات عن وصف بشاعتها، إذ ذُبح الأطفال والنساء وكبار السن واُُغتصبت النساء وحُرقت القرى والمدارس والمعامل والجوامع والنُصب التذكارية القديمة ونُهبت. وتلاشى كل ما هو بوسني ومسلم في آتون النيران (أما موفج وبوسنجاك 1994: 17- 18، المقطع من ترجمتي).

وبغية فهم الأطراف المشاركة في الحرب وتحديدها، ينبغي لنا معرفة المصالح والغايات التي دفعتها للانخراط في العمليات القتالية لأهمية ذلك في فهم مسببات الحرب. أن تحديد الطرف المذنب في الحرب من شأنهِ تحويل الطابع اللاأخلاقي المفزع للتدمير إلى ظاهرةٍ منظمةٍ وبالتالي قابلة للفهم، وبكلمات أخرى، إلى واقعٍ مقبولٍ.

الوعي القومي الجديد: أسهم قبول النظام الاجتماعي الجديد وقواعد الحرب وأحكامها في مساعدة الراوي الرئيس في فهم مسببات الحرب وأهدافها – وبكلمات أخرى، تقبل حقيقة انقسام السكان على مجموعات وأقاليم قومية. وهذا، بدوره، ساعدهُ في اختيار الجانب الأنسب للتعبير عن تضامنهِ معهُ ومساندته لهُ، وهو الجانب المسلم:

س: تمكنت الدولة في ذلك الوقت من تعزيز مواقعها، وشُكلّ جيشٌ ونقلونا إلى أحد المواقع، وكانت هذه هي مواجهتنا الأولى مع جبهة حربٍ حقيقيةٍ. وصلنا إلى الموقع وشاهدنا بزات رسمية ملطخة بالدماء مرمية في أرجاء المكان. وكان الأشخاص الذين تلتقيهم يعيدون على مسامعك القصص ذاتها حول كيف قُتل البعض وكيف جرح الآخرون… عندها فقط ستفهم الوضع وستفهم ما يدور حولك. فجأةٍ، تجد نفسك في قلب الخطر… الخطر الذي يتهدد حياتك ذاتها. ولكنك لا تملك خياراً آخر. في واقع الأمر، لم يكن السبب الرئيس في قراري الانضمام إلى الجيش المشاعر القومية. وكما أخبرتك، كان من الصعب والخطير مغادرة البلدة، إذن، ما العمل. وهكذا، يغدو القرار الذي تتخذه، ببساطة، قراراً مفروضاً عليك، أنه  قرار الدفاع عن نفسك ولا شيء سواه.

وكلما مر الوقت، كان عدد الصرب الذين يغادرون يزداد. وفجأةً تجد أن شخصاً ما لم يأتِ منذ عدة أيام. وحينما ترسل الرجال لمعرفة ما حدث لهُ، يتضح أنهُ قد غادر البلدة. تعرف، هذه هي الحرب. تذهب معهم [أي الصرب] إلى خطوط القتال وتبدأ بسؤال نفسك ’مع من تقاتل؟‘ هل تشعر حقاً بالأمان؟ وهل أنت بمأمنٍ من زميلك في السلاح؟ ولذا، قررت الانضمام إلى وحدة مؤلفة غالباً من سكان فراتنك([ii])، البلدة التي ولدت فيها… وكان هناك بضعة أشخاصٍ تتباين درجة معرفتي بهم، وكان هناك صرب من محلات المدينة المسلمة. ومن المثير للاهتمام عدم حدوث حالات فرارٍ أو غدرٍ، ربما لأنهم يعرفون مع من يقاتلون، وربما لعدم شعورهم بالخطر أو التهديد، لأني أعتقد أن الذين فروا كانوا خائفين مني مثلما أنا خائف منهم. وأعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى كوننا لا نعرف بعضنا بعضا. ولكن [في الوحدة العسكرية الجديدة] كان الوضع مختلفاً …. فإذا كان معك أحد الصربيين، فأنت تعرف تمام المعرفة من هو.

وهكذا، أدرك الراوي الرئيس أنها الحرب، وأن على الجميع الدفاع عن أنفسهم جماعياً والانضمام إلى القوات المسلحة لتحقيق الغاية المرجوة والهدف المطلوب. وشرعت مبادئ الحرب وقواعدها في دخول نطاق التعليل المنطقي الشخصي، فأضحت الأفعال غير المقبولة سابقاً مقبولةً وضروريةً من قبيل حمل السلاح وإطلاق النار فضلاً عن الأطراف المشاركة في الحرب واختيار إحداها. وبقولٍ موجزٍ، يفعل الشخص ما يفعلهُ بسبب الحرب، ولذا، فهو غير مسؤول، شخصياً، عن النتائج.

وفي هذه المرحلة تحديداً، تتسع مجموعة الـ ’نحن‘، فبعد إدراكهم حقيقة اشتراكهم في حربٍ تشكل جزءاً من حياتهم وواقعهم اليومي، تعمق، مرةً أخرى، شعور الراوي بالأمان الجماعي الذي يجسد اعتقاد الأفراد بأهمية التضامن الوطني لدورهِ في ضمان سلامة الأفراد وبقائهم.

وكان بمقدور الراوي الرئيس التعرف على البزات الرسمية الملطخة بالدماء في خطوط القتال الأمامية وتحديدها بوصفها مصدر الخطر الحقيقي الذي يُهدد حياتهِ بما أنه- استناداً الى كونه جندياً وتصورهِ للحرب على وفق أسلوب ’الجندي‘- قد فقد ’فرديته‘، وأصبح يُعرف نفسهِ كونه قابلاً لأن يحل محل أي شخص آخر في المجموعة التي ترتدي البزات العسكرية ذاتها، ويقاتل لأجل الحكومة ذاتها ويمثل الشعب ذاتهِ ويدافع عن القضية الوطنية ذاتها. وكما لاحظت أن نورتن (1988: 146؛ مقتبس في جابري 1996: 139): “لم يكن الجيش يمثل كياناً جماعياً فحسب، بل أنهُ رسمياً يمثل الأمة والإرادة العامة الفاعلة. وتُعبر البزة الرسمية العسكرية، التي تسهم في طمس الانفرادية، بل وحتى إنكارها رسمياً، عن خاصية التمثيل هذهِ. وبالمثل، يُسهم استعمال العلم الوطني والرموز الأخرى في التأكيد على وحدة المجموعة ودورها بوصفها ممثلاً للأمة.

وبالإمكان إدراك الأهمية الجوهرية التي يحظى بها تضامنْ المجموعة عن طريق معرفتنا للخيارات التي أتخذها الراوي الرئيس، حينما تنقل بين الوحدات العسكرية ليشعر بالأمان في أوساط أشخاص مثلهِ، ’في أوساط أشخاصٍ يعرفهم‘، أي المسلمين والصرب الذين يعرفهم من مراتع طفولتهِ لا الصرب المجهولين الذين يخاف ان يغدروا بهِ في أي لحظةٍ. وعلى الرغم من التأثير المدمر لهذه الأهمية المتنامية لعضوية المجموعات الاخرى في العلاقات بين أفراد المجموعات القومية المختلفة، كشفت رواية الراوي الرئيس عن حضور العديد من الاختلافات (التناقضات) المسبقة في العقيدة القومية– أو منطق ’الجندي‘– لجهة اعتقاد الراوي أن جميع الأفراد المنتمين إلى القوميات الأخرى يشكلون خطراً على أمنهِ وسلامتهِ. ويلاحظ في هذا السياق أن التعليل المنطقي الذي يفسر السبب في الثقة التي يشعر بها نحو الصرب المحليين الذين يعرفهم شخصياً-بحكم إقامتهم في المنطقة التي كان يقيم فيها سابقاً- لا يبدو متوافقاً تماماً مع منطق ’الجندي‘.

إن ضرورة اتخاذ الخيارات الشخصية في الحرب والأساليب التي يعتمدها الشخص في شرعنة هذه الخيارات بوساطة الخطاب القومي يُعدّان أحد العوامل الرئيسة في محاولتنا فهم الكيّفية التي يرتبط بها الشخصي مع الجماعي ويتداخل معهُ، والجماعي في هذه الحالة هو القومي. وتكتسب الخيارات الشخصية (وعادةً ما أثبتت ذلك على أرض الواقع) أهميةً وجوديةً كبيرةً لجهة تمثيلها خياراً بين الحياة والموت. وتتميز عملية شرعنة القرارات الفردية بوساطة الإيديولوجية الجماعية عادةً بكونها مشحونة أخلاقياً، وهذا يؤدي إلى إضفاء خصائص النزاهة والاستقامة على هذه الخيارات. وبهذه الطريقة، يصبح الأفراد معتمدين على المصادقة الجماعية على خياراتهم. وبدورهِ، يعتمد العامل الجماعي على ولاء الأفراد الذين يتخذون القرار الصحيح والمستقيم.

ومثلما تبيّن الحرب الحديثة، تعتمد مصالح الدولة حالياً على مشاركة المواطنين العاديين على نحوٍ اكبر مما كان في السابق. ولذا، ينبغي أن تأخذ خطط الاستراتيجيين بعين الحسبان درجة التضحية التي يمكن فرضها على المواطنين. ولذا، تتصدر قضايا ’الأمة‘ ومشاعر المواطن نحو كل ما يعدّهُ ’وطنه‘، ’وقوميته‘، أو أي من مراكز الولاء الأخرى قائمة الأولويات في الأجندات السياسية. (هوبسبوم 1990: 83) .

وبالنسبة للراوي الرئيس، يتمثل التماهي الصحيح والمستقيم في التماهي مع المسلمين، ودعم القضية المسلمة والحكومة في سراييفو نظراً لخلفيته العائلة المسلمة وخضوع المنطقة التي كان يعيش فيها لسيطرة الغالبية المسلمة.

لغة الحرب الاصطلاحية: أسهمت لغة الحرب الاصطلاحية في تسهيل عملية تماهي الأفراد مع القضية القومية. ففي حديثه عن الحرب، كان الراوي الرئيس يُشير إلى خطوط القتال الأمامية بوصفها ’خطوط انفصال‘؛ وهذا يضفي على عملية انفصال الأمم البوسنية الثلاث طابعاً مادياً عيانياً يتخذ شكل الأقاليم المنفصلة حيث يعني إقليمنا ’نحن‘ الحياة والحرية، في حين يمثل إقليمهم ’هم‘ الانحطاط الأخلاقي ومصدراً للموت والدمار.

ومع استمراره في سرد قصته، استعمل الراوي مصطلحاً مألوفاً آخر في الحرب للحديث عن خط القتال الأمامي، هو ’خط المسؤولية‘، ويعني هذا المصطلح شعور أفراد الوحدة العسكرية بالمسؤولية عن حماية جزء من خط القتال الذي يحيط بالمدينة.

وأسهم استعمال كلمة ’المسؤولية‘ في تحديد ما يقوم بهِ الجنود في خطوط القتال من قبيل حمل الأسلحة وإطلاق النار في تحويل الطبيعة المجردة والجماعية لمهام الجنود إلى فعل أخلاقي مفرد. إذ كان من السهل على الرجل البالغ في سراييفو أن يربط ما بين مسؤوليته عن حماية خطوط القتال ومسؤوليته عن حماية عائلته. ومثلما قال الراوي، كان ينبغي لهُ الانضمام إلى جيش البوسنة والهرسك لحماية حياتهِ ورخاء عائلتهِ. وبهذه الطريقة، تحولت مهمة حماية الأمة التي يأخذها المرء على عاتقه إلى شعورٍ بالمسؤولية قابل للفهم فردياً عن حماية العائلة. وهكذا، تغدو الأدوار الاجتماعية التي يؤديها الجندي ورب العائلة متداخلة بعضها ببعض([iii]).

الخوف الكامن في قلب عملية الشرعنة بوساطة الخطاب القومي: خلافاً للموقف الشائع على نطاقٍ واسعٍ والقائل أن خبرة العنف والخسائر الشخصية تبعث في الناس الشعور القومي([iv])، أظهرت الحرب التي اندلعت في يوغسلافيا السابقة أن الشعور بالخوف وخطر التعرض للعنف والخسائر ([v]) هو الذي يجعل الناس يميلون نحو تبني أسلوب الحماية الجماعية – بمعنى ميلهم نحو العثور على مجموعة تتعهد بحمايتهم، وهذه المجموعة في حالتهم ستكون المجموعة القومية حتماً.

    وطبقاً لخبرتي الشخصية، يتألف القوميون الأكثر تشدداً من أولئك الذين يكونون بأمس الحاجة لشرعنة خياراتهم وأفعالهم – كما في حالة الأشخاص الذين يتهربون من الخدمة العسكرية أو الذين يكتسبون السلطة الاقتصادية و / أو السياسة في مقابل خسارة غالبية السكان لها. ويلاحظ ان غالبية السكان الذين تكبدوا خسارات فعلية في الحرب لا تستعمل الخطابات (القومية) الرسمية لشرعنة خياراتهم([vi]). وفي واقع الأمر، لا يملك هؤلاء، من الناحية العملية، الكثير مما يحتاجون إلى شرعنتهِ، فتضحياتهم واضحةٌ للعيان. وعلى غرار ذلك، يلاحظ أن الرجال الذين أدوا الخدمة العسكرية في جبهات القتال هم الذين يحوزون الشجاعة والرأسمال الأخلاقي الذي يمكنهم من مساءلة طبيعة القضية القومية ومدى شرعيتها ونزاهتها. وبهذا الصدد، لاحظ جابري التداخل الوثيق بين القومية والحرب بالنظر إلى الدور الذي تضطلع بهِ القومية في شرعنة الحرب والخيارات التي تتُخذ فيها، في حين تمثل ’الحرب عنصراً تكوينياً أساسياً في الهوية الجماعية‘ (1996: 139- 140).

ويلاحظ كذلك توقف السكان في سراييفو عن اتخاذ الخيارات الشخصية بدافع الخوف حالما أصبحوا معتادين على هذا الشعور . وحينما تغدو الحرب أسلوب حياةٍ، تُغير فكرة الخوف طبيعتها، فيغدو هذا الشعور جانباً من جوانب الحياة المتعددة وضرورةً ينبغي التعايش معها. وشهدت المراحل اللاحقة للحرب تطوراً أخر تمثل في أن الخيارات لم تعدّ، أو نادراً ما كانت، بحاجة إلى شرعنة، وهو ما يميز أسلوب ’الفارين من الخدمة العسكرية‘ في تصور الحرب. مثال على ذلك، سرد الراوي بضع قصصٍ نموذجية عن الجيران والأصدقاء الذين غادروا، وهذه القصص جميعها تبرر خياراته الشخصية في مطلع الحرب. ولهذا، ليس بمستغرب انتقاده لهم لمغادرتهم المدينة دون أن يخبروا أحداً، وقوله ان الصور المفزعة عن حياة الناس في معسكرات اللاجئين هي التي دفعته إلى اتخاذ قرار البقاء في المدينة. وفي السياق ذاته، أسهمت صورة الجار المفزوع الذي غادر المدينة في جعل الشخص الذي قرر البقاء رجلاً شجاعاً. وحتى لو كان الراوي الرئيس يعتقد أنهُ كان من الأفضل مغادرة المدينة، فأنهُ ما زال بحاجة إلى شرعنة ’غبائهِ‘ في ما يتصل بقرار بقائهِ من خلال عرض أفكاره وتصوراته حول إدراكه الحاجة إلى الدفاع عن البلاد. ومن جانبٍ آخر، فأن خياره الأخير الخروج من المدينة لم يكن بحاجة إلى تفسير. فحينما نفذ قرارهُ هذا، تحولت الحرب سلفاً إلى أسلوب حياة، وأي خيار يتخذه المرء يضمن جعل حياتهِ أفضل كان خياراً طبيعياً وأخلاقياً.

الأسلوب الذي يعتمدهُ ’الفارون من الخدمة العسكرية‘ في تصور الحرب: يتميز أسلوب ’الفارين من الخدمة العسكرية‘ بإدراكهم تمثيل أعمال العنف جزءاً من الحياة. إذ ينبغي لكل فار من الخدمة التكيّف مع التغيرات التي تشهدها حياته/ حياتها؛ وهذا يعني ضرورة تعاطيه مع وسائل بقائهِ وعلاقاته الاجتماعية والمخاطر التي تهدد وجوده والتغيرات الدينية والسياسية بأسلوبٍ حصيفٍ. أخلاقياً وشخصياً، يشعر الفارون من الخدمة أنهم مسؤولون عن أفعالهم وقراراتهم التي يتخذونها في الحرب والسلام على حدٍ سواء. وفي مقالة سابقة لي، وصفت السيرورة الاجتماعية والثقافية التي سادت في سراييفو في الأعوام من 1992 إلى 1995 وتحدثت عنها بوصفها ’تفاوضاً على الوضع الطبيعي‘ (ماجك 1997). إنها سيرورة وجدَ فيها جميع الأفراد أنفسهم منخرطين في محاولةٍ دائمةٍ لفهم طبيعة وضعهم غير المستقر والمشحون بهذهِ الأحداث العنيفة. وفي نمط التفكير هذا، تغدو الاختلافات والحدود الفاصلة بين الحرب والسلام متداخلة ويزداد الشبه بينهما بمرور الوقت.

…. يتبع
الهوامش

([i]) يُعدَّ التوازي الذي تحدثت عنهُ سكاري في تحليلها للحرب بوصفها سباقاً لإلحاق الأذى (1989: 56 وما يليها) من الجوانب اللافتة للانتباه. إذ تحدثت سكاري عن تبادل مقلوب بين سلطة الذين يلحقون الأذى (من يحوز على أدوات تمكنه من إلحاق ألأذى) والألم الذي يشعر به المصاب بهذا الأذى. وبتطبيق هذه المقولة على ظروف الحرب في البوسنة والهرسك، بالإمكان القول أنهُ كلما ازدادت معاناة السكان، اكتسبت النخب السياسية – العسكرية التي تسيطر على المجندين والأسلحة سلطات أوسع. أو ربما يمكن قول ذلك بطريقةٍ أخرى، كلما حظيّت النخب السياسية – العسكرية بسلطات أكبر (على نحوٍ رئيسٍ عن طريق الاعتراف الدبلوماسي الدولي بها)، ازدادت معاناة السكان. وبناءً على ذلك، ثمة من يعتقد باحتمالات التخفيف من معاناة السكان المدنيين (غير المسلحين) في حال قرر المجتمع الدولي مقاطعة من يحوز على الأدوات اللازمة لإلحاق الأذى، وبالتالي تقليص قدراتهم وسلطاتهم، أو، لو تمكنت جهة ما من إيقاف عمليات إلحاق الأذى بالسكان العُزل، لزادت فرص تقليص سلطات الجهات التي تحوز على الأسلحة والأدوات اللازمة لإلحاقه.

([ii]) فراتنك هي أحد مناطق المدينة القديمة، وبالنظر إلى تشكيل المسلمين الغالبية العظمى من سكانها، تتميز هذه المنطقة بطابعها الإسلامي.

([iii]) تم التوصل إلى نتيجة مماثلة في الحرب العالمية الثانية في حالة الحركة الثورية الكرواتية او ما يُعرف بـ (اوستاش) في كرواتيا الذين كانوا يرفعون الشعار العسكري ’إلى الديار – استعدوا!‘. واوستاش هي حركة ثورية وإرهابية كرواتية قتلت الآلاف من اليوغسلافيين في الحرب العالمية الثانية لا سيما الصرب. وتؤلف ايديولوجيتها مزيجاً من النازية والقومية الكرواتية. وتؤيد الحركة إنشاء كرواتيا العظمى وتؤكد الحاجة الى إقامة الدولة الكرواتية النقية عرقياً.

([iv]) أجدني أفكر هنا في جميع التقارير، لاسيما في سنوات الحرب الأولى، التي تروج للفكرة القائلة أن سبب اندلاع الحرب في البوسنة والهرسك هو الحاجة أو الرغبة بالانتقام للفظائع التي اُرتكبت في الحرب العالمية الثانية وقبلها، والأسوأ من ذلك، طرح هذه التقارير والكتابات لفكرة أن إراقة الدماء يُعدَّ في صلب التكوين الطبيعي لسكان منطقة البلقان، وهذا ما أشارت إليه، على سبيل المثال، كينان: ’تُعدّ القومية العدوانية التي تستند إلى خصائص شخصية عميقة يتوارثها السكان، على ما يُعتقد، من ماضيهم القبائلي البعيد، وما زالت لحد الآن، العامل المحفز الأقوى الذي أسهم في اندلاع الحروب البلقانية‘(حرب 1913). ويبدو أن الشيوع المفرط لهذه الخصائص في أوساط الشعوب البلقانية، والخصائص الأخرى التي قد تُذكر في هذا السياق هو العامل الأهم والأبرز لجهة دورهِ في بروز هذا الوضع الخطر والمقلق السائد في هذا الجزء من العالم حالياً‘ (كينان 1993: 6) .

([v]) للمزيد حول الشعور بالخوف، يُنظر غرين 1994 وتوسغ (1992: 2) .  

(16) على الرغم من وجود بعض الأشخاص الذين استعملوا الخطاب القومي لتفسير خسارتهم. ويحدث ذلك حينما تتمكن القومية من الإفادة من مواقف الحزن والبكاء على فقدان الأحبة وانهماك الناس في عملية بحثٍ يائسةٍ عن أي تفسير يبين لهم أسباب مآسيهم الشخصية.

  (17) ينظر: كذلك برينغا (1995: 16) ولاغومدزيجا (1995: 11). وهذا ما أسهم في تجريد مدونة ’آن فرانك السراييفوية‘ التي كتبتها زلاتا فلبوفج من مصداقيتها. ففي تاريخ السادس من نيسان عام 1992، كتبت آن ’الحرب هنا!‘ (فلبوفج 1993)، وهو أمرٌ لم يكن قد حُسم أو أُعلن عنهُ بعد في اللحظة التي كان يفترض بآن الكتابة عن الحرب. وعلى الرغم من افتقارها المصداقية بوصفها مدونةً، تمثل كتابات آن تجسيداً مناسباً للأحداث وبعض المواقف العامة في سراييفو في أثناء الحرب.

(18) ينظر: ريف (1995: 17) وجابري (1996: 98- 99) .

(19) على سبيل المثال بات باركر (الأحياء)، وروماركيه (الهدوء يخيم على الجبهة الغربية)، وارنست همنغوي (وداعاً للسلاح)، وهلر(القاعدة  22)، ونورمان ميلر (العاري والميت)، وسالنجر (إلى آسمي مع الحب والقذارة). ويلاحظ هيمنة الأفلام ما بعد الفيتنامية على المشهد السينمائي، وتُعدّ أفلام القيامة الآن، وبلاتون، وفورست غامب، ومولود في الرابع من تموز، والأفلام ما بعد الكمبودية أمثال الحقول القاتلة من أبرز الأمثلة على ذلك.

(20) فوغوسجا هي بلدة سراييفوية تقع على مسافة قريبة خارج المدينة، وخضعت لسيطرة الصرب البوسنيين في أثناء الحرب وأعُيد استدماجها في آذار عام 1996 .

الـمحـرر -

الدكتور مبروك بوطقوقة أستاذ الأنثروبولوجيا بالجامعة الجزائرية، مؤسس ورئيس الجمعية الجزائرية للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والشعبية، مؤسس ومدير موقع أرنتروبوس، ورئيس تحرير المجلة العربية للدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة، وعضو مؤسس في مركز فاعلون للبحث في الأنثروبولوجيا ونائب مشرفه العام مكلف بالنشر والإعلام وكاتب بجريدة السفير العربي.

تستطيع متابعة أي رد على هذا الموضوع من خلال تتبع ت غذيةر.س.س RSS 2.0 . Both comments and pings are currently closed.

التعليقات مغلقة